الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النظام الاقتصاديُّ الإسلاميُّ:
قد يحتاج النظام الاقتصاديُّ الإسلاميُّ إلى حديث طويل، وقد يحتاج إلى مقارنةٍ مع أنظمةٍ متعددةٍ؛ شرقية وغريبة، ليس من قبيل مقارنة المثيل بالمثيل، ولكن قريبًا من مقارنة الظلام والنور، والظل والحرور، وبضدها تتميز الأشياء، لكن حسبنا في هذا المقام أن نرسم الخطوط العريضة لندع للدراسة الواسعة المتأنية التفصيل بمشيئة الله.
ويكتفي بالحديث عن أمرين:
1-
خصائص النظام الإسلاميِّ الاقتصاديِّ.
2-
الخطوط الرئيسية للنظام الاقتصاديِّ الإسلاميِّ.
وإن كان الفصل بين الأمرين مجرد فصل نظريٍّ.
أولًا: خصائص النظام الاقتصاديِّ الإسلاميِّ.
1-
نظام ربانيٌّ:
بمعنى: أن مصدره هو الله سبحانه، بما جاء في كتابه، أو في سنة رسوله، أو ما أجمع عليه العلماء المسلمون، أو ما كان سابقهً ناجحةً في نظام الحكم الإسلاميِّ؛ لأنها مستقاة أولًا من معين ربانيٍّ، ولأنها ثانيًا اجتهاد صحابةٍ أو تابعين لهم بإحسان، يغني عنها اجتهادنا لو بلغنا إلى أفضل مما بلغوه، وربانية النظام تجعل له سحرًا آخر.
أولًا: أنه يستثير في النفس وازعًا لحفظه وحمايته أقوى من كل وازع، فلا تحتاج إلى كثير من الأجهزة الثقيلة المعقدة التي أثقلت بها كواهل الشعوب، وأثقلت بها ميزانيات الدول، وثقلت بها صدور الناس!
ومن هنا ندرك الفارق بين حصيلة الزكاة على عهد عمر بن عبد العزيز
التي وفت كل المحتاجين من الفقراء والمساكين، ثم العاملين عليها، ثم بقية المصارف الأخرى، حتى بلغت إلى الغارمين، فسددت الدولة عن المدينين ديونهم.
ندرك الفارق بين مثل هذه الحصيلة، ومجموع حصيلة الضرائب كلها، المتعددة التي لا تكاد تسد مصرفًا واحدًا من هذه المصارف!
ثانيًا: تجعل احترامه والخضوع له من المحكوم ومن الحاكم على السواء؛ لأنه من مصدر فوق هذا وذاك وأعلى وأسمى.
ثالثًا: يتحقق التكامل بين النظام الاقتصاديّ والنظام الاجتماعيّ والنظام السياسيّ؛ لأن الكل من مصدر واحد، والتجزئة بينها غير جائزة!
2-
انتقاء الندرة:
مشكلة المشاكل في النظم الاقتصادية المعاصرة هو ما يتناولونه تحت عنوان: الندرة، ويقصدون به قلة الموارد بالنظر إلى تزايد الناس، أو ما يصطلحون عليه بالانفجار السكانيّ، وهذه المشكلة لا وزن لها، بل لا وجود لها في النظام الإسلاميّ.
أولًا: لأن هذا النظام تقوم عقيدة أصحابه على {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِين} 1 وعلى أنه {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} 2 وعلى أن الله قسم الرزق كما قسم الأجل، وإن الرزاق ليطلب المرء كما يطلبه أجله.
ومن ثَمَّ فلا يمكن أن يأتي وقت، أو يوجد مكان، تحقق فيه الندرة، اللهم إلّا أن يكون الأمر عقابًا من عند الله {وَلَقَدْ أَخَذْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ} 3 وكلما أقبلت الأمة على الله، كلما زاد لها في رزقها {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} 4.
1 الذاريات 58.
2 هود 6.
3 الأعراف 130.
4 الأعراف 96.
أضف إليها بعد ذلك قول الحكيم الخبير: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} 2 فنعمة الله ليست نادرةً، بل هي أعظم من أن تحصى.
ثانيًا: من ناحية الواقع
فإن واقع الأمة الإسلامية يؤكد أمرًا هامًّا، أنها إن عادت أمة واحدة، وعادت إلى ربها، فلا يمكن أن تتحقق فيها ندرة أبدًا..
- إن المنطقة الإسلامية أخصب بقاع الأرض زراعيًّا..
- وأغنى بلاد الأرض بالمواد الأولية، وفي مقدمتها أنفسها، الذهب، واليورانيوم، والبترول.
- وهي أوسط بلاد العالم موقعًا تجاريًّا واستراتيجيًّا؛ إذ تشرف على منافذ البحار والمحيطات، ويمكن لها أن تتحكم فيها، وهي من ناحيةٍ أخرى تقع في مكان وسط بين قارات العالم، وهي من ناحيةٍ ثالثةٍ أكثر البلاد اعتدالًا وصلاحيةً لكل أنواع الإنتاج.
ومن ثَمَّ، فإن صح أن توجد الندرة في الشرق أو في الغرب بذنوب أهله وعصيانهم، وبافتقاد المكان الذي حبا الله به أمة محمد عليه الصلاة والسلام.
- فإنه لا يصح بالنسبة للأمة الإسلامية إذا عادت مرة أخرى أمة الإسلام؟
3-
ابتغاء الآخرة:
وقد كان يصح أن تكون هذه هي الخصيصة الثانية، لكنَّا فضلنا أن نشير إلى الربانية، ثم إلى الندرة باعتبار الأولى صبغة هامة عامة، وباعتبار أهمية الثانية عند أهل العصر، ومخالفة الإسلام لها..
1 نوح 10-12.
2 إبراهيم 34.
أما ابتغاء الآخرة فهي خصيصة هامة، وتأخيرها لا يقلل من أهميتها، وابتغاء الآخرة يخفف كثيرًا من غلواء الأنظمة القائمة التي تتعامل وكأنه ليس في الحياة إلّا المادة، وكأن ليس بعد الدنيا آخرة يحاسب فيها المرء {فَأَمَّا مَنْ طَغَى، وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى، وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} 1.
الدنيا.. إنما تصير الدنيا وسيلةً لا غايةً، مرتقًى وليست منتهًى، طريقًا إلى هدف، وليست هدفًا في ذاتها:{وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} 2.
وهكذا يتضح وضع الاقتصاد، إن الاهتمام به واجب، لكنه لا يلهي عن الأخرة؛ لأنه نفسه طريق إلى الآخرة، وإذا ابتغى الإنسان الآخرة في اقتصاده؛ فردًا كان أو دولةً، وسار على الطريق الذي رسمه الإسلام، فإنه بلا شكٍّ يؤدي إلى عبادة من أجَلِّ العبادات؛ لأن العبادات ليست قاصرةً على النسك والتعبد، إنما تشمل كل أنشطة الحياة وكل مجالاتها3.
1 النازعات 37-41.
2 القصص 77.
3 راجع "الإيمان الحق"، الدكتور علي جريشة.
4-
التوازن:
وهذه الخصائص المتقدمة تفضي إلى ما يسمى بالتوازن الاقتصادي، وقد كان ذلك يكفي لتقول إن النظام الإسلاميّ الاقتصاديّ يقوم على التوازن، لكن الإسلام أكد هذه الخاصية بأكثر من سبيل:
فجعل التوازن أمرًا ملزمًا للفرد {وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} 1.
وجعلها بعد ذلك صفةً للجماعة لازمةً {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا" 2.
ثم جعلها أخيرًا صفةً للأمة التي أضفى عليها الخيرية في مكان آخر {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} 3.
وهكذا تكتمل حقلة التوازن أمرًا وتوجيهًا، ومن قبل ذلك نتيجةً لازمةً لخصائص أخرى!
وبهذا ينفرد النظام الاقتصاديّ عن أنظمةٍ كثيرةٍ تعاني انعدام التوازن!
5-
النظام الاقتصاديّ الإسلاميّ يرفض الترف:
قد كان يكفي أن نقول أنه متوازن، فهو يعنيأنه يرفض الإسراف، والترف قَمَتَه1، لولا أن الله ينص على الترف؛ جعله قرين الفسق، أو جعل الفسق نتيجةً، وجعل الهلاك والدمار عاقبته {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} 4 ومعنى الآية الكريمة
1 الإسراء 29.
2 الفرقان 67.
3 البقرة 143.
4 الإسراء 16.
أمرنا مترفيها أن يرجعوا ويلتزموا، لكنهم أبوا وفسقوا، فكان الهلاك والدمار.
وفي القراءة الأخرى بتشديد الميم، تعني معنى آخر، إنه إذا كان الأمر إلى المترفين، فسلام على الأمة، إنها لابد هالكة؛ لأنه إذا اجتمعت السلطة مع الترف، فإنها لا تنتج غير الفسق، ولا ينتج الفسق إلّا الهلاك والدمار1.
ولقد يكون الهلاك والدمار في صورة آيةٍ من آيات الله التي أهلك بها أممًا من قبل، قال فيها:{وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا، فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا} 2.
كما قد يكون بتسليط أعداء الله عليها ليذيقوها ألوانًا من العذاب والهوان والإذلال، أو لتتقلب من الرأسمالية الطاغية التي يتحكم فيها الترف والمترفون، إلى النقيض من ذلك، إلى جحيم الشيوعية التي يتحكم فيها السفلة والكافرون!
إن الشيء إذا زاد عن حَدِّهِ انقلب إلى ضده!
الترف يؤدي إلى ضرر اقتصاديّ هامٍّ، أنه إذا شاع أدى إلى زيادة الاستهلاك على الإنتاج، وأدى إلى التضخم، وما يترتب على ذلك من اختلال التوازن الاقتصاديّ، وحدوث الأزمات الاقتصادية، وذلك كله فوق الأضرار الاجتماعية الخطيرة التي يؤدي إليها، وفوق الأضرار السياسية، وفي مقدمتها تمكن الشيوعية الكافرة من بلاد المترفين!
وجماع هذه الأضرار أو نتيجتها هو ما أكده القرآن: الهلاك والدمار، فليحذر المترفون، وليحذر الساكتون على المترفين.
1 ورد الحديث عن الترف في آيات أخرى "بأن جعلت المكذبين من المترفين.. {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} [سبأ: 34] وبعضها جعل المترفين من أهل النار {إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ، وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيم} [الواقعة: 45، 46] .
2 الطلاق: 8، 9.
إن الهلاك والدمار يقترب منهم، فوق هلاك ودمار أشد وأكبر، إنه الجحيم يوم القيامة!
وخير للمترفين أن يضحكوا بشيء قبل أن يحرموا كل شيء، وخير لهم أن يملأوا أنصاف بطونهم، قبل أن تملأها الزقوم وشراب الجحيم {كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ، كَغَلْيِ الْحَمِيمِ} 1.
وحسبنا هذه الخصائص الخمس لننتقل إلى الحديث عن الخطوط العريضة للاقتصاد الإسلاميّ، فإنها إذا أزلنا الحاجز النظريّ، كذلك خصائص!
ثانيًا: الخطوط الرئيسية للنظام الاقتصاديّ الإسلاميّ
تنبع هذه الخطوط من التوازن الاقتصاديّ، وصبغ الأنشطة الاقتصادية المختلفة بالصبغة الربانية، ونكتفي بخطوط ثلاثة رئيسية:
1-
ملكية متوازنة.
2-
حرية اقتصادية متوازنة.
3-
نظام مصرفيّ متوازن.
ونتناولها بإذن الله على التوالي.
1-
ملكية متوازنة:
تَمَلُّكُ الإنسان أمرٌ فطريٌّ، حتى عدها علماء النفس إحدى غرائزه، والغريزة في علم النفس لا تقتل، ولكن يتسامى بها، ومن ثَمَّ فلا سبيل إلى قتل حب التملك في النفوس، والنظام الذي يفعل ذلك يقتل نفسه!
1 الدخان 45، 46.
ومن هنا كان الخطأ الرئيسيّ في النظام الشيوعيّ النظريّ الذي لم يستطع حتى الآن أن يطبق نظريته تطبيقًا عمليًّا كاملًا، وإن انتحل التعلات والمعاذير!
لكن إطلاق العنان لهذه الغريزة شأن إطلاق العنان لأية غريزة أخرى، يهلك الإنسان ويحطمه، كما يهلك النظم كله ويحطمها، ومن هنا كان خطر الرأسمالية الطاغية التي تطلق العنان للملكية، حتى تغدو لونًا من الإقطاع يسلب الناس ويستبعدهم، ويأكل أو يشرب ثمرات جهودهم، وقطرات جبينهم، بل ويمتد إلى قطرات دمائهم1، ومن ثَمَّ كان خطأ الرأسمالية أو المذهب الفرديّ..
وبين هذا وذاك، كان نظام الإسلام قوامًا، وكان كذلك قوَّامًا، والأمر أوسع من أن نعرض له في هذه العجالة.
إن الملكية في الإسلام معترف بها؛ لأن ذلك يؤدي قدرًا كبيرًا من إنجاح النظام الاقتصاديّ، فإن سُلِبَ العامل ثمرات جهوده بحرمانه من التملك، يجعله والخامل سواء، ومن ثَمَّ يركن النشاط الاقتصاديّ إلى الركود، ويضعف الإنتاج، ويتهدد البلد البطالة والمجاعة، ومن بعدها الانهيار والهلاك!
وروسيا الاشتراكية مثل قريب، فإن إنتاج روسيا لم يزد طوال خمسين عامًا من الحكم الشيوعيّ القائم على إضعاف الملكية الفردية، والمنادى بإلغائها، لم يزد عما كان عليه في العهد القيصريّ أكثر من 4%، فقد كان إنتاجها في العهد القيصريّ 46% من الإنتاج الأمريكيّ، وصار إنتاجها في العهد الشيوعيّ، وبعد خمسين عامًا من حكمه 50% من الإنتاج الأمريكيّ.
فهل تستحق الـ4% الزيادة، كل هذا الفناء والإفناء الذي أحدثه الحكم الشيوعيّ الغاشم؟!
وبلوغ الإنتاج الروسيّ مثل الإنتاج الأمريكي، حلم قصرت دون
1 مقومات الاقتصاد الإسلاميّ، للأستاذ عبد السميع المصريّ، مكتبة وهبة، ربيع الثاني 1395، مايو 1975.
تحقيقه برامجها الاقتصادية المختلفة، وخططها الخمسية والعشرية، رغم الأمانيّ التي كانت تداعب ساستها وقادتها، وكانوا يدغدغون بها عواطف الشعوب اللهثى والجوعى، التي شقيت بفردوس الشيوعية الكاذب!
لكن هذه الملكية المعترف بها للفرد في النظام الإسلاميّ، ليست طليقةً من كل قيد، بل إن كثيرًا من القيود تحوطها مما يحقق انضباطها، وبما يحقق أداءها لرسالة في المجتمع، يتحقق بها التوازن بين الفردية والجماعية، ولذا فالملكية تؤدي وظيفتين:
وظيفة فردية، بما تحقق للفرد من إشباع، ووظيفة اجتماعية، بما تحقق للمجتمع من فائدة.
وأول قيود الملكية ما أشرنا إليه سلفًا من تحريم الترف.
إن الملكية المترفة مذمومة، وإذا بلغت هذا الحد، فإما انتهى صاحبها من نفسه، وإلّا كان لوليِّ الأمر أن يقوَّمه، والسوابق الإسلامية في ذلك كثيرة، ودفع المفسدة في الإسلام مقدم على جلب المصلحة، وتلك بعض غايات التشريع الإسلاميّ الحكيم.
ويلحق بالترف أمور أخرى حرمها الإسلام؛ كالاحتكار، والغش، والتطفيف في الكيل والميزان، ويلحق به كذلك الربا، وهو آفة نفرد لها الحديث عند تناولنا للمصارف بإذن الله، وهذه كلها فيها آثار كثيرة ومشهورة.
وثاني هذه القيود: ما أقامه الإسلام من ألوان الملكية الجماعية، وهي مرافق كان الإسلام أسبق في تقدير جعل ملكيتها في يد الجماعة لا الفرد؛ لأن خيرها يعم الجميع، وضرر تركها أو منعها كذلك يعم الجميع، ومن ثَمَّ كانت الجماعة -ممثلة في أولي الأمر فيها- أقدر على إدارتها لتحقيق غايتها.
والمثل التقليدي في ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الناس شركاء في ثلاث: "الماء والكلأ والنار" لكن علماء المسلمين قاسوا عليه كل مرفق تظهر حاجة الجماعة إليه، وأهمية ملكيتها له.
وثالث هذه القيود: نظام الميراث
الذي قد يبدو لأول وهلة، أنه نظام رأسماليّ؛ إذ يعتد بالملكية وينقلها إلى ورثة صاحبها، لكن المتأمل فيه يجده قيدًا على الملكية؛ إذ يجري توزيعها وفق نظام دقيق يكفل:
1-
تفتيت هذه الثروة وانتقالها إلى أيدٍ متعددةٍ بدلًا من احتواء يد واحدة لها.
2-
أنه يجري توزيعه تبعًا للحاجة؛ فإذا كانت حاجة الأولاد أشد من حاجة الآباء باعتبار أولئك مقبلين وهؤلاء مدبرون، كان نصيب الأولاد أكبر، وإذا كانت حاجة الذكر أشد من حاجة الآنثى؛ إذ يقوم هو على عائلةٍ، بينما تكون الأنثى من بين عائلةٍ يُقَامُ عليها، كان كذلك نصيب الذكر أكبر.
3-
فوق أن النظرة الاقتصادية السليمة تجعل وضع الملكية في يد الأبناء وهم أنشط -أولى من وضعها في يد الآباء، والأغلب أنهم طاعنون في السن- كذلك وضعها في يد الذكر أجدى النشاط الاقتصاديّ، من وضعها في يد الأنثى.
وهكذا يمضي نظام الميراث حكيمًا ليؤدي وظيفة اقتصاديةً عظيمةً، عجز البعض عن إدراكها، فراح يبدل كلام الله، وينتهك حدود الله، ويسوي بين الذكر والأنثى في الميراث؛ ليحقق بذلك الظلم، وهو يحسب أنه يحقق العدل، فليس البشر مهما كان بأعدل من الله، ولا هو أحنى على البشر من رب البشر، الحنَّان المنَّان، الرحمن الرحيم، الكريم الودود!
ورابع هذه القيود ما يجعله من حق في المال:
الزكاة بأنواعها، ولو أخذت هذه الزكاة ممن تجب عليهم، ووزعها ولي الأمر على من تجب لهم؛ لحققت لونًا من العدل الاجتماعيّ لم يبلغه نظام آخر، ولحققت كذلك لونًا من التقارب والتآخي، بل ولاقتربت بالنظام من التوازن الذي يحبه الله في كل شيء.
وقديمًا غطت حصيلة الزكاة -مع حياة الضمائر- غطت الفقراء والمساكين والعاملين عليها، وأعتقت الرقاب، وغطت كذلك المدينين الغارمين، وفي المال حق سوى الزكاة، قد يتمثل فيما يفرضه ولي الأمر المسلم من ضرائب، وقد يتمثل فيما يراه علاجًا للوضع الاقتصاديّ، قد يبلغ في بعض الظروف الاقتصادية الاستثنائية ألَّا يملك أحد شيئًا، وفي الذين كانوا إذا سافروا أرملوا، وفي امتداح الرسول صلى الله عليه وسلم لهم مَثَلٌ عظيم!
وخامس هذه القيود منع الضرر:
فملكيتك حق، وللآخرين حق، وحتى لا يطغى حق على حق، وجب أن يمتنع المسلم عن الضرر أو الضرار، حتى يقف عند حدود حقه، فلا يعتدي على حق الآخرين، وبهذا يمتنع تجاوز استعمال الحق.
لكن داخل استعمال الحق نفسه يمتنع لون من الأضرار كذلك، هو ما اصطلح على تسميته: بإساءة استعمال الحق، ويوم اكتشفت هذه النظرية في مطلع القرن العشرين التفت العالم
كله إلى مكتشفها، ونسي الناس -في غيبة الدعوة وغفلة الدعاة- أن الإسلام صاحبها الأول، فقد نَصَّ رسول الإسلام على قاعدة:"لا ضرر ولا ضرار" وهو أساسها القانونيّ، وطبق الإسلام صورًا عديدة لمنع إساءة استعمال الحق، في مقدمتها: حق الشفعة الذي يؤكد هذا القول تأكيدًا عمليًّا.
وبهذه القيود تتحقق الملكية وظيفتها الجماعية إلى جانب وظيفتها الفردية، فكأن الملكية عملة ذات وجهين؛ أحدهما فرديّ، والثاني جماعيّ.
وهذا غير ما تتابع1 فيه بعض الكتاب جريًا وراء التعبيرات الحديثة؛ من أن الملكية في الإسلام ذات وظيفة اجتماعية، أن لها الوظيفتين الفردية والجماعية؛ ليتحقق بذلك التوازن لهذا اللون من النشاط.
2-
حرية اقتصادية متوازنة:
تحدث الاقتصاديون عن الحرية الاقتصادية، فزعم أبناء الغرب أنها تتحقق في النظام الفرديّ، وأن هذا النظام أجدى لتحقيق وفرة الإنتاج وجودته، وأن القيود التي تفرض على الحرية الاقتصادية لا يجني أصحابها إلّا قلة الإنتاج ورداءته، وهرب رأس المال وبحثه عن أوطان أخرى غير وطنه، ومن ثَمَّ يتأثر الاقتصاد القوميّ تأثرًا بإلغاء بالاجراءات التي ترد قيدًا على الحرية الاقتصادية.
وزعم أبناء ماركس أن الحرية الاقتصادية في الغرب أورثت أزمات البطالة، والدورات الاقتصادية والاحتكار، وغيرها من المساوئ.
ومن ثَمَّ فلا سبيل إلّا بالقيد الثقيل الذي فرضوه، وهو أن تكون الحرية للجماعة لا للفرد، وللفرد قدر حاجته، ومنه قدر قدرته".
والحق أن الغرب أخطأ؛ إذ أطلق الحرية، والشرق أخطأ؛ إذ جعل القيد أصلًا، وفي الإسلام تتوازن الحرية الاقتصادية بين الفرد والجماعة
1 أي: تساقط.
بما يحول دون طغيان طرف على طرف، وبما يحقق للنظام الاقتصاديّ أمثل ما يتمناه، مع نبذ مساوئ كل طرف غالى في الحرية، أو غالى في القيود!
3-
نظام مصرفيّ متوازن:
في الغرب شاع النظام المصرفيّ القائم على سعر الفائدة، وهو تعبير آخر عن الربا، وأدرك الناس متأخرين أن اليهود كانوا وراء هذا النظام، وأن بيوت المال قد تجمعت مقاليدها في أيديهم، لما صارت النقود تلد النقود بغير جهد وبغير عمل!
وأدرك علماء الغرب ما في الربا من خطر، وراح البعض يحصي أثر الربا وغيره من ألوان الاحتكار على الجريمة في أمريكا، حتى قالوا: إن أربعة ملايين ونصف مليون جريمة خطيرة تقع كل عام.
- جريمة قتل كل 29 دقيقة.
- جريمة اغتصاب "زنا بالإكراه" كل 17 دقيقة.
- جريمة سرقة بإكراه كل دقيقتين.
- جريمة سرقة سيارة كل 41 ثانية.
- جريمة سرقة منزل كل 17 ثانية.
وهكذا..
{فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ} .
{وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} .
{يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} 1.
إلى أن حمل لنا الوعيد رعيبًا بعدها بآية:
1 البقرة 275، 276.
{فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} .
{وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} 1.
ومع هذه الصراحة، راح البعض يتأول قول الله:{لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} 2.
بما يخرج عن مراد الآية الكريمة، ويفرِّق بين ربا الاستهلاك وربا الإنتاج، والبعض الآخر راح يُحِلُّ الربا للدولة، ويحرمه على الأفراد بحجة احتياج الدولة للخروج من أزمتها، بينما قادتها يرفلون في ترف داعرٍ، ونعيم حرام.
واشترى هذا الفريق من العلماء رضى الناس بغضب الله، واستحق ومَنْ وافقوه أو حرضوه أو سكتوا عنه حرب الله ورسوله، وبدلًا من أن يأمر بتحريم الحرام من ذلك الترف الداعر، راح يأمر بتحليل الحرام من الربا علاجًا لأوضاع أوجدوها هم، ولم يوجدها أحد غيرهم!!
ولقد كانت.. توصيات مجمع البحوث الإسلامية صريحة3:
1-
الفائدة على أنواع القروض كلها ربًا مُحَرَّمٌ، لا فرق في ذلك بين مايسمى بالقرض الاستهلاكيّ، ولا ما يسمى بالقرض الإنتاجيّ؛ لأن نصوص الكتاب والسنة في مجموعها قاطعة في تحريم النوعين.
2-
كثير الربا وقليله محرم، لا تبيحه حاجة ولا ضرورة، والاقتراض بالربا محرم كذلك، ولا يرتفع إثمه إلّا إذا دعت إليه الضرورة، وكل امرئ متروك لدينه في تقدير ضرورته.
3-
أعمال المصارف من الحسابات الجارية وصرف الشيكات
1 البقرة 278، 279.
2 أل عمران 130.
3 المؤتمر الثاني المنعقد في القاهرة عام 1965.
وخطابات الاعتماد والكمبيالات الداخلية التي يقوم عليها العمل بين التجار والمصارف في الداخل، كل هذا من المعاملات المصرفية الجائزة، وما يؤخذ في نظير هذه الأعمال ليس من الربا.
4-
الحسابات ذات الأجل، وفتح الاعتماد بفائدة، وسائر أنواع الإقراض نظير فائدة، كلها من المعاملات الربوية، وهي محرمة.
5-
أما المعاملات المصرفية المتعلقة بالكمبيالات الخارجية، فقد أجل النظر فيها إلى أن يتم بحثها.
6-
ولما كان للنظام المصرفيّ أثر واضح في النشاط الاقتصادي المعاصر، ولما كان الإسلام حريصًا على الاحتفاظ بالنافع من كل مستحدث، مع اتقاء أوزاره وآثامه، فإن مجمع البحوث الإسلامية بصدد درس بديل إسلاميّ للنظام المصرفيّ الحالي، ويدعو علماء المسلمين، ورجال المال والاقتصاد، إلى أن يتقدموا بمقترحاتهم في هذا الصدد1.
وفي مؤتمر الفقه الإسلاميّ المنعقد بالرياض، ذي القعدة سنة 1396، 2 أصدر في صدد الفائدة ما يلي:
- العمل على إلغاء المعاملات الربوية، ومنها الفوائد المحددة؛ لأنها ربًا صريح، وهي ضارة بالنشاط الاقتصاديّ؛ حيث لا يتم التوازن الاقتصاديّ إلّا بإلغائها.
- التوسع في إنشاء مؤسسات مصرفية غير ربوية، ودعم القائم منها، والعمل على تشجيع بقية المؤسسات المصرفية العاملة في البلاد الإسلامية على تطوير نظمها بما يتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية.
1 ص 401، 402 من كتاب المؤتمر الثاني للبحوث الإسلامية.
2 أكتوبر 1976.