الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني: منشأ الصهيونية
تنسب الصهيونية Zionism إلى جبل صهيون بفلسطين، وهو أحد جبالٍ أربعةٍ أقيمت عليها دولة أورشليم -أي: مدينة السلام، وهو الاسم القديم لبيت المقدس، ويعتقد اليهود أن إلاههم "يهوه" يقيم في جبل صهيون، وفي رحابه يظهر "المسيح المخلص" الذي ينتظره اليهود، بشيرًا بغفران الله وتوبته عليهم، وخلاصهم مما يقاسون من بأس وأعنات، بعد تطهرهم من أدران الموبقات والمعاصي التي ظلوا عليها عاكفين أمدًا طويلًا.
والصهيونية مذهبٌ دينيٌّ استعماريٌّ متطرفٌ جدًّا، يتمذهب به غلاة اليهود، تهدف إلى السيطرة السياسية على العالم بتقويض النظم السياسية للمجتمع الدولي بأسره، وإخضاعه لنير اليهود وحكمهم، ويزعم اليهود أن الله استخلفهم في الأرض، وأروثهم أقطارها وشعوبها حقًّا مقدسًا مقضيًا، وأن الدول القائمة كافة دعية مغتصبة، وأن على اليهود المجاهدة لاسترداد حقهم في فلسطين أرض الميعاد، تحت امرة ملك من نسل داود، فإذا استتب لهم الأمر فيها، عملوا على تنفيذ الشق الثاني من الوعود الإلهية، واتخاذهم ملكهم في فلسطين قاعدة لملكهم، والاستسلام لمشيئتهم المستمدة من مشيئة الله، ينتهي الأمر بظهور المسيح المنتظر الذي أفاضت التوراة في ذكره.
ويستند اليهود في دعواهم العودة إلى أرض الميعاد فلسطين، بأن ذلك ثابت من أحداث التاريخ في:
محاولة موسى عليه السلام دخول فلسطين مع الأسباط الهاربين من مصر، ثم غزوة يوشع لتخوم فلسطين، ثم تأسيس مملكة اليهود الأولى في عهد شاؤول، ثم عودة اليهود من بابل بعد السبي بزعامة زرو بابل.
ثم ثورات اليهود في فلسطين ضد حكم البطالسة والرومان، ثم محاولات اليهود في العصور الحديثة شراء أراضٍ في فلسطين يمارسون فيها حياة الاستقرار، ويزعمون أن هذه كلها حركات صهيونية خالصة.
وبالنسبة للشقِّ الثاني من الوعود الإلهية -على زعم اليهود- فإن من الحركات الصهيونية البحتة حركة سبتاي زيفي، الذي قام في سالونيك عام 1666م، مدعيًا المسيح المنتظر، ابتغاء تجميع اليهود تحت زعامته لتحقيق نبوءات التوراة.
وعلى هذا، فإن جذور الصهيونية تمتد إلى أعماق التاريخ اليهوديّ، والطابع الدينيّ هو السمة الأصلية لنظرية الصهيونية، ويعترف الدكتور سلوموز شختر1 بهذه الحقيقة حيث يقول:"حيثما يكون الصهيونيون عاملين نشيطين، تكون اليهودية حيةً عاملةً".
وعلى أثر الثورة الإسلامية العربية في فلسطين عام 1355هـ-1936م، ضد المؤتمرات الاستعمارية والصهيونية فيها، شكلت حكومة الانتداب البريطانيّ اللجنة الملكية البريطانية لعلاج مشكلة فلسطين، وكان هدفها تقسيم البلاد بين العرب واليهود، وقد صرَّح زعيم الصهيونيين "وايزمن" أمام هذه اللجنة، أن مبنى حق اليهود في فلسطين إنما هو وعد الله بأرض إسرائيل، وهذا هو سند اليهود الوحيد الذي لا سند سواه، لجأ إليه وايزمن بعد أن خذلته سائر المزاعم والأسانيد المنطقية والقانونية، وتأييدًا لذلك يقول "دافيد بن غوريون" مؤسس دولة إسرائيل:"إن الصهيونية الحقيقية لم تبدأ بهرتزل ومؤتمر بال، ولا بوعد بلفور، ولا بقرارات الأمم المتحدة عام 1948م، لكنها بدأت يوم وعد الله أبانا إبراهيم وعده".
وقد ظلت دعوة اليهود لإحياء آمالهم في العودة إلى أرض الميعاد مستخفيةً طوال ثمانية عشر قرنًا، إلّا ما كان من بعض حاخاماتهم مثل:"سبتاري زيفي" الذي سبقت الإشارة إلى حركته في ظلال ما أتاحه الحكم الإسلاميّ المتسامح لليهود في سالونيك، التي كانت مدينةً تابعةً لدولة الخلافة العثمانية.
1 1847 - 1915.
وفيما يلي وثيقة نشرتها مجلة "فرنسا القديمة"، تكشف عن طرفٍ من نشاط اليهود وتدبيرهم الخفيّ1:
"في عام 1880 نشرت مجلة الدروس اليهودية التي تتقاضى نفقاتهامن جيمس روتشيلد استنادين، يوضحان أن حكماء صهيون يعملون منذ القرن الخامس عشر -التاسع الهجري، في سبيل الفتح اليهوديّ.
ففي 13 كانون الثاني سنة 1489م، كتب شامور رباني مدينة أرل -من أعمال مقاطعة البروفنس الفرنسية- إلى المجمع اليهوديّ العالميّ القائم في الأستانة -وهي إسلامبول عاصمة العثمانيين- يستشيره في بعض حالات حرجة، قال: إن فرنساويى أكس، وآرل ومارسيليا، يتهددون معابدنا فماذا نعمل؟ فورده الجواب الآتي:
أيها الأخوة الأعزاء بموسى، تلقينا كتابكم، وفيه تطلعوننا على ما تقاسونه من الهموم والبلايا، فكان وقع هذا الخبر شديد الوطأة علينا، وإليكم رأي المرازبة -الحكام، والربانيين:
* بمقتضى قولكم أن ملك فرنسا يجبركم أن تعتنقوا الدين المسيحيّ فاعتنقوه، فإنه لا يسعكم أن تقاوموا، غير أنه يجب عليكم أن تبقوا شريعة موسى راسخةً في قلوبكم.
* بمقتضى قولكم أنهم يأمرونكم بالتجرد من أملاككم، فاجعلوا أولادكم تجارًا ليتمكنوا رويدًا رويدًا من تجريد المسيحيين من أملاكهم.
* بمقتضى قولكم أنهم يعتدون على حياتكم، فاجعلوا أولادكم أطبَّاء وصيادلة ليعدموا المسيحيين حياتهم.
* بمقتضى قولكم أنهم يعتدون على حياتكم، فاجعلوا أولادكم وكلاء دعاوى، وكتبه عدل، وليتداخلوا دومًا في مسائل الحكومة ليخضعوا المسيحيين لنيركم، فتستولون على زمام السلطة العالمية، وبذلك يتسنى لكم الانتقام.
سيروا بموجب أمرنا هذا، فتتعلمون بالاختيار أنكم من ذُلِّكُم وضعفِكم تتوصلون إلى ذروة القوة والعظمة.
في 21 كاسلو "تشرين ثاني"1489.
التوقيع: أمير اليهود.
V. S. S. V. F. F.
1 من كتاب "مؤامرة اليهود على المسيحية"، تأليف: إميل الغوري، ص40-42.