الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهي الطريقة العبادية الكشفية، وكل من جَرَّب هاتين الطريقتين علم أن ما لا يوافق الكتاب والسنة منهما فيه من التناقض والفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد، ولهذا كان من سلك إحداهما إنما يؤول به الأمر إلى الحيرة والشك، إن كان له نوع عقل وتمييز، وإن كان جاهلًا دخل في الشطح والطامات التي لا يصدق بها إلا أجهل الخلق (1)، فغاية هؤلاء الشك، وهو عدم التصديق بالحق، وغاية هؤلاء الشطح، وهو التصديق بالباطل". اهـ (2).
* * *
الإلهام منقوض بالمعارضة بالمثل
وبيان ذلك: أن يحتج زيد بإلهامه، فيعارضه عمرو بإلهامٍ مثلِه، ولا مزية لأحدهما على الآخر، لأن الإلهام قد يكون من الله -تعالى-، وقد يكون من الشيطان أو النفس:
- فإن كان من الله -تعالى- فهو حق.
- وإن كان من الشيطان أو النفس فلا يكون حقًّا، بل يكون باطلًا، وما دام أن هناك (احتمالَ) أن لا يكون حقًّا، فلا يكون حقًّا.
يدل عليه: أن كل إنسان في دعوى الإلهام مثل صاحبه، فإن قال واحد:
(1)"ومن دلائل الخطأ والتلبيس والتخيلات في الكشف الذي يسمونه (النوراني) تعارض أهله وتناقضهم فيه، وما يذكرونه فيه من معلوماتهم المختلفة باختلاف معلوماتهم الفنية والخرافية والشرعية. فترى بعضهم يذكر في كشفه "جبل قاف" المحيط بالأرض"! و"الحية المحيط به"! كما تراه في ترجمة الشعراني للشيخ أبي مدين، وهو من الخرافات التي لا حقيقة لها.
ومنهم من يذكر في كشفه الأفلاك وكواكبها على الطريقة اليونانية الباطلة أيضًا، وأكثرهم يذكرون في كشفهم الأحاديث الموضوعة، فإن اعترض عليهم -أو على المفتونين بكشفهم- علماء الحديث، قالوا: إن الحديث قد صح في كشفنا، وإن لم يصح في رواياتكم، وكشفنا أصح، لأنه من علم اليقين، وعلمكم ظني! ". اهـ. من "موقف الإسلام من الإلهام والكشف" للدكتور يوسف القرضاوي ص (65، 66).
(2)
"درء تعارض العقل والنقل"(5/ 346).
"أُلهمت أن ما أقوله حق وصواب"، فيقول الآخر:"ألهمت أن ما تقوله خطأ وباطل"، ثم نأتي ونقول لهم:"إنا أُلهمنا أن ما تقولونه خطأ وباطل"، فإن قالوا:"هذا دعوى منكم"، قلنا:"ما تقولونه أنتم أيضا دعوى".
فإن قالوا: "إنكم لستم من أهل الإلهام"، قلنا لهم:"ولستم أيضًا من أهل الإلهام، وبأي دليل صرتم من أهل الإلهام دوننا؟ "(1).
وقال الإمام ابن حزم رحمه الله:
(ويُقَالُ لمن قال بالإلهام: ما الفرق بينك وبين من ادَّعى أنه أُلْهِمَ بطلانَ قولك، فَلَا سبيل له إلى الانفصال عنه، والفرق بين هذه الدعوى، ودعوى من ادعَى أنه يُدْرِكُ بعقله خلاف ما يدركه ببديهة العقل، وبين ما يدركه بأوائل العقل أن كل من في المشرق والمغرب إذا سُئِلَ عَمَّا ذكرنا أننا عرفناه بأوائل العقل أخبر بمثل ما نخبر به سواء بسواء، وأن المدعين للإلهام ولإدراك ما لا يدركه غيرهم بأول عقله، لا يتفق اثنان منهم على ما يدعيه كل واحد منهم إلهامًا، أو إدراكًا، فصَحَّ بلا شك أنهم كَذَبَةٌ، وأن الذي بهم: وَسْوَاسٌ (2)؛ وأيضًا، فإن الإلهام دعوى مجردة من الدليل، ولو أُعْطِيَ كل امرئ بدعواه المُعَرَّاة، لما ثَبَتَ حَقٌّ، ولا بطل باطل، ولا استقر ملك أحد على مال، ولا انتُصِفَ من ظالم، ولا صحَّتْ ديانة أحد أبدًا؛ لأنه لا يعجز أحد عن أن يقول: أُلْهِمْتُ أنَّ دَمَ فلانٍ حلال، وأن مَالَهُ مباحٌ لي أخذه، وأن زوجه مُبَاحٌ لي وطؤها، وهذا لا ينفك منه، وقد يقع في النفس وَسَاوسُ كثيرةٌ، لا يجوز أن تكون حقًّا، وأشياء متضادة يُكذِّبُ بعضها بعضًا، فلابد من حاكم يميز الحق منها من الباطل، وليس ذلك إلا العقل الذي لا تتعارض دلائله) (3) اهـ.
(1) انظر: "فصول البدائع في أصول الشرائع" للفناري (2/ 391)، و"قواطع الأدلة"(5/ 127)، و"تقويم الأدلة" ص (395).
(2)
الوسوسة: إلقاء معنى في النفس بمباشرة سبب نشأ من الشيطان له.
(3)
"الإحكام في أصول الأحكام"(1/ 17، 18).