الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ويسير التخطيط على جعل وسائل الإقناع المختلفة في أيدي غير المستمسكين بالدين، فإذا أفلت متدين إلى هذه الوسائل لحاطته بوسائل الإغراء والاحتواء المختلفة، حتى تتحرف به عن السبيل القويم.
وتحت شعارات: العلمانية، والقومية، وتحرير المرأة، تجري وسائل الإقناع المختلفة؛ لتحقيق إبعاد الأمة عن دينها.
ونحاول بمشيئة الله بحث هذه الثلاثة؛ لنتبين كيف يجري بها إبعاد الأمة عن دينها.
أولًا: العلمانية
معنى العلمانية:
قد تشعر الكلمة في اشتقاقها أنها تعني: رفع شعار العلم، ومن ثَمَّ فلا تعارض بيينها وبين الإسلام، بل إنها إحدى وسائل الإسلام وبعض أهدافه!
وهو ما نحسب أنهم قصدوا إليه حين ترجموا معنى الكلمة في لغتها الأصلية؛ ليقع المسملون في هذا الوهم!!
إن العلمانية ترجمة للكلمة الإنجليزية Secularity وهذا اشتقاق من Secular وهي مرادفة للكلمة الإنجليزية Unreligous أي: لا ديني، أو غير عقيدي، ومن ثَمَّ كانت العلمانية تعني: اللادينية!!
ومن هنا نفهم إعلان البعض عن قيام دولة علمانية، أو عن رغبة البعض الآخر في ذلك!
ونفهم سر اختيار الكلمة أنها تعبر عن المقصود، دون صدم للمشاعر والأحاسيس!
ولنا أن نتصور الفارق بين الإعلان عن دولة علمانية، أو الإعلان عن دولة لا دينية! 1
من هنا نحس خبث ترجمة الكلمة إلى لفظ العلمانية، ونحس خبث الذين يستعملون هذا اللفظ دون اللفظ الكاشف عن المعنى المقصود، ونحس مع هذا كله بواجبنا لتعرية هذا اللفظ الخبيث على حقيقته!
العلمانية.. بين الغرب والشرق:
لم يكن غريبًا في الغرب أن تجد العلمانية مكانها، فقد فرضت ذلك لظروف الغرب، نتيجة تسلط الكنيسة وتحالفها مع الظالمين على شعوب الغرب المختلفة، ووقوفها في وجه كل تفتحٍ فكريٍّ، أو كشف علميٍّ، وتجاوزها ذلك الحجر على العقول، إلى حجر أخطر على القلوب، حين فرضت صكوك الغفران وقرارات الحرمان، وراحت تتاجر بها، وتتخذها وسيلةً للكسب الحرام!!
وغرقت أوربا في دماء ضحايا الكنيسة، حيث سقط المئات، بل الآلاف، تحت مقاصل محاكم التفتيش ومشانقها، غير من غيبوا في غياهب السجون..
وإذا كانت سنة الله في الكون أن لكلِّ فعل رد فعل، مساويًا له في القوة، ومضادًّا له في الاتجاه، فلقد وقع الصراع، صراع العلم مع الكنيسة، وانتهى بإعلان العلمانية التي تعني: فصل الدين عن الدولة، وتقلص سلطان الكنيسة داخل جدرانها!!
وفضلًا عن أن ظروف أوربا التاريخية كانت تبرر انتشار العلمانية، وفصل الدين عن الدولة، فلقد كانت ظروف الديانة المسيحية بعدما أدخل عليها من تحريف كان اليهود وراء أكثره، كانت ظروف الديانة المسيحية تسمح كذلك بوجود علمانية إلى جانب الدين.
وليس غريبًا بعد ذلك أن يكون اليهود وراء فصل الدين عن الدولة، كما صرح بذلك كاتب أمريكيّ1 بغية القضاء على بقايا الدين الذي حرفوه؛ بتعطيله وحبسه عن المجتمع داخل جدران الكنيسة.
وليس غريبًا بعد ذلك أن نسمع عن أن الدين الذي حبس داخل جدران الكنيسة قد جرى فيه التطوير حتى صارت الصلاة تؤدى على أنغام الموسيقى، ثم تعقبها حفلات الرقص بين الجنسين تحت الأضواء الخافتة الحالمة، وبين الألحان الدافئة والساخنة، تحت سمع وبصر رجال الدين، بل تحت رعايتهم وتوجيههم السديد.
1 وليام غاي كار في كتابه: أحجار على رقعة الشطرنج.
وكانت أوربا قد بلغت في التقدم العلميّ -التكنولوجيّ- درجةً جعلتها ولو إلى حين، تستطيع أن تقيم نهضة ماديةً بهرت الناس في أكثر الأحيان.
وحين أريد نقل العلمانية إلى الشرق الإسلاميّ، غفل المسخرون -عن علم أو عن جهل- غفلوا عن هذه الظروف جميعًا، غفلوا عن أنه ليس في ظروف الشرق الإسلاميّ التاريخيّ ما يبرر فصل الدين عن الدولة، فلم يكن ثمة اضطهاد من رجال الدين الإسلاميّ -إذا صح التعبير للمقابلة مع رجال الكنيسة-لم يقع اضطهادٌ من علماء المسلمين للعلم أو للعلماء.
ولم يكن في تاريخنا الإسلاميّ محاكم تفتيش، ولا صحكوك غفران وقرارات حرمان.
والذين انحرفوا من العلماء عن جادة السبيل إلى ممالأة الحاكم لفظتهم الأمة، وجعلتهم وراء ظهورها، والذين كانوا لسان صدق، حملتهم في حنايا صدورها، وقدمتهم في أول صفوفها.
كذلك لم تكن الديانة الإسلامية لتسمح بالفصل بين الدين والدولة؛ لأن الدولة في فقه الإسلام قسم الدين لا قسيم، فلا دين بغير دولة، ولا دولة بغير دين..
كذلك لم تكن الديانة الإسلامية لتسمح بقيام العلمانية إلى جوار الإسلام، بمقولة أن الإسلام يبقى داخل دائرة العقيدة والشعيرة، وتعمل العلمانية في دائرة الشريعة؛ لأن الإسلام عقيدة وشعيرة وشريعة، وهو في هذا لا يقبل التجزئة ولا التفرقة، ولا يرضى أن يكون مع الله أرباب آخرون، أو قياصرة آخرون يدين لهم الناس في مجال الشريعة، كما يدينون لله في مجال العقيدة والشعيرة..
كذلك مع التسليم جدلًا بصحة نظرة الغرب التي اعتنقها الحاقدون، أو الجاهلون في الشرق الإسلاميّ، فلم يكن الشرق الإسلاميّ قد وقف على قدميه، وبلغ التطور العلميّ والتكنولوجيّ الذي بلغه الغرب؛ ليطرح الدين جانبًا ويرفع شعار العلمانية.
ومن ثَمَّ حرم الشرق الدين، كما حرم الدنيا، وارتضى
بقشور تورثه الترف والدعة، وتبعده كثيرًا عن الجد والجهاد والعمل.
وسائل نشر العلمانية:
حرص الغرب منذ وطئت أقدامه التراب الإسلاميّ على نشر العلمانية بأكثر من سبيل، وحين ورَّثَت النخباتُ الأجنبيةُ النخباتِ الوطنيةَ مكان السلطة، وبوأتها كراسيها، حرصت على زيادة نشر العلمانية بكل الوسائل، وضعت خبراتها العلمية والتكنولوجية لتحقيق هذه الغاية.
ومن ثَمَّ، فلم يكن غريبًا أن نسمع عن بلاد إسلامية متخلفة من الدرجة الثالثة أو الرابعة تدخل فيها التليفزيون، قبل أن تمحو من أبنائها الأمية التي تربو على الثمانين أو التسعين في المائة، بل إننا نسمع عن إدخال التليفزيون الملون في بلاد متخلفة جدًّا، وأحيانًا فقيرة جدًّا.
أما مجالات نشر العلمانية ووسائلها، فقد كانت: أولًا: في التعليم، ثانيًا: في الإعلام؛ صحافة، وإذاعة، وتليفزيون، وسينما، ومؤلفات، ثالثًا: في القانون، ويحسن أن نعرض لكلٍّ بكلمة:
أولًا- التعليم:
إن التعليم الوطنيّ عندما قدم الإنجليز إلى مصر، كان في قبضة الجامعة الأزهرية الشديدة التمسك بالدين، والتي كانت أساليبها الجافة القديمة!! تقف حاجزًا في طريق أيِّ إصلاح تعليميّ، وكان الطلبة الذين يتخرجون في هذه الجامعة يحملون معهم قدرًا عظيمًا من غرور التعصب الدينيّ!! ولا يصيبون إلّا قدرًا ضئيلًا من مرونة التفكير والتقدير، فلو أمكن تطوير الأزهر عن طريق حركةٍ تنبعث من داخله؛ لكانت هذه خطوة جليلة الخطر.
ولكن، إذا بدا أن مثل هذا الأمل غير متيسرٍ تحقيقه، فحينئذ يصبح الأمل محصورًا في إصلاح التعليم اللادينيّ الذي ينافس الأزهر، حتى يتاح له الانتشار والنجاح، وعندئذ فسوف يجد الأزهر نفسه أمام
أحد أمرين: فإما أن يتطور، وإما أن يموت ويختفي1.
- هذه كلمات اللورد كرومر، الذي حكم مصر المسلمة ممثلًا للاحتلال الإنجليزي، يساعده دنلوب وهو أحد خريجي كلية اللاهوت في لندن.
- تكملها كلمات للمستشرق جب: "وفي أثناء الجزء الأخير من القرن التاسع عشر، نفذت هذه الخطة لأبعد - وأخيرًا تكمل هذا كلمات زعيم المبشرين النصارى "زويمر" يقول على جبل الزيتون في القدس، إبَّان احتلال الإنجليز لفلسطين سنة 1354هـ-1935م: "لقد قبضنا أيها الأخوان في هذه الحقبة من الدهر؛ من ثلث القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا، على جميع برامج التعليم في المماليك في الملك الإسلامية، وإنكم أعددتم نشئًا في ديار المسلمين لا يعرف الصلة بالله، ولا يريد أن يعرفها! وأخرجتم المسلم من الإسلام، ولم تدخلوه في المسيحية، وبالتالي جاء النشء الإسلاميّ طبقًا لما أراده له الاستعمار المسيحيّ، لا يهتم بالعظائم، ويحب الراحة والكسل، ولا يعرف همه في دنياه إلّا في الشهوات، فإذا تَعَلَّمَ فللشهوات، وإذا جمع المال فللشهوات، وإن تبوأ أسمى المراكز ففي سبيل الشهوات يجود بكل شيء".
كانت تلك هي النصوص..
ومفادها.. أنه لم كانت البلاد الإسلامية في سابق عهدها إسلامية التعليم، فقد كبر على الاستعمار الغازي أن يترك للمسلمين دينهم، بعد أن أبى عليهم أن يترك لهم أرضهم.
وكان لابد له أن يحقق لهم جهالتهم بالدين؛ ليتحقق فيهم من بعد، أنَّ مَنْ جَهِلَ شيئًا عاداه.
وكان له في ذلك أكثر من سبيل.
1 تقرير كرومر لسنة 1906م، الفقرة 3 ص 5، والاتجاهات الوطنية للدكتور محمد محمد حسين ج1 ص 275.
2 "وجهة الإسلام" تأليف المستشرق جب وآخرين، ترجمة: محمد عبد الهادي أبو ريدة.
أما السبيل الأول: فهو ما لجأ إليه من حصر التعليم الديني، وحصاره ماديًّا ومعنويًّا؛ فأما الحصر والحصار الماديّ: فقد كان يفتح التعليم اللاديني في مواجهته، وتشجيعه، وهو ما أشار إليه المستشرق جب "بإنماء التعليم العلمانيّ تحت الإشراف الإنجليزي في مصر والهند".
وتَمَّ مع ذلك تضييق الموارد المادية على التعليم الدينيّ، وإغداقها على التعليم اللادينيّ.
وأما الحصر والحصار المعنويّ: فهو ما لجأ إليه من تنفيرٍ وسخريةٍ بطالب العلم الدينيّ وبأستاذه، وبالتفرقة بين أساتذيّ الدين والمواد الأخرى في كل شيء، تفرقة مرسومة مقصودة، ثم بالتفرقة بين خريج المعاهد والكليات الدينية، وبين زملائه في الكليات الأخرى، فمناصب المعاهد والكليات الدينية محدودة، متواضعة في المظهر وفي الجر، ومناصب المعاهد والكليات الأخرى عديدة كثيرة، فارهة المظهر، والأجر. وفي اللاشعور يرسب ذلك كله، نفورًا من الدين، وإقبالًا على غير الدين؛ من حيث لا يدري الطالب الصغير، أو الكبير، ومن حيث لا يشعر.
وأما السبيل الثاني: فكان الابتعاث إلى الخارج، إلى الدول غير الإسلامية، وحقق ذلك الابتعاث نتائجه الباهرة المقصودة..
فهو أولًا يزيد طالب التعليم العام جهالة بدينه وقيمه ومثله، ويزيده تعلقًا بقيم الغرب أو الشرق ومثله، وهو من ناحيةٍ أخرى، يبدأ بتطبيعه بطباع غير إسلامية، ثم يصير التطبع مع الزمن طبعًا، وينسلخ الطالب من حيث لا يشعر حتى من تقاليده في الملبس والمأكل والمشرب وطريقة التعامل، ويغدو غربيًّا أو شرقيًّا، ربما أكثر من الغربيّ أو من الشرقيّ.
وحول هذا المعنى يقول أحد الكتاب الغربيين: "فبينما يترك الحكام الغربيون منطقة الشرق الأدنى، تتحول هذه المنطقة؛ فتصبح أكثر غربيةً، ويواجه الزعماء العرب طريقين.
فهم يطردون الغرب سياسيًّا، ويسحبون الكتل الشعبية إلى الغرب ثقافيًّا1".
ولقد بدأ هذا السبيل مبكرًا..
ربما ليساعدوا إلى تخريج الأساتذة التي تجري "تفريخ" مبادئهم بعد ذلك في بلادهم بغير حاجة إلى ابتعاث الجدد، وبغير حاجة إلى جهد غير وطنيّ، وهو يصرح به نفس الكاتب السابق حين يقول:
"أما الآن، فقد قبلت التأثيرات الغربية في الشرق الأدنى إلى درجةٍ تجعل من الصعب التحقق من أن امرءًا ما، قد ذهب، أولم يذهب إلى أوربا أصلًا، فقد أصبح العرب متغربين بدون أن يتكلفوا عبء الذهاب إلى أوربا".
ومثل ذلك هو الشيخ: رفاعة الطهطاوي، الذي بعث إلى باريس خمس سنوات "1826-1831" ليعود بعدها يصرح بأن الرقص الغربيّ -الذي تتلاصق فيه أجساد، وتختلط الأنفاس، وتتلاقى النظرات- بأن هذا الرقص لونٌ من العياقة والشلبنة -أي: الفتوة- ثم ينادي بالفرعونية -وهي في ميزان الإسلام جاهلية وعصبية منتنة- ينادي بها بديلًا عن الإسلام.
ومن بعد رافع، كان طه حسين وكتاباته في مستقبل الثقافة في مصر، وفي مرآة الإسلام، ومن قبلها في الشعر الجاهليّ، لا تحتاج إلى تعليق لكل ذي بصر إسلاميّ.
ومع طه حسين، قاسم أمين الذي نادى في مصر بتحرير المرأة، وإن نسب البعض كتابته إلى الشيخ محمد عبده، والزعيم سعد زغلول، وقد خشي الزعيمان على شعبيتهما فحملا قاسم العبء، وحمله أنه كان ظلومًا جهولًا..
كل هؤلاءلم تكن ثقافتهم ولا ترتيبتهم محلية، ومن ثَمّ فلم يكن غريبًا ما صرحوا به أو أذاعوه، بل كان ذلك جزءًا من مخطط رهيبٍ أثيمٍ؛ لهدم قيم الإسلام ومثله، ولا يزال الابتعاث رغم ما خرج من أساتذة يقومون بنفس
1 العالم العربي اليوم - مورو بيرجر.
الدور، لا يزال له دوره، وبخاصة في البلاد التي تسمى:"نامية" والتي يخشى أن تتجه بصدق إلى الإسلام، لا يزال الابتعاث يولي أهمية كبيرة لهذه البلاد باعتبارها بكرًا، ويصل الاهتمام إلى حد نزول الابتعاث من مرحلة ما بعد الجامعة، إلى مرحلة ما بعد الثانوية العامة؛ حيث سن المراهقة الخطير، ينتقل فيه الشباب من المجتمع المغلق إلى المجتمع المفتوح، والمفتوح جدًّا، فتنقلب موازين عقله بعد موازين قلبه، كما حدث في درس رفاعة رافع الطهطاوي -الصعيدي.
كما يصل الاهتمام حد الحرص على إيفاد المبعوث سنةً كاملةً كل خمس سنوات، بعد عودته من بعثته المباركة، وتوليه أهم المناصب، وهكذا يتولد ضمان استمرار "الولاء" و"الوفاء"، أو ما هو أشد من الولاء والوفاء.
وأما السبيل الثالث: فهو انتشار المدارس الأجنبية في البلاد الإسلامية، وقد كان في البداية سبيلًا لتنصير المسلمين، وعلى هذا نصت بعض مؤتمرات التبشير، وعلى هذا نفهم إنشاء الكلية الإنجيلية في بيروت، وإنشاء الجامعة الأمريكية في مصر1.
لكن استفادة من نصائح زويمر، لم يعد مطلوبًا إدخال المسلمين إلى المسيحية، إنه يكفي إخراجهم من الإسلام.
وعلى هذا تعمل المدارس الأجنبية حاليًا في البلاد الإسلامية.
وأقل ضرر لها، هو الازدراء باللغة العربية، وتمجيد اللغة الأجنبية، بما يترتب على الأمرين من آثار خطيرة في اللاشعور.
وأقل ضرر لها، هو الازدراء بالدين، بعد أن تعمد إلى تقديم مدرسه متهدمًا في مظهر ومخبره، مثيرًا للسخرية والاشمئزاز من صغار الطلاب وكبارهم على السواء، بينما يظهر رجل الدين عندهم على نحو مخالفٍ، يولد الرهبة والاحترام، وقد يولد الحب والود والألفة.
1 راجع قرارات مؤتمر القاهرة 1324هـ-1906م، ومؤتمر لكنؤ بالهند "1329هـ-1911م" في كتاب "الغارة على العالم الإسلاميّ".
وأما السبيل الرابع: فقد كان تمييع المناهج الإسلامية باسم التطوير، وقد رأينا أن كرومر قد دعا إلى تطوير الأزهر، ورأينا خلفاء "كرومر" يقومون بالتطوير بعد خمسين سنة أو يزيد، ومع كرومر أو قبل كرومر، نادت بذلك مؤتمرات التبشير.
ولم يكن الأمر قاصرًا على مناهج المعاهد والكليات الدينية، إن الأمر امتد إلى مناهج "الدين" في التعليم العام؛ فاقتصرت على القشور، واحتوت على التعقيد، وصاحَبَها سوء اختيار معلم الدين الذي كثيرًا ما يكون متعمدًا؛ ليورث في اللاشعور كراهية الدين، والسخرية منه..
وأما السبيل الخامس والأخير: فقد كان نشر الاختلاط بين الجنسين في مراحل التعليم، وقد بدأوا بها في الجامعات، في أكثر البلاد الإسلامية، تحت دعوى التقدم والتمدين، ونشر الروح الجامعية، وكأن التمدن والتقدم ونشر الروح الجامعية لا يتم إلّا بإشعال نار الغرائز، وتأجيج سعار الشهوة في سن الشباب الملتهب.
وقالوا في تبرير الاختلاط الكثير مما هو غير صحيح، حتى في علمهم هم، فقد قالوا: إن الاختلاط يشذب الغريزة ويهذبها، وأثبت العلم أن الاختلاط لا يخلو من أحد أمرين:
إما أن يشيع "البرود الجنسي بين الجنسين" وهذا مرض تشكو منه بعض البلاد، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية.
وإما أن يؤجج سعار الجنس ويزيد لهيبه، وهو ما تؤكده تجربة القط والفأر اللذين اتيا بهما وهما رضيعان، ثم وضعا في قفص صغير واحد، وظلا يأكلان سويًّا من طبق واحد، حتى إذا جاء موعد ظهور الغريزة، ولكل غريزة موعد، انقض القط على الفأر فأكله، ولم تشفع له عشرة طالت، ولا اختلاط دام..
وتوسعوا في أمر الاختلاط، فجعلوه في المرحلة الابتدائية، وهي عند البعض قد تضم بعض سنوات المراهقة، وجعلوه في المرحلة الثانوية، وهو أخطر ما يكون..
وتزداد المهزلة، حين يجعلون على هؤلاء المراهقين مدرسات؛ لتمتد النيران ما بين التلاميذ والمدرسات؛ فتنهدم قيمة احترام
المدرس، مع ما ينهدم من قيم بالاختلاط أو مع الاختلاط.
وتأكيدًا لهذا السبيل الآثم، تحرص كثير من المؤلفات على التهوين من مقدمات الزنى التي لابد أن تفضي إليه، إلّا من عصم ربي، وقليل ما هم.
ففي أحد كتب مؤسسة فرانكلين الأمريكية، التي تنشر في أحد البلاد الإسلامية يقول:"فبدلًا من فصل البنين عن البنات، يجب أن نعمل على إشراكهم معًا في الأعمال الممتعة، ومواقف اللعب، وإذا حدث استلطاف بين بعض البنين والبنات، فينبغي النظر إليه على أنه نوع من الصداقة، وليس غرامًا أوعشقًا، وعبثًا تحاول المؤسسة الأمريكية أن تخلع عن الحرام اسم الحرام، وأن تخلع عليه ثوب "البراءة" الكاذب.
وفي مكان آخر، ولنفس المؤسسة:
"إن خروج الفتيات في صحبة الفتيان من الأمور الطبيعية التي يستطيع معظم الآباء تقبلها في الوقت المناسب، على أي حالٍ، باعتبارها جانبًا من جوانب النمو الجسمي للمراهق" وفي مكان آخر:
"وفي كل علاقةٍ بين فتًى وفتاةٍ، يشعر كل منهما في بعض الأحيان بدافع يحفزه على التعبير عن حبه، وتقديره للآخر بلمسه، أو ضغطه على اليد، أو قبلة، والكشف عن المشاعر بهذه الطريقة، والاستجابة لها أمر طبيعيّ".
وأخيرًا..
فالشوق إلى القبلة، أو بعض الغزل الرقيق، أو الإنصات إلى قصةٍ فيها تلميحات جنسية، هذه ليست أمور شائنة1".
وقد سبق خطوةَ الاختلاط في الدول الإسلامية المتقدمة خطوةٌ تمر بها الآن الدول الإسلامية -غير المتقدمة- وهو التوسع في تعليم البنات.
وتعليم البنت في حَدِّ ذاته، قد لا يكون هو مصدر قلق، لكن التوسع في هذا التعليم من غير تخطيط إسلاميّ، بل ولا حتى فطريّ، هو مصدرالقلق كله.
1 حصوننا مهددة من داخلها، الدكتور محمد محمد حسين، مكتبة المنار الإسلامية، الكويت.
ذلك أن إنكار اختلاف فطرة المرأة عن الرجل غباء أو تغاب، فلا شك في هذا الاختلاف، ومن ثَمَّ وجب اختلاف المناهج وفقًا لهذا الاختلاف، ووجب اختلاف مجالات العمل كذلك تبعًا لهذا الاختلاف.
ذلك لو كان الذين يخططون لتعليم البنات يصدرون عن فهم إسلاميّ، أو حتى عن فهمٍ ذاتيّ، مبرأ من التدخل الأجنبيّ.
أما أن يصير الأمر مجرد مزاحمةٍ للبنت مع الولد بحجة التمدين والتحضر، حتى لو صادم ذلك فطرتها وطبيعتها؛ بحيث ترى البنت مهندسة وصانعة وعاملة في الأفران، فذلك لا يقره عاقل.
كذلك يسبق خطوة الاختلاف خطوة أخرى، هو تعرية المرأة المسلمة، أو كشف الحجاب عنها، كذلك تحت دعاوي التحرر والتمدين، وماحدث في الكويت الشقيقة منذ سنوات أقرب مثل.
لقد كانت الكويت، وهي جزء من الجزيرة العربية، تفرض عادتها الإسلامية الحجاب على المرأة، وبغضِّ النظر عن الخلاف الفقهيّ في صدد كشف وجه المرأة، فإن الأمر لم يقتصر على كشف الوجه، بل كشف المحارم التي لا خلاف على حرمتها.
وكان آخر ما قدمته الكويت المسلمة إحراجًا لضيف كبير مسلم، أن رقصت فتياتها المراهقات بملابس قصيرة، تكشف عن أفخاذهن، وبأداء متكسر مثير، أمام الضيوف الكبار الذين امتدت بهم الجلسة إلى ما بعد منتصف الليل.
وهكذا يسبق التحرر الاختلاط؛ ليزول الحياء قبل الاختلاط، فيسقط آخر مانع يحول دون اشتعال النار، وهكذا ينزوي التعليم الديني، مع ذلك الضجيج الهائل من حوله، ومع ذلك التخريب الهائل من داخله، وهكذا مثلت "الازدواجية" في التعليم تكتيكًا مرحليًّا، مارسه أعداء الإسلام في الشرق الإسلاميّ المسكين".
وترتب على هذا الازدواج بالوضع الذي أشرنا إليه نتائج خطيرة:
1-
فهي أولًا: أدت إلى تمزيق المجتمع الإسلاميّ بين طائفة العلمانيين الواردين من الخارج، أو المتخرجين في الداخل.
2-
وهي ثانيًا: أدت إلى إبعاد العلمانيين عن الإسلام.
3-
وهي ثالثًا: جعلت الأمر إلى أيدي هؤلاء العلمانيين.
4-
وهي رابعًا: أدت إلى الازدراء من شأن الدين، والازدراء بطلابه ومعلميه..
ثانيًا- العلمانية في الإعلام:
العلمانية في التعليم أقدم وأخطر، والعلمانية في الإعلام أعمّ وأشمل، ومن هنا تكمن خطورتها، إن التعليم قد يخاطب الآلاف بمناهجه، لكن الإعلام يخاطب الملايين ببرامجه، وأكثر هذه الملايين ساذجة تؤثر فيها الكلمة، مقروءة، أو مسموعةً، أو منظورةً.
فإن كانت طيبةً، كانت كشجرة طيبةٍ، أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.
وإن كانت خبيثةً، كانت شجرة خبيثة، اجتثت من فوق الأرض، مالها من قرار.
من هنا كان اهتمام الإسلام بالكلمة وأمانتها، فإما أن ترتفع بالمؤمن إلى معية سيد الشهداء، وأما أن تهوي بقائلها في النار سبعين خريفًا.
وللأسف، فإننا نستطيع باطمئنان أن نقرر أن وسائل الإعلام المختلفة من صحافةٍ، وإذاعةٍ، وتليفزيونٍ وسينما، مسخرة اليوم لإشاعة الفاحشة، والإغراء بالجريمة، والسعي بالفساد في الرض، بما يترتب على ذلك من خلخلة للعقيدة، وتحطيمٍ للأخلاق والقيم والمثل.. وهما:"العقيدة والأخلاق" أساس لبناء الإسلام، فإذا انهدم الأساس، فيكف يقوم البناء؟؟.
وتتفاوت درجات الفساد في وسائل الإعلام تبعًا لهذه الوسائل، فهي في السينما أشد، يليهاالتليفزيون، والإذاعة، والصحافة.
كذلك تتفاوت درجات الفساد بين أقطار الإسلام المختلفة.
قد يقول قائل: ولربما كان الفساد في بلادٍ لا تجاهر به أشد من بلادٍ أخرى تجاهر به، ففيها الزنى واللواط، وأكل الربا وشرب الخمر، وغير ذلك من المنكرات.
ونقول: ولقد يكون هذا صحيحًا لا يماري فيه عالم، ولقد يكون علاجه واجبًا، ليس عن طريق الحدود وحدها، وإنما عن طريق التربية الصحيحة والعلاج الاجتماعيّ بوسائله المختلفة؛ بالقدوة، والأخذ على يد المفسدين، مهما كان مركزهم، حتى لا تصير الحدود قصرًا على الضعيف دون الشريف.
ومع ذلك، فلا يبرر ذلك أن تجهر بلاد بالفاحشة، فإن في ذلك إشاعة لها أيما إشاعة، أو تتعالن بلاد بالمعصية، فإن في ذلك إغراء بها أيما إغراء، وهذا يساعد على سرعة الانتشار، ويهون الجريمة على من يتردد في اقترافها، ولذا كانت الحدود ردعًا لهذا الشر أن يسري أو يستشري.
وليعلم الناس ما تفعله الصحافة في بلاد المسلمين، نختار أربعة أمثلة من تواريخ مختلفة:
أ- مقال نشر بجريدة السياسة الأسبوعية بالقاهرة، سنة 1926، ذكر فيه كاتب المقال أن بعض الفتيات التركيات يشبهن فتيات أوربا، وقد تلقى بعضهن العلم في الكلية الأميريكية بالقسطنطينية، وذكرت واحدة منهن:"أن المرأة التركية اليوم حرة، فلن تسير في الطرقات في ظلام، وأننا نعيش اليوم مثل نسائكم الإنجليزيات، نلبس أحدث الأزياء الأوربية والأمريكية، ونرقص، وندخن، ونسافر، وننتقل بغير أزواجنا" ويعلق كاتب الجريدة: ولا يسع كل محبٍّ لتركيا إلّا أن يغبطها على هذه الخطوات.
ب- في سنة 1386هـ-1966م، استضافت أسرة تحرير الأهرام فيلسوف الوجودية "سارتر" وعشيقته التي تعيش معه في الحرام "سيمون دي بوفوار" ويجهر بهذا الفجور والفساد، ويدعى الرجال ويدعى النساء؛ ليروا هذه القدوة القبيحة السيئة، وليسمعوا عنها السم الزعاف.
ج- ويبلغ الفجور في السبعينات أقصى مداه، حين تنشر جريدة الأهرام عن ضبط بيوتٍ للدعارة، فيها نساء من بيوتاتٍ لم يكن يسمع عنها من قبل سوء، وتنشر عن ضبط تلميذاتٍ صغيراتٍ في هذه البيوت، ثم تهوّن هذه الجريمة الفظيعة تحت عناوين مثيرة.
تلميذة في شقة مفروشة، افتحوا أبواب الاختلاط في كل مراحل التعليم، وأطلقوا الحرية للشباب تحت رقابة الأسرة والمدرسة، ولا تهمنا البنت التي تنحرف من أجل فستان1.
د- وفي أحد أعداد مجلة النهضة الكويتية سنة 1976، تحقيق صحفيّ في سبع صفحات كبيرة مطرزة بصور مثيرة لفتيات شبه عاريات، وتحت عناوين بارزة كتب بالخط العريض: حصاد المعاكسات في أسواق الكويت: مغازلات.. معاكسات.. همسات.. نظرات.. إشارات.. أرقام تليفونات.. سألت أحدى الصحفيات بعض فتيات الكويت اللائي
1 جريدة الأهرام 13/ 3/ 1976.
أدلين بأسمائهن كاملة، وقصصن ما يحدث لهن من تحرشاتٍ بأسلوب مكشوف، حتى أن أحداهن "
…
..." لم تستح أن تصرح أن بائع الأحذية في كل مرة يقيس لها حذاء، أو يخلعه، يتحسس ساقيها، كما أن بائع الملابس يمسك خصرها بكلتا يديه، وتحكي أخرى "
…
..." أن الملابس تكشف كل شيء "لأنها شفافة" وخاصةً عند طلوع الدرج داخل المحل؛ لأن الأضواء توضع على الدرج، فتكشف كل شيء في جمسها، هذا بالإضافة إلى زجاجة العطر التي سكبتها على صدرها، إلى جانب المكياج الصارخ الذي تزين به وجهها، ولا أدري، لماذا تحرص على مداراته بطرف العباءة "الشفافة" بعد كل هذه الزينة التي وضعتها عليه، ولا ندري، ماذا يستفيده القارئ المسلم من مثل هذه التحقيقات إلّا تزيين الانحلال، والتهوين من أمره، وتعليم من يتعلم.
ونختم القول بالتنويه بما أوصى به المؤتمر العالميّ لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة، المنعقد في عام 1397هـ-1977م، بمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم منددًا بحال الإعلام في البلاد الإسلامية:
"ويندد المؤتمر بالهوة السحيقة التي تردى فيها إعلامنا، ولا يزال يتردى، عن علم من القائمين به، أو عليه، أو عن جهل منهم، فبدلًا من أن يكون الإعلام في البلاد الإسلامية منبر دعوة للخير، ومنار إشعاع للحق، صار صوت إفساد وسوط عذاب، وسكت القادة فأقروا بسكوتهم، أو جاوزوا ذلك فشجعوا وحموا، وزلزل الناس في إيمانهم وقيمهم ومثلهم، ولم يعد الأمر يحتمل السكوت من الدعاة إلى الحق".
ثالثًا- العلمانية في القانون:
"حَدٌّ يعمل به في الأرض، خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحًا" هذا مثل لأهمية الجانب القانونيّ في الإسلام.
وكما تكون طاعة الله في الشعائر، لابد أن تكون كذلك في الشرائع، وكما يكون إشراك بالله في الشعائر، يكون كذلك إشراك بالله في الشرائع، هذه كتلك، لأن كلًّا من عند الله.
والرهب لازم، كالرغب في إقامة شريعة الله، والرهبة تولدها السلطة.
والرغبة تولدها القدوة، والاثنان يتحققان إذا كان الحكم للإسلام، وكان حكامه من المسلمين.
من أجل ذلك كله كان حرص أعداء الإسلام على إبعاده عن مجال السلطة؛ ليحرموا الإسلام الرهبة والرغبة.
ومن ثَمَّ ليبقى مجرد هيكلٍ، أقرب إلى الموت منه إلى الحياة، ولقد وضع ذلك مما فعلوه في العالم الإسلاميّ، ولنأخذ مثلًا تركيا:
حين فكروا في إبعادها عن الإسلام، بذلوا جهودهم "لعملنة" القانون، وتدرجوا، ففي كل عشر سنوات يتم علمنة جانب من جوانب القانون، منذ سنة 1256هـ-1840م، ثم صارت كل حوالي عشرين سنة، حتى تمت أكبر علمنة بإعلان الغاء الخلافة سنة 1343هـ-1924م.
وفي مصر:
اقترنت "علمنة" القانون بالاحتلال الأجنبيّ، فكانت أول علمنة سنة 1301هـ-1883م، بعد الاحتلال بسنة واحدة، واقترن إلغاء الامتيازات الأجنبية بشرط الأجانب، الاستمداد من التشريع الغربيّ بعيدًا عن الشريعة الإسلامية، ثم اقترن إلغاء النص على أن دين الدولة هو الإسلام في دستور مصر المؤقت سنة 1958، ثم في ميثاق العمل الوطني سنة 1962، اقترن بأحداث داخلية يعرف عنها الكثيرُ الكثيرَ.
وأكثر الدول الإسلامية -بكل أسف- تمت فيها علمنة القانون، والدول التي لا تزال فيها بقايا تطبيق الشريعة، تحيط بها المؤامرات من كل جانب لعلمنة القانون، ويجري التمهيد لهذه العلمنة بما يجري من "علمنة التعليم" وعلمنة الإعلام، فيوجد جيل علمانيّ يقدس القانون العلمانيّ، ويولد نتيجة الإعلام رأيٌ علمانيّ يتقبل مثل هذه العلمنة.
وهكذا عملت العلمانية من خلال التعليم، ومن خلال الإعلام، ومن خلال القانون، ولننظر كيف عملت القومية في مواجهة الدين.