الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الخامس: موازنة بين اللّمحة وشرح الحريريّ على الملحة
في هذا المبحث سأعقد موازنة بين شرحي الصّايغ والحريريّ للملحة، لتبيّن ما امتاز به كلّ منهما عن صاحبه في المنهج، والأسلوب، والاستشهاد، وما إلى ذلك.
وإنّما اخترتُ الحريريّ من بين الشرّاح؛ لأنّه صدر هذا الشأن وصاحبه، فهو ناظم (الملحة) ، وهو أوّل من شرح هذه المنظومة فيما يظهر لي، كما أنّ شرحه أفضل الشّروح الّتي وقفت عليها قبل شرح الصّايغ.
أوّلاً- موازنة عامّة:
بعد القراءة المتأنّية لكلٍّ من (شرح ملحة الإعراب) للحريريّ و (اللّمحة في شرح الملحة) للصّايغ خرجتُ بما يلي:
1-
اتّفق الشّرحان في خلوّهما من مقدّمة يُبيّن فيها المنهج الّذي سارا عليه، والمعالم الأساسيّة لذلك.
2-
توخّى الحريريّ في شرحه للملحة الاختصار، بينما اتّسم شرح الصّايغ بالتّوسّع؛ ويمكن معرفة هذا من خلال النّقاط التّالية:
أ- استشهد الحريريّ بتسع عشرة ومائتي آية بما في ذلك الآيات المكرّرة، واستشهد الصّايغ بثلاث وأربعين ومائتي آية بما في ذلك الآيات المكرّرة.
ب- استشهد الحريريّ بثلاثة أحاديث، ولم يستشهد بأي أثرٍ
من الآثار المرويّة عن أحد الصّحابة رضي الله عنهم.
واستشهد الصّايغ باثني عشر حديثا، وثلاثة آثار من آثار الصّحابة رضوان الله عليهم.
ج- استشهد الحريريّ بثلاثة وثمانين بيتا من الشّعر، واستشهد الصّايغ بتسعة وخمسين وأربعمائة بيت، بما في ذلك الأبيات المكرّرة.
د- استشهد الحريريّ بخمسة أقوال من الأقوال المرويّة عن العرب، واستشهد الصّايغ بخمسة وأربعين قوْلاً.
هـ- شَرْح الصّايغ تكثُر فيه الخلافات النّحويّة، وأقوال النّحاة؛ أمّا شرح الحريريّ فقد ندر فيه التّعرّض للخلافات النّحويّة.
3-
التزم الحريريّ التزاما تاما بترتيب أبواب (الملحة) ، والحديث عن كلّ حكم عند ذكره للبيت الّذي يتناوله.
أمّا الصّايغ فقد التزم بترتيب أبواب (الملحة) ، إلاّ أنّه أضاف بعض الأبواب، كدمجه (باب أفعل التّفضيل) مع (حبّذا) تحت باب واحد هو (باب حبّذا وأفعل الّذي للتّفضيل)، وقسّم ما سمّاه الحريريّ (باب حروف الجرّ) إلى ثلاثة أبواب؛ وهي:(باب حروف الجرّ) ، وبعده (باب رُبَّ) ، وبعده (باب القسَم) . وكذلك لم يلتزم دائما بشرح الأحكام في كلِّ بيتٍ من أبيات (الملحة) .
4-
اقتصر الحريريّ على ما ورد في (الملحة) ، وتعرّض لإعراب بعض الكلمات الواردة فيها، وفسّر بعض الكلمات الغريبة.
أمّا الصّايغ فقد توسّع توسعا كبيرًا في الشّرح، إلى درجة أنّ القارئ لهذا الكتاب لا يتصوّر أنّه شرحٌ لـ (ملحة الإعراب) بل هو شرحٌ لـ (ألفيّة ابن مالك) ؛ إذْ إنّه نقل من ابن النّاظم في شرحه على (الألفيّة) نقولاً كثيرة دون التّصريح بذلك.
وكذلك لم يذكر الصّايغ إعراب أيّ كلمة من كلمات (الملحة) ، لكنّه فسّر بعض الكلمات، وترك كثيرًا ممّا يحتاج إلى ذلك.
5-
لم يهتمّ الحريريّ اهتماما واضحا بالتّعليلات النّحويّة، بخلاف الصّايغ الّذي اهتمّ بها.
6-
يتّضح في شرح الحريريّ متانة الأسلوب، وجمال العبارة، ونصاعتها؛ لتوخِّيه الإيجاز من ناحية، ولأنّه من فرسان البيان العربيّ. أمّا الصّايغ فقد تفاوت أسلوبه من حين لآخر؛ فبينما تراه قويا سلسا في موضع، تجده واهنا ركيكا في موضع آخر.
ثانيا- موازنة خاصّة في بعض الأبواب:
لزيادة البيان والإيضاح رأيتُ أن أقدِّم بين يدي القارئ الكريم موازنة في بعض الأبواب بين هذين الشّرحين؛ بغية التّوصّل من خلالها إلى إبراز قيمة هذا الشّرح؛ وقد اخترت لذلك الأبواب التّالية:
1-
باب حروف1الجرّ:
قسّم الصّايغ هذا الباب إلى ثلاثة أبواب؛ فجعل ما يتعلّق بـ (رُبَّ)
1 يُنظر: شرح الصّايغ 217- 253، وشرح الحريريّ 122 - 134.
في باب سمّاه (باب رُبَّ) ، وجعل ما يتعلّق بالقسَم في باب آخر سمّاه (باب القسَم) ، ومرادُه به حروف القسَم.
أمّا الحريريّ فجعل هذه الأبواب تحت بابٍ واحدٍ هو باب حروف الجرّ.
وقد خرجت من هذه الموازنة بما يلي:
1-
بلغت الآيات القرآنيّة الّتي استشهد بها الصّايغ أربعا وثلاثين آية، على حين بلغت عند الحريريّ اثنتي عشرة آية.
2-
استشهد الصّايغ في هذا الباب بخمسة أقوال من أقوال العرب، على حين لم يستشهد الحريريّ بشيء من ذلك.
3-
بلغت الشّواهد الشّعريّة الّتي استشهد بها الصّايغ في هذا الباب تسعة وخمسين بيتا، على حين بلغت عند الحريريّ سبعة أبيات.
4-
بلغ عدد أسماء النّحاة والشّعراء الّذين ذكرهم الصّايغ في هذا الباب خمسة وعشرين علَما، على حين ذكر الحريريّ ثلاثة شعراء فقط.
5-
توسّع الصّايغ في تناوُله لمعاني حروف الجرّ توسّعا كبيرًا، فأورد لكلّ حرف ما يتعلّق به من معان، مستشهدًا لمعظم تلك المعاني، أمّا الحريريّ فقد اقتصر على المعاني المشهورة لكلّ حرف فقط.
6-
ذكر الصّايغ بعض المسائل الخلافيّة المتعلّقة بحروف الجرّ، بخلاف الحريريّ.
7-
يحسُن بنا أن نورِد نصا من كلام الصّايغ في هذا الباب، وما يقابله عند الحريريّ؛ لتبيين معالم المنهج الّذي سلكاه في معالجة مسائل هذا الباب.
قال الصّايغ1 في معاني (من) : "وابتدأ بذكر (من) لأنّها أمّ الباب، وهو حرف جرّ يدخُل على الظّاهر وعلى المضمَر، تقول: أخذت من زيدٍ، وسمعتُ منه؛ وله معانٍ:
أحدها: ابتداء الغاية في المكان، كقوله: قمت من الدّار، وللتّبعيض، كقولك: أنفقت من المال، ولتمييز الشّيء من غيره، كقولك: أحبّ الحمام من الطّير؛ وتكون سببيّة، كقولك: من أجل السّلامة أطلتُ الصّمت، ومنه قولُ الفرزدق:
يُغْضِي حَيَاءً ويُغْضَى مِنْ مَهَابَتِه
…
فَلَا يُكَلَّمُ إِلَاّ حِينَ يَبْتَسِمُ
وتقع مكان باء القسَم، كقولهم: من ربّي ما فعلتُ ذلك، أي: بربّي أقسمتُ.
وتكون زائدة، ويُشترط لذلك أن تكون بعد حرف نفي، كقوله- تعالى-:{مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ} ، أو بعد استفهام كقوله تعالى:{هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ} ؛ وتكون زائدة في الموجب، وهو مذهب الأخفش، وسيبويه لا يرى ذلك، ومنه قول إياس بن الأرتّ:
فَإِنْ يَكُ خَيْرٌ أَوْ يَكُنْ بَعْضُ رَاحَةٍ
…
فَإِنَّكَ لَاقٍ مِنْ هُمُومٍ وَمِنْ كَرْبِ
وتقع مكان (على) كقوله - تعالى -: {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ} أي: على القوم.
وتكون مكان (الباء) كقوله تعالى: {يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ}
1 يُنظر: ص 217 من النّصّ المحقّق.
أي: بأمر الله.
وقد تكون دالاًّ على ضرْبٍ من النّعت، كقوله - تعالى -:{فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ} أي: الرّجس الوثنيّ.
وتكون بمعنى (في) كقوله - تعالى -: {أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ} .
وتقع لابتداء الغاية في الزّمان، كقول امرئ القيس:
لِمَنِ الدِّيَارُ بِقُنَّةِ الْحِجْرِ؟
…
أَقْوَيْنَ مِنْ حِجَجٍ وَمِنْ دَهْرِ
وكقول الآخر:
مِنْ عَهْدِ عَادٍ كَانَ مَعْرُوفا لَنَا
…
أَسْرُ المُلُوكِ وَقَتْلُهَا وَقِتَالُهَا".
وقال الحريريّ1: "و (من) تأتي في الكلام على أربعة معانٍ:
أحدها: أن تقع بمعنى الابتداء المختصّ بالمكان الّتي تقابلها (إلى) الّتي يختصّ بها انتهاء الغاية، كقولك: سرتُ من البصرة إلى مكّة.
والثّاني: أن تكون للتّبعيض، كقولك: شربت من النّهر.
والثّالث: أن تأتي لتبيين الجنس، كقوله تعالى:{فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ} .
الرّابع: أن تأتي زائدة، كقولك: ما جاءني من أحد؛ فإنْ قلتَ: "ما جاءني من رجل" فليست زائدة في هذا الموضع، بل هي جاعلة اسم الشّخص للنّوع، وتنزل منزلة قولك:"ما جاءني أحد" الّذي معناه نفي النّوع.
1 شرح ملحة الإعراب 124.
والفائدة في دخولها في هذا الكلام: استغراقُ النّفي؛ لأنّ الكلام كان يحتمل قبل دخولها أن يكون: ما جاءك رجل بل جاءك اثنان أو جماعة".
فقد تبيّن من خلال هذين النّصّين أنّ الصّايغ قد أورد أحد عشر معنا ل (من) ، بينما اقتصر الحريريّ على أربعة معان.
كما أنّ الصّايغ قد أولى الشّواهد عناية واضحة، خلافا للحريريّ الّذي لم يعن عناية كبيرة بالاستشهاد لما ذكره من معان.
كما تعرّض الصّايغ لشيء من الخلاف بين النّحاة في بعض تلك المعاني، أمّا الحريريّ فلم يتعرّض لشيء من ذلك.
2-
باب الاستثناء1:
1-
بلغت الآيات القرآنيّة الّتي استشهد بها الصّايغ في هذا الباب ثلاث آيات، بينما بلغت عند الحريريّ أربع آيات.
2-
استشهد الصّايغ في هذا الباب بثلاثة أحاديث، بينما لم يستشهد الحريريّ بأيّ حديث في هذا الباب.
3-
استشهد الصّايغ في هذا الباب بقولٍ واحدٍ من أقوال العرب، بينما لم يستشهد الحريريّ بأيّ قولٍ من أقوال العرب.
4-
بلغت الشّواهد الشّعريّة الّتي استشهد بها الصّايغ في هذا الباب اثني عشر بيتا، بينما بلغت عند الحريريّ بيتين.
1 يُنظر: شرح الصّايغ 457-479، وشرح الحريريّ 209 ـ 217.
5-
بلغ عدد أسماء النّحاة والشّعراء الّذين ذكرهم الصّايغ تسعة أعلام، بينما ذكر الحريريّ شاعرين فقط.
6 للوقوف على طرفٍ من منهج الرّجلين في معالجة هذا الباب نورِد بعضا ممّا ذكراه في شرح هذين البيتين:
وَكُلُّ مَا اسْتَثْنَيْتَهُ مِنْ مُوْجَبِ
…
تَمَّ الكَلَامُ عِنْدَهُ فَلْيُنْصَبِ
تَقُولُ: جَاءَ القَوْمُ إِلَاّ سَعْدَا
…
وَقَامَتِ النِّسْوَةُ إِلَاّ هِنْدَا1
إذْ قال الصّايغ2: "الاستثناء هو: إخراج شيءٍ ممّا دخل فيه غيرُه، أو إدخال شيء فيما خرج منه غيرُه، والاسم المستثنى ضدّ المستثنى منه. والاستثناء نوعان: متّصل، ومنقطع.
فالمتّصل: إخراج مذكور بـ (إلاّ) أو ما في معناها من حكم شامل، أو ملفوظٍ به، أو مقدّر.
فـ (الإخراج) جنس يشمل نوعي الاستثناء، ويخرج الوصف بـ (إلاّ)، كقوله - تعالى -:{لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَاّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا} ؛ فقوله: "إخراج مذكور" ولم يقل: إخراج اسم: ليعمّ استثناء المفرد، نحو:(قام القوم إلَاّ زيدًا) ، واستثناء الجملة لتأوّلها بالمشتقّ، نحو:(ما مررت بأحدٍ إلاّ زيدٌ خيرٌ منه) ".
وقوله: "? (إلاّ) أو ما في معناها) ليخرج التّخصيص ونحوه، ويدخل
1 يُنظر: متن الملحة 28.
2 يُنظر: ص 457 من النّصّ المحقّق.
الاستثناء بـ (غير) و (سوى) و (حاشا) و (خلا) و (عدا) و (ليس) و (لا يكون) .
وقوله: "من حكم شامل له" ليخرج الاستثناء المنقطع.
وقوله: "ملفوظ به أو مقدّر" ليتناول الحدّ الاستثناء التّامّ والمفرّغ.
والاستثناء التّامّ هو: أن يكون المخرج منه مذكورًا، نحو:(قام القوم إلاّ زيدًا) .
والمفرّغ هو: أن يكون المخرج منه مقدّرًا في قوّة المنطوق به، نحو:(ما قام إلاّ زيد)، التّقدير: ما قام أحدٌ إلَاّ زيدٌ.
والمنقطع هو: الإخراج ب (إلاّ) أو (غير) أو (بيد) لما دخل في حكم دلالة المفهوم....
والنّاصب هو: (إلاّ) لا ما قبلها بتقويتها، ولا به مستقلاًّ، ولا باستثني مضمَرًا، خلافا لزاعمي ذلك. والسّيرافيّ يذهب إلى أنّ النّاصب هو ما قبل (إلاّ) من فعل أو غيره بتعدية (إلاّ) .
وذهب ابن خروف إلى أنّ النّاصب هو ما قبل (إلاّ) على سبيل الاستقلال.
وذهب الزّجّاج إلى أنّ النّاصب (استثني) مضمرًا".
وقال الحريريّ1: "معنى الاستثناء: إخراج الشّيء ممّا دخل فيه
1 شرح ملحة الإعراب 209.
غيرُه، أو إدخاله فيما خرج منه غيره؛ فالاسم المستثنى أبدًا ضدّ المستثنى منه. وللاستثناء عدّة أدوات، إلاّ أنّ حرفه المستولي عليه:(إلاّ)، ولا يخلو حال الكلام قبل أن ينطق المتكلِّم ب (إلاّ) من قسمين:
أحدهما: أن يكون منقطعا.
الثاني: أن يكون تاما.
فإن كان منقطعا مرتبطا بما بعد (إلاّ) لم تعمل (إلاّ) شيئا من الإعراب، بل يكون إعراب ما بعدها كإعرابه لو لم تذكر، وذلك كقولك:(ما قام إلاّ زيد) و (ما ضربت إلاّ زيدًا) و (ما مررت إلاّ بزيد) ؛ ف (إلاّ) هاهنا أفادت إثبات القيام لزيد، وإيقاع الضّرب به، وحصول المرور به، من غير أن تحدث إعرابا.... وأمّا إذا كان ما قبل (إلاّ) كلاما تاما فلا يخلو من قسمين:
أحدهما: أن يكون موجبا.
والثّاني: أن يكون غير موجب.
فإنْ كان موجبا كقولك: (جاء القوم إلاّ سعدًا) نصبت ما بعد (إلاّ)، وكان النّاصب له الفعل الّذي هو:(جاء) ، لكن نصبه بواسطة (إلاّ) كما ينصب الفعل المفعول معه بواسطة الواو.
وعند بعضهم: أنّ (إلاّ) هي النّاصبة، وأنّ تقدير الكلام: جاء القوم أستثني زيدًا، أو: لا أعني زيدًا".
فواضح من خلال هذين النّصّين أنّ الصّايغ عني بتعريف المصطلحات، وإخراج محترزات كلّ تعريف، بخلاف الحريريّ الّذي اقتصر على تعريف الاستثناء.
واتّفقا في ذكر أقسام الاستثناء، وذكر الخلاف في ناصب المستثنى، لكنّ الصّايغ توسّع في بيان الخلاف ناسبا كلّ قول إلى صاحبه.
3-
باب نواصب الفعل1:
1-
بلغت الآيات القرآنيّة الّتي استشهد بها الصّايغ إحدى وعشرين آية، بينما بلغت عند الحريريّ سبع آيات.
2-
أورد الصّايغ ثلاث قراءات، ناسبا كلّ قراءة إلى مَن قرأ بها؛ أمّا الحريريّ فقد ذكر قراءة واحدة، دون ذكر مَنْ قرأ بها، وإنّما اكتفى بقوله:(وقرىء) .
3-
استشهد الصّايغ في هذا الباب بقولين من أقوال العرب؛ بينما لم يستشهد الحريريّ بأيّ قولٍ من أقوال العرب.
4-
بلغت الشّواهد الشّعريّة الّتي استشهد بها الصّايغ في هذا الباب ستّة عشر بيتا، بينما بلغت عند الحريريّ ثلاثة أبيات.
5-
بلغ عدد أسماء النّحاة والشّعراء والقرّاء الّذين ذكرهم الصّايغ في هذا الباب عشرة أعلام، بينما ذكر الحريريّ شاعرين فقط.
6-
أورد الصّايغ بعض المسائل الخلافيّة في هذا الباب، بينما لم يورد الحريريّ أيّ مسألة.
7-
ينبغي أن نورد نصا من كلام الصّايغ في هذا الباب، وما يقابله عند الحريريّ؛ للوُقوف على طريقة تناولهما لمسائل هذا الباب.
1 يُنظر: شرح الصّايغ 815- 845، وشرح الحريريّ 336 - 347.
فقد قال الصّايغ1 في الحرف النّاصب (لن) : "وأمّا (لن) فهي عند سيبويه مفردة، وعند الخليل مركّبة، وأصلُها عنده:(لا أن)، فحذفت الهمزة تخفيفا والتقى ساكنان؛ وهما: الألف والنّون؛ فحذفت الألف لذلك، وبقي (لن) ؛ والصّحيح ما ذهب إليه سيبويه.
وهي لفظة نفي وضعت لجواب الفعل المقترن بأحد حرفي التنفيس؛ وهما: السّين وسوف، ف (لن يخرج زيد) جواب من قال: سوف يخرج، أو سيخرج.
وتختصّ (لن) دون أخواتها بأن يتقدّم عليها مفعول الفعل الّذي نصبته، كقولك:(زيدًا لن أضرب) ، وأجمعوا على ذلك، وعلى أنّ معناها نفي الفعل المستقبل".
وقال الحريريّ2: "وأمّا (لن) فهي لفظة نفي وُضعت لجواب حرفي التّنفيس اللّذين هما: السّين، وسوف؛ فكأنّ قولك:(لن يخرج زيد) هو جواب مَن قال: سوف يخرج، أو سيخرُج.
وتختصّ (لن) دون أخواتها بجواز أن يتقدّم عليها مفعول الفعل الّذي نصبته، كقولك:(زيدًا لن أضرب) ".
فالنّاظر لهذين النّصّين يرى أنّ الصّايغ والحريريّ قد اتّفقا في ذكر وظيفة هذه الأداة، وخصوصيّتها على بقيّة أخواتها، وزاد الصّايغ عليه
1 يُنظر: ص 821 من النّصّ المحقّق.
2 شرح ملحة الإعراب 341.
بذكر أصل بنيتها: أهي مركّبة أم بسيطة؟ مع التّرجيح.
وبعد؛ فمن خلال هذه الموازنات يتبيّن تفوّق الصّايغ في شرحه ل (ملحة الإعراب) على الحريريّ؛ ليس في جانب واحد فحسْب، بل في سائر مقوّمات الشّرح الوافي. والحمد لله أوّلاً وآخرًا.