الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ
السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا} [الإسراء: 1 - 12].
ثالثًا: تفسير مفردات هذه الآيات
أسرى بعبده، أي: سار به ليلاً.
قضينا: حكمنا
تفسدنَّ: هو ما يفعله بنو إسرائيل من قتلٍ وتدميرٍ للحرث والنسل وتخريبٍ على النحو الذي يفعله اليهود اليوم في فلسطين.
ليتبروا: ليهلكوا ويخربوا، والتبار: الهلاك.
آيتين: علامتين عظيمتين تدلَاّن على الله تعالى.
فمحونا آية الليل: محا آية الليل بجعلها مظلمةً لا نور فيها.
وجعلنا آية النهار مبصرة، أي: جعل النهار مضيئاً منيراً.
رابعًا: شرح آيات هذا الموضع
1 -
إسراء الله تعالى برسوله من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى:
عرَّفنا تبارك وتعالى في الآية الأولى من هذه الآيات أنَّه هو الذي أسرى بعبده ورسوله محمدٍ صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك حوله، ليريه من آياته {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى
الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الإسراء].
والمسجد الحرام في مكة، والمسجد الأقصى في مدينة القدس في فلسطين، والإسراء سير الليل. و {بِعَبْدِهِ} أي: برسوله محمدٍ صلى الله عليه وسلم ، وقد استنكر واستغرب الكفار هذا الخبر، فقد كانوا يحتاجون إلى شهرٍ حتى يصلوا إلى القدس، ويحتاجون إلى شهر آخر للعودة منها، فكيف يصدِّقون لمن يخبرهم أنه ذهب إليها، ثم عرج به إلى السموات العلا وعاد بعد ذلك إلى مكة في بعض ليلة.
ولكننا نؤمن بذلك ونصدِّق به، لأنَّه لم يفعل ذلك بنفسه، وإنما الذي فعله به هو الله سبحانه، والله قادرٌ على كلِّ شيءٍ، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
2 -
إيتاءُ الله تعالى موسى الكتاب وجعله هدى لبني إسرائيل:
عرَّفنا ربُّنا تبارك وتعالى أنَّه آتى موسى الكتاب، وهو التوراة ليكون هذا الكتاب العظيم هدى لبني إسرائيل {وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا} [الإسراء: 2}.
3 -
قضاء الله تعالى إلى بنى إسرائيل ليفسدنَّ في الأرض مرتين:
عرَّفنا ربُّنا تبارك وتعالى أنَّه قضى إلى بني إسرائيل في الكتاب الذي هو التوراة أو في اللوح المحفوظ أنهم سيفسدون في الأرض مرتين، ومعنى قضى، أي: حكم حكماً جازماً لا رجعة فيه أنَّهم سيفسدون في أرضنا هذه إفسادين
عظيمين {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا} [الإسراء: 4]
وقد بيَّن الله تبارك وتعالى كيف سيجري كل واحدٍ من الإفسادتين، وكيف سيواجه كلُّ واحدٍ منهما.
وقد ذهب المفسرون إلى أنَّ هاتين الإفسادتين قد مضتا وانقضتا ، والذي حققته في تفسيري لهذه الآيات في سورة الإسراء ،وفي كتابي «وليتبروا ما علوا تتبيرا» أن هاتين المرتين هما الواقعتان الآن ، وهما يدلان على أنَّ اليهود في فلسطين إلى زوال ، وأنَّ الأمَّة الإسلامية ستسوء وجوه اليهود ، وسيدخل المسلمون المسجد الأقصى فاتحين له كما دخلوه أول مرة في عهد عمر بن الخطاب ، وليتبروا العلو اليهودي تتبيراً.
4 -
جعل الله تعالى الليل والنهار آيتين:
وبعد ذلك آياتٍ عرَّفنا ربُّنا تبارك وتعالى أنه جعل {اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا} [الإسراء: 12].
أخبرنا ربُّنا عز وجل أنه جعل الليل والنهار آيتين ، أي: علامتين دالتين على أنه هو الإله المعبود الذي يستحقُّ العبادة وحده دون سواه، كما قال تعالى:{وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ} . . .] فصلت 37].
وقوله تعالى {وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ} [يس 37]. وقوله تعالى {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [آل عمران 190].
وقوله تعالى: {فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً} ومحو آية الليل بجعله سبحانه الليل مظلماً ، وبذلك يكون مناسباً للراحة والهدوء ، وجعل آية النهار مبصرةً ، أي جعل النهار مضيئاً ، ليسعى الناس في أشغالهم وأعمالهم ، وكما أنَّ الليل والنهار آيتان ، فإنما هما أيضاً نعمتان ، كما قال ربُّ العزَّة {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَاتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَاتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [القصص 71 - 73].
وقوله تعالى: {لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ} أي جعل الله النهار مضيئاً لتبتغوا فيه أشغالكم ، وتقضوا أعمالكم {وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} فالعباد إذا مرَّ عليهم الليل والنهار بشروق الشمس وغروبها ، علموا عدد الأيام وبمنازل القمر عرفوا الشهور والأعوام ، وعرفوا شهر الحجِّ ، وشهر الصيام ، كما قال تعالى:{هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} [يونس 5]، وقال تعالى:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة 189].
وقوله تعالى: {وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا} أي: كل شيء بيَّناه ووضحناه من الأحكام والحلال والحرام ، بيَّناه بياناً هو في غاية الوضوح.
5 -
وكلَّ إنسانٍ ألزمنا طائره في عنقه:
أخبرنا ربُّنا تبارك وتعالى أن {كُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَا كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} [الإسراء 12 - 14].
أعلمنا ربُّنا تبارك وتعالى أنَّ كلَّ إنسانٍ ألزمه طائره في عتقه لازماً له لزوم القلادة والغلِّ ، لا ينفك عنه ، وطائره هو عمله ، فعمل كل إنسان لازم له ، كما قال تعالى:{لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء 123]. وقوله {إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الطور: 16].
وقوله تعالى: {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا} ذكر الله تبارك وتعالى أنَّ ذلك العمل الذي ألزم الإنسان إياه ، يخرجه له يوم القيامة مكتوباً في كتاب يلقاه منشوراً ، أي: مفتوحاً يقرؤه ، وبين الله في موضع آخر أنَّ هذا الكتاب لا يترك صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: 49].
وقوله تعالى: {اقْرَا كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} أي: يقال للإنسان في ذلك اليوم بعد أن يعطى كتابه: {اقْرَا كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} وكل إنسان في ذلك اليوم يكون قارئاً {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ *