الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفَرقُ بَينَ الفِرَاسَةِ والإلهَامِ
أن الفراسة قد تتعلق بنوع كسبٍ وتحصيلٍ، وأما الإلهامُ فموهبة مُجَرَّدَةُ، لا تُنَالُ بكسبٍ البتة (1).
هل في الأُمَّةِ المُحَمَّديَّة مُحَدثَّونَ
؟
قال الإمام المحقِّق ابن قَيِّمِ الجوزية رحمه الله تعَالَى-: "وسمعت شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية رحمه الله يقول: جزم (2) بأنهم كائنون في الأمم قبلنا، وعَلَّق وجودهم في هذه الأمة بـ "إن" الشرطية، مع أنها أفضل الأمم؛ لاحتياج الأمم قبلنا إليهم، واستغناء هذه الأمة عنهم بكمال نبيها، ورسالته، فلم يُحْوِج الله الأمة بعده إلى مُحدَّث، ولا مُلْهَم، ولا صاحب كشف، ولا منامٍ، فهذا التعليق لكمال الأمة، واستغنائها لا لنقصها"(3).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعَالَى-:
"وأمَّا مُحمَّد صلى الله عليه وسلم فبُعِثَ بكتاب مستقلٍّ، وشرع مُستقِل كامل تامٍّ لم يُحْتَجْ معه إلى شرع سابق تتعلمه أمته من غيره، ولا إلى شرعٍ لاحقٍ يكمل شرعه؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:(إنَّهُ قَدْ كَانَ في الأُمَمِ قَبْلكُمْ مُحَدَّثُونَ، فَإنْ يَكُنْ في أُمَّتِي أحَد فعُمَرُ).
فجزم أن من كان قبله كان فيهم مُحدَّثُونَ، وعلَّقَ الأمرَ في أمته، وإن كان هذا المُعَلَّق قد تحقق؛ لأن أمته لا تحتاج بعده إلى نبي آخر، فَلأَن لا تحتاج معه إلى مُحدَّث ملهم أولى وأحرى.
وأما من كان قبله فكانوا يحتاجون إلى نبي بعد نبي، فأمكن حاجتهم إلى
(1)"نفسه"(1/ 45)، وانظر:"لرسالة القشيرية" ص (106)، و"الذريعة إلى مكارم الشريعة" ص (186، 187)، و"فتح الباري"(1/ 170)، و"فراسة المؤمن" للشيخ إبراهيم الحازمي.
(2)
أي: النبي صلى الله عليه وسلم.
(3)
"مدارج السالكين"(1/ 39).
المُحَدَّثِينَ الملهمِين؛ ولهذا إذا نزل المسيح ابن مريم في أمَّتِه لم يحكم فيهم إلا بشرع محمد صلى الله عليه وسلم" (1). اهـ.
وقال -أيضًا- رحمه الله: "المُحَدَّثُ كان فيمن قبلنا، وكانوا يحتاجون إليه .. وأمة محمد صلى الله عليه وسلم لا تحتاج إلى غير محمد صلى الله عليه وسلم"(2). اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "وقوله: (إنْ يَكُ في أُمَّتِي)، قيل: لم يورد هذا القول مورد الترديد؛ فإن أمته أفضل الأمم، وإذا ثبت أن ذلك وُجِدَ في غيرهم، فإمكان وجوده فيهم أولى (3)، وإنما أورده مورد التأكيد، كما يقول الرجل: "إن يكن لي صديق، فإنه فلان"، يريد اختصاصه بكمال الصداقة لا نفي الأصدقاء، ونحوه قول الأجير: "إن كنتُ عملتُ لك، فَوَفنِّي حقي"، وكلاهما عالم بالعمل، لكن مراد القائل أن تأخيرك حقي عملُ مَنْ عِنْدَهُ شكٌّ في كوني عملتُ.
وقيل: الحكمة فيه أن وجودهم في بني إسرائيل كان قد تحقق وقوعه، وسبب ذلك احتياجهم، حيث لا يكون حينئذ فيهم نبي، واحتمل عنده صلى الله عليه وسلم ألَّا تحتاج هذه الأمة إلى ذلك، لاستغنائها بالقرآن عن حدوث نبي، وقد وقع الأمر كذلك؛ حتى إن المحدَّث منهم إذا تحقق وجوده؛ لا يحكم بما وقع له، بل لابد من عرضه على القرآن، فإن وافقه، أو وافق السنة، عمل به، وإلا تركه، وهذا -وإن جاز أن يقع- لكنه نادر ممن يكون أمره منهم مبنيًّا على اتباع الكتاب والسنة" (4). اهـ.
(1)"الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح"(2/ 382، 383).
(2)
"الفتاوى الكبرى"(5/ 107) بتصرف.
(3)
بل مقتضى أفضلية هذه الأمة المحمدية استغناؤها عن المحدثين، لكمال دينها، وإن فرض وجودهم فإن الشرع مستغن عنهم، وحاكم عليهم لا العكس، كما تقدم من كلام شيخ الإسلام، وكما يأتي من كلام ابن حجر -رحمه الله تعالى-.
(4)
"فتح الباري"(7/ 50، 51).