الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الأول: مرحلة ما قبل إسقاط الخلافة الإسلامية
أولا: الحروب الصليبية
…
المبحث الأول: مرحلة ما قبل إسقاط الخلافة الإسلامية
وتبدأ بالحروب الصليبية، ثم الاستشراق، ثم التبشير.
أولًا: الحروب الصليبية
لسنا نكتب تاريخًا، ولكننا نستخلص عبرًا من الحقائق التاريخية المسلَّم بها، فمن هذه الحقائق أن الغرب جرد حملاتٍ غزت الشرق الإسلاميّ باسم الصليب وتحت رايته، وكان رجال الكنيسة في أوروبا يدفعون الملوك والشعوب إلى هذه الحروب1، فاتخذت بذلك طابعًا دينيًّا شكلًا وموضوعًا، وكان تفرق المسلمين إلى دويلاتٍ، وضعف دولتهم، مشجعًا لهم على ذلك الغزو، وليس صحيحًا ما يحاول بعض الكتاب العرب تصويره، من أنها كانت مجرد حملات استعمارية
1 أول من دعا إلى هذه الحروب الصليبية -كما يقول صاحب كتاب "حاضر العالم الإسلاميّ" هو البابا سلفستر الثاني سنة 1002م، ولكنه لم يوفق، ثم البابا خريغوريوس سنة 1075م، لكنها تأخرت حوالي عشرين سنة حتى سنة 1097، وكان كُتَّاب النصارى ومفكروهم يحرضون عليها كذلك، نذكر منهم: هلتون ساتيتو، ومارينو، بيين ديبوا، جيلوم دي نوجاري، ريموند لول بتراك.
وفي كتاب "تاريخ البابوات" تأليف السيد: فرناند هابوارد، بيان كيف ألَّب البابوات ملوك أوربا لحرب المسلمين، وكيف حاولوا بأنفسهم قيادة هذه الحروب الصليبية.. راجع "حاضر العالم الإسلاميّ" تأليف لوثروب ستودارد، نقله إلى العربية الأستاذ عجاج نويهض، وعلق عليه تعليقات مستفيضة الأمير شكيب أرسلان، دار الفكر، الطبعة الثالثة 1391هـ 1971م ص 218، وقد كتب كارلس الثامن إلى رئيس فرنسا رودس، يكاشفه بما نواه من نشر الديانة المقدسة الكاثوليكية، وتحرير المسيحيين مما هم فيه من الخنوع للأمية الجاحدة، وواسترداد الأراضي المقدسة المغصوبة، فأجابه رئيس الفرسان متيمنًا مؤملًا هذه المرة استئصال شاقة الأمة المعلونة؛ أمة محمد، ص 59 من كتاب "مائة مشروع لتقسيم تركيا" -تأليف المسيو دجوقتارا الأمانيّ، المرجع السابق ص228".
ويشير المؤرخون إلى أن الحملة الصليبية عند دخولها بيت المقدس في 15 يوليو 1099م، الموافق 3 رمضان 493، ذبحت أكثر من سعبين ألف مسلم حتى سبحت الخيل إلى صدورها في الدماء، وفي أنطاقيا، قتلوا في الطريق أكثر من مائة ألف مسلم.
راجع "حاضر العالم الإسلامي" وراجع كذلك جوستاف لوبون في كتابه: "حضارة العرب".
باحثةً عن المصالح الاقتصادية، نعم.. قد يكون الاستعمار والاستغلال الاقتصاديّ من أهدافها، لكنه بالتأكيد ليس الهدف الأول الرئيسيّ، أنما كان هذا هدفًا دينيًّا، ولم تكن حماسة رجال الدين المسيحيّ، ولا مشاركتهم في هذه الحملات عفوًا ولا لغوًا، ولكنه كان قصدًا إلى الانتقام من غزو الإسلام لقلب أوربا، حتى صار البحر الأبيض المتوسط بحيرةً إسلامية خالصةً، وحتى بلغ المسلمون جنوب فرنسا، ثم قصدًا بعد الانتقام إلى إدخال المسلمين في المسيحية ذاتها، وهو ما ستفسره المرحلة التالية لهذه الحروب، والأمر أن يفسرهما قول الله سبحانه وتعالى:{وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} 1 وقوله: {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} 2 وقد يكون صحيحًا ما أشار إليه كاتب أمريكيّ3، من أن اليهود كانوا وراء الحروب الصليبية، قصدًا إلى أضعاف العالمين المسيحيّ والإسلاميّ -كما أشار، ثم تحقيقها لمزيد من الكسب والربا أثناء تلك الحروب.
لكن لو لم يحركهم اليهود لتحركوا كذلك، فإن ما بدا منهم في تلك الحروب يَنُمُّ عن حقد دفين، وما تخفي صدورهم أكبر.
العصمة في الإسلام للأمة لا للإمام:
ولئن كانت الدولة الإسلامية في ذلك الحين مفككة الأوصال، فلقد جعل الله من معجزات دينه بعد القرآن، هذه الأمة، فلقد حوَّلها القرآن بحقٍّ خير أمة أخرجت للناس، حتى صح ماقيل من أن العصمة في الإسلام للأمة لا للإمام، أخذًا من قول الرسول صلى الله عليه وسلم:"لا تجتمع أمتي على ضلالة" ثم استمدادًا من أحداث التاريخ التي ظلت معها الأمة الإسلامية صامدة شامخة برغم ما وُجِّهَ إلى صدرها وقلبها من سهام وحراب!.
انتفضت الأمة لمَّا رأت الصليب فوق رءوس أعدائها، انتفضت تحارب أعداء الله وأعداءها بكل سبيل، واسترخصت الدم والروح في سبيل الله، وتعجلت لقاء الله وجنته، فأعطاها الله الحسنيين: النصر والجنة، وارتدت حملات الصليب على أعقابها خاسرة بعد
1 البقرة 120.
2 البقرة 217.
3 الكاتب الأمريكي وليام غاي كار.