الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني: الاقتصار على النسك
لا شك في فضل شعائر الله، ولا شك أنها عمد هذا الدين، لا يقوم بغيرها، ولا شك أن تعظيمها وتوقيرها من تعظيم الله وتوقيره، من تقوى القلوب {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} 1.
لكن هل نستطيع أن نقتصر عليها فقط، ونقول هي الدين؟
الرسول يرفض محاولة الاقتصار، أو محاولة التغالي:
بعض الذين يقتصرون اليوم على الشعائر يقولون: أنهم يشبهون بالصحابة، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم برءاء مما يقولون؛ فمنهجهم هو منهج الرسول عليه الصلاة والسلام، الذي شجب مثل هذه المحاولات ليوضح سنته، حين قال بعض أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم، أين نحن من النبيّ صلى الله عليه وسلم، قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا، فأنا أصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله، إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء..
1 الحج 32.
فمن رغب عن سنتي فليس مني"! 1
وهذا حنظلة الكاتب التميميّ، يقول: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرنا الجنة والنار، حتى كأنها رأي العين، فقمت إلى أهلي وولدي فضحكت ولعبت، قال: فذكرت الذي كنّا فيه، فخرجت فلقيت أبا بكرٍ رضي الله عنه فقلت: نافقت، نافقت، فقال أبو بكر: إنا لنفعله، فذهب حنظلة فذكره للنبيّ صلى الله عليه وسلم، فرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم رد المعلم الرؤوف الرحيم:"يا حنظلة: "لو كنتم كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة على فراشكم، "أو على طرقكم"، يا حنظلة، ساعة وساعة"2.
وحين علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رجلًا قد انقطع للعبادة، قال: ومن يطعمه ويسقيه، قالوا: أخوه، قال: أخوه أعبد منه، ثم أعطى معنى العبادة حقها، حين جعل "الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله"3.
وحين قال: "إن من الذنوب ذنوبًا لا تكفرها الصلاة ولا الصوم ولا الحج، ويكفرها الهم في طلب المعيشة"! وفي لفظ: "عرق الجبين"4.
الاستعمار يشجع فرق المتنطعين:
وحين جاء الاستعمار الأوربيّ إلى أرض الإسلام حارب الدين، وكل ما هو دينيّ، إلّا فرق المتنطعين، رافعي الرايات، وضاربي الدفوف، والهائمين على وجوههم، زاعمين أنهم من أهل الله، يتكففون الناس.
1 رواه البخاري ومسلم وأحمد واللفظ للبخاري.
2 رواه ابن ماجه.
3 وراه البخاري ومسلم والترمذي.
4 رواه الطبراني وأبو نعيم في الحلية.
وكان من بين ما شجعه المستشرقون "التصوف"1.
التصوف بهذا المعنى القاصر؛ لأننا لا نود أن نظلم المتصوفة كلهم، وإن كنا نود لهم ما ارتضاه رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني"!
هل صحيح بعد ذلك الاقتصار على النسك؟
أظنه ليس بحاجة إلى جواب، إلّا أن تقول بصلاحية أعمدة تقوم؛ لأن تؤوي أسرة فتقيها حر الصيف وبرد الشتاء، وإلّا أن تقول بغير ما قال محمد عليه الصلاة والسلام.
أما المغالاة:
فلئن كان الاقتصار خاطئًا، فالمغالاة أشد خطأ، حتى ولو كانت بقصد كريم شريف، فلابد مع القصد من الاتباع؛ لأن الإفراط في شيءٍ تمامًا كالتفريط فيه، كلاهما طرفا نقيض مذموم من الله سبحانه وتعالى {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} 2.
وفي موضعنا نصوص كثيرة {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} 3.
1 راجع ما سبق عند الكلام عن الاستشراق.
2 الفرقان 67.
3 الحجرات 7.
عليكم من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا1.
"إن هذا الدين متين، فأوغل فيه برفق، ولا تبغض إلى نفسك عبادة الله، فإن لا أرضًا قطع، ولا ظهرًا أبقى"2.
"إن لربك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، فأعط كل ذي حقٍّ حقه3".
وبعد ذلك، فإن الإغراق في جانبٍ واعنات النفس فيه، يؤدي بغير شكٍّ إلى الملل والسأم، مما يفضي بعد ذلك إلى الانقطاع! أو يرتد بالنفس إلى النقيض الآخر، أو يؤدي إلى خلل في الجسم أو العقل أو المال.
1 الموافقات ج1 ص343.
2 رواه أحمد والبيهقي.
3 رواه البخاري والترمذي.