الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
3 -
بما يوجب الغسل كالجنابة، فيبطل المسح على الخف ونحوه؛ لحديث صفوانَ بن عَسَّالٍ السابق، إلا في المسح على الجبيرة؛ لحديث صاحب الشجة، ولأن المسح عليها عزيمة.
(فَصْلٌ) في نواقض الوضوء
أي: مفسداته، وهي (ثَمَانِيَةٌ) بالاستقراء:
الناقض الأول: (خَارِجٌ مِنْ سَبِيلٍ) أي: مخرج بول أو غائط، ولا يخلو من أمرين:
الأول: أن يكون الخارج معتاداً؛ كالبول والغائط والمَذْيِ والريح؛ فينقض إجماعاً، قليلاً كان أو كثيراً، طاهراً كان أو نجساً؛ لحديث صفوانَ بن عَسَّالٍ رضي الله عنه قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: «وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ» الحديث [أحمد 18091، والترمذي 96، والنسائي 127، وابن ماجه 478]، ولحديث علي رضي الله عنه: قال رسول صلى الله عليه وسلم في المذي: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ» [البخاري 269، ومسلم 303]، ولحديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتاً أَوْ يَجِدَ رِيحاً» [البخاري 137، ومسلم 361].
الثاني: أن يكون غير معتاد؛ كالدم والدود والحصى، وأشار إليه بقوله:
(مُطْلَقاً)، أي: نادراً كان أو معتاداً، قليلاً كان أو كثيراً، طاهراً كان أو نجساً؛ لحديث فاطمة بنت أبي حُبَيْشٍ أَنها قالت: يا رسول الله إني امرأة أُستحاضُ فلا أطهُرُ أفأَدَعُ الصلاة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا، إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَيْسَ بِحَيْضٍ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلاةٍ، حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكِ الوَقْتُ» [البخاري 228]، فأمرها بالوضوء لكل صلاة، ودمها غير معتاد، فيقاس عليه ما سواه، وللإجماع على النقض بالوَدْيِ، وهو غير معتاد.
وعند الإمام مالك: أنه لا ينقض؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر المستحاضة بالوضوء، وأما الأمر بالوضوء في حديث فاطمة بنت أبي حُبيش رضي الله عنها فقال ابن رجب:(الصواب: أن هذا من قول عروة).
(وَ) الناقض الثاني: (خَارِجٌ مِنْ بَقِيَّةِ البَدَنِ مِنْ) غير السبيلين، ولا يخلو من أمرين:
الأمر الأول: أن يكون (بَوْلـ) ـاً (وَغَائِطـ) ـاً، فينقض قليلاً كان أو كثيراً، من تحت المعدة أو فوقها؛ لعموم قوله تعالى:(أو جاء أحد منكم من الغائط)[النساء: 43]، وقوله صلى الله عليه وسلم:«وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ» ، فجعل الاعتبار بالغائط، أي: بالخارج، لا بالمَخْرَج.
(وَ) الأمر الثاني: أن يكون (كَثِير) اً (نَجِسـ) ـاً (غَيْرَهُمَا) أي: غير البول
والغائط، كالقيء والدم، فينقض بهذين الشرطين؛ لحديث أبي الدرداء رضي الله عنه:«اسْتَقَاءَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَأَفْطَرَ، فَأُتِيَ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ» [أحمد 27537، والترمذي 87]، ولقول ابن عباس رضي الله عنهما في الدم:" إذا كان فاحشاً فعليه الإعادة "[الأوسط لابن المنذر 64]، وأما اليسير فلا ينقض، قال أحمد:(عدة من الصحابة تكلموا فيه، وابن عمر عصر بَثْرَة، فخرج الدم، فصلَّى ولم يتوضأ [الأوسط لابن المنذر 65]، وابن أبي أوفى عصر دُمَّلاً)، قال ابن قدامة:(ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة، فكان إجماعاً).
واختار شيخ الإسلام: أنه لا ينقض الوضوء، بل يستحب؛ لحديث جابر رضي الله عنه:«أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ، فَرُمِيَ رَجُلٌ بِسَهْمٍ، فَنَزَفَهُ الدَّمُ، فَرَكَعَ وَسَجَدَ وَمَضَى فِي صَلَاتِهِ» ، وقال الحسن:«مَا زَالَ المُسْلِمُونَ يُصَلُّونَ فِي جِرَاحَاتِهِمْ» [البخاري تعليقًا 1/ 46]، ولعدم الدليل على النقض، والأصل بقاء الطهارة، وتحمل آثار الصحابة على الاستحباب.
- فرع: قال الخلال: (والذي استقرت عليه الروايات عن أحمد: أن حد الفاحش: ما استفحشه كل إنسان في نفسه).
وعنه، واختاره ابن عقيل: الفاحش: ما فحش في نفس أوساط الناس.
(وَ) الناقض الثالث: (زَوَالُ عَقْلٍ) بجنون، أو تغطيتُهُ بإغماء أو نوم، ولا يخلو من أمرين:
الأول: غير النوم، وهو الإغماء والجنون والسكر، فينقض الوضوء يسيره وكثيره إجماعاً.
الثاني: النوم، فينقض الوضوء مطلقاً، قليلاً كان أو كثيراً، على أي هيئة كان؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:«وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ ونَومٍ» ، (إِلَّا):
1 -
نومَ النبي صلى الله عليه وسلم، فلا ينقض؛ لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تَنَامُ عَيْنَايَ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي» [أحمد 1911، وأبو داود 202].
2 -
(يَسِيرَ نَوْمٍ) عرفاً (مِنْ قَائِمٍ أَوْ قَاعِدٍ)، غير مُحْتَبٍ أو مُتَّكِئٍ أو مُستنِدٍ، فلا ينقض؛ لقول ابن عباس رضي الله عنهما في قصة تهجده صلى الله عليه وسلم:«فَجَعَلْتُ إِذَا أَغْفَيْتُ يَأْخُذُ بِشَحْمَةِ أُذُنِي» [مسلم 763]، ولقول أنس رضي الله عنه:«كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم يَنْتَظِرُونَ العِشَاءَ الآخِرَةَ حَتَّى تَخْفِقَ رُؤُوسُهُمْ، ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّؤُونَ» [أبو داود 200، وأصله في مسلم 276].
واختار شيخ الإسلام: أن النوم لا ينقض الوضوء مطلقاً إن ظن بقاء الطهارة؛ جمعاً بين الأدلة، ويؤيده حديث معاوية رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن العَيْنَيْنِ وِكَاءُ السَّهِ، فَإِذَا نَامَتِ العَيْنَانِ اسْتَطْلَقَ الوِكَاءُ» [أحمد 16879].
(وَ) الناقض الرابع: (غُسْلُ مَيِّتٍ)، مسلماً كان أو كافراً، ذكراً كان أو أنثى، صغيراً كان أو كبيراً، وهو من المفردات؛ لأن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم:«كَانَا يأْمُرَانِ غَاسِلَ الميِّتِ بِالوُضُوءِ» [عبدالرزاق 6101، 6107]، ولأن الغاسل لا يَسْلَمُ من مس عورة الميت غالباً، فأقيم مقامه؛ كالنوم مع الحدث.
وعنه وفاقاً للثلاثة، واختاره ابن قدامة وشيخ الإسلام: لا ينقض؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ عَلَيْكُمْ فِي مَيِّتِكُمْ غُسْلٌ إِذَا غَسَّلْتُمُوهُ، وَإِنَّ مَيِّتَكُمْ لَيْسَ بِنَجَسٍ، حَسْبُكُمْ أَنْ تَغْسِلُوا أَيْدِيَكُمْ» [الدارقطني 1839، وحسنه الحافظ]، قال الشارح:(وكلام أحمد يدل على أنه مستحب غير واجب، فإنه قال: أحب إليَّ أن يتوضأ)، وقال شيخ الإسلام:(وأما الاستحباب: فمتوجه ظاهر).
- فرع: الغاسل من يَقْلِبُه ويباشره ولو مرة، لا من يصب عليه الماء، ولا من ييممه.
(وَ) الناقض الخامس: (أَكْلُ لَحْمِ إِبِلٍ)، نيًّا كان أو مطبوخاً، وهو من المفردات، واختاره شيخ الإسلام (1)؛ لحديث جابر بن سَمُرَةَ رضي الله عنه: أن رجلاً سأل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم: أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: «إِنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأْ، وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تَوَضَّأْ» قَالَ: أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ؟ قَالَ: «نَعَمْ فَتَوَضَّأْ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ» [مسلم 360]، قال أحمد: (فيه حديثان صحيحان، حديث البراء،
(1) نقل المرداوي في الإنصاف (2/ 54) أن اختيار شيخ الإسلام استحباب الوضوء لا النقض، وقال البعلي في الاختيارت (16): (ويستحب الوضوء من أكل لحم الإبل
…
وفي المسائل: يجب الوضوء من لحم الإبل؛ لحديثين صحيحين، ولعله آخر ما أفتى به)، والذي في مجموع الفتاوى (20/ 522 - 524)، (21/ 260 - 265): أنه ينقض، وقال ابن عبد الهادي في الاختيارات (39):(وأما لحم الإبل فذهب إلى أنه يستحب أيضاً، ومال في موضع إلى وجوب الوضوء منه، ومرة توقف في الوجوب).
وجابر بن سَمُرَة).
وأما حديث جابر رضي الله عنه: «كَانَ آخِرُ الأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم تَرْكَ الوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ» [أبوداود 192]، فهو حديث عام، وحديث جابر والبراء خاصَّانِ، والخاص يقدم على العام، وظاهر حديث البراء أنه كان بعد نسخ الوضوء مما مست النار لا قبله، قال شيخ الإسلام:(بيَّن فيه أنه لا يجب الوضوء من لحوم الغنم، وقد أمر فيه بالوضوء من لحوم الإبل، فعلم أن الأمر بذلك بعد النسخ).
- فرع: ينقض لحم الإبل خاصة دون بقية أجزائه، كالكبد والطِّحال والسَّنام ونحوها، وكذا شرب لبنها ومرق لحمها؛ لأنه تعبدي لا يعقل معناه، فلا يتعدى إلى غيره، والنص لم يتناوله.
واختار شيخ الإسلام وابن القيم: أن العلة معقولة المعنى، وهي لما في لحم الإبل من القوة الشيطانية، لحديث أبي لاسٍ الخزاعي مرفوعاً:«مَا مِنْ بَعِيرِ إِلَّا عَلَى ذُرْوَتِهِ شَيْطَانٌ» [أحمد 17938]، قال شيخ الإسلام:(فيها من القوة الشيطانية ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «فَإِنَّهَا جِنٌّ مِنْ جِنٍّ خُلِقَتْ» [مسند الشافعي 1/ 21]، وقد قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود [4784]: «إِنَّ الغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النَّارِ، وَإِنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالْمَاءِ، فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ»، فأمر بالتوضؤ من الأمر العارض من الشيطان، فأكل لحمها يورث قوة شيطانية تزول بما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من الوضوء من لحمها).
ويمكن أن يقال: إن أجزاء الإبل بالنسبة للنقض لا تخلو من أربعة أقسام:
1 -
اللحم: فينقض؛ لما تقدم من حديث جابر بن سمرة والبراء.
2 -
الهبر غير اللحم: كالكبد والكرش والشحم، ينقض، وهي رواية اختارها السعدي؛ لأنه داخل في حكمها، ولهذا أجمع العلماء أن شحم الخنزير محرم، مع أن الله تعالى لم يذكر في القرآن إلا اللحم، والتفريق بين أجزائها ليس عليه دليل ولا تعليل.
3 -
اللبن: لا ينقض بل يستحب؛ لحديث أنس رضي الله عنه في قصة العُرَنِيِّينَ، فقد أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالشرب من أبوالها وألبانها. [البخاري 233، ومسلم 1671]، ولم يأمرهم بالوضوء منها مع كونهم حديثي عهد بجاهلية، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وإنما يستحب؛ لحديث أسيد بن الحضير رضي الله عنه مرفوعاً:«لَا تَتَوَضَّؤُوا مِنْ أَلْبَانِ الغَنَمِ، وَتَوَضَّئُوا مِنْ أَلْبَانِ الإِبِلِ» [أحمد: 19097، وابن ماجه: 496، وفيه ضعف]، ورواه الشالنجي من حديث البراء بن عازب، قال شيخ الإسلام:(إسناده جيد).
4 -
ما خالط لحم الإبل، كمرق لحمها: فقال ابن عثيمين: الأحوط: الوضوء إن ظهر طعمه، وإلا فلا يضر.
- فائدة: بقية اللحوم في النقض وعدمه على قسمين:
1 -
اللحوم المباحة: مثل لحم الضأن والطير؛ ليست ناقضة بالإجماع،
ولا يستحب الوضوء منها.
واختار شيخ الإسلام: استحباب الوضوء منها؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه سلم: «تَوَضَّئُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ» [مسلم: 352].
2 -
اللحوم المحرمة: كلحم الميتة ولحم السباع، ففيها روايتان مبنيتان على العلة في النقض من لحم الإبل: هل هو تعبدي فلا يتعدى إلى غيره، وهو المذهب، أم هو معقول المعنى لما فيها من القوة الشيطانية وأولى، واختاره شيخ الإسلام.
(وَ) الناقض السادس: (الرِّدَّةُ) عن الإسلام، وهو من المفردات، واختاره شيخ الإسلام، فيبطل بها الوضوء؛ لحديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ» [مسلم 223]، فإذا بَطَل الإيمان بالكلية فشطره أولى، ولأن ما منع ابتداء الوضوء منع استدامته.
- مسألة: (وَكُلُّ مَا أَوْجَبَ غُسْلاً)، كإسلام، وانتقال مني، وغيرهما، أوجب وضوءاً؛ لأنه إذا قام الحدث الأكبر في البدن فقد قام الحدث الأصغر من باب أولى، فلا يكفي رفع الحدث الأكبر، (غَيْرَ مَوْتٍ)، فيوجب الغسل دون الوضوء؛ لأن تغسيل الميت ليس عن حدث.
واختار شيخ الإسلام: أنه لا يوجب الوضوء، بناء على دخول الحدث الأصغر في الأكبر، ويأتي في باب الغسل.
- تنبيه: جعل المصنف الردة وما أوجب غسلاً ناقضاً واحداً، وهي طريقة لبعض الأصحاب؛ لأن المرتد إذا عاد إلى الإسلام وجب الغسل، وإذا وجب الغسل وجب الوضوء.
(وَ) الناقض السابع: (مَسُّ فَرْجٍ)، لا العانةِ ولا الأُنثيين، فينقض بشروط خمسة:
1 -
أن يكون المس لفرج أصلي لا زائد، سواء من نفسه أم من غيره.
2 -
أن يكون الفرج الممسوس من (آدَمِيٍّ)، صغيراً كان أو كبيراً، ذكراً أو أنثى، فلا ينقض مسه من بهيمة اتفاقاً.
3 -
أن يكون المس لفرجٍ (مُتَّصِلٍ) لا بائنٍ؛ لذهاب حرمته، ولو من ميت، تعمده أم لا.
(أَوْ) مسُّ (حَلْقَةِ دُبُرِهِ) أي: الأدمي، فينقض؛ لأنه فرج.
4 -
أن يكون المس (بِيَدٍ) أي: بالكف، لا بالذراع أو غيره، ولا فرق في ذلك بين بطن الكف وظهرها وحرفها، زائدةً كانت أم أصلية.
5 -
أن يكون المس بلا حائل.
والدليل على ذلك: حديث بُسرَةَ بنتِ صَفوانَ رضي الله عنها: أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» [أحمد 27293، وأبو داود 181، والترمذي 83، والنسائي 163، وابن ماجه 479]، وفي رواية للنسائي [445]: «إِذَا
أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إِلَى فَرْجِهِ فَلْيَتَوَضَّأْ»، قال البخاري:(هو أصح شيء في هذا الباب)، وقال شيخ الإسلام:(وقد روي النقض به عن بضعةَ عشَرَ من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء النقض بمسه عن: عمر، وسعد بن أبي وقاص، وأبي هريرة، وزيد بن خالد، والبراء بن عازب، وابن عمر، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك رضي الله عنهم، وهو شيء لا يدرك بالرأي والقياس، فعُلِم أنهم قالوا عن توقيف).
وأما حديث قيسِ بن طَلْقِ بن عَلي، عن أبيه رضي الله عنه قال: سأل رجل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أيتوضأ أحدنا إذا مس ذكره؟ قال: «إِنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ أَوْ جَسَدِكَ» [أحمد 16286، وأبو داود 182، والترمذي 85، والنسائي 119، وابن ماجه 483]، فقد ضعفه أحمد ويحيى، وقال أبو زرعة وأبو حاتم:(قَيْسٌ لا تقوم به حجة)، ويمكن أن يكون المراد بحديث ترك الوضوء: ما إذا لمسه من وراء حائل؛ لأن في رواية النسائي [160]: ما تقول في رجل مس ذكره في الصلاة، فقال:«وَهَلْ هُوَ إِلَّا بَضْعَةٌ مِنْكَ؟ » والمصلي في الغالب إنما يمسه من فوق ثيابه، ولو قدرنا التعارض، فأحاديث الوضوء أكثر رواة، وأصح إسناداً، وأقرب إلى الاحتياط فتُرجَّح.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام (1): يستحب الوضوء ولا يجب، جمعاً بين الأدلة.
(1) كما في الإنصاف (2/ 27)، وقال البعلي في الاختيارات (17):(ويستحب الوضوء عَقِيبَ الذَّنْب، ومن مس الذَّكَرِ إذا تحركت الشهوة بمسه، وتردد فيما إذا لم تتحرك).
(وَ) الناقض الثامن: (لَمْسُ ذَكَرٍ) أنثى لشهوة، وسواء كان اللمس باليد أم غيرها، ولو بزائد؛ لقوله تعالى:{أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [المائدة: 6]، قال ابن مسعود رضي الله عنه:(القبلة من اللمس، ومنها الوضوء)[مصنف عبدالرزاق 500]، والأنثى تشمَلُ: الأجنبيةَ، وذاتَ المَحْرَمِ، والميتةَ، والكبيرةَ، والصغيرةَ المميِّزةَ، وهي بنت سبع فأكثرَ.
(أَوْ) لمسُ (أُنْثَى الآخَرَ) أي: الذَّكَرَ (لِشَهْوَةٍ)؛ لأنها ملامسة تنقض الوضوء، فاستوى فيها الذَّكَر والأنثى؛ كالجماع.
فيشترط للنقض شرطان:
1 -
أن يكون بشهوة، جمعاً بين الآية وبين حديث عائشة رضي الله عنها قال:" فَقَدْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم لَيْلَةً مِنَ الفِرَاشِ، فَالْتَمَسْتُهُ، فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى بَطْنِ قَدَمَيْهِ وَهُوَ فِي المَسْجِدِ، وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ"[مسلم 486]، ولأن الشهوة هي التي تدعو للحدث.
2 -
أن يكون اللمس (بِلَا حَائِلٍ فِيهِمَا) أي: في لمس الذكر والأنثى؛ لأنه لم يَلْمَسِ البشرة.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: لا ينقض لمس المرأة مطلقاً؛ لحديث عائشة رضي الله عنها: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَبَّلَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» [أحمد 25766، أبوداود 179، الترمذي 86، ابن ماجه 502]، والملامسة في الآية المراد بها: الجماع، كذلك فسرها علي، وابن عباس رضي الله عنهم [ابن أبي شيبة 1771، 1768].
- مسألة: (لَا) ينقض مسٌّ (لِشَعْرٍ، وَسِنٍّ، وَظُفُرٍ) منه أو منها، (وَلَا) المسُّ (بِهَا) أي: بشعر وسنٍّ وظفر، منه أو منها؛ لأنه في حكم المنفصل.
(وَلَا) ينقض كذلك مسُّ (مَنْ دُونَ سَبْعِ) سنينَ من طفل أو طفلة ولو لشهوة؛ لأنه ليس محلًّا لها.
- مسألة: (وَلَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُ مَلْمُوسٍ) بدنُهُ (مُطْلَقاً) ولو وُجد منه شهوة، ذكراً كان أو أنثى؛ لأنه لا نص فيه، وقياسه على اللامس لا يصح؛ لفرط شهوة اللامس.
وعنه: ينتقض إن وجدت منه شهوة؛ لأن ما ينتقض بالتقاء البشرتين يستوي فيه اللامس والملموس؛ كالجماع.
- تنبيه: محل الخلاف في الملموس إذا قلنا: ينتقض وضوء اللامس، أما إذا قلنا: لا ينتقض، فالملموس لا ينتقض وضوؤه بطريقٍ أولى.
- مسألة: (وَمَنْ شَكَّ فِي طَهَارَةٍ) وتيقن الحدث، بنى على اليقين وهو الحدث، (أَوْ) شك في (حَدَثٍ) وتيقن الطهارة (بَنَى عَلَى يَقِينِهِ) وهو الطهارة، سواء كان داخل الصلاة أم خارجها، تساوى عنده الأمران أم غلب على ظنه أحدهما؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي
بَطْنِهِ شَيْئاً، فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لَا، فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنَ المَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتاً أَوْ يَجِدَ رِيحاً» [مسلم 362].
وقال شيخ الاسلام: يُعمَل بالظن في عامة أمور الشرع.
- مسألة: (وَحَرُمَ عَلَى مُحْدِثٍ) حدثاً أصغر ثلاثة أمور:
1 -
(مَسُّ مُصْحَفٍ)، أو بعضِه، حتى جلدِه وحواشيه، بيد أو غيرها، بلا حائل، باتفاق الأئمة؛ لقوله تعالى:{لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79)} الواقعة: 79، والصحيح: أن المراد به اللوح المحفوظ الذي بأيدي الملائكة، لكن قال شيخ الإسلام:(فإذا كان مِن حُكْمِ الكتاب الذي في السماء ألَّا يمسه إلا المطهرون، وجب أن يكون الكتاب الذي في الأرض كذلك؛ لأن حرمته كحرمته)، ولحديث عمرِو بن حزمٍ رضي الله عنه مرفوعاً:«أَلَّا يَمَسَّ القُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ» [النسائي 4868، والدارقطني 1/ 122]، وثبت ذلك: عن سعد بن أبي وقاص [الموطأ 1/ 85]، وابن عمر [عبد الرزاق 7506]، وسلمان [الدارقطني 1/ 123] رضي الله عنهم، قال شيخ الإسلام:(من غير خلاف يعرف عن الصحابة والتابعين).
2 -
(وَ) حرم عليه الـ (صَلَاةُ)، بالإجماع؛ لما روى ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ» [مسلم 224].
- فرع: ضابط الصلاة التي يشترط لها الطهارة: صلاة الفرض والنفل، حتى صلاة جنازة، وسجود تلاوة، وشكر.
وعند شيخ الإسلام وابن القيم: ما كان تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم، فسجود التلاوة والشكر ليسا بصلاة، ويأتي.
3 -
(وَ) حرم عليه الـ (طَوَافُ) ولو نفلاً؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الطَّوَافُ حَوْلَ البَيْتِ مِثْلُ الصَّلَاةِ، إِلَّا أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ، فَمَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ فَلَا يَتَكَلَّمَنَّ إِلَاّ بِخَيْرٍ» [الترمذي 960]، ولحديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: «افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» [مسلم 1211].
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: يستحب ولا يجب؛ لأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم لا بإسناد صحيح ولا ضعيف، أنه أمر بالوضوء للطواف، مع الحاجة إلى البيان، وأما حديث عائشة رضي الله عنها:«أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ» [البخاري 1614، ومسلم 1235] فمجرد فعل لا يدل على الوجوب، وإنما ي دل على الاستحباب، وحديثُ ابن عباس رضي الله عنهما لا يصح مرفوعاً، ولو صح فلا يلزم منه التشبيه من كل وجه، لعدم اشتراط استقبال القبلة ولا قراءة الفاتحة للطواف، وأما الحائض: فإنما منعت من الطواف لأجل المسجد، لا لأجل الطواف.
- مسألة: (وَ) يحرم (عَلَى جُنُبٍ وَنَحْوِهِ) ممن لزمه الغسلُ خمسةُ أمور:
(ذَلِك) أي: ما سبق من:
1 -
مس المصحف.
2 -
الصلاة.
3 -
الطواف، لأنه لما حرم ذلك في حق المحدث حدثاً أصغرَ، فالمحدث
حدثًا أكبرَ أولى.
4 -
(وَ) يحرم على من لزمه الغسل (قِرَاءَةُ آيَةِ قُرْآنٍ) فصاعداً، ولا يخلو من حالين:
أأن يكون جنباً: فيحرم عليه قراءة القرآن باتفاق الأئمة؛ لحديث علي رضي الله عنه مرفوعاً: «كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لَا يَحْجُبُهُ - وَرُبَّمَا قَالَ: لَا يَحْجُزُهُ - عَنِ القُرْآنِ شَيْءٌ إِلَّا الجَنَابَةُ» [أحمد 1011، وأبوداود 229، وابن ماجه 594]، وورد ذلك عن عمر [البيهقي 1/ 89]، وعلي [ابن أبي شيبة 1092] وابن عباس رضي الله عنهم[الأوسط لابن المنذر 2/ 98].
ب أن تكون حائضاً: فيحرم عليها قراءة القرآن؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا تَقْرَأُ الحَائِضُ وَلا الجُنُبُ شَيْئاً مِنَ القُرْآنِ» [الترمذي 131، وابن ماجه 595]، وقياساً على الجنب.
واختار شيخ الإسلام: أنه لا تُمنَع الحائض من قراءة القرآن مطلقاً، وإن خَشِيَتْ نسيانَه وجب؛ لعدم الدليل على المنع، وأما حديث ابن عمر رضي الله عنهما فلا يصح، وقياسها على الجنب قياس مع الفارق؛ لأن الحائض تطول مدتها غالباً، ولا يمكنها رفع الحدث، بخلاف الجنب.
5 -
(وَ) يحرم على من لزمه الغسل (لُبْثٌ فِي مَسْجِدٍ بِغَيْرِ وُضُوءٍ)، باتفاق الأئمة؛ لقوله تعالى: {وَلَا جُنُبًا إِلَّا
…
عَابِرِي
…
سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء: 43]، قال ابن عباس رضي الله عنهم:" تمر به مرًّا ولا تجلس "[تفسير ابن كثير 2/ 311]،