الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
روى البخاري عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: " أنا أوّل من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة، وقال قيس بن عباد: وفيهم أنزلت {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} [الحج: 19](1).
قال: هم الذين بارزوا يوم بدر: حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث، وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة " (2).
فرضي الله عن جميع الصحابة وأرضاهم، فإنهم كانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم، قال الله عز وجل:{مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 23](3).
3 -
موقف علي رضي الله عنه في يوم الأحزاب
(يوم الخندق):
في سنة خمس من الهجرة كانت غزوة الخندق في شهر شوال.
وكان سبب هذه الغزوة أن جماعة من اليهود خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، فتعاهدوا على حرب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم خرج هؤلاء الجماعة من اليهود حتى جاءوا قبائل غطفان فدعوهم لذلك فأجابوهم ثم طافوا في قبائل العرب فاستجاب لهم من استجاب، ونقضت بنو قريظة العهد امتثالًا لأمر حي بن أخطب عندما حرض كعب بن أسد القرظي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم وبما أجمعوا عليه من الأمر
(1) سورة الحج، الآية 19. وانظر: البخاري مع الفتح 7/ 96.
(2)
البخاري مع الفتح، في كتاب المغازي، باب قتل أبي جهل 7/ 296، 297، وفي كتاب التفسير، باب هذان خصمان اختصموا في ربهم 9/ 443، وانظر أيضًا: البداية والنهاية 3/ 273، وأعلام المسلمين لخالد البيطار ص 62.
(3)
سورة الأحزاب، الآية 23.
ضرب الخندق على المدينة بمشورة سلمان الفارسي فحفروا الخندق بينهم وبين العدو، وجعلوا جبل سلع من خلف ظهورهم، وقد صار المحاربون لرسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة أصناف هم: المشركون من أهل مكة، والمشركون من قبائل العرب، واليهود من خارج المدينة، وبنو قريظة، والمنافقون، وكان من وافى الخندق من الكفار عشرة آلاف، والمسلمون مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة آلاف، وقد حاصروا النبي صلى الله عليه وسلم شهرًا، ولم يكن بينهم قتال، لأجل ما حال الله به من الخندق بينهم وبين المسلمين، إلا أن فوارس من قريش، منهم عمرو بن عبد وُدٍّ العامري أقبلوا فجالت بهم خيولهم، فنظروا إلى مكان ضيق من الخندق فاقتحموه، ثم جالت بهم خيولهم في السبخة بين الخندق وسلع، ودعوا إلى البراز (1).
وهذا هو موضع الشاهد لموقف علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
قال عمرو بن عبد ودّ في هذا الموقف: من يُبارز؟ فقام علي بن أبي طالب، فقال: أنا لها يا رسول الله! فقال: " إنه عمرو، اجلس "، ثم نادى عمرو: ألا رجل يبرز؟ فجعل يؤنّبهم، ويقول: أين جنتكم التي تزعمون أنه من قتل منكم دخلها؟ أفلا تبرزون إلي رجلًا؟ فقام علي، فقال: أنا يا رسول الله! فقال: " اجلس " ثم نادى الثالثة. . . فقام علي رضي الله عنه، فقال: يا رسول الله أنا، فقال:" إنه عمرو "، فقال: وإن كان عمرًا! فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمشى إليه علي حتى أتى إليه، فقال له عمرو: من أنت؟ قال: أنا علي. قال: ابن عبد مناف؟ قال: أنا علي بن أبي طالب، وقال علي: يا عمرو، إنك قد كنت عاهدت الله ألا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتها منه، قال له: أجل، قال علي: فإني أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإِسلام، قال: لا حاجة لي
(1) انظر: زاد المعاد 3/ 269 - 276، وسيرة ابن هشام 3/ 229 - 252، والبداية والنهاية 4/ 92 - 116.
بذلك، قال: فإني أدعوك إلى النّزال، فقال له: لم يا ابن أخي؟ فوالله ما أحبّ أن أقتلك. قال له علي: ولكني والله أحب أن أقتلك، فغضب عمرو عند ذلك فاقتحم عن فرسه فعقره وضرب وجهه، ثم أقبل على علي وسل سيفه كأنه شعلة نار، فاستقبله علي بالترس، فشق السيف الترس، فضربه علي على حبل عاتقه، فسقط وثار الغبار، وسمع المسلمون التكبير، فعرفوا أن عليًّا قتله.
وقال علي رضي الله عنه:
نصر الحجارة من سفاهة رأيه
…
ونصرت رب محمد بصوابي
فصدرت حين تركته متجدلًا
…
كالجذع بين دكادك وروابي
وبعد هذه المبارزة انهزم الباقون، وخرجت خيولهم حتى اقتحمت الخندق (1).
وهكذا ظهرت الشجاعة العظيمة الحكيمة، ومن عظم هذه الحكمة أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه دعا عمرًا إلى الله فأبى ذلك، فدعاه إلى النزال فنزل، فقتله رضي الله عنه، فكان ذلك من أسباب نصر المسلمين بإذن الله تعالى (2).
فظهرت حكمة علي رضي الله عنه في هذا الموقف من عدّة وجوه، منها:
(أ) استئذانه النبي صلى الله عليه وسلم في المبارزة.
(ب) تذكيره لعمرو بن عبد ودّ ما عاهد عليه الله من قبول ما يعرض عليه من الخصال من قريش.
(1) انظر: البداية والنهاية 4/ 106، وسيرة ابن هشام 3/ 240، وزاد المعاد 3/ 272، وانظر أيضًا شجاعة علي رضي الله عنه في حياة الصحابة للعلامة الكاندهلوي 1/ 541 - 546.
(2)
انظر: غزوة الخندق كاملة في زاد المعاد 3/ 269 - 276، وسيرة ابن هشام 3/ 229 - 252، والبداية والنهاية 4/ 92 - 116.