الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ليفسروا لهم الكون، والتاريخ، والاقتصاد، ويضعوا لهم منهج السياسة والاجتماع والاقتصاد.
وكما اعترف غيرهم بهذا الحق لبشر مثلهم، يشرعون لهم قيمهم ومثلهم، وقواعد مجتمعاتهم، وسائر جوانب حياتهم.
وتردت من ورائهم الأمم الإسلامية تأخذ عن هؤلاء القيم والمثل والأخلاق والسلوك وسائر مناهج التعامل بين الناس، وفي مقدماتها القوانين.
ونسيت هذه الأمم أنها بهذا تتخذ أربابًا من دون الله، تعطيها بعض صفات الله وبعض حقوقه، تزعم أنها آمنت بالله، وهي تتحاكم إلى هذه الطواغيت؛ من قيمٍ ومبادئَ وقواعدَ وتشريعاتٍ، وإيمانها يقتضي أولًا إسقاط هذه الطواغيت.
عقيدتها تقتضي أولًا إسقاط هذا الحق عن تلك الطواغيت، وإثباتًا يقتضي الإقرار بكل صفات الربوبية والألوهية لله وحده.
وبذا تقوم عقيدة الإسلام واضحة قوية في قلوب المسلمين، يقوم الأساس متينًا؛ ليصح من بعده ومن فوقه بقية البناء.
ثانيًا: جانب الأخلاق
وهذا جنب يغفل عنه الكثير من المصلحين ومن الدعاة، مع أنه في ميزان الإسلام يقف إلى جانب العقيدة؛ ليقيم الأساس، وكيف لا؟ والرسول يجعلها غايةً لابتغاثه "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"1.
وكيف لا؟ وقد ظل الرسول صلى الله عليه وسلم يربِّي المسلمين عليها مع العقيدة أكثر من نصف حياته الرسالية.
1 رواه مالك.
وكيف لا؟ وبها انتشرت دعوة الإسلام في أكثر من نصف الأرض التي فتحها الله على المسلمين؛ لما رأى الناس من أخلاق تجار المسلمين في معاملاتهم.
وكيف لا؟ وبها يصير المسلمون مثلًا تتحرك وقيمًا تسعى على الأرض، ويسعى نورها بين أيديها وبأيمانها.
وكيف لا؟ وقد كان خُلق رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، وكان بهذا الخلق أشرف من خُلِقَ {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم} 1، {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} 2.
وأمرنا أن نقتدي بهذا الرسول في خلقه العظيم {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} 3.
ولئن اختلفت مذاهب العالم في الأخلاق، واختلفت فيها اهتماماتهم، فإن السمة الواضحة في هذه المذاهب وتلك الاهتمامات أنهم لا يضعونها في المنزلة التي يضعها الإسلام، أساسًا مع العقيدة للبناء كله، ثم هي عندهم ليست نابعةً عن عقيدةٍ ولا متصلةً بعبادة، بينما هي في الإسلام كذلك، فأما نبعها من العقيدة، فهناك أمثلة منها:"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه"4.
"والله لا يؤمن""ثلاثًا" قيل من يا رسول الله؟ قال: "من لا يأمن جاره بوائقه"5.
1 القلم: 4.
2 الجمعة: 2.
3 الأحزاب: 21.
4 رواه البخاري.
5 رواه البخاري.
"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن"
{وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَل} .
{وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ..} 1.
وأما إتصالها بالعبادة:
فإن إتيانها نفسه والاستمساك بها عبادة، اسمع إن شئت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الرجل ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم"2.
"أقربكم مني منازل يوم القيامة: أحاسنكم أخلاقًا، الموطئون أكنافًا"..
"ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن"3.
ثم إنها بعد ذلك تزكو بالعبادة وتربو، فالصلاة من بين غايتها تنمية النظام، والطاعة، والطهر والنظافة، والعفة {إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} 4 "لو أن بباب أحدكم نهرًا يغتسل منه في اليوم خمس مرات أيبقي من درنه شيء"5.
وأداؤها في جماعة ينمي روح التعاون والتراحم والود والألفة؛ فيتحقق قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.."6.
1 الرعد 20 - 22.
2 رواه أبو داود.
3 رواه أحمد.
4 العنكبوت 45.
5 العنكبوت 45.
6 رواه الإمام أحمد ومسلم.
والصيام يزكي خلق الصبر، والاحتمال، والإحساس بالفقير والعطف عليه، وينمي في الوقت نفسه مراقبة الله في السر كمراقبته في العلانية، مما يولد التقوى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ..} 1.
والزكاة تطهير للنفس من شحها، وتطهير للمجتمع من الأحقاد، وتزكيةٌ لأخوة الإسلام والمحبة في الله بين الغنيّ والفقير {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ..} 2.
وهي حقٌّ في مال الغنيّ، وليست مجرد إحسان، ومن ثَمَّ ينتفي فيها ما قد يجرح الفقير {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ، لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُوم} 3 وفي المال -بعد ذلك- حقٌّ سوى الزكاة.
والحج فيه صبر وتطهر من الرفث والفسوق والجدال، وفيه تنمية لروابط الأخوة بين المسلمين، وتزكية للوحدة على الله الواحد، والقبلة الواحدة، والغاية الواحدة.
1 البقرة 183.
2 التوبة 103.
3 المعارج 34 و35.
4 البقرة 197.