الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
"
الفراغ" من أسباب ظاهرة الاستغراق في المنامات
(ما أجمل الحادثة التي يذكرها المترجمون عن الإمام "عبد القادر الجيلاني" رحمه الله أنه كان نائمًا، فرأي نارًا عظيمة تتصاعد، ثم سمع منها صوتًا يقول له: يا عبد القادر .. أنا ربك .. وقد أحللتُ لك ما حرمت عليك". فقال الشيخ عبد القادر وهو في المنام:
- "اخسأ يا عدو اللَّه! ".
وعرف أن الشيطان عرض له ليصده عن دينه؛ لأن الحرام لا يكون حلالًا أبدًا، كما أن النجاسة لا تكون طهارة أبدًا، فلا يتحول المحرَّم بشريعة اللَّه إلى حلال؛ لأن رجلًا رأى في النوم من يُحِلّهُ له.
وإذا كُنَّا لا نقبل ونحن في اليقظة بكامل عقولنا وقوانا، من يُحَلِّلُ لنا الحرام، أو يُحَرِّمُ عَلَيْنَا الحلال .. فكيف نقبل ذلك في النوم حين يغيب إدراك الإنسان، ولا يعي ما حوله؟
إن الاشتغال بهذه الرؤى العابثة هو شأن الفارغين، فإذا فقد الناس العلم الصحيح، والتوجيه السليم، اتجهوا لمثل هذه الخرافات، يروون بها ظمأهم، وحاجتهم إلى الدين، ولذلك فإن لهذه الرؤى دلالة واضحة على مستوى الوعي، والفهم في المجتمع، خاصَّة في مجال "المرأة".
وليس الحل هو أن يَهُبَّ العلماء إذا سمعوا مثل هذه الأسطورة؛ ليبينوا كذبها، هذا -ولا شك- مطلوب، ولكن يَجِبُ أن نسبق الأحداث ونبذل جهودًا كافية لملء عقل المرأة والرجل بالعلم الصحيح، والعاطفة الحية .. فالوقاية خير من العلاج.
لعل من الملاحظ أن بعض "القُصَّاص" والوُعَّاظ يسردون كثيرًا من الأحلام في أحاديثهم، في الترغيب والترهيب .. وربما كان هذا المنهج، منهج المبالغة
في ذكر الرؤى ناتجًا عن قلة العلم بالنصوص الشرعية .. وناتجًا عن فراغ فكري وعاطفي لدى هذا المتحدث أيضًا.
وصف يومًا أحد الشعراء حاله وحال أصحابه في السجن، فقال:
إلى اللَّهِ فِيمَا نَابَنَا نَرْفَعُ الشَّكْوَى
…
فَفِي يَدِهِ كَشْفُ الضرُورَةِ والبَلْوَى
خَرَجْنَا مِنَ الدُّنْيَا وإِنَّا لأَهْلُهَا
…
فَلَسْنَا مِنَ الأَمْوَاتِ فِيَها وَلَا الأَحْيَا
إذَا جَاءَنَا السَّجَّانُ يَوْمًا لحاجَةٍ
…
فَرِحْنَا وقُلْنَا: جَاءَ هذَا مِنَ الدُّنْيَا
ونَفْرَحُ بِالرُّؤيا فَجُلُّ حَدِيثِنَا
…
إذَا نَحْنُ أَصْبَحْنَا الحَدِيثُ عَنِ الرُّؤْيَا
فَإنْ حَسُنَتْ لَمْ تَأْتِ عَجْلَى وأَبْطَأَتْ
…
وإن قَبُحَتْ لَمْ تُحْتبسْ وَأتتْ عَجْلَى
يتحدَّثُون كثيرًا عن الرُّؤيَا، لماذا؟
أولًا: للفراغ، فليس لديهم أحاديث، عن الوقائع والمستجدات؛ لأنهم مَعْزُولُونَ لا يسمعونها، خاصة في الزمن الماضي، وليس لهم عمل يشغلهم، ويقضي على فراغهم، خاصة في الماضي - أيضًا.
وثَانيًا: لأنهم في حال كرب، والرؤيا قد تكون مُبَشِّرَةً، تُشْعِرُ السجينَ بقرب خلاصه.
وربما كان في قصة يوسف عليه السلام وصاحبيه ما يُشِيرُ إلي أن السجين تحدث له الرؤيا، ويتحدث عنها، أكثر من غيره، خاصة وهو يعلم أن الأبواب كلها قد أغْلِقَتْ، فيلجأ إلى اللَّه، ويَصْدُقُ معه، فيحدث له من صفاء القلب ما لا يحدث له فى غير سِجْنِهِ.
إنه لجدير بالداعية أن يقتصد في ذكر الرؤى والأحلام، فلا يجعلها لُحمَةَ وعظه وسُدَاهُ، ولا يقيمها مقامَ الأدلة الشرعية.
كان صلى الله عليه وسلم كما في "الصحيح"، إذا صَلَّى الفجرَ، التفت إلى أصحابه، فقال:"هَلْ رَأَي أحَدٌ مِنْكُمْ رُؤيَا؟ "(1).
(1) رواه البخاري (7047)، وانظر:"الفتح"(12/ 439) وما بعدها.
لكنه صلى الله عليه وسلم حَدَّدَ فائدة الرؤيا بـ "التبشير"، وما في معناه -والله أعلم- كالتحذير، أما التشريع فلا تشريع في يقظة ولا منام بعد موته عليه الصلاة والسلام.
وليس كل ما يراه الإنسان في المنام رؤيا، بل هناك "الحُلْم"(1)، وهو من الشيطان، وقد نَهَى النبي صلى الله عليه وسلم أن يُخْبِرَ الإنسان بتَلَاعُبِ الشيطان به في المنام (2).
وهناك حديث النفس، فَإِذَا شغل أمر من الأمور بال الإنسان تراءى له في المنام.
وقد يكون ما يراه بسبب اعتلال المزاج واختلاله، أو الشبع أو الجوع أو غيرهما.
وكان أحد الروائيين المشهورين يأكل أكلة ثقيلة، ثم ينام، فإذا استيقظ دوَّن ما رأي على شكل "رواية" أو قصة يتداولها الناس، ويتعجبون من خيال هذا الكاتب! (3).
ومرة أخرى يجب التأكيد أن الداعية أو الواعظ لا يجدر به أن يَتَسَاهَلَ في
(1) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا كان آخر الزمان، لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، وأصدقهم رؤيا: أصدقهم حديثًا، والرؤيا ثلاثةٌ: رؤيا بشرى من الله عز وجل، ورؤيا مما يحدِّث الإنسان نفسه، ورؤيا من تحزين الشيطان، فإذا رأى أحدكم ما يكره، فلا يحدث به، وليقم وليصلِّ، والقيدُ في المنام: ثباتٌ في الدين، والغُلُّ أكرهُهُ".
(البخاري: 12/ 356، 359)، ومسلم (2263)، وانظر"شرح السنة" اللبغوي:(12/ 208).
(2)
عن جابر رضي الله عنه قال: أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم رجُلٌ وهو يخطب، فقال: يا رسول الله، رأيت فيما يرى النائم البارحة كأن عُنقي ضربت، فسقط رأسي، فأتبعتُه، فأخذتُهُ، ثم أعدتُهُ مكانه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا لعب الشيطان بأحدكم في منامه، فلا يحدِّثن به الناس" أخرجه مسلم (2268)، وانظر:"شرح السنة" للبغوي (12/ 212).
(3)
بل إن أقوى قصص الرعب في العالم: "فرانكشتاين"، و"دكتور جيكل ومستر هايد"، ثم "دراكيولا"، قد جاءت إثر أحلام رآها كاتبوها، كما يعترفون، كما في "الأحلام" لسمير عبده ص (13).
حكاية الروايات الواهية، والموضوعة، والمشكوك فيها .. أن فلانًا رأى، وفلانًا رأى .. ورأى رجل صالح فيما يرى النائم .. ورأت امرأة صالحة.
وما يدرينا نحن عن صلاحها؟ وقد يكون الإنسان ظاهرُهُ الصلاح، لكن فيه "غفلة الصالحين"، فيحدِّث بكل ما يسمع.
وفي "مقدمة صحيح مسلم" عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: "كَفَى بِالمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّث بِكُلِّ مَا سَمِعَ"(1).
إن مما يؤخذ على بعض الدُّعَاة والمصلحين حَشْدَهِمْ لهذه الأقاصيص، وهذه الرؤى، والأحلام، وتوثيقهم لها، بدون تثبت، وعدم تقدير نوعية المخاطَبين، ومستوى عقولهم.
وخلاصة الأمر: ألَّا يستكثر الواعظ من سرد الرؤى، بل يجعلها كالمِلح، إن زاد ضَرَّ، وإن نقص ضر، على أن يكون وفق الضوابط التالية:
- لا يترتب عَلَيْهَا حَلَالٌ وَلَا حَرَامٌ وَلَا تَشْرِيعٌ.
- لَا تَكُونُ مُشْتَمِلَةً علَى تَهْوِيلٍ أوْ مُبَالَغَةٍ يَأبَاهَا العَقْلُ السَّلِيمُ، فَإِنَّ العُلَمَاءَ عَدُّوا المُبَالَغَةَ في الحَدِيثِ مِنَ الأَدِلَّةِ عَلَى وَضْعِهِ .. فَمَا بَالُكَ بِالرُّؤيَا؟
- أَلَّا يُرْبَط إِيَمانُ النَّاسِ بِهَا، بَلْ يُوَجَّهُونَ إلى الكِتَابِ والسُّنَّةِ، ويُرَبَّوْنَ على تَعْظِيمِهِمَا، والرُّؤَيَا لَا تَعْدُو أنْ تكُونَ مُبَشِّرَةً أو مُحَذِّرَةً.
- أَلَّا يَتَسَرَّعَ في التَّوْثيقِ في أُمُورٍ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهَا بِنَفْسِهِ، وَلَا يُبَالِغَ في حُسْنِ الظَّنِّ بِمُحَدِّثيهِ.
ْعلى أن يُشْرَحَ للناس الموقف الشرعي الصحيح من الرؤيا، وأنواع ما يراه الإنسان في المنام، وآداب الرؤيا .. إلخ). اهـ (2)
(1)"صحيح مسلم بشرح النووي"(1/ 72).
(2)
"قضايا في المنهج" للشيخ سلمان العودة (ص 19 - 23) بتصرف.
وعيد من كذب في منامه:
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "من تَحَلَّم بَحُلْمٍ لم يره، كُلِّف أن يعقد بين شَعيرتين، ولن يفعل"(1).
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مِن أفرى الفِرى أن يُرِيَ عينَه ما لم تَرَ"(2).
* * *
(1) رواه البخاري في "التعبير"(7042)(12/ 427)، وتحلَّم: تكلَّف الحلم، بأن زعم أنه رأى رؤيا في حال كونه كاذبًا في دعواه، قوله: ولن يفعل: لأن فتل إحداهما بالأخرى غير ممكن عادة، فهو يُعذب حتى يفعل ذلك، ولا يمكنه فعله، فيدوم عذابه.
قال المناوي رحمه الله: وإنما شُدِّد الوعيد على ذلك مع أن الكذب في اليقظة قد يكون أشد مفسدة منه؛ إذ قد يكون شهادة في قتل أو حَدٍّ؛ لأن الكذب في النوم كذب على الله -تعالى-، لأن الرؤيا جزء من النبوة، وما كان من أجزائها فهو منه تعالى، والكذب على الخالق أقبح منه على المخلوق". اهـ. من "فيض القدير" (6/ 99).
(2)
رواه البخاري (7043)(12/ 427)، وأفرى الفِرى: أعظم الكذبات.
واقعة طريفة: جاء في هامش "البداية والنهاية"(13/ 120) أن أعرابيًا جاء إلى "قان"، وقال له: رأيت في النوم أباك جنكيز خان، فقال لي:"قل لابني قان يقتل المسلمين"، وكان "قان" يميل إلى المسلمين، مخالفًا لأهل بيته، فسأل الرجل:"هل تعرف اللغة المغولية؟ " فقال: لا، فقال الملك له:"أنت كاذب، لأن أبي ما كان يعرف من اللغات ودرس غير المغولية"، فأمر بضرب عنقه، وأراح المسلمين من كيده.