الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الأول سُلطَانُ المَنَامَاتِ
كان "الحُلْم" -ولا يزال- من التجارب الإنسانية التي حَظِيَتْ باهتمامٍ بليغٍ في حياة البشر؛ إذ للحلم آثارُهُ وانطباعاتُهُ في نفس الحالم؛ فقد تلقى صديقًا أو قريبًا فتراه حزينًا كئيبًا، فتسبر غَوْر نفسه؛ لتعرف سرَّ كآبته وحزنه، فتعجب أشد العجب عندما تعلم أن سبب ذلك رؤيا مرعبة، أو منذرة بخطرٍ سيُدَاهِمُهُ، وقد تجده فرِحًا منشرح الصدر، بَاسِمَ الثغر، وما ذلك إلا لأنه رأى رؤيا مفرحة، أو مُبَشِّرَةً بحدث سارٍّ قادم.
يقول الدكتور عمر سليمان الأشقر -حفظه اللَّه-: " كانت الرؤى -وما زالت- ذاتَ تأثير لا على الأفراد العاديين فحسب، بل على النابغين والأذكياء، وكم أقَضَّت الرُّؤَى مضاجِعَ الجبابرة والملوك، وكم شغلت شعبًا بأكمله يَوْمًا مَا، وما رؤيا ملك مصر في عهد يوسف ببعيدة عن ذاكرتنا، فقد رأى سبع بَقَرَاتٍ سمانٍ يأكلهن سبع عجاف، وسبعَ سنبلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابساتٍ، وكانت رؤيا حق، نفعت الناس نفعًا عظيمًا، عندما وُجِدَ الشخصُ الذي يُحسن تفسيرها، وتأويلها"(1).
تعريف الرؤيا:
قال ابن منظور رحمه الله: "والرؤيا والحُلْم (2) عبارة عما يراه النائم في نومه من الأشياء، ولكن غلبت الرؤيا على ما يراه من الخير والشيء الحسن، وغلب الحلم على ما يراه من الشر والقبيح"(3).
(1)"جولة في رياض العلماء" ص (107).
(2)
وتُضم لام الحُلُم وتُسَكَّن.
(3)
"لسان العرب"(12/ 145)، وانظر:"النهاية في غريب الحديث"(1/ 434)، و "القاموس المحيط"(4/ 99، 331)، و"الصحاح" للجوهري (5/ 1903)، (6/ 2349)، و"المصباح المنير" (1/ 204، =
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "وظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: (الرؤيا من اللَّه، والحلم من الشيطان) أن التي تضاف إلى اللَّه لا يُقال لها حُلم، والتي تضاف للشيطان لا يقال لها رؤيا، وهو تصرفٌ شرعي، وإلا فالكل يُسمى رؤيا"(1). اهـ.
والغالب استعمال الرؤيا في خصوص البشرى من اللَّه، مع أنها تُطلَق على عموم ما يراه النائم، قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم:"الرؤيا ثلاث (2): فالرؤيا الصالحة: بشرى من الله، ورؤيا: تحزين من الشيطان، ورؤيا: مما يُحَدِّثُ المرءُ نفسَه" الحديث (3).
وفي حديث عوف بن مالك رضي الله عنه مرفوعًا: "إن الرؤيا ثلاث:
منها أهاويلُ من الشيطان ليحزنُ بها ابن آدم، ومنها ما يَهُمُّ به الرجلُ في يَقَظته،
فيراه في منامه، ومنها جزء من ستةٍ وأربعين جزءًا من النبوة" (4).
= 337)، و"تفسير الكشاف"(2/ 302)، والأحلام تُدعَى عند العرب "بناتِ الكرى" أي النعاس،
و"بنات الليل"، قال الشاعر في بخيل رأى في حلمه ضيفًا يطرق بابه، فقام إليه بالسيف ليطرده عنه:
أَرَتْهُ بُنيَّاتُ الكَرى شخصَ طارقٍ
…
فقام إليها مُصْلَتًا بحسامِ
(1)
"فتح الباري"(12/ 369).
(2)
وليس الحصر مرادًا من قوله: "ثلاث" لثبوت نوع رابع في حديث أبي هريرة رضي الله عنه وهو حديث النفس، وبقي نوع خامس وهو: تلاعب الشيطان، ففي صحيح مسلم:"إذا تلاعب الشيطان بأحدكم في منامه، فلا يخبر به الناس"، وفي رواية:"لا تخبر بتلاعب الشيطان بك في المنام"(4/ 1776، 1777)، ونوع سادس: وهو رؤية ما يعتاده الرائي في اليقظة، كمن كانت عادته أن يأكل في وقت، فنام فيه، فرأى أنه يأكل، أو بات طافحًا من أكل أو شرب -أي ملأ معدته حتى يكاد الطعام يفيض منها- فرأى أنه يتقيأ، وبينه وبين حديث النفس عموم وخصوص، وسابع: وهو الأضغاث - أفاده الحافظ بمعناه كما في "الفتح"(12/ 407، 408).
(3)
رواه البخاري (12/ 404، 405)(7017)، ومسلم -واللفظ له- (4/ 1773)(6)، وأبو داود (4/ 304)، (5019)، والنسائي (4/ 390)، (7654)، والترمذي (4/ 461)(2270)، وقال:"حسن صحيح"، وابن ماجه (2/ 1285)(3906)، والإمام أحمد (2/ 269، 395، 507).
(4)
أخرجه البخاري في "التاريخ"(4/ 2/ 348)، وابن ماجه رقم (3907)، وغيرهما، وصححه الألباني رقم (1870).