الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الثاني: الإتجاه الماركسي
تمهيد
…
تمهيد:
لم تتغلغل الشيوعية في الشرق الإسلاميِّ كما تغلغل الغرب، ربما لأن الأخير أسبق زمنًا وأرسخ قدمًا، وربما لأن الأخير أدرك في الوقت المناسب طبيعة هذا الشرق، فَكَفَّ عن الحرب السافرة له في عقيدته، وتلوَّنَ باسم الحضارة أو المدنية أو التغريب أو التغيير الاجتماعيّ؛ لينشر العلمانية، وتحرير المرأة، وإضعاف الدين، دون أن يشعر أكثر المسلمين.
لكن الماركسية أخطر على الشرق الإسلاميّ من الغرب، بما تحمل في أسلوبها من خداعٍ ينطلي على عامة الناس، خاصَّةً من يخاطبون أول ما يخاطبون ممن يسمونهم طبقة الصعاليك، أو "البروليتاريا"، أي: طبقة العمال الكادحة، وبما تحمل من تخديرٍ لهذه الطبقة أنها إليها سيئول الحكم، وأن لها المكاسب من دون سائر الطبقات1.
ثم بما تحمل في غايتها من تحطيمٍ لعقيدة هذه الأمة، وقضاءٍ على دينها، باعتبارها في البداية وفي النهاية قائمةً على الكفر بالله، والإلحاد في أسمائه، ورفض كل الأديان، وإن اتخذت تخطيطًا مرحليًّا بعدم الهجوم على الأديان، أو الزعم بأنها تسمح لها بالوجود أو البقاء، أو التواء بهذه الأديان؛ للقول بأنها هي الأخرى اشتراكية ويسارية".. إلخ.
وهي في سبيل هذه الغاية حين يلوح لها النصر أو التمكين، تدوس كل شيء، وتهلك الحرث والنسل، وتغرق البلاد في حمامات الدم؛ لتقضي على كل خصومها؛ وليظل الردع ماثلًا لكل مَنْ تُحَدِّثُهُ نفسُه بالخروج عليها.
وقد عاشت الماركسية منذ صارت لها دولةٌ، تبذل الكثير لنشر مبادئها، ورسمت لنفسها خطة الزحف عن طريق الشعوب، أو الطبقات الكادحة؛ ليتم التغيير من القاعدة، لكنها منذ سنين قليلة
1 راجع "أفيون الشعوب" للأستاذ عباس محمود العقاد، الطبعة الخامسة، سنة 1975، الناشر: دار الاعتصام، القاهرة.
راحت تجرِّبُ لعبةَ الولايات المتحدة الأمريكية لتجري التغيير من القمة، بدلًا من القاعدة، عن طريق الانقلابات العسكرية، ونجحت انقلاباتها في بعض البلاد في الاستيلاء على السلطة، لكن هل تنجح في تغيير القاعدة؟
والماركسية تستعد لترث حضارة العرب، وهو أمر واردٌ.
أولًا: لأنها اليوم تعيش شبابها، وحضارة الغرب تعيش كهولتها.
ثانيًا: لأن لها من السحر والخداع لعامة الناس، وخاصة الطبقة العاملة، ما ليس لغيرها من مبادئ الغرب.
ثالثًا: لما يعيشه الغرب الآن من تفسخٍ، وانسلاخ من دينه، بما لا يحميه من ذلك الكفر الصراح.
وأخيرًا: لما أشرنا إليه، وسوف نشير إليه بإذن الله، من أن أساس الحضارتين واحد، فلا غرو أن ترث الأخت أختها، ومن ثَمَّ، فكلماتنا رغم موضوعيتها وأساسها العلميّ تحمل النذير لأمتنا.
إِنَّ البساط يسحب من تحت أقدامها، وإِنَّ الدمار والفناء ينتظرانها، إِنْ هِيَ غفلت بعد اليوم، ولو لحظة، أو إِنْ هي فرطت بعد اليوم ولو ذرة.
ونحسب أن نقطة البداية الطبيعية لمثل هذه المبادئ الخادعة أن نتعرف وعاءها، فكل وعاء بما فيه ينضح، البيئة التي نشأت فيها، ثم الرجل الذي نادى بها، ثم نعرض بعد ذلك للمبدأ في أصله، وفي محاولة تطويره لتلافي عيوبه.
وأخيرًا، لما فعلته الماركسية بالمسلمين.
ابتداءً من أرض القرم والقوقاز، وانتهاءً إلى أرض اليمن والصومال.
والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلّا بالله العليِّ العظيم..
وإن الحكام أول المسئولين، ليس فقط أولئك الذين سمحوا لها -عن علم- بالوجود على أرض المسلمين؛ ليحملوا أوزارهم كاملةً يوم القيامة، ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم، بل كذلك أولئك الذين يمهدون لها -عن جهل- الطريق، ونعني ذلك الفريق الغارق في شهواته، المبذر في أمواله وأموال المسلمين من غير إقامة لعدالة الإسلام الاجتماعية بين الفقراء والمحرومين.