الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني: أين الطريق
مدخل
…
المبحث الثاني: أين الطريق؟
من ابتغى نباتًا طيبًا، فلابد له من أمرين رئيسيين:
تربة طيبة، وبذرة طيبة، والباقي عوامل مساعدة.
والتربة الطيبة في رأينا هي الإنسان كله، والبذرة الطيبة -في رأينا- هي شريعة الله كلها؛ فإذا أحسن زرع البذرة الطيبة في الأرض الطيبة كان نبات طيب؛ كانت حضارةً ونهضةً يسعدان الإنسان، ويسعدان العالم كله.
ونتحدث عن كل عنصر بما يسمح به المقام.
أولًا: الإنسان كله:
أشرنا من قبل إلى أنه إذا كانت حضارات القرن العشرين، أو بالأصح، جاهلياته، قد لجأت إلى الآلة، وإلى المصنع، وجعلت الإنسان في الدرجة الثانية، فإن حضارة الإسلام تجعل الإنسان في الدرجة الأولى، صانعًا لها، ثم هدفًا لها، والإنسان بلا شكٍّ، هو أكرم المخلوقات في هذا الوجود.
ومن ثَمَّ كانت حضارة الإسلام باعتبار الإنسان صانعًا لها، ثم هدفًا لها، أكرم حضارة في الوجود، وقضية تكريم الإنسان وتفضيله على غيره من المخلوقات قد تبدو قضية بديهية، بالنسبة لعصرنا، لكنه قد أتى حين من الدهرلم يكن فيه الإنسان شيئًا مذكورًا.
حتى لقد استعبد في فترةٍ، وخضع للبيع والشراء في سوق النخاسة.
واستبعدت المرأة في فترةٍ، وكان ينظر إليها على أنها متاع؛ كسائر المتاع في البيت، وكانت تورّث من بين ما يورث من الأشياء.
ولا تزال المرأة في حضارات كثيرة مستعبدة، وإن علقوا على رأسها لافتة الحرية، لا تزال تباع وتشترى في سوق الرقيق الأبيض، ولا تزال تعرض سلعة رخيصة في كثير من الأماكن، تبيع النظرة وتبيع البسمة، وتبيع ما وراء ذلك بالدرهم والدولار!!
وفي زمانٍ نظر الناس إلى الملائكة على أنهم الجنس الأكرم، ونظر آخرون إلى الجن، وجاءت كلمة الإسلام قاطعةً {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} 1.
وقصة سجود الملائكة لآدم التي حكاها القرآن، ليست للتسلي ولا للتلهي {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى} 2.
لكن البعض قال فيها بغير علم، وتأول صريح ألفاظها، ودلالاتها، بما يخرجها عن معناها وهدفها..
وتكررت في أماكن أخرى بألفاظ أخرى لكنها كلها من الوضوح بما لا يصرفها عن معناها الظاهر إلى معنى خفيٍّ أو ملتو، الله أمر الملائكة بالسجود لآدم، والملائكة كلهم سجدوا إلّا إبليس أبى واستكبر، وكان من الكافرين.
وسجود الملائكة على هذا النحو فعل حدث وتَمَّ، وهو يعني: التكريم الذي أشارت إليه آيات أخرى، بل هو أبلغ درجات التكريم..
وتكريم الإسلام لآدم وبنيه، ينصرف بلا شكٍّ إلى الجنسين، ولذا كانت صيانة دمه وعرضه وماله، بل يبلغ التكريم والصون
1 الإسراء 70.
2 يوسف 11.
3 البقرة 34.
غايته ومنتهاه، حين يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ناظرًا لبيت الله المحرم، الذي زاده الله تشريفًا وتكريمًا:"ما أعظمك وأعظم حرمتك" لحرمة المؤمن أعظم عند الله من حرمة بيته المحرم.
حضارة القرن العشرين شهدت على أيدي بعض أدعيائها ممن جعلوا حرمة المؤمن دون حرمة الكلاب، فأهدروا جسده، ودمه، وماله، وعرضه، وحرموه من أدنى الحقوق، بل أدنى الضرورات، حرموه أن يقضي حاجته، وحرموه أن يسد رمقه!! قد يقال: وكل حضارات الدنيا لم تقم، ولا يمكن أن تقوم بغير الإنسان،
ونقول: ولكنها لا تجعله من الدرجة الأولى، ولا تنظر إليه نظرة الإسلام كلًّا لا يتجزأ، أشرف ما فيه قلبه،
الإنسان كله:
في هذا تفترق حضارة الإسلام عن سائر الحضارات، إنها لا تنظر للإنسان كجسد وحسب، كما تفعل الحضارة المادية شرقية وغربية، نزوعًا إلى ذلك المستوى الهابط الذي صوّر به فرويد الإنسان مجموعة غرائز تتحرك، أو نزوعًا إلى ذلك الأصل الهابط الذي تدرج به دارون إلى أن يجعل أصل الإنسان قردًا، أو ما وراء ذلك.
حضارة الإسلام لا تغفل واقع الإنسان أنه جسد، لكنها لا تغفل الجانب الآخر من الواقع، إن له روحًا، إن له عقلًا وقلبًا.
وهي تبدأ مع الإنسان، وفي هذا تفترق عن سائر الحضارات، من أعز مكان فيه وأشرفه، من قبله؛ فتودع فيه العقيدة والإيمان، وبهذا تكون نقطة التحول للإنسان.
بهذا يبدأ الإنسان معراجه إلى حضارة المثل والقيم والأخلاق، ولا تغفل بعد ذلك بقية القوى فيه.
إن لربك عليك حقًّا، وإن لبدنك عليك حقًّا، وإن لنفسك عليك حقًّا.
فأعط كل ذي حقٍّ حقه.
ويتحقق في الإنسان المسلم التوازنُ المفقودُ عند غيره؛ فلا الجسد ولا حاجاته يطغى، فينقلب الإنسان إلى حيوان تسيره غرائزه، ولا العقل ومنطلقاته يطغى؛ فينقلب الإنسان إلى خيالٍ بعيد عن الواقع والحياة، ولا القلب وأشواقه يطغى؛ فينقلب الإنسان إلى راهبٍ ينقطع عن الدنيا وما فيها، وإنما كل يسير بقدر، كما أن كلًّا خلق بقدر.
كلٌّ يسير في فلكه المرسوم، كما تسير الكواكب في فلكها المرسوم.
أما القدر الذي يسير قوى الإنسان، وأما الفلك المرسوم الذي يسير فيه، فهو هذه الشريعة التي أنزلها الله له،
وفيها هذا النظام الرائع المحبوك الذي لا يقل روعةً عن نظام هذا الكون المتناسق الغريب..
وحين تختل القوى أو تطغى؛ ففي توجيهات هذه الشريعة وأوامرها ونواهيها، ما يرد الأمر إلى توازنه؛ ليعود كلٌّ يسير بقدر، وليعود كلٌّ إلى فلكه المرسوم بغير طغيان ولا خسران، بغير إفراط ولاتفريط..
1 يس 40.