الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثانيًا: القومية
على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، آخى بين المهاجرين والأنصار، على أساس من آصرة الإسلام، وليس على أساس أيّ آصره أخرى، آخى بين بلال بن رباح وخالد بن رويحه الخثعمي، وبين مولاه زيد وعمه الحمزة بن عبد المطلب، وبين خارجة بن زيد وأبي بكر الصديق، وبين عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان.
ولما أراد أحد المسلمين أن يثيرها عصبيةً ونادى: يا للأنصار، فنادى الآخر: يا للمهاجرين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم غاضبًا:"أبدعوى الجاهلية، وأنا بين أظهركم..! " وفي حديثه صلى الله عليه وسلم أكد المعنى فقال: "ومن قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبية، أو يدعو إلى عصبية، أو ينصر عصبية، فقُتِلَ فقتلته جاهلية".
وكان من آخر وصاياه يوم حجة الوداع: "كلكم لآدم وآدم من تراب، لا فضل لعربيٍّ على أعجميٍّ، ولا لعجميٍّ على عربيٍّ، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض.. إلّا بالتقوى!! ".
وعلى عهد الراشدين -رضوان الله عليهم، ضمت أرض الإسلام أكبر إمبراطوريتين على وجه الأرض: الروم والفرس، فما فُضِّلَ عربيٌّ على عجميّ لعروبته، أو جنسه، أو لونه، إنما كان الفضل بعد التقوى للعمل الصالح، والعمل الصالح وحده، وعرفت علوم الإسلام في فروعها المختلفة فقهاء وعلماء من الأمصار، ليس فيهم من العرب إلّا النزر اليسير1.
1 قال ابن أبي ليلى: قال لي عيسى بن موسى، وكان ديانًا شديد العصبية للعرب: من كان فقيه البصرة؟ قلت: الحسن بن الحسن، قال ثم مَنْ؟ قلت: محمد بن سيرين، قال: فما هما؟ قلت: موليان، قال:
مَنْ كان فقيه مكة؟ قلت: عطاء بن رباح، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وسليمان بن بسلة، قال: فما هؤلاء؟ قلت: موالي، قال: فمن كان فقهاء المدينة؟ قلت: زيد بن أسلم، ومحمد بن المنكدر، ونافع بن أبي نجيح، قال: فما هؤلاء؟ قلت: موالي؟ فتغير لونه ثم قال: فمن كان أمته أهل قباء؟ قلت: ربيعة الراي وابن أبي الزناد، قال: كأنّا قلت: من الموالي.. فمازال يسأله عن فقهاء اليمن وخرسان والشام، وهو يجيبه بأسماءٍ من الموالي، حتى بلغ فقهاء الكوفة، فقال: والله لولا خوفه لقلت الحكم بن عقبة، وعمار بن أبي سليمان، ولكن رأيت فيه الشر، فقلت: إبراهيم النخعيّ والشعبيّ، قال: فماكانا؟ قلت: عربيان.
وفي الحديث، عرفت أوربا فكرة القومية، ثم صارت متخلفة عن العصر، تشير إلى القرن الثامن عشر، أو التاسع عشر.. وصارت دعواها بذلك دعوى رجعية، لكن الأمة العربية ابتليت بها.
عرفت:
ميشيل عفلق زعيمًا لحزب البعث العربيّ الاشتراكيّ، وأنطون سعادة، زعيمًا لقوميين السوريين، وجورج حبش، زعيمًا للقوميين العرب، وقسطنطين زريق، أحد الزعماء الآخرين1..!
وهكذا لم تعرف القومية العربية زعيمًا ممن يحمل أسماء المسلمين إلّا واحدًا لا يزال عمله في ذمة التاريخ2.
وعرض الكاتبون في القوميات لما تقوم عليه القوميات من أسس؛ ليكشفوا عن عدم صلاحيتها، فعرضوا لنظرية العرق التي قامت عليه القومية الألمانية، وما يزعمون عن العرق الآري الممتاز؛ ليكشفوا عن أن الألمان ليسوا شعبًا خالصًا، بل خالط غيره.
وكذلك الشعب العربيّ، خالط الروم والفرس والأتراك، وفي كتاب "كفاحي" لهتلر، جعل الأمة العربية في الدرجة 13!
وعلى نفس المنوال عنصر اللغة، فسويسرا تضم 3 لغات، والقارة الهندية تضم 300 لغة، وكذا سائر عناصر القومية من تاريخ وأرض ومصالح مشتركة ليس
1 يشير معرب كتاب "لعبة الأمم" إلى أن أكثر من تسعين بالمائة من قادة حركة القومية العربية الأقحاح هم من خريجي الجامعة الأمريكية في بيروت، ولا تزال هذه الخدمات لدول منطقة الشرق الأوسط، ويشير نفس المؤلف إلى أسماء زعماء القومية، وكلهم من المسيحين!
2 انظر كتاب في "الزنزانة" للدكتور جريشة، بعض هذه الأعمال.
فيها عنصر خالص تقوم عليه القومية، هذا كله بالبحث العلميّ الهادئ.
فإذا أضفنا إلى ذلك ما لابس إثارة القوميات من أحداثٍ تاريخيةٍ لبان ما قدمنا له من أن القومية أحد العناصر التي استخدمها أعداء الإسلام لإبعاد الأمة عن دينها.
إثارة القومية الطورانية في تركيا اقترنت بتمزيق تركيا، وإبعادها عن الإسلام، وإثارة القومية العربية في البلاد العربية، اقترنت بتمزيق دولة الخلافة، ومؤتمرات لورانس ومكماهون قصدا إلى القضاء على الجسد الإسلاميّ الذي أسموه يومئذ: بالرجل المريض!!
حتى الجامعة العربية، كانت كما يعرف كل مَنْ عاصر أحداث العصر من صناعة وزير خارجية الإنجليز! لتكون بديلًا عن الجامعة الإسلامية، وفي كتاباتٍ حديثة لكتَّابِ غربيين، أشاروا إلى أن القومية العربية التي رفع رايتها في مصر زعيم كبير، كانت بديلًا هامًّا عن الشعار الإسلاميّ الذي كان يهدد بثورة في المنطقة، فكان الانقلاب العسكريّ امتصاصًا لمشاعر الأمة المتوثبة للإسلام1!
نتائج الدعوة القومية:
وهكذا، فإن تيار الفكرة القومية كانت مهمته إقصاء الإسلام، وتفريغ القضية السياسية والاجتماعية بوجه عامٍّ من المحتوى الإسلاميّ، وإحلال فلسفة أخرى، وعقيدة أخرى محل عقيدته، واستبدال رابطة أخرى برابطته؛ لعزل الشعوب الإسلامية بعضها عن بعض عزلًا نهائيًّا؛ بحيث تكون صلة بعضها ببعض كصلتها بأيِّ شعب من الشعوب الأخرى التي تدين بالوثنية أو الماركسية أو غيرها، والتي لم تكن تربطها بها أيّ رابطة، وبذلك تنقطع الصلات بين الشعوب الإسلامية، وتضعف روابط الثقافة المشتركة ولغة القرآن، والقيم الخلقية، ويقضي على الأخوة الإسلامية.
فما دام باب القومية قد فتح على المسلمين، فقد كان طبيعيًّا أن تنتهي إلى ظهور القومية الكردية في العراق، والبنغالية في باكستان، بعد أن أوصد الباب الذي يصل المسلمين بعضهم ببعض وهو الإسلام.
1 لعبة الأمم لما يلزكوبلاند، ص 63-65.
وقد شجَّعت الدول الأوربية الكبرى على ظهور القومية العربية في صورتها العلمانية؛ لتحقيق مطامعها في احتلال الشرق الإسلاميّ، وخاصةً بريطانيا وفرنسا، يقول "لورنس" منفذ سياسة بريطانيا أثناء الحرب العالمية الأولى:"وأخذت طول الطريق أفكر في سوريا وفي الحج، وأتساءل: هل تتغلب القومية ذات يوم على النزعة الدينية، وهل يغلب الاعتقاد الوطنيّ الاعتقاد الدينيّ؟ وبمعنى أصح: هل تحل المثل العليا السياسية محل الوحي والإلهام، وتستبدل سوريا بمثلها الأعلى الدينيّ مثلها الأعلى الوطنيّ، هذا ما كان يجول في خاطري طول الطريق"1.
ومعلوم أن الثورة العربية على الأتراك قامت بتأييد بريطانيا، ودعمها الأدبيّ والماديّ، ودعم حليفتها فرنسا، وقد ثبت أن عددًا من الزعماء كانوا متصلين بالقنصليات الأجنبية؛ لتلقي هذا الدعم.
وينبه "جب" الأوربيين إلى أن العالم الإسلاميّ المترامي الأطراف، يحيط بأوربا إحاطةً محكمةً، تعزلها عن العالم، ويشير إلى أن وحدة الحضارة الإسلامية تمحو من الأذهان حيثما حلت كل ما يتصل بالتاريخ القوميّ؛ لتحل محله الاعتزاز بالتاريخ الإسلاميّ، والتقاليد الإسلامية..
وحيث يتحدث عن الحركات القومية التي أيدتها دعايات الحلفاء القومية، أثناء الحرب العالمية الأولى، ينبه إلى أن هذا النصر الذي حققته الاتجاهات القومية في الشرق الإسلاميّ، يجب أن لا يصرف الغرب عن الانتباه إلى تيار المعارضة الإسلامية الخفيّ، الذي يعارض في تفتيت الوحدة الإسلامية إلى قوميات علمانية، مبينًا أن هذه المعارضة الإسلامية هي أشد قوة في البلاد العربية.
ويقول "جب" في صراحة تامة: "وقد كان من أهم مظاهر فرنجة العالم الإسلاميّ تنمية الاهتمام ببعث الحضارات القديمة التي ازدهرت في البلاد المختلفة، التي يشغلها المسلمون الآن، فمثل هذا الاهتمام موجود في تركيا ومصر وإندونسيا والعراق وفارس، وقد تكون أهميته محصورة الآن في تقوية شعور العداء لأوربا، ولكن من الممكن أن يلعب في المستقبل دورًا مهمًّا في تقوية الوطنية الشعوبية، وتدعيم مقوماتها2.
1 لورنس: أعمدة الحكم السبعة.
2 في كتاب "وجهة الإسلام".
وهذا يعلل لنا عطف حكومات الاحتلال الغربية على كل مشاريع الحكومات الوطنية، في الشرق الإسلاميّ والعربيّ منه، خاصةً التي من شأنها تقوية الشعوبية فيها، وتعميق الخطوط التي تفرق بين هذه الأوطان الجديدة، مثل الاهتمام بتدريس التاريخ القديم، السابق على الإسلام لتلاميذ المدارس، وأخذهم بتقديسه، والاستعانة على ذلك بالأناشيد، ومثل خلق أعياد محليّة غير الأعياد الدينية التي تلتقي فيها قلوب المسلمين ومشاعرهم على الاحتفال بها، ومثل العناية بتمييز كل بلد من هذه البلاد بزيٍّ خاصٍّ -ولا سيما غطاء الرأس- مما يترتب عليه تمييز كل منها بطابع خاصٍّ، بعد أن كانت تشترك في كثير من مظاهره1.
بين العروبة والإسلام وفضل العرب:
إذا كنا ننكر المبادئ العنصرية والقومية، فإنا نرحب باتحاد العرب وتعاونهم، وتمتين أواصر القربى بينهم على أساس الإسلام، فالعرب هم مادة الإسلام، بلسانهم نزل القرآن الكريم، منهم اصطفى الله عز وجل الرسول الذي بعثه إلى الناس كافة بالهدى ودين الحقِّ؛ ليظهره على الدين كله، ولهذا فلا يمكن فصل العروبة عن الإسلام، أو فصل الإسلام عن العروبة، وليس عجبًا أن يكون تفكير العربيّ الصادق في عروبته تفكيرًا إسلاميًّا.
ومن هنا كان بغض جنس العرب ومعاداتهم كفرًا أو سببًا للكفر، وهذا معناه أن العرب أفضل الأمم، وأن مجتمعهم سبب قوة الإيمان، كما يقول أبو العباس ابن تيمية رحمه الله، مستدلًا بحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حب أبي بكر وعمر من الإيمان وبغضهما من الكفر، وحب العرب من الإيمان، وبغضهم من الكفر"2.
كما جاء في حديث آخر ".. فمن أحب العرب فبحبي أحبهم، ومن أبغض العرب، فببغضي أبغضهم".
وقوله صلى الله عليه وسلم لسلمان الفارسيّ رضي الله عنه: "يا سلمان، لا تبغضني فتفارق دينك، فقال سلمان يا رسول الله،
1 الاتجاهات الوطنية للدكتور محمد حسين.
2 اقتضاء الصراط المستقيم ص156 "القرب في محبة العرب" للحافظ العراقي.
كيف أبغضك وبك هداني الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"تبغض العرب فتبغضني".
ولكن لا يلزم من الاعتراف بفضل العرب أن يجعلوا عمادًا يتكتل حوله، ويوالى عليه ويعادى عليه، وإنما ذلك من حقِّ الإسلام الذي أعزهم الله به، وأحيا ذكرهم ورفع شأنهم، فهذا لونٌ وهذا لون، ثم هذا الفضل الذي امتازوا به على غيرهم، وما مَنَّ الله به عليهم من فصاحة اللسان، ونزول القرآن الكريم بلغتهم، وإرسال الرسول العام بلسانهم، ليس مما يقدمهم عند الله في الآخرة، ولا يوجب لهم النجاة إذا لم يؤمنوا، كما يقول فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز1.
موقف الإسلام من الدعوة القومية:
إن مبادئ الإسلام ومبادئ الغرب متباينةً كليًّا في باب القومية، فالذي يعتبره الغربيون مصدر القوة هو مصدر الضعف والخذلان عند الأمة الإسلامية، كما يقول شاعر الإسلام محمد إقبال:"لا تقس أمم الغرب على أمتك، فإن أمة الرسول الهاشميّ صلى الله عليه وسلم فريدة في تركيبها، أولئك إنما يعتقدون باجتماعهم على الوطن والنسل، ولكن إنما يستحكم اجتماعك أيها المسلم بقوة الدين".
لهذا كان من غير المعقول ولا من الممكن، كما يقول الأستاذ المودودي، أن توجد في الأمة الإسلامية قوميَّات على أساس الألوان والأجناس واللغات والأوطان، كما لا يمكن أن تُوجَدَ داخل دولة دول كثيرة مختلفة، ومن كان مسلمًا، وأراد أن يبقي على إسلامه، فلابد له أن يبطل في نفسه الشعور بأي أساسٍ غير أساس الإسلام، ويقطع العلاقات والروابط القائمة على أساس اللون والتراب..
وأخوف ما كان يخافه الرسول صلى الله عليه وسلم على المسلمين، أن تظهر فيهم العصبيات الجاهلية؛ فتفرق كلمتهم، فكان يقول لأصحابه دائمًا:"لا ترجعوا بعدي كفَّارًا يضرب بعضكم رقاب بعض".
ولا يمكن بقاء الرابطة الإسلامية مع نشوء الشعور بالقومية العنصرية، ومن المغالطة الزعم بأن إحداهما تساير الأخرى ولا تضرها،
1 نقد القومية العربية ص20، 21.
فعندما بدأ المسملون في هذا الزمان يتغنون بالعنصرية والوطنية في كل قطر من أقطارهم، متأثرين بالأوربيين، صار العربيّ يتغنى بعروبته، والمصريّ ينتسب إلى الفراعنة، والتركيّ يتيه إعجابًا بتركيته، ويحاول أن يصل نسبه بهولاكو وجنكيز، والفارسيّ يقول لشدة انفعاله بنعرته القومية: أنه لم يكن من تأثير "الإمبراطورية العربية" إلّا أن صار عليّ والحسن والحسين رضي الله عنهم أبطال، وإلّا لكان رستم واسنفنديار وأنوشروان أحق أن يكونوا أبطاله القومين في حقيقة الأمر، وقد بدأ ينشأ في الهند مسلمون يفخرون بالانتساب إلى القومية الهندية، بل فيهم من يريدون أن ينقطعوا عن ماء زمزم، ويتصلوا بماء نهر جنجا، وفيهم من تبعثهم أهواؤهم على اتخاذ "بهيم" و"أرجن" و"رام ها" أبطال الهندوس القدماء، أبطالهم القومين، وليس هذا كله من هؤلاء السفهاء الراكبين رؤوسهم إلّا لأنهم ما عرفوا ما يملكون من الحضارة، وما يملكه الغرب، وما تبينوا ما بينهما من الفرق الجذريّ؛ لأن عيونهم كليلة عن المبادئ والحقائق، فلا ينظرون إلّا إلى السطح، ويبهر عقولهم ما يجدونه بارزًا عليه من الفقاقيع والألوان الظاهرة، ولا يعلمون أن الشيء الذي هو ماء الحياة للقومية، هو نفسه السم الزعاف للرابطة الإسلامية1.
إن بُطْلَان الدعوةِ إلى القومية العربية، أو غيرها من القوميات، مما هو معلومٌ من دين الإسلام بالضرورة؛ لأنها مُنْكَرٌ ظاهرٌ، وجاهليةٌ نكراء، وكيدٌ سافر للإسلام وأهله، وذلك من وجوه أربعة:
أولًا: لأنها تفرق بين المسلمين، وتفصل المسلم العجميّ عن أخيه العربيّ، بل تفرق بين العرب أنفسهم وتقسمهم أحزابًا، فهي بذلك تخالف مقاصد الإسلام الذي يدعو إلى الاجتماع والوئام، قال تعالى:{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا} .
ثانيًا: لأنها من أمر الجاهلية، فهي تدعو إلى غير الإسلام، وكل ما خرج عن دعوة الإسلام والقرآن من نسبٍ وبلدٍ، أو جنسٍ، أو مذهبٍ، أو طريقةٍ، فهو من عزاء الجاهلية، كما يقول الشيخ ابن تيمية رحمه الله مستشهدًا بقوله صلى الله عليه وسلم:"أبدعوى الجاهلية، وأنا بين ظهوركم".. والنصوص في ذلك كثيرة، منها ما رواه مسلم أن النبيّ -صلى
1 المودودي "بين الدعوة القومية والرابطة الإسلامية" ص68.
الله عليه وسلم قال: "ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من غضب لعصبية" وقوله: "إن الله أوحى إليَّ أن تواضعوا، حتى لا يبغي أحدٌ على أحد، ولا يفخر أحدٌ على أحد".
ولا ريب أن دعاة القومية يدعون إلى عصبية، ويغضبون لعصبية، ويقاتلون على عصبية، ولا ريب أيضًا أن الدعوة إلى القومية تدعو إلى البغي والفخر، وإنما هي فكرةٌ جاهليةٌ تحمل أهلها على الفخر بها، والتعصب لها.
والإسلام بخلاف ذلك، فهو يدعو إلى التواضع والتقوى والتحاب في الله، وأن يكون المسلمون الصادقون من كل أجناس بني آدم جسدًا واحدًا، وبناءً واحدًا يشد بعضه بعضًا، ويألم بعضه لبعض، وفي الحديث الصحيح:"المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا، ويشبك بين أصابعه" و "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".
وفي حديث الحارث الأشعريّ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "وأنا آمركم بخمسٍ، الله أمرني بهن، السمع والطاعة، والجهاد، والهجرة، والجماعة، فإنه من فارق الجماعة قيَْدَ شبرٍ، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلى أن يراجع، ومن دعى بدعوى الجاهلية فهو من جثي 1 جهنم"، قيل: يا رسول الله، وإن صلى وصام، قال:"وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، فادعوا بدعوى الله الذي سماكم المسلمين المؤمنين عباد الله". وهذا الحديث الصحيح من أوضح الأدلة وأبينها في إبطال الدعوة إلى القومية، واعتبارها دعوةً جاهليةً يستحق دعاتها أن يكونوا من جثى جهنم.
ثالثًا: لأنها تؤدي إلى موالاة الكفار العرب، وملاحدتهم من أبناء غير المسلمين، واتخاذهم بطانة، والاستنصار بهم على أعداء القوميين من المسلمين وغيرهم، وفي ذلك مخالفة لنص القرآن الكريم، والسنة الدالة على وجوب بعض الكافرين ومعاداتهم وتحريم موالاتهم واتخاذهم بطانة كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى
1 جمع جثوة، وهي الشيء المجموع، وقوم جثي: جلوس "أ. هـ" لسان العرب، يقول شاعر القوميين:
سلام على كفر يوحد بيننا
…
وأهلًا وسهلًا بعده بجهنم
أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} 1 الآيات
والقوميون يدعون إلى التكتل حول القومية العربية، فيوالون لأجل ذلك كلَّ عربيٍّ من يهود ونصارى ومجوس ووثنيين وملاحدة وغيرهم، تحت لواء القومية العربية، ويقولون: إن نظامها لا يفرق بين عربيّ وعربيّ وإن تفرقت أديانهم، والله عز وجل يقول:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} إلى قوله: {وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} 2. ونظام القومية يقول: كلهم أولياء مسلمهم وكافرهم، والله سبحانه وتعالى يقول: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} وقال تعالى: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} 3.
وشرع دعاة القومية يقول: اقصوا الدين عن القومية، وافصلوا الدين عن الدولة، وتكتلوا حول أنفسكم وقوميتكم، حتى تدركوا مصالحكم، وتستردوا أمجادكم، كأن الإسلام وقف في طريقهم، وحال بينهم وبين أمجادهم، هذا والله هو الجهل والتلبيس وعكس القضية.
وكيف يجوز في عقل عاقل أن يكون أبو جهل، وأبو لهب، وعقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث، وأضرابهم من صناديد الكفار، في عهد النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وبعده، إلى يومنا هذا إخوانًا وأولياء لأبي بكر وعثمان وعمر وعلي وسائر الصحابة ومن سلك سبيلهم إلى يومنا هذا.. هذا والله أبطل الباطل وأعظم الجهل، وشرع القومية ونظامها يوجب هذا ويقتضيه.
رابعًا: لأن الدعوة للقومية تفضي بالمجتمع إلى رفض حكم القرآن
1 المائدة: 51.
2 الممتحنة: 1-4.
3 المجادلة: 22.
الكريم؛ لأن القومين غير المسلمين لن يرضوا بتحكيم القرآن، فيوجب هذا لزعماء القومية أن يتخذوا أحكامًا وضعيةً تخالف القرآن، حتى يستوي مجتمع القومية في تلك الأحكام1.
وأخيرًا، فينبغي ألا ننسى أن القومية قد اقترنت في التاريخ الإسلاميّ الحديث بالعمالة للاستعمار، كما اقترنت بالعداء للإسلام، كما ظهر مما قدمناه من مؤامرة لورنس وأمثاله.
1 ابن باز: نقد القومية العربية ص10-39.