الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب الإعراب
وَإِنْ تُرِدْ أَنْ تَعْرِفَ الإِعْرَابَا
…
لِتَقْتَفِي فِي نُطْقِكَ الصَّوَابَا
الإعراب في اللّغة1: هو البيانُ؛ يُقال: (أَعْرَبَ الرّجلُ عمَّا في نفسه) أي: أَبَانَ عَنْهُ.
وقيل: هو التّحسين، من قوله تعالى:{عُرُبًا أَتْرَابًا} 2؛ لأنّ العَرُوْبَ المُتحسِّنة3.
وقيل فيه: التّغييرُ، من قولهم:(عَرِبَتْ مَعِدَةُ الفَصِيْلِ) إِذا تَغَيَّرت؛ وأعْرَبْتُها4: إذا أَزَلْتُ فَسَادَهَا5.
1 يُطْلَق الإعراب في اللّغة على عدّة معان، غير ما ذكر الشّارح- رحمه الله.
يُنظر: مقاييس اللّغة (عرب) 4/299- 301، واللّسان (عرب) 1/586- 593، والأشمونيّ 1/47، وحاشية ياسين على التّصريح 1/59.
2 الآية: 37 من سورة الواقعة.
3 العَرُوْبُ: المتحبِّبَةُ إلى زوجها؛ وقيل: المحسِنَةُ للكلام؛ وقيل: العاشقة لزوجها.
يُنظر: الصِّحاح (عرب) 2/180، والجامع لأحكام القرآن 17/137، والبحر المحيط 10/82.
4 في أ: عربتها، والصّواب ما هو مثبَت.
5 يقال: (أعربت الكلام) أي: أزلت عَرَبه- وهو فساده-؛ وصار هذا كقولك: (أعجمتُ الكتاب) إذا أزلت عُجمته؛ (واشكيت الرجل) إذا أزلت شكايته؛ وهذه الهمزة تسمّى (همزة السّلب) .
يُنظر: أسرار العربيّة 19، واللّباب 1/53، وشرح الشّافية 1/83، 91.
فالمُعْرَبُ: يتغيّر بتغيّر العوامِل الدّاخلة عليه لاختلاف المعاني من حَالٍ إلى حَال؛ وهو أحسنُ في اللّفظ من العاري من الحركات الموجِبَةِ له. وذلك التّغييرُ يكون لفظًا في السّالم، وتقديرًا في المعتلّ1.
فَإِنَّهُ بِالرَّفْعِ ثُمَّ الْجَرِّ
…
وَالنَّصْبِ وَالْجَزْمِ جَمِيْعًا يَجْرِي
[12/ ب] وألقَابُه أَرْبَعَةٌ؛ وهي: رَفْعٌ، وَنَصْبٌ، وَجَرٌّ، وَجَزْمٌ.
والبِنَاءُ2: ضِدُّ الإعرابِ، وهو مثله في اللّفظ3.
وألقابُه أَرْبَعَةٌ؛ وهي: ضَمٌّ، وَفَتْحٌ، وَكَسْرٌ، وَوَقْفٌ.
وَذُكِرَ البِنَاءُ هاهُنا وإنْ لم يكن في بابه؛ للاحتياج4إلى ذكره في سائر الأبواب.
والمُعْرَبُ من الكلام كلمتان؛ وهما: الاسم المتمكّنُ5، والفعل المضارع.
1 أراد بالسّالم: الصّحيح، نحو زيدٌ؛ ممّا تظهر عليه الحركات.
وبالمعتلّ: ما خُتم بحرف علّة ولم تظهر عليه الحركات، نحو:(موسى) .
2 البناء هو: لُزُوم آخر الكلمة سكونًا أو حركة، نحو (كَمْ) و (حَيْثُ) و (هؤلاء) و (الّذين) ، وما أشبه ذلك ممّا لا تغيّره العوامِل.
وسُمّي بناءً لأنّه لا يزول، ولا يتغيّر بدخول العوامِل المختلفة.
يُنظر: التّبصرة 1/76، وأسرار العربيّة 19، وكشف المشكِل 1/238.
3 أي: إنّ المبنيّ لا تختلف الحركة في آخره عن المعرب؛ فهو يسكن، ويُفتح، ويُكسر، ويُضمّ؛ كما إنّ المعرب كذلك.
4 في أ: الاحتياج، ولا يستقيم الكلام بها؛ فلعلّ الكلمة كما أثبتّها.
5 الاسم ضربان: متمكّن- وهو المعرب-، وغير متمكّن- وهو المبني-.
والمتمكّن ضربان: متمكّن أمكن؛ وهو المنصرف، كـ (زيدٍ) و (عمرو) .
ومتمكّن غير أمكن؛ وهو غير المنصرف، كـ (أحمدَ) و (مساجد) .
يُنظر: التّبصرة 1/81، وشرح التّسهيل 1/39، والمساعِد 1/22، وابن عقيل 1/38.
فالرَّفْعُ هُوَ أَتمُّ ألقاب الإعراب؛ ولهذا كان إعرابًا لِمَا هو عُمدةٌ في الكلام وهو الفاعل وما حُمِلَ عليه، والنّصب والجرّ لا يُوْجَدَان1حتَّى يتقدَّمهما الرّفعُ، كقولك:(ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا) وَ (مَرَرْتُ بِزَيْدٍ) .
والنّصبُ عُمْدَةُ المفعولِ وما حُمِل عليه، والجرُّ عُمْدَةُ الإضافة وما جرى مَجْراهَا.
فَالرَّفْعُ وَالنَّصْبُ بِلَا مُمَانِعِ
…
قَدْ دَخَلَا فِي الاسْمِ وَالمُضَارِع
وَالْجَرُّ يَسْتَأْثِرُ بِالأَسْمَاءِ
…
وَالْجَزْمُ فِي الْفِعْلِ2بِلَا امْتِرَاءِ
الاسم المُعْرَبُ: هو المتمكّن؛ وهو ما لم يشابه الحرف، ولم يتضمّن معناه، ولم يَقَعْ مَوْقِعَ المبنيّ؛ فهو والمضارع يشتركان في الرّفع والنّصب، كقولك:(زَيْدٌ يَذْهَبُ) ، و (إِنَّ عَمْرًا لن يَرْكَبَ) .
[13/ أ] ويختلفان3في الاختصاص؛ فالاسم يختصّ بالجرّ، والفعل يختصّ بالجَزْمِ
واختصاص الاسم بالجرِّ إمّا بإضافة حَرْفٍ إلى اسمٍ، [أ] وْ4 بإضافة اسمٍ إلى اسم؛ ويُعْلَمُ من ذلك إمَّا مِلْكٌ، أو اسْتِحْقَاقٌ.
1 في أ: لا توجدان، وهو تصحيف.
2 في متن الملحة 9: وَالْجَزْمُ بِالْفِعْلِ.
3 في أ: تختلفان، وهو تصحيف.
4 ما بين المعقوفين زيادة يقتضيها السّياق.
فامتنع الجرُّ من الأفعال1؛ لأنَّها لا تُملَكُ ولا تُستَحقّ لكَوْنَها2 ليست من الذّوات.
امتنع الجزْم من الاسم3؛ لأنّه حَذْفٌ4، ولو حُذِفَ بعضُ الاسم كما يحذف فاءُ الفعل، أو عينُه، أو لامُه، لتغيَّرتْ صيغة الاسم عمَّا كانت عليه، والفعل ليس هُوَ كَذَلِكَ.
1"إنّما لم يدخل الجرّ الأفعال؛ لأنَّ الجرَّ لا يكون إلَاّ بأدوات من الحروف، والأسماء يستحيل دخولها على الفعل؛ لقلّة الفائدة في ذلك؛ ألا ترى أنّه لا فائدة في قولك:(غُلامُ يذهب) بالإضافة، ولا في:(مررت بيقوم) ؛ والكلام وُضِعَ للفائدة فلمّا لم يكن في دخول أدوات الجرّ على الأفعال فائدة تُرِك جَرُّها أصلاً.
ووجهٌ آخر وهو: أنّ الفعل والفاعلَ كالشّيء الواحد، والمجرور يقوم من الاسم الجارّ مقامَ التّنوين؛ فلم يجز أن يقوم الفعل والفاعل- وهما شيئان قَوِيَّان- مقام التّنوين وهو حرف ضعيف". التّبصرة 1/80.
ويُنظر: شرح عيون الإعراب 56، وكشف المشكِل1/231، وشرح المفصّل7/10، 11.
2 في كلتا النسختين: كونها؛ وما أثبتّه هو الأولى.
3 "وإنّما لم تُجزم الأسماء؛ لتمكّنها ولزوم الحركة والتّنوين لها؛ فلو جزمت لأبطل الجازم الحركة، وإذا زالت الحركة زال بزوالها التّنوين؛ لأنّ التّنوين تابعٌ للحركة ولو زالا اختلّت الكلمة بذهاب شيئين؛ أحدهما: الحركة وهو دليل كونها فاعلة أو مفعولة أو مضافاً إليها؛ والآخر: التّنوين الّذي هو دليل كونه منصرفًا". شرح المفصّل 1/73.
ويُنظر: التّبصرة 1/80، 81، وشرح عيون الإعراب 55، 56، وكشف المشكِل 1/231، واللُّباب 1/65.
4 في كلتا النسختين: لأنّه منه حذف؛ ويستقيم المعنى بدون (منه) .
فَالرَّفْعُ1 ضَمُّ آخِرِ الحُرُوفِ
…
وَالنَّصْبُ بِالْفَتْحِ بِلَا وُقُوفِ
وَالْجَرُّ بِالْكَسْرَةِ لِلتَّبْيِينِ
…
وَالْجَزْمُ فِي السَّالِمِ بِالتَّسْكِيْنِ
حَرْفُ الإعراب من كُلّ معرب: آخِرُهُ كـ (دالِ زَيْدٍ) و (ميم يقوم) ؛ وذلك لأنَّهُ كالصِّفَةِ؛ والصِّفَةُ لا تأتي إلَاّ بعد كَمَالِ المَوْصُوفِ، ولا سَبِيْلَ إلى معرفته إلَاّ بعد كَمَالِ صيْغَتِهِ.
وأصلُ الاسم الإعرابُ2؛ وذلك لدلالته بصِيغةٍ واحدةٍ على مَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ فاحتيج إلى إعرابه، لتبيين تلك المعاني3؛ والبناءُ فيه [13/ ب] فَرْعٌ
والفعل أصله البناءُ؛ لدلالته بالصِّيغ المختلفة على المعاني المختلفةِ؛
1 في شرح الملحة 81: وَالرَّفْعُ.
2 هذا مذهب البصريّين؛ وذهب الكوفيّون إلى أنَّ الإعراب أصلٌ في الأسماء والأفعال؛ وقيل: هو أصلٌ في الفعل، فرعٌ في الاسم.
تُنظر هذه المسألة في: الإيضاح في علل النّحو 77 - 82، وأسرار العربيّة 24، والتّبيين، المسألة الثّامنة، 153، وابن عقيل 1/39، 40، والمساعِد 1/20، والهمع 1/44، 45.
3 الأسماء تتضمّن معاني مختلفة نحو: (الفاعليّة) و (المفعوليّة) و (الإضافة) ؛ فلو لم تُعرب لالتبست هذه المعاني بعضها ببعض؛ يدلُّك على ذلك أنّك لو قلت: (ما أحسنَ زيدًا!) لكنتَ متعجِّبًا، ولو قلتَ:(ما أحسنَ زيدٌ) لكنتَ نافيًا، ولو قلتَ:(ما أحسنُ زيدٍ؟) لكنتَ مستفهمًا عن أيّ شيء منه حَسَن؛ فلو لم تعرب في هذه المواضع لالتبس التّعجّب بالنّفي، والنّفي بالاستفهام، واشتبهت هذه المعاني بعضها ببعض؛ وإزالة الالتباس واجب.
أسرار العربيّة 24، 25.
فأغنى اختلاف صيغه عن إعرابه1، والإعراب فيه فَرْعٌ
وسُمِّيَ الضَّمُّ رَفْعًا؛ لانضمام الشّفتين به، إذْ هُمَا أرفع الفَمِ2.
وسُمِّيَ الفَتْحُ نَصْبًَا؛ لأنَّ الفتحة إذا أُشْبِعتْ صارت ألفًا؛ والنُّطْقُ به انتصابٌ إلى أعلى الحَنَكِ3.
وسُمِّيَتْ الكسرةُ جَرًّا؛ لِهُوِيِّ النّطق بها سُفْلاً؛ فكأنَّهُ مَأخُوذٌ من جَرِّ الجبل وهو سَفْحُهُ4.
وسُمِّيَ الجَزْمُ جَزْمًا؛ لقطع الحركة أو الحرفِ؛ لأنَّهُ في اللّغة: القَطْعُ5.
((كقولك: (قام) إذا أردتّ الزّمان الماضي، و (سيقوم) إذا أردتّ المستقبَل، و (يقوم الآن) إذا أردتّ الحال)) . التّبصرة 1/76.
2 قال الزّجّاجيّ في الإيضاح 93: "نسبوا الرّفع كلّه إلى حركة الرّفع؛ لأنّ المتكلّم بالكلمة المضمومة يرفع حنكه الأسفل إلى الأعلى، ويجمع بين شفتيه، وجُعِل ما كان منه بغير حركة موسومًا أيضًا بسمة الحركة لأنّها هي الأصل".
وقال الحيدرة اليمنيّ: "وذلك أنّ الفاعل والمبتدأ لَمّا كانا شريفين سُمِّيَ إعرابُهما رفعًا". كشف المشكل 1/230.
3 "المتكلّم بالكلمة المنصوبة يفتح فاه؛ فيبيّن حنكه الأسفل من الأعلى؛ فيبين للنّاظر إليه كأنّه قد نصبه لإبانة أحدهما عن صاحبه". الإيضاح 93.
وقيل: "المفعول وشبهُه لَمّا كانت حركته خفيفة تخرج بغير تكلّف سمّيت نصبًا؛ والنّصب: الصّوت الحسن السّهل". كشف المشكل 1/231.
4 قال صاحب اللّسان (جرر) 4/130: "الجرُّ: أصل الجبل وسَفْحُهُ؛ والجمع: جِرارٌ، قال الشّاعر:
وَقَدْ قَطَعْتُ وَادِيًا وَجَرَّا
وفي حديث عبد الرّحمن: رأيته يوم أُحُد عند جَرِّ الجبل - أي: أسفله -".
5 اللّسان (جزم) 2/97.
وأصل الإعراب الحركة1؛ وأصل البناءُ السُّكون2؛ والحرفُ مبنيٌّ ولا حظَّ له في الإعراب3.
1 إنّما كان الأصل في علامات الإعراب الحركات دون الحروف لثلاثة أوجه:
أحدها: أنّ الإعراب دالٌّ على معنىً عارِضٍ في الكلمة؛ فكانت علامته حركة عارضة في الكلمة لِمَا بينهما من التّناسب.
والثّاني: أنّ الحركة أيسر من الحرف؛ وهي كافية في الدّلالة على الإعراب؛ وإذا حصل الغرض بالأيسر لم يُصَرْ إلى غيره.
والثّالث: أنّ الحرف من جملة الصِّيغة الدّالّة على معنى الكلمة اللاّزم لها؛ فلو جعل الحرف دليلاً على الإعراب لأدّى ذلك إلى أن يدلّ الشّيء الواحد على معنيين؛ وفي ذلك اشتراك؛ والأصل أن يُخصّ كلّ معنى بدليل. اللّباب 1/54، 55.
2 إنّما كان الأصل في البناء السّكون لوجهين:
أحدهما: أنّه ضدُّ الإعراب، والإعرابُ يكون بالحركات، فضدّه يكون بالسّكون.
والثّاني: أنّ الحركة زِيدَتْ على المعرب للحاجة إليها؛ ولا حاجة إلى الحركة في المبنيّ، إذْ لا تدلّ على معنى. اللّباب 1/66.
3 الحروف كلّها مبنيّة، لا حظّ لها في الإعراب؛ لأنّها لا تنصرف ولا يعتور عليها من المعاني ما يحتاج إلى الإعراب لبيانها، فبُنيت لذلك. ابن النّاظم 32.
ويُنظر: ابن عقيل 1/43.