المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(فصل) في النجاسات وكيفية تطهيرها - الدلائل والإشارات على أخصر المختصرات - جـ ١

[عبد العزيز العيدان]

فهرس الكتاب

- ‌(كِتَابُ الطَّهَارَةِ)

- ‌(فَصْلٌ) في أحكام الآنية

- ‌(فَصْلٌ) في آداب دخول الخلاء وأحكام الاستنجاء

- ‌فصل في أحكام الاستنجاء

- ‌(فَصْلٌ) في السواك وما ألحق به من الادهان وسنن الفطرة

- ‌(فَصْلٌ) في فروض الوضوء

- ‌(فَصْلٌ) في المسح على الخفين وغيرهما من الحوائل

- ‌(فَصْلٌ) في نواقض الوضوء

- ‌(فَصْلٌ) في الغسل

- ‌(فَصْلٌ) في التيمم

- ‌(فَصْلٌ) في النجاسات وكيفية تطهيرها

- ‌(فَصْلٌ فِي الحَيْضِ) والاستحاضة، والنفاس

- ‌فصل في أحكام النفاس

- ‌(كِتَابُ الصَّلَاةِ)

- ‌(فَصْلٌ)في الأذان والإقامة

- ‌(فَصْلٌ)في شروط صحة الصلاة

- ‌فصل في مكروهات الصلاة

- ‌(فَصْلٌ) في أركان الصلاة وواجباتها وسننها

- ‌(فَصْلٌ)في أحكام سجود السهو

- ‌(فَصْلٌ)في صلاة التطوع

- ‌فصلفي سجود التلاوة والشكر

- ‌فصلفي أوقات النهي

- ‌(فَصْلٌ)في صلاة الجماعة

- ‌(فَصْلٌ)في الأولى بالإمامة، ومن لا تصح إمامته

- ‌فصلٌفي موقف الإمام والمأمومين

- ‌فصلٌفي أحكام الاقتداء

- ‌فصلٌفي الأعذار المسقطة للجمعة والجماعة

- ‌(فَصْلٌ) في صلاة أهل الأعذار

- ‌(فَصْلٌ)في قصر الصلاة

- ‌فصل في الجمع

- ‌فصل في صلاة الخوف

- ‌(فَصْلٌ) في صلاة الجمعة

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌(فَصْلٌ) في صلاة العيدين

- ‌(فَصْلٌ)في صلاة الكسوف

- ‌فصلفي صلاة الاستسقاء

- ‌(كِتَابُ الجَنَائِزِ)

- ‌(فَصْلٌ)في غُسْلِ الميت

- ‌فصلفي الكفن

- ‌(فَصْلٌ)في الصلاة على الميت

- ‌فصل في حمل الميت ودفنه

- ‌فصلفي زيارة القبور، وأحكام المصاب والتعزية

- ‌(كِتَابُ الزَّكَاةِ)

- ‌فصلفي زكاة بهيمة الأنعام

- ‌فصلفي زكاة البقر

- ‌فصلفي زكاة الغنم، وتشمل المعز والضأن

- ‌(فَصْلٌ)في زكاة الخارج من الأرض

- ‌(فَصْلٌ)في زكاة الذهب والفضة وحكم التحلي بهما

- ‌فصلفي أحكام التحلي

- ‌(فَصْلٌ) في زكاة الفِطْر

- ‌(فَصْلٌ) في إخراج الزكاة، وما يتعلق به

- ‌فصل في أهل الزكاة

- ‌فصل في موانع الزكاة

- ‌(كِتَابُ الصِّيَامِ)

- ‌(فَصْلٌ)في المفطرات

- ‌فصل في الجماع في نهار رمضان

- ‌فصلفي ما يكره وما يستحب في الصوم، وأحكام القضاء

- ‌(فَصْلٌ)في صوم التطوع وما يُكره منه

- ‌(فَصْلٌ) في الاعتكاف

الفصل: ‌(فصل) في النجاسات وكيفية تطهيرها

وُضُوءٍ، فَلَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم شَكَوْا ذَلِكَ إِلَيْهِ، فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ" [البخاري 334، ومسلم 367]، ولأنه أتى بما أُمر به، فخرج من العهدة.

- فرع: (وَيَقْتَصِرُ) مَن تعذر عليه استعمال الماء والتراب إذا صلَّى (عَلَى) القدر الـ (مُجْزِئِ)، فلا يقرأ زائداً على الفاتحة، ولا يسبح أكثر من مرة، ولا يزيد على ما يجزئ في طمأنينة ركوع وسجود ونحو ذلك، ولا يتنفل؛ لأنه إنما أبيح له الفرض لحاجته إليه؛ لأنها صلاة ضرورة، فتقيدت بالواجب، إذ لا ضرورة للزائد، (وَلَا يَقْرَأُ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ إِنْ كَانَ جُنُباً) ونحوَه، كحائض ونفساء؛ لما تقدم في الغسل.

واختار شيخ الإسلام: أن له فعل ما شاء؛ لأن التحريم إنما ثبت مع إمكان الطهارة، ولا تحريم مع العجز.

(فَصْلٌ) في النجاسات وكيفية تطهيرها

لما أنهى الكلام على طهارة الحدث، بدأ بطهارة النجس، لأن الطهارة الحسية، إما عن حدث، وإما عن نجس.

والنجاسة لغة: المستقذر. واصطلاحاً: عين حرم تناولها مع إمكانه، لا لحرمتها، ولا لاستقذارها، ولا لضرر بها في بدن أو عقل.

ص: 117

- مسألة: النجاسة تنقسم إلى قسمين:

1 -

نجاسة عينية: هي ما كان ذاتها نجساً.

2 -

نجاسة حكمية: هي النجاسة التي طرأت على موضع طاهر.

- مسألة: تطهير النجاسات على قسمين:

القسم الأول: أن تكون النجاسة على الأرض ونحوها: فـ (تَطْهُرُ أَرْضٌ) متنجسة، (وَأَجْرِنَةُ حَمَّامٍ) جمع جرن، بالضم: وهو حجر منقور يتوضأ منه، (وَنَحْوُهَا) مما اتصل بها من الحيطان والأحواض والصخور؛ (بِإِزَالَةِ عَيْنِ النَّجَاسَةِ)، وذلك بمكاثرتها بالماء حتى لا يبقى للنجاسة عين، من غير اعتبار عدد، (وَ) حتى يزول (أَثَرُهَا) وهو طعمها ولونها وريحها، وإنما اكْتُفي بالمرة؛ لحديث أنس رضي الله عنه: أن أعرابيًّا بال في المسجد، فقاموا إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«لَا تُزْرِمُوهُ» ، ثم دعا بدلو من ماء فصب عليه. [البخاري: 6025، ومسلم: 284]، وليس فيه ذكرُ عدد معين، ودفعاً للحرج والمشقة.

- فرع: يشترط في إزالة النجاسة الحكمية: أن تكون الإزالة (بِالمَاءِ)، فلا تطهر أرض متنجسة بغير الماء من المائعات، ولا بالشمس ولا بالريح ولا بالجفاف؛ لحديث أنس رضي الله عنه في بول الأعرابي السابق، وفيه:«ثُمَّ دَعَا بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ» ، فوجب التقيد به.

ص: 118

واختار شيخ الإسلام: أن النجاسة تزول بأي مزيل، ولا يشترط الماء؛ لسائر أدلة الاستجمار، ولأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.

وأما حديث الأعرابي: فلأن الماء أسرع في التطهير من غيره، لا أن غيره لا يُطهِّر.

(وَ) القسم الثاني: أن تكون النجاسة على غير الأرض؛ كالثياب والفرش والأواني والبدن وغيرها، فهذه تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

الأول: نجاسة مخففة، وهي ثلاثة أمور:

1 -

(بَوْلُ غُلَامٍ) لا غائطه، ولا بول جارية وغائطها، فإنها من النجاسة المتوسطة، إذا كان الغلام (لَمْ يَأْكُلْ طَعَاماً بِشَهْوَةٍ)؛ لحديث أم قَيسٍ بنتِ مِحْصَنٍ رضي الله عنها:«أنها أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فِي حَجْرِهِ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ، فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ» [البخاري: 223، ومسلم: 287]، وقولها:«لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ» أي: بشهوة واختيار، لا عدم أكله بالكلية؛ لأنه يسقى الأدويةَ والسُّكَّرَ حين الولادة، والتفريق بين الغلام والجارية؛ لحديث أبي السَّمْح رضي الله عنه مرفوعاً:«يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الجَارِيَةِ، وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الغُلَامِ» [أبوداود: 376، والنسائي: 304، وابن ماجه: 526].

فإن كان الغلام يأكل الطعام بشهوة، بحيث يتتبع الطعام ويشتهيه، فإن بوله من النجاسة المتوسطة.

ص: 119

2 -

(وَقَيْئُهُ) أي: قيء الغلام الذي لم يأكل الطعام لشهوة؛ لأنه أخف من بوله، فيكفي نضحه بطريق الأولى.

3 -

الَمذْي على رواية في المذهب اختارها شيخ الإسلام؛ لما روى سهل بن حُنيفٍ رضي الله عنه قال: كنت ألقى من الَمذْيِ شدةً، وكنت أُكثِرُ من الاغتسال، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال:«إِنَّمَا يَجْزِيكَ مِنْ ذَلِكَ الوُضُوءُ» ، قلت: يا رسول الله، فكيف بما يصيب ثوبي منه؟ قال:«يَكْفِيكَ بِأَنْ تَأْخُذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ، فَتَنْضَحَ بِهَا مِنْ ثَوْبِكَ حَيْثُ تَرَى أَنَّهُ أَصَابَهُ» [أحمد: 15973، وأبو داود: 210، والترمذي: 115، وابن ماجه: 506].

والمذهب: أن المذي نجاسته نجاسة متوسطة؛ لحديث علي رضي الله عنه قال: كنت رجلاً مَذَّاءً وكنت أستَحْيي أن أسأل النبي صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته، فأمرتُ الِمقْدَادَ بنَ الأسود فسأله فقال:«تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ» [البخاري: 269، ومسلم: 303]، ولأنه نجاسة، فوجب غسلها كسائر النجاسات.

وتطهير هذا القسم - أي: النجاسة المخففة -: (بِغَمْرِهِ بِهِ) أي: بالماء دون غسل؛ لما تقدم من الأدلة.

الثاني: نجاسة متوسطة: (وَ) هي (غَيْرُهُمَا) أي: غير النجاسة المخففة والمغلظة، وذلك كسائر النجاسات من البول والغائط والدم ونحوها، فتطهيرها يكون (بِسَبْعِ غَسَلَاتٍ)؛ لقول ابن عمر رضي الله عنهما: «أُمِرْنَا بِغَسْلِ الْأَنْجَاسِ

ص: 120

سَبْعًا» [ذكره في المغني، ولم نجد من خرجه].

وعنه، واختارها ابن قدامة وشيخ الإسلام: لا يشترط العدد، ويكفي المكاثرة بالماء؛ لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، ولأنه لم يرد تقييد الغسل بعدد، والحديث المذكور لا أصل له بهذا اللفظ.

الثالث: نجاسة مغلظة: ويكون تطهيرها بسبع غسلات (أَحَدُهَا) -والأُولى أَوْلى؛ للحديث الآتي- (بِتُرَابٍ وَنَحْوِه)؛ كأُشنانٍ وصابونٍ وغيرهما؛ لأنها أبلغ من التراب في الإزالة، وذلك (فِي):

1 -

(نَجَاسَةِ كَلْبٍ) بجميع أجزائه وفضلاته.

2 -

(وَ) نجاسة (خِنْزِيرٍ) بجميع أجزائه وفضلاته.

3 -

وما تولد منهما أو من أحدهما.

فيجب ذلك في هذه الثلاث (فَقَطْ) دون غيرهما من النجاسات، بشرط أن يكون تطهير النجاسة (مَعَ زَوَالِهَا) أي: زوال عينها؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: «طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» [مسلم: 279]، والخنزير شرٌّ منه؛ لنص الشارع على تحريمه وحرمة اقتنائه، فثبت الحكم فيه بطريق التنبيه، وإنما لم ينص الشارع عليه؛ لأنهم لم يكونوا يعتادونه.

وعند الحنفية، واختاره ابن عثيمين: أن نجاسة الخنزير ليست نجاسة

ص: 121

مغلظة، بل نجاسة متوسطة؛ اقتصاراً على مورد النص، ولأن الخنزير مذكور في القرآن، وموجود في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يَرِدْ إلحاقه بالكلب.

- فرع: اختار شيخ الإسلام: طهارة شعر الكلب والخنزير؛ لأن الأصل الطهارة، ولأن الشعر لا دم فيه، وعلة النجاسة الدم.

- فرع: (وَلَا يَضُرُّ بَقَاءُ لَوْنِ) النجاسة (أَوْ رِيحِ) النجاسة (أَوْ هُمَا) أي: اللون والريح معاً، (عَجْزاً) أي: عند عدم القدرة على إزالته؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن خولة بنت يسار رضي الله عنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إنه ليس لي إلا ثوب واحد، وأنا أحيض فيه، فكيف أصنع؟ قال:«إِذَا طَهُرْتِ فَاغْسِلِيهِ، ثُمَّ صَلِّي فِيهِ» ، فقالت: فإن لم يخرج الدم؟ قال: «يَكْفِيكِ غَسْلُ الدَّمِ، وَلَا يَضُرُّكِ أَثَرُه» [أحمد: 8767، وأبو داود: 365].

وعلم من كلامه: أنه يضر كلٌّ من:

1 -

بقاء اللون أو الريح أو هما معاً عند القدرة على إزالتهما؛ لبقاء عين النجاسة إذن.

2 -

بقاء طعم النجاسة مطلقاً؛ لدلالته على بقاء العين، ولسهولة إزالته.

- ضابط: لا تطهر النجاسة العينية بالاستحالة إلا الخمرة، فعلى هذا: رماد النجاسة وغبارها وبخارها نجس؛ لقول ابن عمر رضي الله عنهما: «نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَنْ أَكْلِ الجَلَّالَةِ وَأَلْبَانِهَا» [أبو داود: 3785، والترمذي: 1824]،

ص: 122

لأنها تأكل النجاسة، ولو طهرت بالاستحالة لم ينه عنه.

ويستثنى أمران:

1 -

الخمرة، وتأتي.

2 -

العَلَقة التي خُلق منها الآدمي أو الحيوان الطاهر؛ لأن نجاستها بصيرورتها عَلَقةً، فإذا زال ذلك عادت إلى أصلها؛ كالماء الكثير المتغير بالنجاسة.

وعنه، واختاره شيخ الإسلام: تطهر النجاسة بالاستحالة؛ قياساً على الخمرة إذا انقلبت بنفسها خلًّا، ولأن النجاسة استحالت إلى عين أخرى لم يتناولها النص لا لفظاً ولا معنًى.

- فرع: طهارة الخمرة بالاستحالة على قسمين:

القسم الأول: لا تطهر الخمرة بالاستحالة، وذلك في حالتين:

1 -

إذا خللها آدمي قصداً.

2 -

أذا نقلها بقصد التخليل.

لحديث أنس رضي الله عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عَنِ الخَمْرِ تُتَّخَذُ خَلًّا، فَقَالَ:«لَا» [مسلم: 1983]، فدل على أن الخمرة لا تطهر إذا خُلِّلت، وثبت ذلك عن جماعة من الصحابة، قال ابن القيم:(ولا يعلم لهم في الصحابة مخالف)، ولقاعدة:(من استعجل بشيء قبل أوانه، عوقب بحرمانه).

ص: 123

(وَ) القسم الثاني: (تَطْهُرُ) الـ (خَمْرَةُ) بالاستحالة، وذلك في حالتين أيضاً:

1 -

إذا (انْقَلَبَتْ) الخمرة (بِنَفْسِهَا خَلّاً): فتطهر بالإجماع؛ لأن نجاستها لشدتها المسكرة، وقد زالت، كالماء الكثير إذا زال تغيره بنفسه.

2 -

إذا نُقلت لغير قصد التطهير فتخللت: فتطهر؛ لعدم وجود الفعل المحرم ممن نقلها.

(وَكَذَا دَنُّهَا) أي: وعاؤها، فيطهر بطهارتها.

- مسألة: (لَا) يمكن تطهير (دُهْنٍ) مائع تنجس بنجاسة، ولا غيرِه من المائعات سوى الماء؛ لأنه لا يتحقق وصول الماء إلى جميع أجزائه، ولو تحقق ذلك لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بإراقة السمن الذي وقعت فيه النجاسة، ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً:«إِذَا وَقَعَتِ الْفَأْرَةُ فِي السَّمْنِ فَإِنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ» [أحمد: 7177، وأبو داود: 3842، والنسائي: 4260].

واختار أبو الخطاب والسعدي: أنه يطهر منها بالغسل ما يتأتى غسله؛ لأن غسله ممكن، لكون الماء يختلط بجميع أجزائه، ويطهر به، ولأن النجاسة عينٌ مستقذرة شرعًا، إذا زالت بأي مزيل فإن المحل يطهر، وأما

ص: 124

حديث أبي هريرة فقال البخاري: (أخطأ فيه معمر)، وصواب الرواية: سئل عن فأرة سقطت في سمن، فقال:«أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا فَاطْرَحُوهُ، وَكُلُوا سَمْنَكُمْ» [البخاري: 235].

- فائدة: المائعات كلها - غير الماء - تنجس بمجرد الملاقاة، سواء كان قليلاً أم كثيراً.

واختار شيخ الإسلام: أن المائعات كلها لا تنجس إلا بالتغير؛ كالماء.

- مسألة: (وَ) لا يمكن تطهير (مُتَشَرِّبٍ نَجَاسَةً) من إناء أو حُبٍّ أو سكين أو نحوها؛ لأن الغسل لا يستأصل أجزاء النجاسة.

وعنه: يطهر، لأن النجاسة عينٌ مستقذرة شرعاً، إذا زالت بأي مزيل طهُر المحل.

- ضابط: لا يعفى عن النجاسة مهما كان حجمها ونوعها إلا في مواطن (1):

(1) ذكر الأصحاب نجاسات أخرى يعفى عن يسيرها، مجموعها ثماني نجاسات: 3 - أثر استجمار في محله. 4 - يسير سلس بول، مع كمال التحفظ منه. 5 - يسير دخان نجاسة وغبارها وبخارها ما لم تظهر له صفة في الشيء الطاهر. 6 - يسير ماء نجس بما عفي عن يسيره. 7 - ما في عينٍ من نجاسة. 8 - ما عفي عن يسيره كالدم ونحوه عفي عن أثر كثيره على جسم صقيل بعد المسح.

ص: 125

الموطن الأول: يعفى عن يسير طينِ شارعٍ تحققت نجاسته؛ لمشقة التحرز منه، وسيذكره المؤلف آخر الفصل.

(وَ) الموطن الثاني: (عُفِيَ) عن يسير دم نجس، وذلك بستة شروط:

الشرط الأول: أن يكون الدم النجس (فِي غَيْرِ مَائِعٍ) أي: في جامد، فلا يعفى عن يسير الدم إذا كان في مائع.

(وَ) الشرط الثاني: أن يكون الدم النجس في غير (مَطْعُومٍ)، فلا يعفى عن يسيره في مطعوم.

والشرط الثالث: أن العفو إنما يكون (عَنْ يَسِيرِ) الدم لا عن الكثير، فإن كان كثيراً لم يعف عنه، والكثير: ما يستفحشه كل إنسان في نفسه.

والشرط الرابع: أن تكون النجاسة (دَمـ) ـاً (نَجِسـ) ـاً (ونحوَه) من قيح وصديد نجسين؛ لأن الإنسان لا يسلم منه غالبًا، ولأنه يشق التحرز منه، فعفي عن يسيره، كأثر الاستجمار، أما غير الدم ونحوه من النجاسات فلا يعفى عنها إلا ما ذكره الأصحاب في بعض المسائل.

والشرط الخامس: أن يكون الدم (مِنْ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ) مأكول اللحم، لا من حيوان نجس كالكلب، ولا من طاهر غير مأكول كالهر، فلا يعفى عن يسيره إذن.

ص: 126

والشرط السادس: أن (لَا) يكون الدم النجس (دَمَ سَبِيلٍ) أي: دمًا خارجًا من سبيل، قبلاً كان أم دبراً، فإن كان دم سبيل لم يعف عنه؛ لأنه في حكم البول والغائط، (إِلَّا) إذا كان الدم الخارج (مِن) السبيل هو دمَ (حَيْضٍ وَنَحْوِهِ)، كنفاس واستحاضة؛ لقول عائشة رضي الله عنها:«مَا كَانَ لِإِحْدَانَا إِلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ تَحِيضُ فِيهِ، فَإِذَا أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ دَمٍ قَالَتْ بِرِيقِهَا، فَقَصَعَتْهُ بِظُفُرِهَا» [البخاري: 312]، قصعته: أي مضغته ودلكته بظفرها، وهذا يدل على العفو؛ لأن الريق لا يطهره ويتنجس به ظفرها.

واختار شيخ الإسلام: أنه يعفى عن يسير جميع النجاسات؛ لأن الاستجمار يبقى معه شيء من النجاسة، وهو مطهِّر، فدل على أن يسير النجاسة معفو عنه.

- ضابط: الدم ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

الأول: دم مجمع على نجاسته، وهما دمان: الدم المسفوح، ودم الحيض والنفاس.

الثاني: دم مجمع على طهارته، وهي ثلاثة دماء: دم المسك، والكبد، والطحال.

الثالث: دم مختلف في طهارته ونجاسته، وهي تسعة دماء:

1 -

دم الإنسان: وهو نجس باتفاق الأئمة الأربعة، وحكى أحمد

ص: 127

الإجماع على نجاسته.

2 -

دم الشهيد: طاهر بشرط ألا ينفصل عنه.

والقول الثاني في المذهب: أنه نجس؛ كسائر الدماء.

3 -

دم ما لا نفس له سائلة: طاهر.

4 -

دم حيوان البحر: طاهر.

5 -

الدم الباقي في اللحم والعروق: طاهر اتفاقاً.

6 -

العَلَقة التي يخلق منها الآدمي والحيوان الطاهر: نجسة.

7 -

الدم الخارج من الحيوان النجس، كدم الكلب والأسد والفهد ونحوها: نجس اتفاقاً.

8 -

الدم الخارج من الحيوان الطاهر، كدم الشاة والبعير: نجس اتفاقاً.

9 -

القيح والصديد -وهي متولدة من الدم-: نجسة اتفاقاً.

وفي رواية اختارها شيخ الإسلام: أن القيح والصديد طاهران.

- ضابط: الحيوان الطاهر أربعة:

1 -

الآدمي.

2 -

مأكول اللحم.

3 -

ما لا نفس له سائلة متولد من طاهر، ويأتي.

ص: 128

4 -

ما يشق التحرز منه: وضابطه: هو الهر وما دونه في الخِلقة.

وعنه: أن الضابط هو مشقة التحرز دون تقييده بالحجم، فيدخل فيه البغل والحمار، فيكونان طاهرين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم علل في الهرة بقوله في حديث أبي قتادة رضي الله عنه:«إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ» [أحمد: 22528، وأبو داود: 75، والترمذي: 92، والنسائي: 68، وابن ماجه: 367]، فعلل النبي صلى الله عليه وسلم بمشقة التطواف، لا بالحجم.

- مسألة: (وَمَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ) أي: دم يسيل، كعنكبوت وخنفساء (وَقَمْلٌ، وَبَرَاغِيثُ، وَبَعُوضٌ، ونحوها) كبق وذباب ونحل، لا يخلو من أمرين:

1 -

إذا كان متولداً من طاهر لا من نجس: فـ (طَاهِرَةٌ مُطْلَقاً) أي: في حال الحياة وفي حال الموت، فلا تنجس بالموت؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً:«إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ ثُمَّ لْيَنْزِعْهُ، فَإِنَّ فِي إِحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءً، وَالأُخْرَى شِفَاءً» [البخاري: 3320]، والظاهر موته بالغمس، لا سيما إذا كان الطعام حارًّا، ولو كان ينجس بالموت لأفسد الطعام.

2 -

إذا كان ما لا نفس له سائلة متولداً من نجس؛ كصراصير الكُنُف ونحوها: فهي نجسة، وهذا مبني على عدم الطهارة بالاستحالة، وتقدم الكلام عليها.

ص: 129

- ضابط: (وَ) كل (مَائِعٍ مُسْكِرٍ) فهو نجس، خمراً كان أم غيره؛ لقول الله تعالى:{إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} [المائدة: 90]، ولأنه يحرم تناوله من غير ضرر، فكان نجساً كالدم، واختاره شيخ الإسلام.

- ضابط: (وَ) كل (مَا لَا يُؤْكَلُ) لحمه (مِنْ طَيْرٍ) كصقر، (وَبَهَائِمَ)؛ كأسد وحمار وبغل، (مِمَّا) هو (فَوْقَ الهِرِّ خِلْقَةً) نجس؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الماء وما ينوبه من الدواب والسباع فقال: «إِذَا كَانَ المَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ» [أحمد: 4605، وأبو داود: 63، والترمذي: 67، والنسائي: 52، وابن ماجه: 517]، فمفهومه أنه ينجس إذا لم يبلغهما، وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحمر يوم خيبر: «إنَّها رِجْسٌ» [البخاري: 4198، ومسلم: 1940]، والرجس: النجس.

وعنه، واختارها ابن قدامة وشيخ الإسلام: أن الحمار والبغل طاهران؛ لأنه عليه الصلاة والسلام كان يركبهما ويركبان في زمانه، وفي عصر الصحابة، فلو كانا نجسين لبين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، ولمشقة التحرز منهما فكانا كالهر.

- مسألة: (وَلَبَنُ) غيرِ آدمية مما لا يؤكل لحمه نجس؛ لما تقدم من حديث القلتين.

ص: 130

واللبن على أربعة أقسام:

1 -

لبن غير مأكول اللحم، سواء كان طاهراً أم نجساً: موضع خلاف، والمذهب أنه نجس.

2 -

لبن مأكول اللحم: طاهر بالإجماع. قاله النووي.

3 -

لبن الآدمية: طاهر بالإجماع. قاله أبو حامد الغزَّالي.

4 -

لبن الكلب والخنزير: نجس بالاتفاق. قاله النووي.

- مسألة: (وَ) الـ (ـمَنِيُّ) لا يخلو من ثلاثة أقسام:

1 -

أن يكون (مِنْ غَيْرِ آدَمِيٍّ) مما لا يؤكل لحمه: نجس؛ لما تقدم من نجاسته، ومنيه منه.

2 -

مني غير الآدمي مما يؤكل لحمه: طاهر؛ لطهارة بوله، فمنيه أولى، ولأن الأصل الطهارة.

3 -

مني الآدمي: طاهر؛ لقول عائشة رضي الله عنها في المني: «لَقَدْ رَأَيْتُنِي أَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَرْكاً فَيُصَلِّي فِيهِ» [البخاري: 231، ومسلم: 288]. وفي رواية: «لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَإِنِّي لَأَحُكُّهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم يَابِساً بِظُفُرِي» [مسلم: 290]، ولو كان نجساً لما أجزأ فركه أو حكه، بل لابد من غسله، وصح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال:«تُمِيطُ الْمَنِيَّ بِإِذْخِرَةٍ أَوْ حَجَرٍ عَنْ ثَوْبِكَ» [عبد الرزاق: 1440].

ص: 131

- مسألة: (وَبَيْضٌ وَبَوْلٌ وَرَوْثٌ وَنَحْوُهَا)؛ كقيء ومَذْيٍ ووَدْيٍ ومخاط وبزاق الحيوان غير الآدمي وفضلاته على قسمين:

الأول: (مِنْ غَيْرِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ)؛ كسباع البهائم وسباع الطير والحمار والبغل: فهي (نَجِسَةٌ)؛ لما تقدم من نجاسته، ولأنه بول حيوان غير مأكول، أشبه بول الآدمي، وقيس الباقي على بوله.

(وَ) الثاني: إذا كان البول والروث ونحوها (مِنْهُ) أي: من مأكول اللحم: فهي (طَاهِرَةٌ)؛ لحديث أنس رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ الْعُرَنِيِّينَ أَنْ يَلْحَقُوا بِإِبِلِ الصَّدَقَةِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا» [البخاري: 6802، ومسلم: 1671]، والنجس لا يباح شربه، ولو أبيح للضرورة لأمرهم بغَسْل أثره إذا أرادوا الصلاة، ولصلاته صلى الله عليه وسلم في مرابض الغنم، وهي أماكن روثها وبولها، (كَمِمَّا لَا دَمَ لَهُ سَائِلٌ)؛ كالعقرب والخنفساء والعنكبوت والصراصير إن لم تكن متولدة من نجاسة، فإن كانت متولدة من نجاسة كصراصير الكنف ودود الجرح فهي نجسة حياةً وموتاً، وسبق الخلاف فيها.

- مسألة: (وَيُعْفَى عَنْ يَسِيرِ طِينِ شَارِعٍ عُرْفاً إِنْ عُلِمَتْ نَجَاسَتُهُ) وتقدم الكلام عليه، (وَإِلَّا) تتحققْ نجاسته، بأن علم طهارته أو شك في نجاسته (فَطَاهِرٌ)؛ لأن الأصل فيها الطهارة.

ص: 132

- ضابط: الخارج من الحيوان ينقسم إلى قسمين:

الأول: ما خرج من السبيلين: فهو نجس، ويستثنى من ذلك:

1 -

الخارج من سبيل ما يؤكل لحمه.

2 -

مني الآدمي.

3 -

الخارج مما لا نفس له سائلة.

4 -

الخارج من حيوان البحر.

الثاني: الخارج من غير السبيلين، على خمسة أقسام:

1 -

الآدمي: فكل ما خرج منه فهو طاهر، إلا أمرين:

أ) الدم وما تولد منه من القيح والصديد: وتقدم الكلام عليه.

ب) ما خرج من المعدة من القيء والقلس: فالمذهب أنه نجس.

2 -

مأكول اللحم: فالخارج منه طاهر إلا الدم وما تولد منه.

3 -

ما يشق التحرز منه -وتقدم الخلاف في ضابطه-: فالخارج منه كالخارج من الآدمي طهارة ونجاسة، إلا منيه فإنه نجس.

4 -

ما لا نفس له سائلة: كل ما يخرج منها طاهر.

5 -

ما لا يؤكل لحمه -سوى ما تقدم- كسباع البهائم والطير: فالخارج منه نجس، ويدخل فيه البغل والحمار على المذهب.

ص: 133