الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني: التغيير الاجتماعيّ
ما يبغي الغرب منَّا..؟
في البداية كان الهدف واضحًا؛ إخراج المسلمين من دينهم، وإدخالهم إلى دين آخر-كما وضح ذلك من كلام المبشرين.
ثم لما صارت عملية التنصير بلغة الأرقام صعبة، إن لم تكن مستحيلة بين الشعوب التي تدين بالإسلام،
اقتصرت العملية على الجزء الأول منها: إخراج المسلمين من دينهم، وكانت الوسائل إلى ذلك هي نفس الوسائل -وسائل التبشير- الأولى، التي كانت تقوم بالشقين للإخراج من الإسلام، والإدخال في الدين الآخر.
ونجحت الخطة الثانية، ولا تزال تعمل في كثير من البقاع الإسلامية.
ثم كانت الخطة الثالثة التي لا تذهب إلى عملية الإخراج من الدين تمامًا، ولكنها تكتفي بالإبعاد -الأبعاد عن الدين، من غير استعمال لفظ الإبعاد، حتى لا يستثير حفيظة المسلمين، أو تنبيههم إلى حقيقة الهدف، وكانت وسائل التبشير الأولى هي التي تستعمل لتحقيق الهدف الجديد، مع تطوير فيها يجعلها أكثر نعومةً، وأكثر فاعلية.
إذًا، فالهدف هو إبعاد المسلمين عن الإسلام، باعتباره الخطر الكامن، كما يتصور الغرب أو يتوهم، وقد كانت الإشارة إلى هذا الهدف تحت اصطلاحاتٍ أكثر تهذيبًا، مثل: التغريب، أو التغيير الاجتماعيّ1.
1 راجع في ذلك كتاب: "الحضارة الغربية" للدكتور محمد محمد حسين، وكتاب:"العالم العربي اليوم" للكاتب الأمريكي مورو بيرجر.
معنى التغيير الاجتماعيّ، وصلته بالتغيير السياسيّ:
إن النخبة العسكرية في الشرق الأدنى؛ في مصر والسودان، والعراق وتركيا، وإيران وباكستان، كانت عوامل هامة في جلب التغيير الاجتماعيّ.
وتشترك النخبات العسكرية العربية عميقًا في الاعتقاد بضرورة التغيير الاجتماعيّ السريع.
أما الآن، فقد قبلت التأثيرات الغربية في الشرق الأدنى إلى درجةٍ تجعل من الصعب التحقيق من أن امرءًا ما قد ذهبت، أو لم يذهب إلى أوربا أصلًا، فقد أصبح العرب متغربين، بدون أن يتكلفوا عبء الذهاب إلى أوربا.
فبينما يترك الحكام الغربيون منطقة الشرق الأدنى، تتحول هذه المنطقة فتصبح أكثر غربيةً، ويواجه الزعماء العرب طريقتين:
فهم يطردون الغرب سياسيًّا، ويسحبون الكتل الشعبية إلى الغرب ثقافيًّا1.
التغيير الاجتماعي إذن، يعني: تغيير قيم الأمة ومثلها؛ تغيير ثقافتها، وأخلاقها، وعقيدتها، وبعبارة واضحة: إبعاد المسلمين عن دينهم.
والتغيير الاجتماعيّ قد يسمى التغريب، وقد يسمونه المدنية، أو التطوير، أو التقدم، وأيًّا ما كانت الحال، فلن يكن هناك سبيلٌ إلى التراجع، إن العمل يسير بجدٍّ ونشاط في إدخال المدنية الغربية إلى مصر.
وهو يأخذ طريقه بتقدم ونجاح حسب خطة مرسومة وضعت خطوطها بعد دراسة الموقف، تقوم على التطور والتدرج2.
وواضح أن التغريب، أو التغيير الاجتماعيّ الذي كان يجري على أيدي المحتلين والمستعمرين، صار يجري اليوم -في أكثر الأحوال-
1 راجع مورو بيرجر في "العالم الغربي اليوم" صفحات 306، 319، 320، 323، 324، 326، 331، 340، 348.
2 الفقرة الثالثة من تقرير اللورد كرومر، سنة 1906، ص 8 من النسخة الإنجليزية.
على أيدي النخبات الوطنية التي هي في أكثر الأحيان عسكرية1.
هذا هو الهدف: التغيير الاجتماعيّ الذي يعني في الحقيقة: إبعاد الأمة عن دينها في شتى نواحي الدين التي تشمل شتى نواحي الدنيا.
ولكن لهذا الهدف وسيلة، أو وسائل، وأساليب، هي التي تمثل "التكتيك" الجديد لغزو الغرب الفكري،
ويحسن أن نعرض لها في مبحث مستقل.
1 يشير الكاتب الأمريكيّ إلى تقرير لزعيم مصري جاء فيه: أن الضباط كانوا علمانيين -ستعرف معنى العلمانية في الصفحات القليلة القادمة- يتوقون إلى بث التعاصر في مصر، متماشين مع الخط العربي التكنولوجيّ.
ولم يكن الضباط على ثبات أيديلوجيّ، بل كانوا جماعة علمانية في البناء السياسيّ والاجتماعيّ للحياة المصرية، ص313ع، 314 من المرجع المذكور، ويضيف الكاتب الأمريكيّ، أن معيار ذلك الزعيم في الضباط الكفء، هو استنتاجًا على الأقل تعرفه إلى الغرب، وينقل الزعيم مدحًا لرئيس هيئة أركان الجيش المصريّ في الحرب العالمية الثانية، كان متقبلًا للأفكار الحديثة لكثرة زيارته لفرنسا وانجلترا وألمانيا" ص310 من كتاب "العالم العربي اليوم" للكاتب الأمريكيّ: مرو بيرجر.