الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وبعد سنة (1370) تغيب الشمس ثلاثة أيام"، وقوله: "وبعد ألف وأربع مائة يظهر المسيح الدجَّال".
وقوله: "فما كان، والله، والله، والله، وآيات اللَّه، وأمانه، أنها مكتوبة بقلم القدرة"، وقوله:"ومن كان عنده ثلاثة دراهم واستأجر بهن (كذا)، وكتب هذه الوصية، وكان مُذْنِبًا، وعليه فرض صيام؛ غُفِرَتْ ذنوبه ببركة هذه الوصية".
كل هذه التُّرَّهَاتِ والأكذوبات قد حذفها هذا المفتري الكَذَّاب جَريًا مع الأيام كما قلنا، وجاء إلينا الآن برؤيا، أو وصية ملخَّصة مشذبة، ومع ذلك، لم تَخْلُ مما يجب إنكاره، وفضيحة صاحبه، واشهاره بين الناس بأنه كاذب أفَّاك متلاعب، مجترئ على اللَّه -تعالى-، وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم، القائل في الحديث الصحيح المتواتر الذي رواه الجم الكثير من الصحابة عنه صلى الله عليه وسلم:"مَنْ كَذَبَ عليَّ مُتَعَمِّدًا؛ فَلْيَتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ من النار"؛ أي: فليتخذ منزله منها.
"لو أن هذا الرجل الذي سَمَّي نفسه بالشيخ أحمد خادم الحجرة النبوية كان ممن يخشون اللَّه -تعالى-، ويُعِدُّونَ العدة للقائه -سبحانه-، لما حَمَّل نفسه أقبح أنواع الكذب، وأشدها للَّه -تعالى- سخطًا؛ حيث اعتاد أن يبني وصيته على رُؤيَا منامية يحكيها للناس، وهو في ذلك من الأفاكين الكذَّابين الدَّجَّالين؛ فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: "إنَّ مِنْ أعْظَمِ الفِرَى أن يُدْعَى الرَّجُلُ إلى غيرِ أبِيهِ، أويُرِيَ عيْنَهُ في المَنَام مَا لَمْ تَرَ، أويَقُولَ عليَّ مَا لَمْ أقُلْ"، وقال صلى الله عليه وسلم: "مِن أَفْرَى الفِرَى أنْ يُرِيَ عَيْنَهُ مَا لَمْ تَرَ".
*
من افتِرَاءَاتِ صَاحِبِ الوصيةِ المَزعُومَةِ:
قوله: قال الشيخ أحمد خادم الحجرة النبوية الشريفة: قال عليه الصلاة والسلام: "من قَرَأَهَا ونقلها من بلد إلى بلد؛ كان رفيقي في الجنة، وشفاعتي له يوم القيامة، ومن قرأها ولم ينقلها؛ كان خصمي يوم القيامة"؛ لأن فيها إسنادَ حديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم كَذِبٍ موضوعٍ عليه، لا أصل له في
الدين، ولا يحل نقله عنه صلى الله عليه وسلم لأحد من المسلمين؛ فالعجب ممن يدعي أنه خادم الحجرة النبوية الشريفة؛ كيف يجرؤ هذه الجرأة، ويتقول على النبي- صلى الله عليه وسلم مالم يَقُلْهُ، وما لا يجتمع مع أحكام دينه، وقواعد شريعته؟ وهذا وأمثاله يحملنا على أن نظن بهذا الرجل أنه ليس من المسلمين، بل عدو لهم متستر باسم خادم الحجرة النبوية الشريفة، يستهزئ بدينهم، وبأحكام شرعهم؛ فيجعل جزاء نقل وصية من بلد إلى بلد مرافقة النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة، واستحقاق شفاعته.
ومنها قوله: "ومن يصدق بها ينجو (كذا) من عذاب النار، ومن كذَّب بها كفر"؛ لأنَّ هذا الوعيد لا يصح أن يكون إلا لكتاب اللَّه -تعالى-، وما عُلم من الدين الإسلاميِّ بالضرورة؛ كأركان الإيمان والإسلام، أما غير ذلك مما لا يجب الإيمان به شرعًا، فالتكذيب به ليس كفرًا، كما أن التصديق به لا يُنَجِّي من نار، ولا يمنع من عذاب، ومن هنا يعلم القارئ سَخَافَةَ عقل هذا الرجل الذي يسمي نفسه بالشيخ أحمد خادم الحجرة النبوية الشريفة، وجهلَه، وقلةَ دينِه، وجرأته على اللَّه -تعالى- وعلى شريعته، وأنه على ما نُرَجِّحُ متلاعب مستتر بهذا الاسم، لا يريد إلا الكيد للمسلمين وإيذاءهم.
(إن هذه الوصية تحمل في طَيَّاتِهَا دليل كذبها، ودليل تزويرها؛ فصاحبها يهدِّد الناس ويخوِّفهم إذا لم ينشروها أن تصيبهم المصائب، وتحلَّ بهم الكوارث، وأن يموت أبناؤهم، وأن تُفْقَدَ أموالهم، وهذا ما لم يقل به إنسان، حتى في كتاب اللَّه، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لم يُؤْمَرِ الناس أن كلَّ مَنْ قرأ القرآن كتبه ونشره، وأن مَنْ قرأ "صحيح البخاري" كتبه ونشره، وإلا حلت به المصائب؛ فكيف بمثل هذه الوصايا التخريفيَّة؟! هذا شيء لا يمكن أن يصدِّقَهُ عقل مسلم، يفهم الإسلام فَهْمًا صحيحًا.
وتقول الوصية الزَّائفة: إنَّ فلانًا في البلد الفلاني نشر هذه الوصية؛ فَرُزِقَ بعشرات الآلاف من "الروبيات"، هذا كله تخريف وتضليل للمسلمين عن
الطريق الصحيح، وعن اتباع السنن والأسباب التي وضع اللَّه عليها نظام هذا الكون؛ فالرزق له أسبابه، وله طرائقه، وله سننه) (1).
- وقد أصدرت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء فتوى تُبْطِلُ هذه الوصية المزعومة، وهاك نَصَّها:
الحمد للَّه وحده، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه، وبعد:
"من الممكن عقلًا الجائز شرعًا أن يرى المسلم في منامه النبي صلى الله عليه وسلم على هيئته وصورته التي خلقه اللَّه عليها؛ فتكون رؤيا حقِّ، فإن الشيطان لا يتمثل به؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ رَآنِي في المنَامِ فَقَدْ رَآنِي، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِى". رواه الإمام أحمد والبخاري من طريق أنس، ولكن قد يكذب الإنسان فيدعي زورًا أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم على صورته التي خَلَقَهُ اللَّه عليها، والتي نُقِلَتْ إلينا نقلًا صحيحًا، وقد يرى في منامه شَخْصًا على غير الصفة الخِلْقية للنبي صلى الله عليه وسلم، ويُخَيِّلُ إليه الشيطان أنه النبي صلى الله عليه وسلم وليس به؛ فتكون الرؤيا كاذبة.
والرؤيا المنسوبة إلى الشيخ أحمد خادم الحجرة النبوية إن لم تَصِحَّ نسبتها إليه؛ كانت مصطنعة مفتراة، وهذا هو الظاهر؛ فإنه لا يزال مُدَّعٍ مجهول يسمي نفسه الشيخ أحمد، ويدعي أنه رأى هذه الرؤيا، وقد تُوُفِّي الشيخ أحمد خادم الحجرة من زمن طويل، كما أخبر بذلك أهله، وأقرب الناس إليه، حينما سئلوا عن ذلك، وأنكروا نسبة هذه الرؤيا إليه، وهم ألصق الناس به، وأعرفهم بحاله، وإن صَحَّتْ نسبتها إليه، فهي إما كذب منه وافتراء على النبي صلى الله عليه وسلم، وإما أضغاث أحلام وخيال كاذب، وتلبيس من الشيطان على الرائي، وليست رؤيا صادقة، والذي يدل على أنها كذب، وبهتان، أو خيال، وزور: ما اشتملت عليه مما يتنافى مع الواقع، وشريعة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.
(1)"فتاوى معاصرة"(1/ 187).
أما منافاتها للواقع، فإنها لا تزال تُطْبَع وتنشر مرات بعد وفاته، وقد أنكر أهله وألصَقُ الناس به نسبتها إليه حينما سُئِلُوا عن ذلك.
وأما منافاتها للشريعة الإسلامية، فلِما اشتملت عليه من الأمور التالية:
أولًا: الإخبار فيها عن تحديد عدد من مات من هذه الأمة على غير الإسلام من الجمعة إلى الجمعة، وهذا من أمور الغيب، التي لا يعلمها البشر، إنما يعلمها الله، ومن يظهره عليها من رسله في حياتهم، وقد انقطعت الرسالة من البشر بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم، قال الله -تعالى-:{قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} [النمل: 65]، وقال:{عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} [الجن: 26 - 27]، وقال:{مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: 40]
ثانيًا: إخباره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال له: "أنا خجلان من أفعال الناس القبيحة، ولم أقدر أن أقابل ربي والملائكة"؛ فإنه من الزور والأخبار المنكرة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم أحوال أمته بعد وفاته، بل لا يعلم منها أيام حياته في الدنيا إلا ما رآه بنفسه، أو أخبره به من اطلع عليه من الناس، أو أظهره اللَّه عليه؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خطب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:"إنكم مَحْشُورُونَ إلى اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا، ثُمَّ قَرَأَ: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 104] ".
إلى أن قال: "ألا إنه يجاء برجال من أمَّتى فيؤخذ بهم ذات الشمال؛
فَأقُولُ: يا رَبِّ، أصْحَابِي (1). فيقالُ: لَا تَدْرِي مَا أحْدَثُوا بَعْدَك. فأقولُ كمَا قال
العَبْدُ الصالِحُ: {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ
(1) أطلق عليهم وصف (الأصحاب) باعتبار ماكان قبل الردة، ولا شك أن الردة سلبتهم هذا الوصف الشريف.
وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [المائدة: 117]. فيقالُ: إنَّ هؤلاءِ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ (1)
(1) [وهم أهل الردة الذين أسلموا في حياته صلى الله عليه وسلم ولم يخالط الإيمانُ قلوبهم، فارتدوا بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، وقاتلهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه أو المراد بهم المنافقون، ونقل النووي عن ابن عبد البر قوله:"كل من أحدث في الدين فهو من المطرودين عن الحوض، من الخوارج والروافض، وسائر أصحاب الأهواء، وكذلك الظلمة المسرفون في الجور وطمس الحق، المعلنون بالكبائر، قال: وكل هؤلاء يخاف عليهم أن يكونوا ممن عُنُوا بهذا الخبر، والله أعلم". اهـ. من "شرح النووي"(3/ 137)، والظاهر أن هؤلاء لا يُجزم بأنهم يذادون عن الحوض لأنهم تحت المشيئة وحكمهم حكم أصحاب الكبائر الذين ماتوا على التوحيد.
ويتضح مما سبق أن المذادين عن الحوض هم القبائل المرتدة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو المنافقون -كما مر- وليسوا صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما زعمت الشيعة الاثنا عشرية. فأحاديث الحوض رواها الصحابة أنفسهم؛ أكثر من خمسين صحابيًّا، فكيف يُعقل أن يرووا من الأحاديث ما يدل على كُفْرِهم وردتهم مع اعتقاد الاثنى عشرية- إلا من شذ منهم- أن الصحابة حذفوا الآيات التي تحدثت عن مثالبهم، فَلِمَ لم يكتموا هذا الحديث، مع عظم ضرره إن كان يعنيهم؟ فدلَّ على أنه ليس المراد بهم أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم.
قال الخطابي فيما نقله عنه ابن حجر: "ولم يرتد من الصحابة أحد، وإنما ارتد قوم من جفاة الأعراب ممن لا نصرة لهم الدين. [وعند الكرماني: "ممن لا بصيرة له في الدين". "الكواكب الدراري" (17/ 106)]، وذلك لا يوجب قدحًا في الصحابة المشهورين"، ثم قال:"ويدل قوله: (أصيحابي) [كما في حديث أنس المتفق عليه]-بالتصغير- على قلة عددهم". اهـ. "فتح الباري"(11/ 324).
وقوله صلى الله عليه وسلم: "أصيحابي" -بالتصغير- مذكور في العديد من مصنفات الشيعة كما في "مجمع البيان"(1/ 485)، وهي تدل على قلة عدد من ارتد، لا كما تقول الشيعة عن الصحابة:"إنهم ارتدوا جميعًا إلا نفرا يسيرًا".
وقد رد ابن قتيبة استدلالهم بهذه الأحاديث فقال: "إنهم لو تدبروا الحديث وفهموا ألفاظه لاستدلوا على أنه لم يُرِد بذلك إلا القليل، يدلك على ذلك قوله: (ليردن عليَّ الحوض أقوام)، ولو كان أرادهم جميعًا إلا من ذُكروا لقال: لَتَرِدُنَّ عليَّ الحوض، ثم لتختلجُنَّ دوني، ألا ترى أن القائل إذا قال: أتاني اليوم أقوام من بني تميم وأقوام من أهل الكوفة، فإنما يريد قليلًا من كثير، ولو أراد أنهم أتوه إلا نفرًا يسيرًا، قال: أتاني بنو تميم، وأتاني أهل الكوفة، ولم يجز أن يقول: "قوم"، لأن القوم هم الذين تخلفوا، وكذلك أيضا قوله: (يا رب أصيحابي) -بالتصغير- وإنما يريد بذلك تقليل العدد"
…
إلى أن يقول: "وقد ارتد بعده أقوام منهم عيينة بن حصن، ارتد، ولحق بطليحة بن خويلد حين تنبأ"
…
إلى أن قال: "ولعيينة بن حصين أشباه ارتدوا حين ارتدت العرب، فمنهم من رجع وحسن إسلامه، ومنهم من ثبت على النفاق". اهـ. من "تاويل مختلف الحديث" ص (158، 159). =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وقال في موضع آخر: "حدثني زيد بن أخزم الطائي قال: أنا أبو داود، قال: نا قرة بن خالد عن قتادة قال: قلت لسعيد بن المسيب: كم كانوا في بيعة الرضوان؟ قال: خمس عشرة مئة، قال: قلت: فإن جابر بن عبد الله قال: كانوا أربع عشرة مئة. قال: أوهم رحمه الله، هو الذي حدثني أنهم كانوا خمس عشرة مئة، فكيف يجوز أن يرضى الله عز وجل عن أقوام، ويحمدهم، ويضرب لهم مثلًا في التوراة والإنجيل، وهو يعلم أنهم يرتدون على أعقابهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يقولوا: إنه لم يعلم، وهذا هو شر الكافرين". اهـ. من "تأويل مختلف الحديث" ص (158، 159).
قال الله مخبرًا عن رضاه عن الذين بايعوا يعة الرضوان: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} [الفتح: 18].
وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد، الذين بايعوا تحتها". رواه مسلم (4/ 1942). قال ابن تيمية رحمه الله: "وقد علم بالاضطرار أنه كان في هؤلاء السابقين الأولين: أبو بكر، وعمر، وعلي، وطلحة، والزبير، وبايع النبي صلى الله عليه وسلم بيده عن عثمان لأنه كان غائبًا قد أرسله إلى أهل مكة ليبلغهم رسالته، وبسببه بايع النبي صلى الله عليه وسلم الناس لما بلغه أنهم قتلوه". اهـ. من "منهاج السنة"(2/ 27).
وروى الشيعة عن أبي جعفر الباقر أن عدد الصحابة الذين بايعوا تحت الشجرة كان ألفًا ومائتين -وفي رواية- ألفًا وثلاثمائة.
ولكن رغم تسليم الاثنى عشرية لهذه النصوص، فإنهم يرون أن الرضا الذي وقع في بيعة الرضوان، والمغفرة العامة لأهل بدر كلها مشروطة بسلامة العاقبة وعدم النكث.
وترد عليهم المناظرة التي جرت بين إمامهم الخامس أبي جعفر الباقر وأحد الخوارج، فإن الباقر احتج على الخارجي بأحاديث في فضائل علي، والخارجي ردها بقوله:"أحدث الكفر بعدها"، فقال له أبو جعفر:"ثكلتك أمك، أخبرني عن الله أحب عليَّ بنَ أبي طالب يوم أحبه وهو يعلم أنه يقتل أهل النهروان أم لم يعلم؟ قال: لئن قلت: "لا" كفرت. قال: فقال: "قد علم"، قال: "فأحبه الله على أن يعمل بطاعته أو على أن يعمل بمعصيته؟ " فقال: "على أن يعمل بطاعته"، فقال له أبو جعفر: "فقم مخصومًا". اهـ. من "الروضة من الكافي" للكيلي ص (421).
وكذلك الصحابة رضي الله عنهم قد أخبر الله بأنه رضي عنهم، وأمر بالاستغفار لهم، والرضا من الله صفة أزلية لا أول لها، وهو سبحانه لا يرضى إلا عن عبد علم أنه يوافيه على موجبات الرضى، ومن رضي الله عنه لا يسخط عليه أبدًا، وخبر الله لا يُنسخ ولا يُبدل، ولا يجوز أن يتناقض أبدًا، ومن دفع خبر الله برأيه ونظره كان ملحدًا، انظر:"درء تعارض العقل والنقل"(5/ 208)]. اهـ. بتصرف من "موسوعة الدفاع عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم" للدكتور عبد القادر ابن محمد عطا صوفي ص (191 - 200).
على أعقابِهِمْ منذ فَارَقْتَهُمْ"، رواه البخاري (1).
وعلى تقدير أنه يعلم أحوال أمته بعد وفاته، فلا يلحقه بذلك حرج، ولا يصيبه من وراء كثرة ذنوبهم ومعاصيهم إثم ولا خجل، وقد ثبت في حديث الشفاعة العظمى أن أهل الموقف كُفَّارًا ومسلمين يستشفعون بالأنبياء واحدًا بعد آخر حينما يشتد بهم هول الموقف، فيعتذر كل منهم عن الشفاعة لهم عند اللَّه، ثم ينتهي أهل الموقف إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فيسألونه أن يشفع لهم عند اللَّه، فيستجيب لهم، ولا يمنعه من الشفاعة لهم كثرة معاصيهم، أو كفر الكافرين منهم، ولا يخجل من ذلك، بل يذهب فيسجد تحت العرش، ويحمد ربه، ويثني عليه بمحامد يُعَلِّمُه إياها، حتى يأمره أن يرفع رأسه، وأن يشفع لهم، وبعد ذلك ينصرفون للحساب والجزاء، ولم يمنعه شيء من ذلك في لقاء ربه، ومقابلة الملائكة، ولم يَلْحَقْهُ منه عار.
ثالثًا: إخباره بالجزاء العظيم الذي يترتب على كتابة هذه الوصية، ونقلها من محل إلى محل، أو من بلد إلى بلد، وتعيين جزاء الأعمال وتحديده من الأمور الغيبية التي لا يعلمها إلا اللَّه، وقد انقطع الوحي إلى البشر بوفاة خاتَم الأنبياء عليه الصلاة والسلام؛ فادعاء العلم بذلك باطل، وقد ادعاه الشيخ أحمد المزعوم؛ حيث قال في الوصية المكذوبة:"ومن يكتبها ويرسلها من بلد إلى بلد، ومن محل إلى محل، بني له قصر في الجنة"، وقال:"ومن يكتبها وكان فقيرًا أغناه اللَّه، أو كان مَدينًا قضى اللَّه دَيْنَه، أو كان عليه ذنب غفر اللَّه له ولوالديه"؛ فهو كاذب في ذلك.
وكذا إخباره عن الوعيد الشديد الذي يصيب من لم يكتبها، ويرسلها، وتعيينه إياه بأنه يُحْرَمُ شفاعةَ النبي صلى الله عليه وسلم، وَيسْوَدُّ وجهه في الدنيا والآخرة؛ حيث قالَ فيها: "ومن لم يكتبها ويرسلها، حُرِّمَتْ عليه
(1) رواه البخاري (4/ 277)، ومسلم (4/ 2194، 2195) رقم (2860).
شفاعتي يوم القيامة"، وقال: "ومن لم يكتبها من عباد الله، اسْوَدَّ وجهه في الدنيا والآخرة"؛ فهذا -أيضًا- من الغيب الذي لا يعلم بتحديده إلا الله، فَإخْبَارُهُ به وقد انقطع الوحي إلى البشر؛ رجم بالغيب، وكذِبٌ وزور، وكذا قوله فيها: "ومن يُصَدِّق بها (ينجو) من عذاب النار، ومن يكذب بها كفر"؛ فهذا -أيضًا- زورٌ وبهتانٌ، فإن التكذيب بالرؤيا الصادرة من غير الأنبياء لا يعد كفْرًا بإجماع المسلمين.
رابعًا: إن كل ما أخْبرَ به من الوعد والوعيد على سبيل التعيين والتحديد يتضمن تشريعًا بالحث على كتابة الوصية، وإبلاغها ونشرها بين الناس للعمل بها، واعتقاد ما فيها رَجَاءَ المثوبة التي حدَّدَهَا، ويتضمن تشريع تحريم كتمانها، والتفريط في إبلاغها ونشرها، والتحذير من ذلك خشية أن يَحِيقَ بمن كتمها أو فَرَّطَ في نَشْرِهَا ما أخبر به من الوعيد الشديد بحرمانه من الشفاعة، واسوداد وجهه.
خامِسًا: عَدَمُ التناسب بين ما أخبر به من الجزاء والأعمال، وهو دليل الوضع والكذب في الأخبار، إلى غير هذه الأمور من الأكاذيب؛ فيجب أن يحذر المسلم هذه الوصية المزعومة، ويعمل على القضاء عليها.
وباللَّه التوفيق، وصلى اللَّه على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم (1).
* * *
(1)"فتاوى اللجنة الدائمة"(4/ 74 - 77) فتوى (999).