الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الموضع القرآني [4]
وقالوا اتخذ الله ولدًا سبحانه
الله تعالى واحد في ذاته، واحد في أسمائه وصفاته، واحد في أفعاله، وقد شوه البشر وحدانية الله عندما زعموا أن الله اتخذ ولدًا، وقد حكى الله تعالى هذه الفرية التي افتراها الناس عليه وردًّ عليها، فقال {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ * بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [البقرة: 116 - 117].
زعم كثير من الناس في القديم والحديث أن الله اتخذ ولدًا، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا، قال تعالى:{وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ} [البقرة: 116].
ومن هؤلاء اليهود الذين قالوا: عزَّيزٌ ابنٌ الله، والنصارى الذين قالوا المسيح ابن الله، ومشركو العرب الذين قالوا: الملائكة بنات الله.
وقد نزَّه الباري عز وجل نفسه عن هذه النقيصة الشنيعة، فقال {سُبْحَانَهُ} والتسبيح: التنزيه لله عن كل النقائص والعيوب، وقد ورد في الحديث الصحيح أن نسبة الولد إلى الله مسبة للباري تبارك وتعالى، ففي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«قال الله: كذبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، وشتمني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، فأمأ تكذيبه إياي، فزعم أني لا أقدر أن أعبده كما كان، وأما شتمه إياي فقوله لي ولد، فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولدًا» [البخاري: 4482].
وقد أخبرنا ربُّنا تبارك وتعالى بعظم جريمة الذين ادعوا هذه الدعوى فقال: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا *
أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا} [مريم: 88 - 91]، وجاء في الحديث عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«ليس أحد، أو ليس شيء أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم ليدعون له ولدًا، وإنه ليعافيهم ويرزقهم» [البخاري: 6099. ومسلم: 2804. واللفظ للبخاري].
رد الله تبارك وتعالى على هذا الزعم الكاذب من الأمم السابقة والمعاصرة، قائلًا:{بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} [البقرة: 116].
أخبرنا ربُّنا عز وجل في رده على من افترى هذه الفرية أنه سبحانه السيد العظيم الذي خلق السموات والأرض وما فيها وما بينها، وهما ملكة يصرفهما كيف يشاء، ومن جملة ما فيهما العزَّيز وعيسى ابن مريم والملائكة وغيرهم مما نسبه الكفار إلى الله، وكل السموات والأرض وما فيها قانت لله،
أي: طائع خاضع لله عز وجل، كما قال تعالى:{وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} [الروم: 26].
إن نسبة الولد إلى الله تنافي وحدانية الله تبارك وتعالى، فالله واحد في ذاته، وواحد في صفاته وأسمائه، ليس له مثيل، وليس له شبية، ولا نظير، ودعوى أن الله اتخذ ولدًا، تعني أن له صاحبة مثله، ولو كان الله اتخذ ولدًا، لكان الولد جزءًا من أبيه، أي: لأصبح إلهًا معبودًا، وكل ذلك كذب وباطل من القول، وقد أنزل الله سورة عظيمة قررت الوحدانية والصمدية لله، ونفت عنه أن يكون له والد أو ولد، كما نفت عنه أن يكون له نظير أو مثيل {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 1 - 4].
إن هذه الدعوى التي يدعيها الظالمون دعوى هزيلة، تجعل المخلوق المربوب المألوه جزءًا من الخالق العظيم، وسيظهر لهؤلاء كذبهم يوم الدين عندما يسوق الله العباد جميعًا للحساب {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [مريم: 93 - 95]، ومما يدلُّ على ذكب من ادَّعى هذه الدعوى قوله تعالى:{وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} [الرعد: 15].
وأخبرنا ربُّنا عز وجل في رده على من ادعى هذه الفرية العظيمة أنه سبحانه وتعالى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ
فَيَكُونُ} [البقرة: 117]. وقال ربُّنا عز وجل في سورة الأنعام: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الأنعام: 101].
والمراد بـ (بديع) في قوله: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [البقرة: 117] أي: مكونهما على غير مثالٍ سابق، ومن جملة ما كونه وأبدعه ما جعلوه - كذبًا وزورًا - ابنًا لله تعالى، مثل العزَّيز والمسيح والملائكة.
وأخبرنا تبارك وتعالى أن هؤلاء الذين نسبوهم إلى القهار الجبار خلقوا كما خلق غيرهم، {وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [البقرة: 117]، فالله إذا أراد إيجاد شيء فإنه يقول له كلمة واحدة، وهي (كن) فيكون كما يريده الله رب العالمين.
فالله لا يعجزه شيء، ولا يستعصى عليه شيء، وكل شيء أمره الله أن يكون، فإنه يكون كلمح البصر {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82] وقال: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [النحل: 40] وقال: {وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ} [القمر: 50]، وقال مبينًا كيف خلق الله عيسى وآدم:{إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران: 59].
وردَّ الله تعالى على الذين زعموا كاذبين أن الله اتخذ ولدًا في آية سورة الأنعام أنه بديع السموات والأرض، وكيف يكون له ولد، ولم يكن له صاحبة، فوجود الولد يلزم فيه أن تكون هناك زوجة، وبين الله أنه خالق كل شيء، ومن جملة ذلك ما ادعوه أن له ولدًا، وهو بكل شيء عليم، وهو يعلم سبحانه أنه ليس له ولد.