المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(فصل) في الغسل - الدلائل والإشارات على أخصر المختصرات - جـ ١

[عبد العزيز العيدان]

فهرس الكتاب

- ‌(كِتَابُ الطَّهَارَةِ)

- ‌(فَصْلٌ) في أحكام الآنية

- ‌(فَصْلٌ) في آداب دخول الخلاء وأحكام الاستنجاء

- ‌فصل في أحكام الاستنجاء

- ‌(فَصْلٌ) في السواك وما ألحق به من الادهان وسنن الفطرة

- ‌(فَصْلٌ) في فروض الوضوء

- ‌(فَصْلٌ) في المسح على الخفين وغيرهما من الحوائل

- ‌(فَصْلٌ) في نواقض الوضوء

- ‌(فَصْلٌ) في الغسل

- ‌(فَصْلٌ) في التيمم

- ‌(فَصْلٌ) في النجاسات وكيفية تطهيرها

- ‌(فَصْلٌ فِي الحَيْضِ) والاستحاضة، والنفاس

- ‌فصل في أحكام النفاس

- ‌(كِتَابُ الصَّلَاةِ)

- ‌(فَصْلٌ)في الأذان والإقامة

- ‌(فَصْلٌ)في شروط صحة الصلاة

- ‌فصل في مكروهات الصلاة

- ‌(فَصْلٌ) في أركان الصلاة وواجباتها وسننها

- ‌(فَصْلٌ)في أحكام سجود السهو

- ‌(فَصْلٌ)في صلاة التطوع

- ‌فصلفي سجود التلاوة والشكر

- ‌فصلفي أوقات النهي

- ‌(فَصْلٌ)في صلاة الجماعة

- ‌(فَصْلٌ)في الأولى بالإمامة، ومن لا تصح إمامته

- ‌فصلٌفي موقف الإمام والمأمومين

- ‌فصلٌفي أحكام الاقتداء

- ‌فصلٌفي الأعذار المسقطة للجمعة والجماعة

- ‌(فَصْلٌ) في صلاة أهل الأعذار

- ‌(فَصْلٌ)في قصر الصلاة

- ‌فصل في الجمع

- ‌فصل في صلاة الخوف

- ‌(فَصْلٌ) في صلاة الجمعة

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌(فَصْلٌ) في صلاة العيدين

- ‌(فَصْلٌ)في صلاة الكسوف

- ‌فصلفي صلاة الاستسقاء

- ‌(كِتَابُ الجَنَائِزِ)

- ‌(فَصْلٌ)في غُسْلِ الميت

- ‌فصلفي الكفن

- ‌(فَصْلٌ)في الصلاة على الميت

- ‌فصل في حمل الميت ودفنه

- ‌فصلفي زيارة القبور، وأحكام المصاب والتعزية

- ‌(كِتَابُ الزَّكَاةِ)

- ‌فصلفي زكاة بهيمة الأنعام

- ‌فصلفي زكاة البقر

- ‌فصلفي زكاة الغنم، وتشمل المعز والضأن

- ‌(فَصْلٌ)في زكاة الخارج من الأرض

- ‌(فَصْلٌ)في زكاة الذهب والفضة وحكم التحلي بهما

- ‌فصلفي أحكام التحلي

- ‌(فَصْلٌ) في زكاة الفِطْر

- ‌(فَصْلٌ) في إخراج الزكاة، وما يتعلق به

- ‌فصل في أهل الزكاة

- ‌فصل في موانع الزكاة

- ‌(كِتَابُ الصِّيَامِ)

- ‌(فَصْلٌ)في المفطرات

- ‌فصل في الجماع في نهار رمضان

- ‌فصلفي ما يكره وما يستحب في الصوم، وأحكام القضاء

- ‌(فَصْلٌ)في صوم التطوع وما يُكره منه

- ‌(فَصْلٌ) في الاعتكاف

الفصل: ‌(فصل) في الغسل

ولحديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال صلى الله عليه وسلم: «لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ» [أبو داود 232]، ولحديث أم عطية رضي الله عنها قالت:«أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الحُيَّضَ أَنْ يَعْتَزِلْنَ مُصَلَّى المُسْلِمِينَ» [البخاري 324، ومسلم 890].

فإن توضأ الجنب، وتوضأت الحائض بعد انقطاع الدم إن أمنت التلويث: جاز لهما المكث في المسجد، وهو من المفردات، واختاره شيخ الإسلام؛ لقول عطاء بن يسار:«رأيت رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يجلسون في المسجد وهم مجنبون، إذا توضؤوا وضوء الصلاة» [سعيد بن منصور 646، وصححه في المبدع]، وحكم الحائض بعد انقطاع الدم حكم الجنب.

- فرع: يجوز عبور المسجد للمحدث حدثاً أكبر، ولو لغير حاجة؛ لقوله تعالى:(ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا)، قال جابر رضي الله عنه:(كَانَ الجُنُبُ يَمُرُّ فِي المَسْجِدِ مُجْتَازاً)[ابن أبي شيبة 1550].

(فَصْلٌ) في الغسل

مناسبة هذا الباب لما قبله: أن المؤلف رحمه الله تعالى لما ذكر الحدث الأصغر وكيفية رفعه؛ ذكر الحدث الأكبر ومُوجِبَه وكيفية رفعه.

والغسل، بضم الغين: الاغتسال، وبالفتح: الماء أو الفعل، وبالكسر: ما يُغسل به الرأس.

ص: 90

والغُسل في الاصطلاح: التعبد لله باستعمال الماء في جميع البدن على وجه مخصوص.

- مسألة: (مُوجِبَاتُ الغُسْلِ) أي: الأشياء التي توجبه (سَبْعَةٌ):

الأول: (خُرُوجُ المَنِيِّ مِنْ مَخْرَجِهِ)، ولا يخلو من حالين:

1 -

أن يكون من نائم ونحوه؛ كسكرانَ ومغمًى عليه: فيجب الغسل بالاتفاق، ولو بدون لذة؛ لحديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: جاءت أم سُليم تسأل النبي صلى الله عليه وسلم: هل على المَرْأَةِ من غُسْلٍ إذا هي احْتَلَمَتْ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نَعَمْ إِذَا رَأَتِ المَاءَ» [البخاري: 282، ومسلم: 313]، ولحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعاً:«إِنَّمَا المَاءُ مِنَ المَاءِ» [مسلم: 343]، فعلَّق النبي صلى الله عليه وسلم الأمر برؤية الماء.

2 -

أن يكون من يقظانَ: فيجب الغسل إن خرج (بِلَذَّةٍ)، لا بدونها؛ لحديث علي رضي الله عنه مرفوعاً:«إِذَا فَضَخْتَ المَاءَ فَاغْتَسِلْ» [أحمد: 868، وأبو داود: 206، والنسائي: 193]، والفضخ: هو خروجه بالغلبة، يعني: باللذة والدفع، فدل على أنه إذا خرج بدون لذة وإنما بسبب برد أو مرض؛ لم يجب الغسل.

(وَ) الثاني: (انْتِقَالُهُ) أي: انتقال المني من مكانه دون خروجه، فيجب له الغسل؛ لأن الماء قد باعد محله، فصدق عليه اسم الجنب، وهو من المفردات.

ص: 91

وعنه، واختاره ابن قدامة وفاقاً للثلاثة: لا يجب الغسل حتى يخرج؛ لحديث أم سليم السابق: «نَعَمْ إِذَا رَأَتِ المَاءَ» ، ولحديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً:«إِنَّمَا المَاءُ مِنَ المَاءِ» [مسلم: 343]، فعلَّق الغسل بوجود الماء.

(وَ) الثالث: (تَغْيِيبُ) جميع الـ (حَشَفَةِ) وهي رأس الذَّكَر، (فِي فَرْجٍ) وإن لم ينزل؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً:«إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ» ، وفي رواية لمسلم:«وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ» [البخاري: 291، ومسلم: 349]، (أَوْ) كان تغييب الحشفة في (دُبُرٍ)؛ لأنه فرج.

ولا غسل إذا مس الختانُ الختانَ من غير إيلاج، ولا بإيلاج بعض الحشفة.

- فرع: يجب الغسل بتغييب الحشفة (وَلَوْ) كان الفرج (لِبَهِيمَةٍ)؛ لأنه إيلاج في فرج أصلي، أشبه فرج الآدمية.

وقيل: لا يجب الغسل بوطء البهيمة؛ لأن هذا الفرج غير منصوص عليه.

- فرع: يجب الغسل بتغييب الحشفة، سواء كان الفرج لحي (أَوْ) كان الفرج لـ (مَيِّتٍ)؛ لعموم حديث أبي هريرة السابق:«إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا؛ فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ» .

- فرع: يشترط لوجوب الغسل أن يكون التغييب (بِلَا حَائِلٍ)، فإن وُجِد

ص: 92

حائل كما لو لف عليه خرقة، لم يجب الغسل؛ لانتفاء التقاء الختانين مع الحائل، لأنه هو الملاقي للختان إذن.

(وَ) الرابع: (إِسْلَامُ كَافِرٍ)، أصليًّا كان أو مرتدًّا، ولو مميزاً أو لم يوجد في كفره ما يوجبه، وهو من المفردات واختاره ابن القيم؛ لما روى قيس بن عاصم رضي الله عنه:«أَنَّهُ أَسْلَمَ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» [أحمد: 20611، وأبو داود: 355، والترمذي: 605، والنسائي: 188]، وأمرُه للواحد أمرٌ لجميع الأمة.

واختار شيخ الإسلام: لو اغتسل الكافر حال كفره بسبب يوجب الغسل، ثم أسلم، لا يلزمه إعادته إن اعتقد وجوبه؛ بناء على أنه يثاب على طاعته في الكفر إذا أسلم.

(وَ) الخامس: (مَوْتٌ)، فإذا مات المسلم وجب تغسيله؛ لحديث أم عطية رضي الله عنها في تغسيل بنت النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لهن:«اغْسِلْنَهَا ثَلَاثاً، أَوْ خَمْساً، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكِ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكِ» [البخاري: 1253، ومسلم: 939]، ولحديث ابن عباس رضي الله عنهما في الذي وقصته ناقته:«اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» [البخاري: 1265، ومسلم: 1206].

- فرع: يستثنى من تغسيل الميت:

1 -

شهيد المعركة: وهو من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فيحرم تغسيله؛ لحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في شهداء أحد: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ

ص: 93

بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ» [البخاري: 1347].

2 -

المقتول ظلماً: يحرم تغسيله، وهو من المفردات؛ لحديث سعيد بن زيد رضي الله عنه مرفوعاً:«مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» [أحمد: 1652، وأبو داود: 4772، والترمذي: 1421، والنسائي: 4095]، فسمى النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء شهداءَ، والشهيد لا يغسَّل.

وعنه، واختاره الموفق وفاقاً للثلاثة: يغسَّل المقتول ظلماً؛ لأن عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم قُتلوا ظلماً، وقد اتفق الصحابة رضي الله عنهم على تغسيلهم.

(وَ) السادس: (حَيْضٌ)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حُبيشٍ رضي الله عنها: «وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي» [البخاري: 320، ومسلم: 333].

(وَ) السابع: (نِفَاسٌ)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سمى الحيض نفاساً، فقال لعائشة رضي الله عنها لما حاضت:«لَعَلَّكِ نُفِسْتِ؟ » [البخاري: 305، ومسلم: 1211]، ولا خلاف في وجوب الغسل عليهما، قاله في المغني.

- مسألة: (وَسُنَّ) الغسل في ستةَ عشَرَ موطناً:

الأول: وهو آكدها: الغسل (لِـ) صلاة (جُمُعَةٍ)، وهو مستحب (بغير خلاف) قاله في الشرح؛ لحديث أبي سعيد رضي الله عنه مرفوعاً: «الغُسْلُ يَوْمَ

ص: 94

الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» [البخاري: 858، ومسلم: 846]، والخلاف إنما هو في وجوبه، ويدل لعدم وجوبه حديث أبي هريرة مرفوعاً:«مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الجُمُعَةَ، فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ، وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَمَنْ مَسَّ الحَصَى فَقَدْ لَغَا» [مسلم: 857]، فاقتصر على الوضوء ولم يوجب الغسل.

وعنه، واختاره ابن عثيمين: غسل الجمعة واجب؛ لظاهر حديث أبي سعيد السابق.

واختار شيخ الإسلام: وجوبه على من كانت له رائحة يتأذى بها الناس؛ لقول عائشة رضي الله عنها: «كَانَ النَّاسُ مَهَنَةَ أَنْفُسِهِمْ، وَكَانُوا إِذَا رَاحُوا إِلَى الجُمُعَةِ، رَاحُوا فِي هَيْئَتِهِمْ، فَقِيلَ لَهُمْ: لَوِ اغْتَسَلْتُمْ» [البخاري: 903].

(وَ) الثاني: الغسل لصلاة (عِيدٍ)؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما: «كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَغْتَسِلُ يَوْمَ الفِطْرِ وَيَوْمَ الأَضْحَى» [ابن ماجه: 1315]، ونحوه عن الفاكه بن سعد [أحمد: 16720، وابن ماجه: 1316]، وفيهما ضعف، ولكن صح ذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما [مصنف عبد الرزاق: 5753].

(وَ) الثالث: الغسل لصلاة (كُسُوفٍ، وَ) الرابع: لصلاة (اسْتِسْقَاءٍ)؛ قياساً على الجمعة والعيد، بجامع الاجتماع لهما.

وقيل: لا يستحب الغسل لهما؛ لعدم الدليل، وما ورد سببه في عهد النبي صلى الله عليه سلم ولم يفعله فتركه هو السنة.

ص: 95

(وَ) الخامس: الغسل لـ (جُنُونٍ، وَ) السادس: الغسل لـ (إِغْمَاءٍ)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم اغتسل من الإغماء في مرض موته كما في حديث عائشة رضي الله عنها [البخاري: 687، ومسلم: 418]، والجنون في معناه بل أبلغ، ولا يجب الغسل لذلك، حكاه ابن المنذر إجماعاً، (لَا احْتِلَامَ فِيهِمَا) أي: في الجنون والإغماء، فإن أنزل حال الجنون أو الإغماء وجب الغسل حينئذ؛ لأنه من جملة موجبات الغسل.

(وَ) السابع: الغسل لـ (اسْتِحَاضَةٍ)، فيسن للمستحاضة أن تغتسل (لِكُلِّ صَلَاةٍ)؛ لحديث عائشة رضي الله عنها:«أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ، فَسَأَلَتْ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ، فَقَالَ: هَذَا عِرْقٌ، فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلاةٍ» [البخاري: 327، ومسلم: 334].

(وَ) الثامن: الغسل لـ (إِحْرَامٍ) بحج أو عمرة؛ لحديث زيد بن ثابت رضي الله عنه: «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَجَرَّدَ لِإِهْلالِهِ وَاغْتَسَلَ» [الترمذي: 830]، ولو مع حيض ونفاس؛ لقول عائشة رضي الله عنها:«نُفِسَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ بِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ بِالشَّجَرَةِ، فَأَمَرَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَبَا بَكْرٍ يَأْمُرُهَا أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُهِلَّ» [مسلم: 1209].

(وَ) التاسع: الغسل لـ (دُخُولِ مَكَّةَ)؛ لما جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما: «أَنَّهُ كَانَ لَا يَقْدَمُ مَكَّةَ إِلَّا بَاتَ بِذِي طوى، حَتَّى يُصْبِحَ وَيَغْتَسِلَ ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ

ص: 96

نَهَاراً، وَيَذْكُرُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ فَعَلَهُ» [البخاري: 1553، ومسلم: 1259].

واختار شيخ الإسلام: أنه لا يسن الغسل عند دخول مكة؛ لأن التنظف الذي هو المقصود من الغسل قد حصل عند الإحرام، وإنما اغتسل النبي صلى الله عليه وسلم مرة أخرى عند دخول مكة؛ لأن ميقات المدينة بعيد عن مكة، فاحتاج إلى أن يغتسل مرة أخرى ليحصل التنظيف.

(وَ) العاشر: الغسل لدخول (حَرَمِهَا) أي: حرم مكة، نص عليه أحمد.

ولم يَعُدَّه الموفق والشارح من الأغسال المستحبة.

(وَ) الحادي عشَرَ: الغسل لـ (وُقُوفٍ بِعَرَفَةَ)؛ لما صح عن عمر وابن عمر رضي الله عنهما من الغسل يوم عرفة [ابن أبي شيبة: 15558، 15560].

واختار شيخ الإسلام: عدم استحبابه؛ لعدم نقله عن النبي صلى الله عليه وسلم (1).

(وَ) الثاني عشَرَ: الغسل لـ (طَوَافِ زِيَارَةٍ) وهو طواف الإفاضة، (وَ) الثالث عشَرَ: الغسل لطواف (وَدَاعٍ، وَ) الرابع عشَرَ: الغسل لـ (مَبِيتٍ بِمُزْدَلِفَةَ، وَ) الخامس عشَرَ: الغسل لـ (رَمْيِ جمارٍ)؛ لأن هذه كلها أنساك

(1) نقله المرداوي في الإنصاف والبعلي في الاختيارات، ولكن قال في مجموع الفتاوى (26/ 132):(ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه في الحج إلا ثلاثة أغسال: غسل الإحرام، والغسل عند دخول مكة، والغسل يوم عرفة).

ص: 97

يجتمع لها الناس، فاستحب لها الغسل؛ كالإحرام ودخول مكة.

قال شيخ الإسلام: (الغسل لرمي الجمار وللطواف والمبيت بمزدلفة لا أصل له، لا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه، بل هو بدعة، إلا أن يكون هناك سبب يقتضي الاستحباب، مثل أن يكون عليه رائحة يؤذي الناس بها، فيغتسل لإزالتها).

والسادس عشَرَ: الغسل عند غَسل الميت، كبيراً كان الميت أم صغيراً، ذكراً أم أنثى، حرًّا أم عبداً، مسلماً أم كافراً؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً:«مَنْ غَسَّلَ مَيِّتاً فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» [أحمد: 7770، وأبو داود: 3161، والترمذي: 993، وابن ماجه: 1463]، وحُمِلَ الأمر على الاستحباب؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً:«لَيْسَ عَلَيْكُمْ فِي غَسْلِ مَيِّتِكُمْ غُسْلٌ إِذَا غَسَّلْتُمُوهُ، فَإِنَّ مَيِّتَكُمْ لَيْسَ بِنَجَسٍ، فَحَسْبُكُمْ أَنْ تَغْسِلُوا أَيْدِيَكُمْ» [الحاكم: 1426، وحسن إسناده شيخ الإسلام وابن حجر].

- مسألة: (وَ) يجب أن (تَنْقُضَ المَرْأَةُ شَعْرَهَا لِـ) غسل (حَيْضٍ وَنِفَاسٍ)، وهو من المفردات؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة لما حاضت في الحج:«انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي» [البخاري: 316، ومسلم: 1211]، ولا يكون المشط إلا في شعرٍ غير مضفور.

وحكى ابن الزاغوني رواية، واختارها ابن قدامة وفاقاً للثلاثة (1): لا

(1) ونسبه ابن قاسم في حاشيته على الروض لشيخ الإسلام. (1/ 287).

ص: 98

يجب النقض؛ لحديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله، إني امرأة أشد ضَفْرَ رأسي، فأنقُضُه لغسل الجنابة؟ قال:«لَا، إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ، ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ المَاءَ فَتَطْهُرِينَ» [مسلم: 330]، وفي رواية: فأنْقُضُه للحيضةِ والجنابة، فقال:«لَا» ، وأما حديث عائشة رضي الله عنها فهو في غسل الإحرام، لا في الغسل من الحيض.

- مسألة: و (لَا) يجب النقض لغسل (جَنَابَةٍ إِذَا رَوَّتْ أُصُولَهُ) أي: أصول شعرها، اتفاقاً؛ لحديث أم سلمة رضى الله عنها السابق، والفرق بين الجنابة وبين الحيض والنفاس: أن الجنابة تكثر فيشق ذلك فيها، بخلاف الحيض والنفاس.

- مسألة: (وَسُنَّ تَوَضُّؤٌ بِمُدٍّ، وَاغْتِسَالٌ بِصَاعٍ) وهو أربعة أمداد؛ لحديث أنس رضي الله عنه: «كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَتَوَضَّأُ بِالمُدِّ، وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ، إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ» [البخاري: 201، ومسلم: 325]، فإن أسبغ بأقلَّ أجزأه ولم يكره.

- فرع: المد = رطل وثُلُث عراقي، والرطل العراقي = 90 مثقالاً، فرطل وثلث = 120 مثقالاً، والمثقال بالغرامات = 4.25، وعلى هذا فالمد: 120× 4.25 = 510 غرامات، والصاع: 510 × 4 = 2040 غراماً.

- فرع: بيان قدر المد والصاع بالوزن يفيد في خمسة مواطن:

1 -

مقدار الوضوء والغسل.

ص: 99

2 -

مقدار زكاة الفطر.

3 -

مقدار فدية الطعام لمرتكب المحظور في الحج وفي العمرة.

4 -

الكفارات، مثل كفارة ظهار ويمين ونحوهما.

5 -

النذر، كمن نذر الصدقة بمد أو صاع.

- مسألة: (وَكُرِهَ إِسْرَافٌ) في وضوء وغسل؛ لحديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بسعد وهو يتوضأ، فقال:«مَا هَذَا السَّرَفُ؟ » ، فقال: أفي الوضوء إسراف؟ ، قال:«نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهَرٍ جَارٍ» [ابن ماجه: 425].

- مسألة: النية في الغسل على أقسام:

الأول: أن يغتسل بنية رفع الحدث الأكبر، ويتوضأ بنية رفع الحدث الأصغر: فيرتفع الحدثان.

(وَ) الثاني: (إنْ نَوَى بالغُسْلِ رَفْعَ الحَدَثَيْنِ) الأكبرِ والأصغرِ ولم يتوضأ: أجزأ عنهما؛ لأن الله أمر الجنب بالغسل، ولم يأمره معه بالوضوء.

والثالث: (أَوْ) نوى بغسله رفع (الحَدَثِ، وَأَطْلَقَ)، فلم يقيده بالأكبر ولا بالأصغر:(ارْتَفَعَا)؛ لشمول الحدث لهما.

والرابع: أن يغتسلَ وينويَ رفع الحدث الأكبر، ولا ينويَ رفع الحدث

ص: 100

الأصغر: فلا يرتفع الأصغر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» [البخاري: 1، ومسلم: 1907].

واختار شيخ الإسلام: أنه يرتفع الأصغر أيضاً؛ لقوله تعالى: (وإن كنتم جنباً فاطهروا)[المائدة: 6]، فدل على أن الإنسان إذا طهر بدنه حصلت له الطهارة، وفي حديث عمرانَ رضي الله عنه في قصة الرجل الذي كان معتزلاً لم يصل في القوم، فقال صلى الله عليه وسلم:«اذْهَبْ فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ» [البخاري: 344]، ولم يأمره بالوضوء.

- مسألة: (وَسُنَّ) لحائض ونفساء انقطع دمهما، و (لِجُنُبٍ: غَسْلُ فَرْجِهِـ) ـم (وَالوُضُوءُ) في ثلاثة مواطن:

الأول: (لَأَكْلٍ وَشُرْبٍ)؛ لحديث عائشة رضي الله عنها: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَنَامَ تَوَضَّأَ» تعني: وهو جنب [أبو داود: 224]، والحائض والنفساء بعد انقطاع دمهما في معناه.

(وَ) الثاني: لـ (نَوْمٍ)؛ لما جاء عن عمر رضي الله عنه: أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: «نَعَمْ، إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرْقُدْ وَهُوَ جُنُبٌ» [البخاري: 287، ومسلم: 306]، ولم يجب؛ لأنه جواب سؤال، والأمر إذا ورد جواب سؤال لم يدل على الوجوب اتفاقاً.

(وَ) الثالث: لـ (مُعَاوَدَةِ وَطْءٍ)؛ لحديث أبي سعيد رضي الله عنه مرفوعاً: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ، فَلْيَتَوَضَّأْ بَيْنَهُمَا وُضُوءًا» [مسلم: 308]، وزاد الحاكم:«فَإِنَّهُ أَنْشَطُ لِلْعَوْدِ» [المستدرك: 542].

ص: 101