الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نصوص أُخَر لبعض أهل العلم في المسألة
ذكر جماعة من أهل العلم منهم أبو إسحاق الإسفراييني أن من رأى النبي صلى الله عليه وأله وسلم في المنام وأمره بأمر يلزمه العمل به، ويكون قوله حجة (1).
وقد أبى جمهور العلماء هذه الطريقة، واتفقوا على أن أي شيء مما ينتج عن الرؤيا إذا خالف الشريعة مردود، وإن وافقها فهو أمارة يؤتنس بها، وإن لم يوافقها ولم يخالفها جاز العمل بها، وهاك بعضَ نصوصِهم:
- قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله: "الرؤيا المحضة التي لا دليل على صحتها؛ لا يجوز أن يثبت بها شيء بالاتفاق"(2).
ونقل ابن مفلح عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- قال: "الإسرائيليات والمنامات لا يجوز أن يثبت بها حكم شرعي لا استحباب ولا غيره، ولكن يجوز ذكره في الترغيب والترهيب فيما لو عُلِم حُسْنُه أو قُبْحه بأدلة الشرع؛ فإنه ينفع ولا يضر، واعتقاد موجبه قدر ثواب وعقاب يتوقف على الدليل الشرعي"(3). اهـ.
- واعترض الإمام أبو محمد علي بن حزم رحمه الله على من استدل على تحريم القُبلة على الصائم بما رواه بإسناده عن (عمر بن حمزة (4) أخبرني سالم بن عبد الله عن أبيه قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في المنام، فرأيته لا ينظرني، فقلت: يا رسول اللَّه، ما
(1) انظر: "المدخل" لابن بدران ص (139).
(2)
"مجموع الفتاوى"(27/ 457، 458).
(3)
"مصائب الإنسان من مكائد الشيطان" ص (173).
(4)
وهو ضعيف كما في "التقريب" ص (411) رقم (4884)، وضعفه أحمد، وابن معين، والنسائي.
شأني؟! فقال: ألست الذي تُقَبِّل وأنت صائم؟! قلت: فوالذي بعثك بالحق، لا أُقَبِّل بعدها وأنا صائم.
قال أبو محمد: الشرائع لا تؤخذ بالمنامات، لا سيما وقد أفتى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عمر في اليقظة حيًّا بإباحة القبلة للصائم (1)، فمن الباطل أن ينسخ ذلك في المنام ميتًا! نعوذ باللَّه من هذا.
ويكفي من هذا كله أن عمر بن حمزة لا شيء). اهـ (2).
- وقال الإمام النووي رحمه الله: "إن الرائي وإن كانت رؤياه حقًّا، ولكن لا يجوز إثبات حكم شرعي بما جاء فيها، لأن حالة النوم ليست حالة ضبط وتحقيق لما يسمعه الرائي، وقد اتفقوا على أن من شروط مَن تُقبل روايته وشهادته: أن يكون متيقظًا لا مغفلًا ولا كثير الخطأ، ولا مختلَّ الضبط، والنائم ليس بهذه الصفة"(3). اهـ.
- وقال ابن الحاج رحمه الله: (إن الله لم يكلف عباده بشيء مما يقع لهم في منامهم لقوله صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ثلاثة
…
" عَدَّ منهم: "النائم حتى يستيقظ"، لأنه إذا كان نائمًا فليس من أهل التكليف، فلا يعمل بشيء يراه في نومه) (4) اهـ.
- وقال الامام القرافي رحمه الله: "فلو رآه عليه السلام، فقال له: إن امرأتك طالق ثلاثًا، وهو يجزم بأنه لم يطلقها؛ فهل تحرم عليه لأن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لا يقول إلا حقًّا؟ وقع فيه البحث مع الفقهاء، واضطربت
(1) يشير إلى ما رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: هَشِشْتُ فقبلتُ وأنا صائم، فقلت: يا رسول الله، صنعت اليوم أمرًا عظيمًا، قبلت وأنا صائم، قال:"أرأيت لو مضمضتَ من الماء وأنت صائم؟ "، قُلْتُ: لا بأس به، قال:"فمَهْ؟! " أخرجه أبو داود (2385)، وغيره، وصححه الألباني رحمه الله.
(2)
"المحلى"(6/ 208، 209).
(3)
نقله عنه د. محمد الأشقر في "أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم"(2/ 162).
(4)
"نفسه".
آراؤهم في ذلك بالتحريم وعدمه، لتعارض خبره عليه السلام عن تحريمها في النوم، وإخباره في اليقظة في شريعته المعظمة أنها مباحة له، والذي يظهر لي أن إخباره عليه السلام في اليقظة مقدم على الخبر في النوم لتطرق الاحتمال للرائي بالغلط في ضبط المثال" (1). اهـ.
وسُئل العز بن عبد السلام رحمه الله عن ثواب القراءة المُهْدى للميت: هل يصل أو لا؟ فأجاب بما ملخصه:
"ثواب القراءة مقصور على القارئ، لا يصل إلى غيره"، إلى أن قال:"والعجب أن من الناس من يثبت ذلك بالمنامات، وليست المنامات من الحُجَج الشرعية التي تثبت بها الأحكام"(2).
وقال العلامة عليُّ بن سلطان محمد القاري رحمه الله: "لا اعتماد على رؤية المنام في غير حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، مع أن الرؤى قد تحتاج إلى تعبير يناسب الرائي أو غيره في هذا المقام، فلو فرض أن أحدًا رأى النبي عليه الصلاة والسلام، وأمره بفعل شيء أو تركه على خلاف قواعد الإسلام؛ فليس له القيام بذلك الأمر بإجماع علماء الأنام"(3).اهـ.
وقال العلامة الشوكاني- رحمه الله: "إن الشرع الذي شرعه اللَّه لنا قد كمَّله اللَّه عز وجل، وقال:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] ..
ولم يبق بعد ذلك حاجة للأمة في أمر دينها، وقد انقطعت البعثة لتبليغ الشرائع وتبيينها بالموت، وبهذا تعلم أنا لو قدَّرنا ضبط النائم لم يكن ما رآه من قوله صلى الله عليه وسلم أو فِعْلِهِ حجةً عليه ولا على غيره من الأمة" (4) اهـ.
(1)"الفروق"(4/ 245، 246).
(2)
"فتاوى سلطان العلماء العز بن عبد السلام" ص (43، 44).
(3)
"المقدمة السالمة في خوف الخاتمة" ص (22).
(4)
"إرشاد الفحول" ص (249).