الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثالث: مدارس العقل والعقلاء
مدارس العقل والعقلاء، نشأ أكثرها في فترة الاحتلال الأجنبيّ، وفي أوجِّ قوته.
لها فلسفتها:
إننا لسنا بقادرين على مجابهة قوة الاستعمار العسكرية، ومن ثَمَّ فلنؤجل الجهاد، ولنعمل العقل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، أو باستعارة التعبير:"ما لا يدرك كله لا يترك كله".
إتهام ننفيه:
ونحن -على عكس كثير غيرنا- نحسن الظن بأصحاب هذه المدارس، ولا نقبل أن نسميهم:"عملاء"1.
وإن بدا منهم لون من الاتصال، أو التعاون، مع العدو المستعمر لهم عن ضعف استشعروه، فالاستعمار قهرهم، وقهر من كان أشد منهم قوةً وأعز نفرًا! فيكف بهم أن يقفوا في وجهه؟
سذاجة:
لكننا، وإن نفينا عنهم العمالة، فلا نستطيع أن ننفي عنهم السذاجة، إنهم ظنوا أنهم يستطيعوا أن يضحكوا على الاستعمار، ويمكروا به، فإذا به أشد مكرًا.
1 شن الدكتور محمد محمد حسين حملةً شديدةً على الشيخ محمد عبده، وشيخه الأفغانيّ في كتبه: الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر، الحضارة الغربية.. إلخ.. وسار على نفس النهج الأستاذ غازي التوبة، في بحثه القيم الفكر الإسلاميّ الماصر، وفعل غيره كذلك..
ظنوا أنهم يستطيعون أن يمتطوه؛ ليسخروه لصالح الإسلام، وامتطاهم الاستعمار ليسخرهم لصالح التغريب، والتغيير الاجتماعي!
فبعضهم ظن أنه يستطيع أن يقنع الإنجليز بإصلاح التعليم الدينيّ "إن أعظم فاعل في نفوس المصريين أن يقال لهم: إن صاحب هذه المنفعة ليس من دينكم، وأنكم مأمورون ببعضه" ثم يقول: "الدين الإسلاميّ الحقيقيّ ليس عدو الألفة، ولا حرب المحبة، ولا يحرم المسلمين من الانتفاع بعمل من يشاركهم في المصلحة، وإن اختلف عنهم في الدين، والجملة، فهو أفضل كافلٍ لجعل الرعية صالحةً لأن تكون بدنًا في رأسٍ، أو آلة لعامل1.
وبهذه النية التي نحسن الظن بها، ألف صاحب مدرسة العقل جمعية التقريب بين الأديان، فيها المسلمون، والنصارى، واليهود، ولعله لم يكن قد اطلع على توصيات المبشرين والمستشرقين في التقريب بين الأديان، ولعله كذلك لم يدرك أن التقارب بين الإسلام والمسيحية واليهودية لا يمكن أن يكون إلّا على حساب الإسلام؛ لأنه الوحيد الدين الصحيح، وغيره مُحَرَّفٌ، ولابد في التقريب من تنازلٍ، وتنازل المحرف لا يضيره! أما تنازل الصحيح، فإنه يضيره، ويضره كل الضرر!!
ولعله لم يدرك أن المشركين حاولوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك التقارب، حين قالوا له: نعبد إلاهك يومًا، وتعبد آلهتنا يومًا، فأنزلها رب السماء والأرض قاطعةً حاسمةً {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون، لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} 2
1 المرجع الأخير.
2 الكافرون 1،2.
وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ، وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} 1
ولا أدري، هل قرأ "سيد العقلاء" ما كتبه أحد أعضاء جمعيته تحت عنوان:"الإسلام والمدارس المحمدية" التي جاء فيها: "وإحسان المسلمين لمواليهم، وإشفاقهم على البهائم التي ترجع أيضًا إلى الرب، وإنفاقهم في سبيل الخير، والسذاجة التي هي من خصال المؤمنين الصادقين، أحرى بأن تميلنا إليهم، من أن تصبح النبيّ الكاذب".
وما أحسن عمل مبشرينا لو جاهدوا في التوفيق بين الإسلام والمسيحية، توفيق أختين من أم واحدة"2 وهكذا أعطى الإمام من "السذاجة" ما يرغب فيه المبشرون!!
وقفة:
ولسنا نحاسب "الإمام" بعد ذلك على انضامه للمحفل الماسونيّ الفرنسيّ، فنحسب أنه في ذلك التاريخ لم يكن من الناس كثير يدرك حقيقة الماسونية، وحقيقة الدور الذي تلعبه، ولم يكن نيلوس قد نشر "بروتوكولات حكماء صهيون" التي صرحت باستخدام الماسونية لتحقيق أهداف اليهود، وإن إدراك نشرها في روسيا، فربما لم يدرك نشرها في إنجلترا، ولم تكن بالقطع قد ترجمت إلى اللغة العربية؛ لأن هذه الترجمة لم تتم إلّا بعد ذلك بكثير.
لا نحاسب الرجل على هذه النقطة، خاصةً وأن الماسونية لا تكشف عن حقيقتها لأعضائها إلّا في درجة سحيقةٍ من درجات الثلاثة والثلاثين.
1 الكافرون 3-6.
2 للمفتش الإنجليزي جي ديلو أنيتر، بجريدة "الديلي تلغراف" اللندنية في 2 شباط 1888، وراجع تعليقًا على ذلك للأستاذ غازي التوبة، الفكر الإسلاميّ المعاصر، دراسة وتقويم.
ولا نحسب الرجل أشد حذرًا من رئيس عربيّ ظل ينتسب لمحفلٍ ماسونيٍّ حتى بعد أن صار زعيم ثورة، ورئيس دولة، فلمّا فاحت، أمر بحلِّ كل المحافل الماسونية في بلده، وأما الذي نأخذه على الرجل العالم:
أولًا: اقتصاره من الإسلام على الإصلاح عن طريق التعليم، فالإسلام -كما سنشير- ليس مجرد ثقافةٍ فقط، لكنه منهاج تربية، ومنهاج حياة، وليته في هذا الجانب استطاع أن يصلح!!
ثانيًا: أن الرجل وهو في موضع القدوة للمسلمين مالأ الكافرين الذين غصبوا الديار، وما بعد الديار!
وإنكار القلب أن كنا نكتفي به من الشيخ الإمام، يفرض مع الإنكار الاعتزال، وإلّا فَقَدَ السلامة من الإثم، والبراءة من الذنب، فليس وراء ذلك النوع من الإنكار حبة خردلٍ من الإيمان.
ولا ندري.. هل كان الإمام يحفظ:
وهل قرأ غيرها من الآيات في نفس المعنى، أم أن له فيه تأويلًا كتأويله في الملائكة، أو في سجودهم، أو في معصية آدم، أو في خلق عيسى عليه السلام، أو في السجن، أو في السحر، أو غير ذلك مما أعمل فيه عقله الكبير؛ ليقول بالرأي في كتاب الله؟ !! ".
لقد مضى الرجل إلى ربه، فنترك له حساب سره وعلانيته، لكننا إزاء الظاهر.
وعمره الذي أفني في محاولة إصلاح التعليم، بلوغًا إلى مقاومة الاستعمار، أو إلى النهوض بالإسلام، لا نملك إلّا أن نتلو قول الله:{قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} 1.
ونترك من قبل ذلك، ومن بعد ذلك، حسابه على الله، لكننا نسوق ما نسوق ليعتبر أولوا الأبصار، ويتذكر أولوا الألباب، فلا تتكرر الصورة مرةً أخرى!
1 الكهف 103، 104.