الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رابعًا: شرح هذه الآيات
هذه الآيات مقطع طويل من الآيات، عرَّفنا ربُّنا تبارك وتعالى بنفسه فيها عبر النقاط التالية:
1 -
خلق الله تبارك وتعالى السموات والأرض بالحق:
عرَّفنا ربُّنا عز وجل أنَّه {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [النحل: 3] وعرَّفنا سبحانه وتعالى أنَّه خلق السموات والأرض خلقًا كائنًا بالحقِّ متصفًا به، وقد سبق أن بيَّنت فيما مضى في سورة الحجر أنَّ الحق هو الذي جعل السموات والأرض معبدًا تتجاوب أرجاؤه بالتقديس والتسبيح والتحميد، ويتردَّد فيه الدعاء، وتقام فيه الصلاة، وقد نزَّه الله تعالى نفسه عمَّا يشركون، أي ما يشركونه به من الأوثان والأصنام.
وأخبرنا سبحانه وتعالى أنه {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ} [النحل: 4] أي خلقه، من حيوانٍ منويٍّ ضعيفٍ، فلما نما وكبر وأصبح إنسانًا خاصم ربَّه الذي خلقه، وكذَّبه، وحارب رسله، كما قال عز وجل {أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} [يس: 77 - 79].
وقد روى بسر بن جحاشٍ قال: بصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في كفه، ثمَّ قال: «يقول الله تعالى: ابن آدم، أنَّى تعجزني، وقد خلقتك من مثل هذه؟ حتَّى إذا
سوَّيتك، فعدلتُك مشيت بين بُرديك، وللأرض منك وئيدٌ، فجمعت ومنعت، حتَّى إذا بلغت الحلقوم، قلت: أتصدَّق؛ وأنَّى أوان الصدقة» [قال محقق ابن كثير (3114): أخرجه ابن ماجه وأحمد وصحح البوصيري إسناده في الزوائد، وانظر «الصحيحة» (1099)].
وأعلمنا سبحانه وتعالى أنَّه خلق لنا الأنعام، لمصالح كثيرةٍ حدَّثنا ربُّنا عنها {وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَاكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 5 - 8]. والأنعام هي الإبل والبقر والغنم، وقد جعل الله تعالى لنا فيها الدفء، فالبشر يصنعون من أصوافها وأوبارها وأشعارها ملابس يتجملون بها، ويصنعون ملابسهم التي تقيهم البرد، ويصنعون منها خيامهم التي تؤويهم في الحرِّ والقرِّ، وجعل لنا فيها منافع كثيرةً، وجعل لحمها طعاماً لنا، وجعل لنا فيها جمالاً حين نريح وحين نسرح، أي حين نرجع بها من المرعى عشياً، {وَحِينَ تَسْرَحُونَ} أي: غدوة حين نبعثها إلى المرعى، {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ} والأثقال تتمثل بالأمتعة وأنواع البضائع والأثاث التي يرغب الناس بنقلها من مكانٍ إلى مكان، تحملها الإبل إلى بلادٍ بعيدة، لم نكن بالغيها إلا بشقِّ الأنفس، نسافر بها إلى الحجِّ والعمرة، أو ننتقل للتجارة أو الزيارة أو السياحة، وعقَّب ربُّنا تبارك وتعالى على ذلك
بقوله: {إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} لرؤوف رحيم بكم، ومن أجل ذك سخر لكم هذه الأنعام.
ثم أخبرنا ربُّنا عز وجل أنَّه سخَّر لنا {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 8]. فالخيل والبغال والحمير تستعمل لأمرين: الأول: ركوب بني آدم لها. والثاني: أنَّ في اقتنائها وركوبها زينةً يستمتع بها أصحابها، وقوله تعالى:{وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} أي: من الوسائل التي يركبها العباد، ويتخذونها زينة، وقد يسَّر الله للبشر اختراع السيارات والطيارات (والقطارات) ، وطوروا السفن، وسيخترع البشر أنواعاً أخرى لمزيد من الانتفاع بها.
وقوله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ} [النحل: 9]. ذكر الله تعالى الحيوانات من الإبل والبقر والغنم والخيل والبغال والحمير، وذكر ما فيها من المنافع، ثمَّ ذكر الطرق التي يسلكها الناس إليه، فبيَّن أنَّ منها السبيل القاصدة، وهي الطريق الموصلة إليه، وهي طريق الحقِّ، وهي متمثلة في دين الإسلام الذي سلكه أنبياؤه ورسله وأتباعهم، {وَمِنْهَا جَآئِرٌ} وهذا شامل للطرق الضالة كلها، وهي اليهودية والنصرانية والبوذية والهندوسية والمجوسية والشيوعية، وغيرها من طرق الضلال والغواية، وأعلمنا ربُّنا في خاتمة الآية أنه لو شاء لهدانا أجمعين، ولكنَّه قضى بتدبيره وحكمته أن نكون مختلفين.
2 -
إنزال الله تبارك وتعالى الماء من السماء لينبت به الزرع:
أعلمنا ربُّنا تبارك وتعالى أنه {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 10 - 11].
ذكر الله - تعالى - نعمته على عباده في إنزاله الماء من السماء، والمراد به إنزاله من السحاب، وقد جعل من هذا الماء النازل من السماء شراباً يشرب منه العباد ودوابُّهم ومواشيهم، ومنه تتغذى الآبار وتتدفق العيون، ومنه ما يسقي الزرع والشجر الذي فيه تسيمون أنعامكم، أي: ترعونها فيه، تقول العرب: الإبل السائمة.
وبهذا الماء الواحد ينبت لنا ربُّنا الزرع والزيتون والنخيل والأعناب، ثم قال:{مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ} أي: ويخرج لكم غيرها من الثمرات، كالتفاح والبرتقال والخوخ وأنواع الفواكه، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} أي: فيما حدثنا الله من سقينا بالماء النازل من السماء، وما ينبت به من الزروع والثمار، لآيات دالة على الله تعالى، ولكن لقوم يحسنون التدبر والتفكر والاتعاظ بهذه الآيات.
3 -
سخَّر الله تبارك وتعالى لعباده الليل والنهار والشمس والقمر:
عرَّفنا ربُّنا تبارك وتعالى أنه سخَّر لنا ما شاء من مخلوقاته {وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ
لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} [النحل: 12 - 13].
ذكر الله تبارك وتعالى النعم التي لا تقوم حياتنا من غيرها، ذكر أنَّه سخَّر لنا الليل والنهار، يتعاقبان، ويتقارضان، والشمس والقمر يدوران، وسخر لنا النجوم وبثَّها في أرجاء الفضاء، وجعلها لنا نوراً وضياء، وجعلها لنا علاماتٍ نهتدي بها في ظلمات الليل، وقد حدَّثنا في غير هذا الموضع عن مساراتها ومنازلها.
وقوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [النحل: 12] أي: في ذلك آيات لقوم يعقلون دين الله تبارك وتعالى ويفقهون حججه، وقوله:{وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} أخبرنا ربَّنا عمَّا ذرأه في أرضنا من الأمور العجيبة والأشياء المختلفة من الحيوانات المختلفة والنبات والمعادن والجمادات على اختلاف أشكالها وألوانها {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} أي: آياتٌ دالةٌ على الله سبحانه لقومٍ يذَّكرون آلاءه ونعمه، فيشكرونها.
4 -
الله تبارك وتعالى الذي سخر لعباده البحر:
حدَّثنا ربُّنا تبارك وتعالى عن تسخيره البحر لنا، والبحر في هذه الأرض أكثر من اليابسة، وقد سخَّر لنا هذا البحر الشاسع الواسع المتلاطم بالأمواج، وجعل فيه الأسماك والحيتان، وأحلَّها لعباده، ولحمها طريٌّ صالحٌ للأكل، وجعل فيها الحليَّ التي نستخرجها من البحار، كما قال ربُّ العزَّة:{يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} [الرحمن: 22]. ومن الآيات البحرية مسير الفلك في البحر، وهي السفن التي تمخر بصدرها عباب البحر، وقوله:{وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي: لتركبوا الفلك، وتسيروا فيها، متنقلين من قطرٍ إلى قطر، ومن بلادٍ إلى بلاد، لطلب الرزق، وزيارة الأصحاب والأقارب والأحباب، {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي: تشكرونه على نعمة وإحسانه وفضله.
5 -
ألقى ربُّ العزَّة الجبال في الأرض ليثبتها وأجرى فيها الأنهار:
أعلمنا ربُّنا عز وجل أنَّه {وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} [النحل: 15 - 16] خلق الله تعالى الأرض فمادت، فأرساها وثبَّتها بالجبال، وسيَّر فيها الأنهار تسقي العباد والبلاد، وجعل فيها الطرق والممرات تخترق الجبال، وينتقل الناس فيها في أسفارهم، كما قال تعالى:{وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا} [الأنبياء: 31].
وجعل ربُّنا في الأرض علاماتٍ يستدلُّ بها المسافرون على ما يقصدونه في أسفارهم، وتكون العلامة جبلاً شامخاً، أو رابيةً مدببة، أو صخرةً مفلطحةً، أو هوةً سحيقةً، أو غير ذلك.
وكما جعل لنا علاماتٍ نهتدي بها في جنبات الأرض، جعل لنا النجوم لنهتدي بها في ظلمة الليل، {وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} فكثيرٌ من الناس يستطيعون تحديد مشارق الأرض ومغاربها في الليل بالتعرف على مواقع النجوم.
6 -
استحقاق الله تعالى العبادة وحده:
أعلما ربُّنا تبارك وتعالى أنَّه وحده الخالق دون غيره بقوله: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [النحل: 17] فالله الذي خلق الخلق في الأرض وفي السماء هو الذي يستحقُّ أن يعبد وحده، فغيره لا يخلق شيئًا.
وعقَّب الله تبارك وتعالى على هذا السيل الذي ساقه من النعم الكثيرة الوافرة بقوله: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [النحل: 18] أي أنَّ العباد لا يستطيعون عدَّ نعم الله على عباده، وقد تكون في النعمة الواحدة نعمٌ كثيرة، ولذلك لا يستطيع العباد الوفاء بنعم الله كلِّها، فمن فضل الله تبارك وتعالى علينا أنَّه يرضى عنَّا، وإن لم نستطع أن نفيه حقَّ النعم كلِّها، و {إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} ولذلك يغفر لنا ما وقع منا من تقصير في شكر نعمه.
{وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 19]. أخبرنا ربُّنا عز وجل في خاتمة هذا النصِّ أنه يعلم ما نسره ونخفيه، وما نعلنه ونبديه، فعلمه بنا محيط، لا تخفى عليه خافية من أعمالنا وأقوالنا وخطرات قلوبنا.