المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌باب تمهيدي: واقعٌ أليم: الواقع أليمٌ ينطق بتخلُّفِ الأمة الإسلامية، ولم تكن - أساليب الغزو الفكري للعالم الإسلامي

[علي جريشة]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة:

- ‌باب تمهيدي:

- ‌الباب الأول: الإتجاه الغربي

- ‌الفصل الأول: مراحل الغزو الفكري الغربي

- ‌مدخل

- ‌المبحث الأول: مرحلة ما قبل إسقاط الخلافة الإسلامية

- ‌أولا: الحروب الصليبية

- ‌ثانيًا: الاستشراق

- ‌ثالثًا: التبشير

- ‌رابعًا: تقطيع أوصال دولة الخلافة

- ‌المبحث الثاني: مرحلة إسقاط الخلافة الإسلامية

- ‌أولا: فصل الدين عن الدولة

- ‌ثانيًا: نشر القومية في مواجهة الخلافة

- ‌ثالثًا: إسقاط الخلافة الإسلامية

- ‌المبحث الثالث: مرحلة ما بعد إسقاط الخلافة الإسلامية

- ‌الفصل الثاني: التغيير السياسيّ والاجتماعيّ في المنطقة الإسلامية

- ‌المبحث الأول: التغيير السياسيّ

- ‌المبحث الثاني: التغيير الاجتماعيّ

- ‌المبحث الثالث: أساليب التغيير الإجتماعي "أو التغريب

- ‌مدخل

- ‌أولًا: العلمانية

- ‌ثانيًا: القومية

- ‌ثالثًا: تحرير المرأة

- ‌المبحث الرابع: ما يفعل بنا الصليبيون

- ‌مدخل

- ‌أولًا: بالنسبة للأسلوب

- ‌ثانيًا: بالنسبة للهدف

- ‌الباب الثاني: الإتجاه الماركسي

- ‌تمهيد

- ‌الفصل الأول: الوعاء

- ‌مدخل

- ‌المبحث الأول: البيئة

- ‌المبحث الثاني: مؤسس للفكرة

- ‌الفصل الثاني: المبدأ

- ‌مدخل

- ‌المبحث الأول: المبدأ في أساسه

- ‌أولا: المادة

- ‌ثانيًا: الجدل

- ‌المبحث الثاني: الماركسية والدين

- ‌مدخل

- ‌أولًا: موقف الماركسية من الدين

- ‌ثانيا: موقف الدين من الماركسية

- ‌الفصل الثالث: ماذا فعلت الماركسية بالمسلمين

- ‌المبحث الأول: المسلمون في الاتحاد السوفيتي

- ‌المبحث الثاني: المسلمون في غير الاتحاد السوفيتي من البلاد الماركسية

- ‌أولا: من الصين

- ‌ثانيًا: من يوغسلافيا

- ‌ثالثًا: من بلغاريا

- ‌رابعًا: من ألبانيا

- ‌خامسًا: من الصومال

- ‌المبحث الثالث: كيف يعملون الآن في العالم الإسلاميّ

- ‌الباب الثالث: الصهيونية "اليهودية العالمية

- ‌الفصل الأول: التعريف بالصهيونية ومنشؤها

- ‌المبحث الأول: التعريف بالصهيونية

- ‌المبحث الثاني: منشأ الصهيونية

- ‌الفصل الثاني: مقومات الصهيونية

- ‌المبحث الأول: المقومات الدينية

- ‌أولًا: امتلاك فلسطين والأقطار المجاورة لها

- ‌ثانيًا: فكرة المسيح المنتظر:

- ‌ثالث: اخضاع العالم لسلطان اليهود-شعب الله المختار

- ‌التعاليم السرية في التلمود والكبالا:

- ‌المبحث الثاني: المقومات السياسية

- ‌الفصل الثالث: مناهج الصهيونية ووسائلها

- ‌المبحث الأول: مناهج الحركة الصهيونية

- ‌السيطرة الفكرية

- ‌ السيطرة المالية:

- ‌ السيطرة السياسية:

- ‌ السيطرة العسكرية:

- ‌المبحث الثاني: وسائل تنفيذ المناهج الصهيونية

- ‌مدخل

- ‌بروتوكولات صهيون:

- ‌محاربة الصهيونية للإسلام:

- ‌الفصل الرابع: المنظمات الصهيونية

- ‌مدخل

- ‌منظمات يهودية علنية:

- ‌المنظمات السرية

- ‌المحافل الماسونية

- ‌الباب الرابع: اتجاهات إسلامية

- ‌مدخل

- ‌الفصل الأول: إتجاهات قاصرة

- ‌مدخل

- ‌المبحث الأول: اتجاهات نحو العقيدة

- ‌أولا: صواب البدء بالعقيدة

- ‌ثانيًا: خطأ وخطر:

- ‌المبحث الثاني: الاقتصار على النسك

- ‌المبحث الثالث: مدارس العقل والعقلاء

- ‌الفصل الثاني: محاولة لخطٍّ إسلاميٍّ أصيل

- ‌المبحث الأول: ضلال وقصور

- ‌أولًا: ضلال الاتجاهات الدخيلة

- ‌المبحث الثاني: أين الطريق

- ‌مدخل

- ‌أولًا: الإنسان كله:

- ‌ثانيًا: الشريعة كلها

- ‌الفصل الثالث: جوانب شريعة الله

- ‌مدخل

- ‌المبحث الأول: العقيدة والأخلاق والشعائر

- ‌أولًا: جانب العقيدة

- ‌ثانيًا: جانب الأخلاق

- ‌ثالثًا: جانب الشعائر

- ‌المبحث الثاني: بقية الجوانب

- ‌مدخل

- ‌النظام الاقتصاديُّ الإسلاميُّ:

- ‌النظام السياسيّ الإسلاميّ:

- ‌المراجع:

- ‌الفهرس:

الفصل: ‌ ‌باب تمهيدي: واقعٌ أليم: الواقع أليمٌ ينطق بتخلُّفِ الأمة الإسلامية، ولم تكن

‌باب تمهيدي:

واقعٌ أليم:

الواقع أليمٌ ينطق بتخلُّفِ الأمة الإسلامية، ولم تكن كذلك:

لقد عاشت أكثر من ألف سنة في مقدمة الأمم، بل لقد عاشت فترةً طويلةً هي الأمة الأولى في العالم كله، يعمل لها ألف حساب، ويطلب ودها، ويسعى أمثال إمبراطور ألمانيا للتقرب من خليفتها؛ فيرسل له الهدايا..

وحملت في خلال هذه الفترة حضارة الإسلام للدنيا كلها، حملتها بالعلم والخلق قبل أن تحمل السيف في وجه أعداء الإسلام، ولم تكره على عقيدتها أحدًا، فإن القرآن علمها أن {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّين} 1، وإنما دخل الناس في دين الله أفواجًا لمًّا رأوا صفاء العقيدة وسموها، ولما شاهدوا جمال الخلق ورفعته، فأحسوا أن هذا الدين ينشء نشأً جديدًا، يخرجهم من "عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والأخرة".

وما عرفه الغرب من تقدمٍ، كان نتيجة احتكاكه بالشرق الإسلاميّ.

إن نقطة البدء في ذلك التقدم كانت حركة الإصلاح الدينيّ؛ حيث ثار الناس على ظلم الكنيسة واضطهادها، وثاروا على كثير من مفاهيمها المعقدة، بعدما رأوا صفاء العقيدة الإسلامية ويسرها، وسماحة الإسلام وسمو خلقه.. ثم كانت بذور النهضة الأوروبية العلمية أخذًا عن علماء المسلمين الذين تعلم الغربيون على أيديهم في جزر البحر الأبيض، وفي الأندلس، ومن قبل ذلك احتكوا بهم إبان الحروب الصليبية.

وإذا بدأ الغرب في نهضته.. بدأ الشرق الإسلاميّ في كبوته.

وكان لذلك أسباب عديدة، بعضها من أنفسنا، وبعضها خارجٌ عن إرادتنا.

أسباب من أنفسنا:

{وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} 2 تلك

1 البقرة 256.

2 الشورى 30.

ص: 5

سنة الله في أرضه، وحكمه بين خلقه، لا يخفض قومًا بعد إذ رفعهم إلّا بما كسبت أيديهم، ولا يغيِّرُ بعد ذلك ما بهم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

وهو ما حدث بالأمة الإسلامية حين داخلها شيء من الغرور أن الله اختارها ولن يستبدل بها، ونسيت أن الاختيار مؤسس على أسبابه.

{تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} 1 وتحت هذه الشعب الثلاث يندرج الإسلام كله.

أ- إن أول ما أصاب الأمة الإسلامية بُعْدُهَا عن كتاب ربها وسنة رسولها، ومحاولة الأخذ من غير هذين النبعين الصافيين الأصليين، خاصةً بعد ما أوتي الغرب شيئًا من التفوق الحضاريّ على أساس ماديّ.

ب- وصحب ذلك انهزام داخليّ، أصاب شعور الأمة أو بعضها، فعدلت ما عند الناس بما عند الله، إن لم يداخلها الوسواس أنه أفضل.

ج- وصحب ذلك التقليدُ والمحاكاةُ.. ولم تكن تلك صفة الأمة الإسلامية، بل ليست هذه صفة الأمم الأصيلة.

إنها صفة القردة.. أن كانوا حيوانات.. أو كانوا ممن غضب الله عليهم ولعنهم، وجعل منهم القردة وعبدة الطاغوت.

د- ولازم ذلك كله الفرقة.

تفككت الدولة الواحدة وأصبحت دويلات2، وتصارع الحكام على الدنيا، وأحلوا قومهم دار البوار..

والفرقة دائمًا فرصة العدو للنفاذ.. إن الصف المتلاحم المتلاصق لا يستطيع عدوٌّ أن يخترقه، أما الصف المضطرب المختلف الممزق فاختراقه سهل ويسير، والحزمة الواحدة قوية قد تستعصي على الكسر، أما العيدان المتفرقة فكسرها سهل يسير.

هـ- وأعقب ذلك كله تخلف عن مواكبة العصر فيما وصل إليه من أبحاث علمية تجريبية، وما فرض من إغلاق باب الاجتهاد، فينقلوا الغثَّ مع السمين، بل ينقلون الغثَّ أكثر مما ينقلون السمين، وهكذا رأينا ثمار البعثات الخارجية، أخذًا بقشور المدنية الغربية وفسادها، دون أخذ بلبابها.

1 آل عمران 110.

2 انظر كيف تفككت الأمة الإسلامية الواحدة إلى دولة المغول الإسلامية في الهند، ودولة فارس، والدولة العثمانية، ودولة المماليك في مصر.

وانظر كيف هي الآن أشد تفككًا، وكيف تقوم فيها دول هي بالنسبة للأخرى بمثابة أحياء في مدينة.

ص: 6

أما الأسباب الخارجة عن أنفسنا:

فهي التي فرضها أعداء الإسلام على المسلمين، وكانت نتيجةً لتخطيط أثيمٍ بدأ منذ الحروب الصليبية، وانتهى إلى الحرب الضارية التي تمارس الآن على العالم الإسلاميّ، ولكن بأسلوب جديد، وهو موضوع هذه الدراسة بإذن الله.

وقبل أن نغادر هذا الباب للحديث عن غزوة المسلمين، نشير إلى أنه رغم الضراوة الشديدة التي يمارسها أعداء الإسلام، فلا يزال الحلُّ بأيدينا..لا يزال بأيدينا النور..ولا يزال أمامنا الطريق..وبعد ذلك، فلقد خص الله هذه الأمة فجعلها قلب العالم كلِّه من كل ناحية.

- من ناحية المكان: هي مركز الدائرة بالنسبة للعالم كله، وهو ما يجعل لها مركزًا استراتيجيًّا خطيرًا لا يتوفر لأية أمة أخرى1.

- من ناحية الثروات: فلقد جمع الله فيها أنواع الثروات الأرضية بما يحقق اكتفاءً ذاتيًّا، وبما يحقق حاجة العالم كله إليها.

وليس الأمر قاصرًا على البترول، وتكفي هذه الإشارة.

- من ناحية الخامة البشرية: فإن الدراسة المنصفة للطبيعة البشرية وخصائصها، تجعل لهذه الأمة من الخصائص البشرية ما ليس لأمة أخرى، وبذلك تتحقق الوسطية لهذه الأمة على اختلاف وجوهها.

وصدق الله العظيم:

{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} 2.

وقبل ذلك، وبعد ذلك، ما قلناه من نور، ومن طريق، وهو ما نشير إليه -بمشيئة الله- في نهاية البحث كله.

1 سجَّل الدكتور حسين كمال الدين، الأستاذ بكلية الهندسة بجامعة الرياض، في بحث علميٍّ هامٍّ أن الكعبة المشرفة هي المركز لدائرة العالم كله؛ بحيث لو أردنا رسم دائرةٍ للعالم لكان لزامًا وضع السن على الكعبة المشرفة؛ ليمكن رسم هذه الدائرة.

"البحث قُدِّمَ لمؤتمر الفقه الإسلاميّ المنعقد بالرياض في ذي القعدة 1396".

2 البقرة 143.

ص: 7

توطئة:

تقوم الحضارة الغربية الحديثة على أساسٍ من فكر فلسفيٍّ أرسى قواعده أمثال: ديكارت، صاحب منهج البحث الاستنباطي، وفرنسيس بيكون، صاحب المنهج التجريبيّ، وكومت، مؤسس المذهب الوضعي، وهو في جملته فكر ماديّ، نتج عنه بعد ذلك في أمريكا مذهب البراجماتزم أو المذهب العلمي، وهو الذي ساد الفكر الأميريكيّ منذ القرن الماضي.

وتقوم الماركسية كذلك على أساسٍ من فكرٍ ماديٍّ يعطي المادة كل شيء، ويفسر التاريخ على أساس منها، وقد أخذ كارل ماركس عن غيره من فلاسفة الغرب -كما سنشير بتفصيل في موضعه بإذن الله.

ولئن بقي في الغرب أثارة من دين وسط التيار الماديّ العارم، فإنها "غلالة" رقيقة لا نحسب أنها ستصمد طويلًا، ودليل ذلك إحصائيات كثيرة، ودليلة كذلك لجوء رجال الدين في الولايات المتحدة من أجل ترويج بضاعتهم إلى وسائل لا تتفق أبدًا مع الدين، وهو ما يحدث من دعوتهم الشباب من الجنسين عقب الصلوات إلى حفلات راقصة، تخفت فيها الأنوار، وتتلاصق الأجساد، وتنطلق الأنغام خافتة حالمة، توقظ الرغبة وتشعل الشهوة.

وبقايا الحمية الدينية عندهم لم تعد تظهر إزاء الانحرافات الخطيرة الواقعة في مجتمعاتهم، والتي تهدد مجتمعهم نفسه بالتصدع والسقوط، وإنما تظهر فقط إزاء الأديان الأخرى، وبالتحديد إزاء كل تجمع إسلاميٍّ يبغي إعادة مجد الإسلام -كما سنبينه من خلال هذا البحث.

وقيام الشرق والغرب رغم اختلافهما الظاهر على أساسٍ فكريٍّ واحد1 أمر يستلفت النظر، ويوحي بالتساؤل، تمامًا كما تشهد في طريقك بناءين مقامين على تصميمٍ هندسيٍّ واحد؛ فتشهد أن المصمم واحد، أو أنهما خريجا مدرسة واحدة، وكما نشهد خلق الله، فنجد من كل زوجين اثنين؛ الإنسان فيه الذكر والأنثى.

1 التفكير الماديّ العلميّ ينقسم إلى اتجاهين:

- الاتجاه الميكانيكي Mechanistie Materialisme وهو اتجاه ماديّ لا يرى وجودًا للروح أو العقل، فضلًا عن أن ينسب إليهما تدبير الجسم.

- الاتجاه الماديّ الديالكتيكي Dialecae Maerialisme ويرى أن وجود الروح والعقل نابع لوجود المادة، والاتجاهان بذلك ينكران الغيب أو يستبعدانه. للدكتور البهيّ، ص86، الفكر الإسلاميّ الحديث وصلته بالاستعمار الغربيّ.

ص: 8

الحيوان فيه الذكر والأنثى.

النبات فيه الذكر والانثى.

الجماد فيه الموجب والسالب، كما في الكهرباء، والمغناطيس، والذرة.

فنخرج من هذا، أن الخالق الصانع، واحد سبحانه وتعالى.

قيام المعسكرين المتنازعين على أساس فكريٍّ واحد، أمر يستلفت نفس النظر، ويوحي نفس التساؤل،

وننظر فنجد كارل ماركس من أصل يهوديّ1، ونجد الثورة البلشفية قد مُولَت بأموال يهودية2.

ونجد كثيرًا من القيادات الشيوعية يهودية الأصل3.

ونجد الشعار الشيوعيّ هو الأفعى الرمزية، وهي رمز للأمة اليهودية، وبداخلها النجمة السداسية، وهي شعار اليهود كذلك4.

وننظر إلى الغرب، فنجد فكرة فصل الدين عن الدولة من عمل اليهود5، ونجد الحروب الصليبية6 وبعض الحروب العالمية من عملهم كذلك7.

وتجد بصماتهم في وعد بلفور، وفي الإعداد لدولة إسرائيل، وفي الاعتراف بدولة إسرائيل، والتدخل لمساعدتها.

كما نجد هذه البصمات في مثل: جون كنيدي، وفي عزل نيكسون -وهما من رؤساء الولايات المتحدة السبابقين، وفي بعض الأحداث في المنطقة الإسلامية والعربية.

ونعود إلى الأساس الذي بُنِيَ عليه الفكر الغربيّ والماركسيّ "المادة" فنجد التشابه بينه وبين ما يؤمن به اليهود، وكل إناء بما فيه ينضح، إن القرآن وصفهم {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ} 8 أي: حياة ولوكانت رخيصة؛ لأن للمادة ثقلها في نفوسهم وقلوبهم.

وانتشار الأساس الماديّ يؤدي إلى الصراع على المادة، ثم يؤدي إلى الانزلاق في الشهوات، وكلًّا من الأمرين من سياسة اليهود {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} 9.

1 الشيوعية والإنسانية في شريعة الإسلام، للأستاذ عباس محمود العقاد ص33، 43.

2، 3 محمد خليفة التونسي "الخطر اليهودي" الطبعة الرابعة ص68، ص110.

4 سرجي نيلوس "ترجمة البروتوكولات" المرجع السابق ص4، 24، 213 وما بعدها.

5، 6 وليام غاي كار "أحجار على رقعة الشطرنج" 13 تشرين 1958م

7 محمد خليفة التونسي، المرجع السابق.

8 البقرة 96.

9 سورة المائدة 64.

ص: 9

وما نود بعد ذلك أن نخوض في مدى سلامة البروتوكولات التي نشرها سرجي نيلوس لأول مرة في سنة 1902، بعد أن وصلت إليه -كما ذكر- في سنة 1901، فإنها من ناحية السند ضعيفة؛ إذ لم يعرف مصدرها الحقيقيّ حتى الآن1.

ولكن الأحداث التي جرت، والتي تجري، قد تؤكد صحتها وسلامة نسبتها، مما يشعر معه الإنسان أنه أمام ما قد يسمى بالحقائق المسلمة.

ووقوع الأحداث التي توقعها ناشرها بعد نشرها بفترات، أقلها خمسة عشر عامًا، وأطولها ما يقرب من الخمسين، يلقي ظلالًا على صحة هذه الوثائق، فقد تنبأ نيلوس أن يحاول اليهود الاستيلاء على السلطة في روسيا، وتَمَّ لهم ذلك بعدها بحوالي خمسة عشر عامًا، وتنبأ نيلوس أن تحاول الأفعى اقتحام الأستانة قبل أن تقوم دولة لليهود2.

وألغيت الخلافة الإسلامية في سنة 1343هـ، وكانت اليد الخفية تعمل في الظلام على تحطيمها.

وقامت دولة إسرائيل سنة1367هـ، واعترفت بها أمريكا، وأعقبتها روسيا في يوم واحد.

ومع ذلك كله، فيبقى احتمال وجود اليهود وراء الفكرين الغربيّ والشرقيّ من الناحية العلمية، مجرد احتمال، وإن كان احتمالًا راجحًا -لكنا نأخذه بحذر حتى لا نقع في "التهويل" كما لا ينبغي أن نقع في "التهوين" فكلاهما تطرف غير سليم، كلاهما إفراط وتفريط، وتبقى الاحتمالات الأخرى قائمة، وأن كانت مرجوحة، ومن بينها أن يكون الانتكاس قد أصاب الفطرة الإنسانية في الشرق والغرب في وقت واحد، فقامت فلسفتهما وفكرهما على أساس أن:"لا موجود إلّا المادة"3.

وهذا الأساس بغير إغراقٍ في الجانب الفلسفيّ ليس صحيحًا على إطلاقه؛ إذ لا شك بوجود أشياء غير المادة؛ فالفكر والفهم ليس أمرًا ماديًّا، وهو موجود، والمشاعر والعواطف ليست أمرًا ماديًّا، وهي موجودة.

والله سبحانه وتعالى ليس شيئًا ماديًّا، وهو سبحانه وتعالى موجود.

ولا يلزم للوجود أن تدركه الحواس بالبصر أو باللمس أو بالشم، كما يذهب أكثرهم، فإن الإدراك بالأثر أقوى وأشد، فأنت لا ترى

1 تعلمنا علوم السنة علمًا جليلًا، لم يصل إليه بعد علم الغرب، وهو علم الرجال، وما يتعلق بهم من جرح وتعديل، وهو علم دقيق بالغ الدقة، وتطبيق قواعده لمعرفة سند البروتوكولات إلى أبناء صهيون قد يؤدي -حتى الآن- إلى استبعادها، لكن الأحداث تؤيد وترجح صدق ما جاء فيها، أي: صدق نسبتها.

2 سرجي نيلوس، المرجع السابق ص216، 217.

3 الزميل الكبير الدكتور جعفر إدريس في محاضرة قيمة عن الماة، غير منشورة.

ص: 10

الكهرباء، ولكن تدرك أثرها وهو النور، وأنت لا ترى الروح، ولكن تدرك أثرها وهو الحياة، ثم إذا تدرجت مع الماديين وساءلتهم: من الذي أوجد المادة، فيستدرجون معك حتى يتدرج مثل:"دارون" إلى الخلية الأولى، ونقول له: من الذي أوجد الخلية الأولى؟ سيسكت بعضهم، وسيقول آخرون: المصادفة، أو الطبيعة، والساكتون أراحوا واستراحوا.

والقائلون بالمصادفة أو الطبيعة ندع فريقًا آخر يرد عليهم.

- إن القول بأن الحياة وجدت نتيجة حادث اتفاقيٍّ شبيه في مغزاه بأن نتوقع إعداد معجم ضخم نتيجة انفجار صدفي يقع في مطبعة1.

- لو جلس ستة من القرود على آلات كاتبة، وظلت تضرب على حروفها لملايين السنين، فلا يستبعد أن نجد من بعض الأوراق التي كتبوها قصيدة من قصائد شكسبير، وكذلك كان الكون الموجود الآن نتيجة عمليات عمياء ظلت تدور في المادة لبلايين السنيين2.

- ولو كان يمكن للكون أن يخلق نفسه، فإن معنى ذلك أن يتمتع بأوصاف الخالق، وفي هذه الحالة سنضطر أن نؤمن بأن الكون هو الإله، وهكذا ننتهي إلى التسليم بوجود الإله، ولكن إلهنا هذا سوف يكون عجيبًا، إلهًا غيبيًّا وماديًّا في آنٍ واحد، إنني أفضل أن أؤمن بذلك الإله الذي خلق العالم المادي وهو ليس بجزء من هذا الكون، بل هو حاكمه ومدبره، بدلًا من أن أتبنى هذه الخزعبلات3.

ويعقب القرآن على تلك القضية، ويصفها في تساؤل جميل:

- {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ، أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ} ؟ 4

وفي مكان آخر تساؤل آخر:

{أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} ؟

{أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ} .

{أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ} .

1 البروفسور أيدوين كويكلين.

2 هكسلي.

3 جورج أبرل ديفس اقرأ تفصيلًا وعرضًا جميلًا في كتاب الإسلام يتحدى، مدخل علمي للإيمان، تأليف وحيد الدين خان، وتقديم ومراجعة عبد الصبور شاهين، الطبعة الثالثة، المختار الإسلامي 1972م.

4 سورة الطور 35، 36.

ص: 11