المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث الثالث: كيف يعملون الآن في العالم الإسلامي - أساليب الغزو الفكري للعالم الإسلامي

[علي جريشة]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة:

- ‌باب تمهيدي:

- ‌الباب الأول: الإتجاه الغربي

- ‌الفصل الأول: مراحل الغزو الفكري الغربي

- ‌مدخل

- ‌المبحث الأول: مرحلة ما قبل إسقاط الخلافة الإسلامية

- ‌أولا: الحروب الصليبية

- ‌ثانيًا: الاستشراق

- ‌ثالثًا: التبشير

- ‌رابعًا: تقطيع أوصال دولة الخلافة

- ‌المبحث الثاني: مرحلة إسقاط الخلافة الإسلامية

- ‌أولا: فصل الدين عن الدولة

- ‌ثانيًا: نشر القومية في مواجهة الخلافة

- ‌ثالثًا: إسقاط الخلافة الإسلامية

- ‌المبحث الثالث: مرحلة ما بعد إسقاط الخلافة الإسلامية

- ‌الفصل الثاني: التغيير السياسيّ والاجتماعيّ في المنطقة الإسلامية

- ‌المبحث الأول: التغيير السياسيّ

- ‌المبحث الثاني: التغيير الاجتماعيّ

- ‌المبحث الثالث: أساليب التغيير الإجتماعي "أو التغريب

- ‌مدخل

- ‌أولًا: العلمانية

- ‌ثانيًا: القومية

- ‌ثالثًا: تحرير المرأة

- ‌المبحث الرابع: ما يفعل بنا الصليبيون

- ‌مدخل

- ‌أولًا: بالنسبة للأسلوب

- ‌ثانيًا: بالنسبة للهدف

- ‌الباب الثاني: الإتجاه الماركسي

- ‌تمهيد

- ‌الفصل الأول: الوعاء

- ‌مدخل

- ‌المبحث الأول: البيئة

- ‌المبحث الثاني: مؤسس للفكرة

- ‌الفصل الثاني: المبدأ

- ‌مدخل

- ‌المبحث الأول: المبدأ في أساسه

- ‌أولا: المادة

- ‌ثانيًا: الجدل

- ‌المبحث الثاني: الماركسية والدين

- ‌مدخل

- ‌أولًا: موقف الماركسية من الدين

- ‌ثانيا: موقف الدين من الماركسية

- ‌الفصل الثالث: ماذا فعلت الماركسية بالمسلمين

- ‌المبحث الأول: المسلمون في الاتحاد السوفيتي

- ‌المبحث الثاني: المسلمون في غير الاتحاد السوفيتي من البلاد الماركسية

- ‌أولا: من الصين

- ‌ثانيًا: من يوغسلافيا

- ‌ثالثًا: من بلغاريا

- ‌رابعًا: من ألبانيا

- ‌خامسًا: من الصومال

- ‌المبحث الثالث: كيف يعملون الآن في العالم الإسلاميّ

- ‌الباب الثالث: الصهيونية "اليهودية العالمية

- ‌الفصل الأول: التعريف بالصهيونية ومنشؤها

- ‌المبحث الأول: التعريف بالصهيونية

- ‌المبحث الثاني: منشأ الصهيونية

- ‌الفصل الثاني: مقومات الصهيونية

- ‌المبحث الأول: المقومات الدينية

- ‌أولًا: امتلاك فلسطين والأقطار المجاورة لها

- ‌ثانيًا: فكرة المسيح المنتظر:

- ‌ثالث: اخضاع العالم لسلطان اليهود-شعب الله المختار

- ‌التعاليم السرية في التلمود والكبالا:

- ‌المبحث الثاني: المقومات السياسية

- ‌الفصل الثالث: مناهج الصهيونية ووسائلها

- ‌المبحث الأول: مناهج الحركة الصهيونية

- ‌السيطرة الفكرية

- ‌ السيطرة المالية:

- ‌ السيطرة السياسية:

- ‌ السيطرة العسكرية:

- ‌المبحث الثاني: وسائل تنفيذ المناهج الصهيونية

- ‌مدخل

- ‌بروتوكولات صهيون:

- ‌محاربة الصهيونية للإسلام:

- ‌الفصل الرابع: المنظمات الصهيونية

- ‌مدخل

- ‌منظمات يهودية علنية:

- ‌المنظمات السرية

- ‌المحافل الماسونية

- ‌الباب الرابع: اتجاهات إسلامية

- ‌مدخل

- ‌الفصل الأول: إتجاهات قاصرة

- ‌مدخل

- ‌المبحث الأول: اتجاهات نحو العقيدة

- ‌أولا: صواب البدء بالعقيدة

- ‌ثانيًا: خطأ وخطر:

- ‌المبحث الثاني: الاقتصار على النسك

- ‌المبحث الثالث: مدارس العقل والعقلاء

- ‌الفصل الثاني: محاولة لخطٍّ إسلاميٍّ أصيل

- ‌المبحث الأول: ضلال وقصور

- ‌أولًا: ضلال الاتجاهات الدخيلة

- ‌المبحث الثاني: أين الطريق

- ‌مدخل

- ‌أولًا: الإنسان كله:

- ‌ثانيًا: الشريعة كلها

- ‌الفصل الثالث: جوانب شريعة الله

- ‌مدخل

- ‌المبحث الأول: العقيدة والأخلاق والشعائر

- ‌أولًا: جانب العقيدة

- ‌ثانيًا: جانب الأخلاق

- ‌ثالثًا: جانب الشعائر

- ‌المبحث الثاني: بقية الجوانب

- ‌مدخل

- ‌النظام الاقتصاديُّ الإسلاميُّ:

- ‌النظام السياسيّ الإسلاميّ:

- ‌المراجع:

- ‌الفهرس:

الفصل: ‌المبحث الثالث: كيف يعملون الآن في العالم الإسلامي

‌المبحث الثالث: كيف يعملون الآن في العالم الإسلاميّ

؟

وننتقل هنا عن مجلة "كومونيست" السوفيتية، الصادرة في أول يناير سنة 1964.

أن بين الاشتراكية العلمية والأديان السماوية صراعًا مستمرًا، لقد أوصانا لينين منذ البدء، بأنَّ إعادة التنظيم الفكريّ للعقيدة الدينية ومفاهيمها، إنما هي بمثابة "التنقيح للدين" وتحدياته للاشتراكية العلمية.

ثم تقول:

ستظل العقيدة الاشتراكية في نزاعٍ مع العقيدة الدينيةٍ، ولن يستقرَّ التحول الاشتراكي الصحيح إلّا بسيادة الاشتراكية على الدين.

ثم تقول:

وإذا اقتضت مراحل التحويل الاشتراكي تعايشًا مع العقيدة الدينية، أو إظهار الاهتمام بها في بعض الحالات، كما هو الحال في المناطق الإسلامية، فإن الاهتمام هو من قبيل التدبير المؤقت.

ثم تقول:

وفي بعض النظم الاشتراكية الجديدة نجد جماعاتٍ من أصحاب المسؤوليات، وهم اشتراكيُّون فكرًا واقتناعًا، يمارسون الفروض الدينية ويشجعونها، وهم يفعلون ذلك للسيطرة على زمام المعاقل الدينية؛ لئلَّا تتحداهم، وترى مرحلة التحويل الاشتراكي مرحلة قاسية، ونحن في الاتحاد السوفيتي لجأنا إلى هذا الأسلوب أيضًا في مناطقنا الإسلامية، كما يلجأ إليه أقطاب الحزب الشيوعيّ في إيطاليا الكاثوليكية.

وتضيف المجلة:

ص: 139

ففي مثل هذه المناطق الإسلامية وجدنا أن ممارسة الطليعة الاشتراكية للفروض الدينية يساعدنا كثيرًا على مراحل التحويل الاشتراكي هناك1؛ لأن العبادة العلنية في الوسط الإسلاميّ تعبر عن احترام الطليعة الاشتراكية للمشاعر المحلية، وبالتالي، تنتزع هذه الطليعة من هذا الوسط الإسلاميّ الاحترام والطاعة للقيادة الاشتراكية.

وتضيف:

ولكن من الضروري أن يأتي وقتٌ تقرر فيه القيادة الاشتراكية قرارًا حازمًا بألّا مبرر بَعْدُ للهدنة مع الميراث الدينيّ وأصحابه، وإلّا أدت هذه المهادنةُ إلى بعثٍ دينيٍّ فيه خطر على التجربة الاشتراكية.

وفي النهاية:

مكافحة الدين وروابطه لا تكون بنسف الدين ومعابده كليًّا من حياة الناس، فلا تحطم الفأس ما في الضمير2.

ولكن مهمة الإلحاد العلميّ أن تتركز الدعوة الاشتراكية على الترويج لشعار الثورة، والتركيز على خلق وعيٍّ ماديٍّ؛ كالدعوة إلى العلم في نفوس الجماهير؛ لينفروا من الدعوة الروحية التي هي من طبيعة الإيمان، وليس من الضروريّ أن تهزأ من قصص الإنجيل والقرآن، والكتب الدينية التقليدية، وأن تقول: المواعظ والصلوات بضاعةٌ لا تصلح إلّا للأطفال، فهذا النوع من الدعاية الاشتراكية ضد الأديان لا يفيد كثيرًا، وإنما علينا أن نعيد تفسير قصص الدين وسيرة رجاله ومواعظهم وأحاديثهم أقوالهم بقالب اشتراكيّ، فإذا قلنا: أن يسوع ثائر يطلب الحق للفقراء، فهذا تفسير اشتراكيّ..

وبمثل هذا تقول عن محمد وغيره:

1 حرص السيد خالد محيي الدين في مصر، على أداء فريضة الحج، والإعلان عن ذلك، كما حرص على الإعلان أنه يؤدي الصلاة ويؤمن بالإسلام عقيدةً -وطبعًا لا يؤمن بها شريعة؛ لأنه يؤمن بالنظام الماركسيّ أو كما يسميه الاشتراكية العلمية، راجع مقالًا له في جريدة الأخبار في 1976، وراجع مؤلف الدكتور عبد الحليم محمود، الفصل الخامس "المنهج الشيوعيّ".

2 هذا يدل على ذكائهم أخيرًا، وفهمهم لطبيعة العقيدة الدينية السليمة؛ كالعقيدة الإسلامية، ومراجعتهم لخطتهم السابقة.

ص: 140

وحسبنا ذلك بغير تعليق1.

وحسبنا الله ونعم الوكيل.

وعن كتاب صدر في موسكو سنة 1967، وأعيد طبعه عام 1974م.

عن معهد الإلحاد العلمي بأكاديمية العلوم الاجتماعية، التابعة للجنة المركزية للحزب الشيوعيّ السوفيتيّ2، يشير إلى بعض وسائل نشر الإلحاد ومحاربة الدين.

نقتطف منها جزءًا لنرى أيّ حرب توجه ضد الدين، رغم الدعاية الكاذبة بتعايش الشيوعية مع الدين،

ولنرى أن وسائل الإلحاد هي وسائل التبشير القديمة، تعيد نفسها مرةً أخرى، وإن حاولت أن تتجنب أخطاء التبشير، واقتربت من وسائل التغيير الاجتماعيّ، يقول كتاب نشر الإلحاد الصادر في روسيا..

"والآن مَنْ ذا الذي يعتبر أهلًا للقيام بنشر الإلحاد بين معتنقي الإسلام؟ ذلكم سؤال هام وخطير، إذا كان الداعية الملحد الذي سيحاور المسلم لا تربطه بالإسلام أي رابطة مشتركة من الناحية القومية، ففي إمكان المؤمن أن يفترض أنه إنما ينقد الإسلام خاصة، ولا يتعرض لدينه هو بشيء، لذلك كان من السهل على الداعية الذي ينتمي، والمؤمن إلى قومية واحدةٍ أن يجري معه حوارًا، وخاصةً إذا بدأ الحوار بينهما باللغة القومية المشتركة، وإن كان هذا لا يعني: أن علاقة المسلم بمن ينتمي إلى قومية أخرى قائمةً بالضرورة على عدم الثقة..

وأيًّا كانت قومية الداعية، فلابد له من معرفةٍ جيدةٍ بالدين والعادات والتقاليد التي يتمسك بها المؤمن، فخلال العمل بين المسلمين تعد مراعاة السن والجنس عند المؤمنين على جانب كبير من الأهمية، ومن ثَمَّ كان

1 في كتاب "نحن والشيوعية في الأونة الحاضرة"، الدكتور سعدون حجاوي، دار الطليعة للطباعة والنشر، ملحق عن موقف الحزب الشيوعي العراقي -كنموذج- من قضية فلسطين ص58.

2 قام بالترجمة من الروسية الدكتور سعد مصلوح، مدرس علم اللغة الروسية بجامعة القاهرة، ونشرت بمجلة الدعوة السعودية، في عددها الصادر في 12 ربيع الثاني 1396هـ-12 أبريل 76م، بعض أجزاء اقتطفنا منها الجزء المشار إليه.

ص: 141

الحديث إلى كبار السن أيسر بالنسبة لداعية متقدم في السن، والغالبية العظمى من المسلمات يرفضن الحوار مع الأجنبيّ، أما مع المرأة التي تقوم بالدعاية فإنهن أفضل سلوكًا إلى حدٍّ كبير.

أضف إلى ذلك أن نموذج المرأة النشيطة يؤثر تأثيرًا على كثير من النساء، فالمؤمنات يتجهن إلى محاكاة الصديقة الأكثر ثقافةً، أو ذات الشخصية الأكثر استقلالًا.

ويعين الداعية إلى الإلحاد في عمله، الرأي العام الإلحادي، الذي هو مدعو لِأَنْ يقوم بتشكيله، ومن المعروف على سبيل المثال أن كبار السن يكتسبون نفوذًا غير عاديٍّ بين المسلمين، وهذه الخاصية يستغلها كذلك الداعية حين يلجأ إلى مساعدة الشيوعيين المتقدمين في السن، والذين يكونون موضع الإجلال في المنطقة؛ إذ يصغي الناس في العادة إلى كلماتهم بإهتمام خاصٍّ، وباستعداد لتنفيذ أي رجاء يصدر منهم، وتمارس لجان الكبار التي تؤسس في مناطق السكنى والمؤسسات تأثيرا قوميًّا في تكوين رأي عام إلحاديّ؛ ففي كولخوز "مير" في منطقة أشخاباد "عشق آباد" امتنع والد طالبة بالصف العاشر، اسمها: جولينا عطاييف، عن إرسالها إلى المدرسة، وحاول إرغامها على الزواج، وتكلّم أعضاء لجنة الكبار عن الكلوخوز مع والدي الفتاة أكثر من مرة، وتوصلوا إلى إعادة الطالبة إلى المدرسة، وفي كولخوز "كيناس" يقوم أعضاء لجنة الكبار بعمل كبيرٍ؛ إذ يزورون بانتظام البيوت التي يقيم فيها المؤمنون، وقد توصل هؤلاء الأعضاء الذين اضطلعوا بمسؤولية دفن الموتى، إلى أن جعلوا تأثير الشيوخ الرسميين وغير الرسميين يتضاءل في هذه العملية إلى حَدٍّ كبيرٍ، وفي نشر الإلحاد بين المسلمين في دار الإلحاد العلميّ بموسكو، يعمل الشيوعيون المتقدمون في السن مثل: م. ش. شاجي أحمدوف، وس. خ إسماعيلوف، وج. م. اختيافوف، وكثير غيرهم، وهم يزورون مساكن المؤمنين ويحادثونهم ويسدون إليهم النصيحة.

ويساعد الدعاة مساعدة كبيرة في صراعهم ضد التأثير الدينيّ، ارتداد إنسان ذي شهرة في قضايا الدين يصلح مثالًا بالنسبة لبعض المؤمنين، وقد حقق الملحد قادربرزنيسوف من كولوخوزكيسيل بولدوزاخ جمهورية تركمانيا نجاحًا كبيرًا في نشاطه الإلحادي، عندما دعا جماعةً من أكثر المؤمنين تعصبًا، ثم ارتدوا عن الدين ليخطبوا أمام غيرهم من المؤمنين

ص: 142

وصار الذين ارتدوا عن الإسلام في هذا الكولوخوزعونا للداعية يمارسون نشر الإلحاد بين أفراد المؤمنين.

ويكتسب العاملون في ميدان الطبِّ نفوذًا كبيرًا بين المسلمين، وفي نقط العلاج الطبيّ يستقبل الأطباء مرضاهم للعلاج الصحيّ والاجتماعيّ، وهكذا يقدِّم الأطباء المساعدة الطبية، ثم يدور الحديث حول موضوعات العلوم الطبيعية، وقد حققت نقط العلاج الطبيّ هذه، فوائد جمة لقضية تربية السكان تربيةً إلحاديةً في مدن أوزبكستان وقراها، ولذا، فإن الطبيب ومساعده من أجود المرشحين لممارسة الإلحاد بين أفراد المسلمين.

ويختص المعلمون في المدارس بدورٍ كبيرٍ في الدعاية إلى الإلحاد؛ فالبداية الأولى للتعرف إلى الطفل تجعل في إمكان المعلم تحديد التأثير الدينيّ للعائلة، ومهمته الأولى حينئذ، هي إقناع الآباء بالامتناع عن تربية الأولاد تربيةً دينيةً، ويمكنه في الوقت نفسه أن يؤثِّر تأثيرًا إلحاديًّا كبيرًا على الآباء أنفسهم، بإقامة اتصال مباشر بينه وبين أسرة التلميذ.

كثير من المعلمين لا يقصرون دورهم على تنشئة تلاميذهم بحيث يشبون غير متدينين، بل إنهم يربون فيهم رسوخ العقيدة في الإلحاد، والقدرة على مساعدة المؤمنين على التحرر من أغلال الدين، وقد نشرت صحيفة الكوسمولي الأوزبكستاني واقعةً طريفةً عن رجل عميق الإيمان، اسمه: غلام أكا، أحْضرَ إلى طشقند ماء مقدسًا من بخارى، وكم حاول أقاربه أن يقنعوه بأن هذا الماء لا يحوي أيّ شيء مقدَّس، فلم يقتنع العجوز، غير أن ابنته كانت تلميذة في الصف العاشر، وضعت نقطة من الماء المقدَّس تحت الميكروسكوب، ودعت أباها أن.. يحدق النظر، فقال الرجل في دهشة، ما هذه الديدان؟ إن نقطة الماء أكبر بمئات المرات، يا إلهي، لم أكن أتصور على الإطلاق أن في الماء المقدَّس يمكن أن يوجد مثل هذا العدد من الميكروبات، إنها معدية.. ميكروبات.. ألقي هذا الماء يا ابنتي على الأرض في الحال، هذه تجربة بسيطة قامت بها تلميذة أدت النتيجة المرجوة، ولم يفلح في تحقيقها محاولات الإقناع والشروح المسهبة.

وتؤدي اللجان النسائية دورًا كبيرًا في ممارسة نشر الإلحاد بين الأفراد من النساء المؤمنات، وقد أثَّرت تأثيرًا طيبًا في كثير من مناطق سمرقند، حين نظمت اللجان النسائية في نهار رمضان حفلات الشاي

ص: 143

للنساء الصائمات في الشقق والنوادي، ولم يكن المؤمنات يرفضن الإفطار في مثل هذه الأحوال، وبذلك كن يخطون الخطوة الأولى في سبيل الانعتاق من الدين.

ومن الأمور التي لها أهمية في نشر الإلحاد بين النساء، تكوين رأي عامٍّ ضد الحجاب، وضد تزويج صغار السن من البنات، وضد المعاملة المهينة للمرأة، ففي كولخوزالاتو في جمهورية كيرغيزيا، يتحدث الملحدون إلى الرجال أمام الزوار الآخرين، قبل بداية أي اجتماع، أو عرض سينمائيّ، يقولون لهم: على سبيل المثال يا حسن، قل للناس لماذا أتيت إلى الحفل بدون زوجتك، وأنت ياموزا أيضًا، بَيِّنْ للناس لم فعلت ذلك؟؟ وهنا كان بعض الرجال يصمتون، ولكن كثيرًا منهم كانوا يخرجون، ثم يعودون ومعهم زوجاتهم، وهكذا استطاع الملحدون أن يجعلوا كل الرجال يحضرون إلى أماكن الاجتماعات العامة ومعهم زوجاتهم.

وربما كان عميق الإيمان من المسلمين أكثر عزوفًا عن حضور الأمسيات والمحاضرات والمحادثات الإلحادية من أتباع أيِّ نظام دينيٍّ آخر، ذلك أن القرآن يستنكر تناول الدين بالنقد؛ لذلك كانت المناقشات المضادة للدين، والكلمات العامة عنه لا تجدي نفعًا، ذلك أن أيَّ طعن على الإسلام يعتبر إهانةً صارخةً لإنسان رضع من لبن أمه التصورات الدينية التي يشاركه إياها أجداده وأجداد أجداده، وفي مثل هذه الأحوال نجد مثل هذا الإنسان إما أن ينغلق على نفسه، وإما أن يعبئ كل إرادته وعقله من أجل المقاومة، ولكنه لن يميل إلى قبول حديث عن الإلحاد، فليس سهلًا على الإنسان أن يتخلى عن العقيدة التي نشأ عليها.

لهذا كله لا يمس الدعاة المجربون الدين مسًّا مباشرًا في محادثاتهم أثناء ممارستهم نشر الإلحاد بين أفراد المؤمنين، ولكنهم بعد أن يمهدووا بإثارة فضول المؤمن، يتحولون إلى نقد الدين، وها هو ذا مثال نسوقه للمعلمة ب. وليفا من كولخوز "أكتوبر" في ضواحي سمرقند؛ ففي المنزل عندما تجري هذه المعلمة محادثات مع المتدينات حين يفدن عليها كل مساءٍ لشرب الشاي والاسترواح، وذلك دون أن تشعر أيًّا من المشتركات في الحديث أنها دعو ة لكي تنبذ دينها، ويدور الحوار في يسر، وبلا تكلُّفٍ عن أحداث العالم، وأنباء الكولوخوز، لكن ربة المنزل هي التي تحدد لون الحديث، ثم توجه الكلام تدريجيًّا ودون أن تلحظ الأخريات إلى الموضوع

ص: 144

المقصود، فتطرح الأسئلة ثم تتولى هي بنفسها الإجابة، وحينما يستولي موضوع الحديث على ألباب المؤمنات، حنيئذ فقط، تبدأ في الكلام بحرارةٍ وإقناعٍ عن ضرر الرواسب الدينية.

وهذه قصةٌ يرويها ملحد من موسكو يسمى: ل. خ. جوميروف، تمكن من إخراج العاملة رحيمة بارنجلوفا من دينها، يقول الملحد: "أخذت بصفتي ملحدًا أزور العاملة المتدينة رحيمة، وكنت أحادثها طويلًا، وأقرأ الكتب جهرًا، وكانت رحيمة تصمت في أكثر الحالات، ولكنها كانت تصغي إليَّ بإهتمام، وكان واضحًا أن هذه القصص تجذب اهتمامها، من العسير أن تتصور الأمر، لقد سمعت مني لأول مرةٍ عن الأبطال من النساء السوفيت، وعرفت لأول مرةٍ أسماء المشتغلات بالعلم من السوفيت، وتكلمنا معها عن غزو السوفيت للفضاء، وقد أزعجها كثيرًا هذا الموضوع، وأذهلها على وجه الخصوص، أن رجال الفضاء لم يخافوا الله، بل ربما خافهم الله ما دام لم يحل بينهم وبين أن يصعدوا إلى مثل هذا الارتفاع، وكان على ل. ح جوميروف أن يحادثها طويلًا إلى أن خلعت رحيمة ربقة الدين من عنقها نهائيًّا.

ومن الأيسر على الداعية إلى الإلحاد أن يحقق النجاح عندما يكون الرأي العام بين المجموع مكيفًا على نحوٍ لا يفخر فيه الناس بتعليق آيات القرآن في منازلهم، بل يكون مدعاةً للخجل أن يعلقوا الآيات، أو أن يقسموا المنزل نصفين؛ نصف للرجال ونصف للنساء، أو أن يرفضوا الغذاء في نهار رمضان، أو أن يقوموا بختان أولادهم.. إلخ.

والملحد نفسه يشكل الرأي العام إلى حدٍّ كبيرٍ، يقص علينا أ. ب. أفكسينتوف، وهو أحد الملحدين في شمال القوقاز، أن عليمه جاجير زونفا شيبزوخوفاو وهي من المشاركات في النشاط الاجتماعيّ، كانت أول من امتنع عن إقامة المراسم الدينية في زواج ابنتها، وقد وجدت لها في الحال أتباعًا، ويدلنا هذا على أن تلك المراسم قد فات أوانها منذ زمن بعيد، وما أسرع ما انتشرت الأنباء في المنطقة عن زيجات جديدةٍ تتم بمشاركة الأوساط الاجتماعية، وبدون مراسم دينية، وهكذا انتهت مثل هذه الزيجات الدينية في اركينخالكي وغيرها من المناطق.

ولابد في العمل على نشر الإلحاد بين المؤمنين المسلمين، من أن تستغل في براعة اللهفة إلى المعرفة، ذلك أن الإسلام إذ يقوم على أساس

ص: 145

القرآن، إنما يضيق اهتمامات معتنقيه، ويحددها لكي يثبت الجهل، ولا بد أن نضع الإسلام من ناحية، والعلم والحضارة من ناحية أخرى؛ كطرفي نقيض؛ إذ أن العلم والحضارة وحدهما هما الكفيلان بحق تبلبية رغبات السوفيت في المعرفة.

وليس من قبيل المصادفة تلك النتائج الإيجابية التي حققتها أحاديث الملحد قادر بيرنييسوف، وهو من كولخوز كيزيل يولدوز، في جمهورية تركمانيا مع المتدينين، لقد استطاع أن يستخدم إنجازات العلم في تفنيد التصورات الدينية، أما الملحد رحمن خوجا ميردييف -وهو مدير مدرسة كيرفا، في جمهورية أوزبكستان، فقد سمع مرةً أحد عمال الكولخوز، واسمه رسول جمعاييف- يقول في حوار معه:"لا قدر الله علينا بنزول البرد، وهكذا تبين مدير المدرسة أن المتحدث إليه رجل مؤمن، أدرك هذا ولكنه لم يعر الأمر اهتمامًا، وأجرى الحديث معه لا عن الله، بل عن ظواهر الطبيعة، وعن ماهية المطر والبرد، وكان يتكلم بطريقةٍ مشوقةٍ جذبت انتباه عامل المزرعة، فأخذ هذا يرجو أن يزوره ضيفًا، وشرع الملحد يزور عائلة جمعاييف، وكان يبرهن للعائلة باستعمال أمثلةٍ من الحياة بسيطةٍ سهلة الفهم، على عدم وجود قوة ما فوق الطبيعة تمنح الإنسان خيرات الحياة، وأن الإنسان نفسه هو خالق سعادته، وهكذا قطع "رسول" علائقه بالدين، وقد أجرى ب. خوجا ميردييف أحاديث مع أحد المشايخ، واسمه "تور" كانا يتقابلان عشرات المرات، وفي هذه اللقاءات كان يحدثه عن سفن الفضاء، كما كان يحدثه عن المجتمع الشيوعيّ، ثم إن الملحد أطلعه على الجوهر الطبقيّ للإسلام، وفي مصلحة مَنْ كانت عقيدة القضاء والقدر، وهنا أعلن الشيخ "تور" في اجتماعٍ عامٍّ لعمال الكولخوز أنه لا يريد بعد الآن أن يعيش هذه الحياة الطفيلية، وأنه بالرغم من كبر سنه، يود أن يعمل في الكولخوز.

وهكذا تعمل الماركسية ضد الدين في روسيا وفي خارج روسيا، وإن زعمت غير ذلك.

ص: 146