الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتاب الجنايات
الجنايات جمع جناية. والجناية في اللغة: كل فعل عدوان على بدن أو مال.
وفي الشرع: هي كل فعل عدوان على بدن. وتسمى فيه الجناية على المال غصباً ونهباً وسرقة وإتلافاً وخيانة.
والجناية على البدن حرام بالكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: {ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق} [الأنعام: 151]، وقوله:{ومن قُتل مظلوماً فقد جعلنا لوليّه سلطاناً} [الإسراء: 33]، وقوله تعالى: {ومن يقتل مؤمناً متعمّداً فجزاؤه جهنم
…
الآية} [النساء: 93]، وقوله تعالى:{والجروحَ قصاص} [المائدة: 45].
وأما السنة؛ فما روى عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحلُ دمُ امرئٍ مسلمٍ يشهدُ أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيبُ الزاني، والنفسُ بالنفس، والتاركُ لدينهِ المفارقُ للجماعة» (1). متفق عليه.
وروي عن عثمان بن عفان وعائشة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله (2).
وأما الإجماع فأجمع المسلمون في الجملة على تحريم الجناية على البدن.
(1) أخرجه البخاري في صحيحه (6484) 6: 2521 كتاب الديات، باب قول الله تعالى: {أن النفس بالنفس
…
}.
وأخرجه مسلم في صحيحه (1676) 3: 1302 كتاب القسامة، باب ما يباح به دم المسلم.
(2)
أخرجه أبو داود في سننه (4353) 4: 126 كتاب الحدود، باب الحكم فيمن ارتد، عن عائشة. و (4502) 4: 170 كتاب الديات، باب الإمام يأمر بالعفو في الدم، عن عثمان.
وأخرجه الترمذي في جامعه (2158) 4: 460 كتاب الفتن، باب ما جاء لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، عن عثمان.
وأخرجه النسائي في سننه (4057) 7: 103 كتاب تحريم الدم، الحكم في المرتد، عن عثمان. و (4048) 7: 101 الصلب، عن عائشة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [(القتل على أربعة أضرب: عمد وشبه عمد وخطأ وما أجري مجرى الخطأ. فالعمد: أن يقتله بما يغلب على الظن موته به عالماً بكونه آدمياً معصوماً).
أما كون] (1) القتل على أربعة أضرب؛ فلأن منه ما يوجب القصاص وهو العمد، ومنه ما يوجب الدية مغلظة وهو شبه العمد، ومنه ما يوجبها غير مغلظة، وذلك تارة يكون الخطأ فيه محضاً وهو الخطأ، وتارة يكون غير محض وهو ما أجري مجرى الخطأ. وسيأتي ذكر ذلك كله في موضعه إن شاء الله تعالى.
وقال الخرقي: هو على ثلاثة أوجه: عمد وشبهه وخطأ لأن ما أجري مجرى الخطأ خطأ؛ لأن فاعله لم يقصده، أو هو من فعل من لا يصح قصده. فوجب كونه خطأ.
وأما قول المصنف: فالعمد أن يقتله بما يغلب على الظن موته به (2) عالماً بكونه آدمياً؛ فبيان لمعنى العمد الموجب للقصاص شرعاً.
وفي قولنا: "أن يقتله بما يغلب على الظن موته" احتراز من شبه العمد؛ مثل: أن يضربه بما لا يغلب على ظنه موته كالعصا والسوط (3) وأشباه ذلك.
وفي قوله: "عالماً بكونه آدمياً" احتراز عن الخطأ؛ مثل: أن يرمي صيداً فيصيب آدمياً.
وفي قوله: "معصوماً" احتراز عن الحربي وما أشبهه؛ لأنه غير معصوم.
(1) ساقط من أ.
(2)
مثل السابق.
(3)
في أ: والصوط.
قال: (وهو تسعة أقسام:
أحدها: أن يجرحه بما له مَوْر في البدن من حديد أو غيره؛ مثل: أن يجرحه بسكين، أو يغرزه بمسلة فيموت؛ إلا أن يغرزه بإبرة أو شوكة ونحوهما في غير مقتل فيموت في الحال ففي كونه عمداً وجهان. وإن بقي من ذلك ضَمِنًا حتى مات، أو كان الغرز بها في مقتل كالفؤاد والخصيتين: فهو عمد محض).
أما كون القتل العمد تسعة أقسام؛ فلأنه ينقسم إلى الأقسام الآتي ذكرها وهي تسعة.
وأما كون أحدها أن يجرحه بما له مَوْر في البدن. أي بما له نفوذ في البدن؛ كالمحدد من الحديد أو الرصاص أو النحاس أو الذهب أو الفضة أو الزجاج أو الحجر أو القصب؛ فلأنه قتل بما يغلب على الظن موته به فيدخل تحت (1) ما تقدم ذكره.
وأما قول المصنف رحمه الله: مثل أن يجرحه بسكين أو يغرزه بمسلة فيموت؛ فتمثيل للقتل بما له مَوْر في البدن.
وأما كون الغرز بإبرة أو شوكة ونحوهما في غير مقتل عمداً إذا مات في الحال في وجهٍ؛ فلأن الموت حصل بعد فعله. أشبه ما لو بقي ضمناً حتى مات.
وأما كونه غير عمد (2) في وجهٍ؛ فلأن الظاهر أنه لم يمت منه؛ لأنه لا يقتل في الغالب. أشبه العصا.
وأما كون الغرز بذلك في غير مقتل عمداً (3) محضاً [إذا بقي ضَمِناً حتى مات؛ فلأن الظاهر أنه مات منه.
ومعنى قوله: بقي ضَمِناً] (4) أنه بقي متألماً بما أصابه. ومنه قول الشاعر:
ما خلتني زلت بعدكم ضَمِناً
…
أشكو إليكم حموة الألم
(1) في أ: تحته.
(2)
في أ: شبه عمد.
(3)
في أ: وأما كون الغرز بإبرة عمداً.
(4)
ساقط من أ.
وأما كون الغرز بذلك في مقتل كما مثل المصنف رحمه الله عمداً محضاً؛ فلأن الإصابة بذلك في مقتل كالإصابة بالسكين في غير (1) مقتل.
قال: (وإن قطع سَلَعة من أجنبي بغير إذنه فمات (2) فعليه القود. وإن قطعها حاكمٌ من صغير أو وليه فلا قود).
أما كون من قطع سَلَعة من (3) أجنبي بغير إذنه فمات فعليه القود؛ فلأنه متعد بفعله. أشبه ما لو قتله.
ولا بد أن يلحظ في الأجنبي هنا أن يكون لا ولاية له على من قطع السلعة منه؛ لا أن يكون بينه وبينه قرابة؛ لأن المسقط للقود عدم التعدي، وذلك يعتمد الولاية لا القرابة.
وأما كون الحاكم أو الولي إذا قطع سَلَعة من صغير لا قود؛ فلأنه فعل ذلك لمصلحة الصغير المرصد لمثلها. فلم يجب القود؛ كما لو سقاه دواء فمات.
ولا بد أن يلحظ في الحاكم أن يكون ولياً للصبي لما تقدم. وكان الأجود أن يقول: وإن قطعها من صغير وليُّه؛ لأنه يشمل الحاكم وغيره إذا كان كذلك.
قال: (الثاني: أن يضربه بمثقل كبير فوق عمود الفسطاط، أو بما (4) يغلب على الظن أن يموت به كاللت والكوذين والسندان، أو حجر كبير، أو يلقي عليه حائطاً أو سقفاً، أو يلقيه من شاهق أو يُعيدالضرب بصغير، أو يضربه به في مقتل، أو في حال ضعف قوة من مرض أو صغر أو كبر أو في حر أو برد ونحوه).
أما كون الثاني من الأقسام التسعة ما ذكر؛ فلأنه يلي الأول.
وأما كونه عمداً؛ فلأن القتل بالمحدد إنما كان عمداً لكونه يغلب على الظن موته به. وهذا موجود في ذلك كله.
(1) ساقط من أ.
(2)
مثل السابق.
(3)
مثل السابق.
(4)
في أ: عمودي الفسطاط وبما.
وفي كون القتل بذلك عمداً إشعار بوجوب القصاص. وهو صحيح؛ لأن من قتل بذلك مقتول ظلماً فيجب القصاص به على قاتله؛ لقوله تعالى: {ومن قُتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً} [الإسراء: 33].
وعن أنس رضي الله عنه «أن يهوديًا قتل جاريةً على أوضاحٍ لها بحجرٍ. فقتله رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بين حَجرين» (1) متفق عليه.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قامَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقال: من قُتلَ له قتيلٌ فهو بخيرِ النظرين: إما يُودَى، أو يُقاد» (2). رواه البخاري ومسلم.
ولأن المثقل يقتل غالبًا. فوجب القصاص به؛ كالمحدد.
وأما كون المصنف رحمه الله قيد الضرب بمثقل بكونه فوق عمود الفسطاط؛ فلأن الضرب لو كان بشيء كبير مثل عمود الفسطاط فما دون (3) لم يجب القصاص به؛ لما روي «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سُئل عن المرأةِ التي ضَربت جارتها بعمودِ فسطاطٍ فقتلتهاوجنينها: قضى في الجنين بغُرّةٍ، وقضى بديةِ المرأة على عاقِلَتِها» (4). والعاقلة لا تحمل ما يوجب القصاص.
فإن قيل: ما عمود الفسطاط؟
قيل: عمود الخيمة.
قال القاضي: المراد بالعمود المذكور ما فيه رقة ورشاقة. فأما العمود الذي يتخذه الترك وغيرهم لخيمهم فالقتل به عمد؛ لأنه يقتل غالباً.
(1) أخرجه البخاري في صحيحه (6483) 6: 2521 كتاب الديات، باب إذا قتل بحجر أو بعصا.
وأخرجه مسلم في صحيحه (1672) 3: 1299 كتاب القسامة، باب ثبوت القصاص في القتل بالحجر
…
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه (6486) 6: 2522 كتاب الديات، باب من قتل له قتيل فهو بخير النظرين.
وأخرجه مسلم في صحيحه (1355) 2: 988 كتاب الحج، باب تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها.
(3)
ساقط من أ.
(4)
أخرجه مسلم في صحيحه (1682) 3: 1310 كتاب القسامة، باب دية الجنين
…
وأما كونه مَثّل القتل بمثقل تارة باللت وتارة بالحجر فتنبيه على أنه لا فرق بين كون المثقل من حديد كاللت والكوذين والسندان وبين كونه من غير حديد كالحجر؛ لاشتراك الكل في كونه يقتل غالباً.
ولأن القصاص هنا لكونه مثقلاً فلا أثر لكونه من حديد.
وأما كون من يُلقي على شخص حائطاً أو سقفاً أو يلقيه من شاهق كمن يضربه بمثقل كبير فوق عمود الفسطاط؛ فلأن القتل بذلك في معنى القتل بالخشبة الكبيرة التي فوق العمود المذكور.
وأما كون من يعيد الضرب بصغير كالعصا والحجر الصغير فيموت كمن يضربه بمثقل كبير فوق عمود الفسطاط؛ فلأن الإعادة تقوم مقام المثقل. [فلو مات من غير إعادة لم يجب القصاص لانتفاء الإعادة القائمة مقام المثقل](1).
وأما كون من يضربه بما ذكر في مقتل، أو ضعف من مرض أو صغر أو كبر أو حر أو برد ونحو ذلك: كذلك؛ فلأن ذلك إذا تعقبه الموت غلب على الظن أن القتل حصل به. فوجب القصاص؛ كالمثقل الكبير.
قال: (الثالث: ألقاه في زُبْيَة أسد أو أنهشه كلباً أو سبعاً أو حية أو ألسعه عقرباً (2) من القواتل ونحو ذلك فقتله).
أما كونه الثالث من الأقسام التسعة ما ذكر؛ فلأنه يلي الثاني.
وأما كون الإلقاء في زُبْية أسد عمداً؛ فلأن الغالب أن الأسد يقتله فإذا تعمد الإلقاء عليه فقد تعمد قتله بما يقتل غالباً.
وأما كون إنهاش الكلب أو السبع أو الحية وإلساع العقرب عمداً؛ فلأن كل واحد مما ذكر يغلب على الظن حصول القتل به. أشبه ما لو ضربه بمحدد فمات.
قال: (الرابع: ألقاه في ماء يغرقه أو نار لا يمكنه التخلص منها فمات).
أما كون الرابع من الأقسام التسعة ما ذكر؛ فلأنه يلي الثالث.
(1) ساقط من أ.
(2)
في أ: لسعه عقرب.
وأما كون الإلقاء في ماء يغرقه أو نار لا يمكنه التخلص منها عمداً؛ فلأن الموت حصل بعد فعل يغلب على الظن إسناد القتل إليه. فوجب كونه عمداً؛ لما تقدم.
وأما قول المصنف رحمه الله: في ماء يغرقه أو نار لا يمكنه التخلص منها؛ فتنبيه على أن الماء إذا كان لا يغرق مثله والنار يمكن التخلص منها لا يكون عمداً لأن ذلك لا يقتل غالباً. أشبه ما لو ضربه بمثقل صغير في موضع لا يقتله مثله غالباً.
قال: (الخامس: خنقه بحبلٍ أو غيره، أو سد فمه وأنفه، أو عصر خصيتيه حتى مات).
أما كون الخامس مما ذكر ما ذكر؛ فلأنه يلي الرابع.
وأما كون كل واحد من الخنق وسد الفم مع الأنف وعصر الخصيتين عمداً؛ فلأن ذلك يقتل مثله غالباً. أشبه ما تقدم.
وأما قول المصنف رحمه الله: أو سد فمه وأنفه فظاهره أنه يعتبر سد الفم والأنف جميعاً. وهو صحيح لأن الحياة في الغالب لا تفوت إلا بسدهما. وأنه لا فرق في السد والعصر بين طول المدة وقصرها.
وقال في المغني: إن فعل ذلك في مدة يموت في مثلها غالباً فمات فهو عمد فيه القصاص. ولا بد من ذلك؛ لأن المدة متى كانت يسيرة لا يغلب على الظن أن الموت حصل به.
قال: (السادس: حبسه ومنعه الطعام والشراب حتى مات جوعاً وعطشاً في مدة يموت في مثلها غالباً).
أما كون السادس مما ذكر ما ذكر؛ فلأنه يلي الخامس.
وأما كون الحبس والمنع من الطعام والشراب حتى يموت جوعاً وعطشاً في المدة المذكورة عمداً؛ فلأن الله تعالى أجرى العادة بالموت عنده فإذا تعمده الإنسان فقد تعمد القتل.
وأما كون ذلك في مدة يموت في مثلها غالباً؛ فلأن الناس يختلفون في ذلك لأن الزمان إذا كان شديد الحر وكان الإنسان جائعاً مات في الزمن القليل، وإذا كان شبعاناً والزمان معتدل أو بارد لم يمت إلا في الزمان الطويل.
قال: (السابع: سقاه سماً لا يعلم به، أو خلط سماً بطعام فأطعمه، أو خلطه بطعامه فأكله ولا يعلم به: فمات فإن علم آكله به وهو بالغ عاقل أو خلطه بطعام نفسه فأكله إنسان بغير إذنه فلا ضمان عليه).
أما كون السابع مما ذكر ما ذكر؛ فلأنه يلي السادس.
وأما كون سقي السم لمن لا يعلم به عمداً؛ فلأنه فعل فعلاً يقتل مثله غالباً. فكان عمداً؛ كما لو ضربه بمحدد.
وأما كون خلط السم بطعام وإطعامه إياه عمداً؛ فلأن ذلك في معنى سقيه السم لاشتراكهما في حصول الموت بكل واحد منهما.
فإن قيل: روى أنس «أن يهوديةً أتتِ النبي صلى الله عليه وسلم بشاةٍ مسمومةٍ فأكلَ منها ولم يَقتُلْها» (1).
قيل: لا حجة في ذلك؛ لأن أنساً لم يذكر أنه مات من ذلك أحد. والقصاص إنما يجب بشرط الموت ولذلك جاء في رواية أبي سلمة «أن بشرَ بن البراء (2) ماتَ فأرسلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى اليهودية فاعترفتْ فأمرَ بها فقُتِلَت» (3). أخرجه أبو داود.
وأما كون خلط السم بطعام شخص إذا أكله غير عالمٍ بكونه مسموماً فمات عمداً؛ فلأن الشخص يغلب على الظن أكله لطعامه فإذا سمّه شخص فقد قصد قتله به غالباً. فكان ذلك عمداً؛ كما لو خلط طعام نفسه به ثم أطعمه إياه.
وأما كونه لا ضمان عليه إذا علم الآكل بكون الطعام مسموماً؛ فلأنه أكله مع علمه بكونه قاتلاً. فلم يكن فيه ضمان؛ كما لو قدم له سكيناً فقتل نفسه بها.
(1) أخرجه البخاري في صحيحه (2474) 2: 923 كتاب الهبة، باب قبول الهدية من المشركين.
وأخرجه مسلم في صحيحه (2190) 4: 1721 كتاب السلام، باب السم.
(2)
في الأصول: بشر بن العلاء، وما أثبتناه من السنن.
(3)
أخرجه أبو داود في سننه (4510) 4: 173 كتاب الديات، باب فيمن سقى رجلاً سماً أو أطعمه فمات أيقاد منه.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهو بالغ عاقل؛ فمعناه أن يشترط لنفي الضمان أمران (1): البلوغ والعقل؛ فلأن فعل الصبي والمجنون لا عبرة به.
ويشترط له أمر آخر لم يذكره المصنف رحمه الله وهو: العلم بكون السم قاتلاً؛ لأن من جهل ذلك لا يصح أن يقال علم بكونه قاتلاً.
وأما كونه لا ضمان عليه إذا خلط شخصٌ طعام نفسه فأكله غيره بغير إذنه؛ فلأن صاحب الطعام لم يقتله وإنما الآكل قتل نفسه.
ونظيره شخص حفر في داره بئراً فدخل غيره بغير إذنه فوقع (2) فيه.
قال: (فإن ادعى القاتل بالسم أني لم أعلم أنه سم قاتل لم يقبل في أحد الوجهين، ويقبل في الآخر ويكون شبه عمد).
أما كون من ادعى ما ذكر لا يقبل قوله في أحد الوجهين؛ فلأنه ادعى ما يسقط الواجب عليه. فلم يقبل قوله؛ كغيره من الإسقاطات.
ولأن السم يقتل غالباً. فلم يقبل قوله في أنه لم يعلم أنه سُمٌّ قاتل؛ كما لو جرحه وقال: لم أعلم أنه يموت به.
وأما كونه يقبل قوله في الوجه الآخر؛ فلأنه يجوز أن يخفى عليه أن السم قاتل. فيكون ذلك شبهة. فيسقط به القصاص.
وأما كونه على هذا يكون شبه عمد؛ فلأنه من حيث إنه قصد فعل الشيء الداعي إلى القتل يشبه العمد فيكون شبه عمد لشبهه به.
قال: (الثامن: أن يقتله بسحر يقتل غالباً).
أما كون الثامن مما ذكر ما ذكر؛ فلأنه يلي السابع.
وأما كون القتل بالسحر المذكور عمداً؛ فلأنه قتل بشيء يقتل مثله غالباً. أشبه ما لو ضربه بسكين.
(1) ساقط من أ.
(2)
في د: وقع.
وأما كون السحر يقتل غالباً؛ فلأنه متى كان لا يقتل غالباً لا يصح قياسه على السكين لقيام الفرق بينهما من حيث إن السكين تقتل غالباً، وذلك مفقود فيه.
قال: (التاسع: أن يشهدا على رجل بقتل عمداً أو ردة أو زنا فيقتل بذلك ثم يرجعا ويقولا: عمدنا قتله أو يقول الحاكم: علمت كذبهما وعمدت قتله، أو يقول الولي ذلك: فهذا كله وشبهه عمد محض موجب للقصاص إذا كملت شروطه).
أما كون التاسع مما ذكر ما ذكر؛ فلأنه يلي الثامن.
وأما كون شهادة الشاهدين بما ذكر ورجوعهما وقولهما: عمدنا قتله عمداً؛ فلما روي «أن رجلين شهدَا عند علي رضي الله عنه على رجلٍ أنه سرق فقطَعَه. ثم رجعا عن شهادتهما. فقال علي: لو أعلمُ أنكما تعمّدتما لقطعتُ أيديكما» (1).
ولأنهما توصلا إلى قتله بسبب يقتل غالبًا. فكان عمداً؛ كالذي تقدم.
وأما كون الحاكم أو الولي إذا قال: علمت كذب الشاهدين وعمدت قتله عمداً؛ فلأن الحاكم والولي في معنى الشاهدين. فكان القتل الحاصل بسببهما عمداً؛ كالقتل الحاصل بسبب الشاهدين.
وأما قول المصنف رحمه الله: فهذا كله وشبهه عمد محض موجب للقصاص؛ فإشارة إلى الأقسام التسعة المتقدم ذكرها. [وفيه تنبيه على أشياء:
أحدها: أن العمد على ضربين: محض. وهو: ما لا شبهة فيه البتة وهو الأقسام التسعة المتقدم ذكرها] (2)، وغير محض كعمد الخطأ. وسيأتي ذكر ذلك إن شاء الله.
وثانيها: أن العمد ليس مختصاً بما تقدم ذكره بل كل ما أشبهه كان ملحقاً به لشبهه به.
وثالثها: أن العمد المحض موجب للقصاص لا غير.
(1) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 10: 251 كتاب الشهادات، باب الرجوع عن الشهادة.
(2)
ساقط من أ.
أما كونه موجباً للقصاص فلا خلاف فيه بين أهل العلم وقد دلت الآيات والأخبار على ذلك: أما الآيات؛ فقوله تعالى: {ومن قُتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سُلطاناً} [الإسراء: 33]، وقوله تعالى:{كُتب عليكم القصاص في القتلى} [البقرة: 178]، وقوله تعالى:{وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} [المائدة: 45].
وأما الأخبار؛ فقوله عليه السلام: «من قُتل له قتيلٌ فهو بخيرِ النظرين: إما أن يُقتل وإما أن يُفدى» (1) متفق عليه.
وقوله عليه السلام: «من أصيبَ بدمٍ أو خَبَلٍ فهوَ (2) بالخيار بين إحدى ثلاث. فإن أرادَ الرابعةَ فخذوا على يديه: أن يقتُل، أو يعفُو، أو يأخذ الدية» (3). رواه أبو داود.
وقوله عليه السلام: «فمنْ قُتِلَ له قتيلٌ بعد مَقالَتي هذه فأهلُهُ بين خِيَرَتَيْنِ: أن يَأخذُوا العَقْلَ، أو يَقتُلُوا» (4).
وقوله عليه السلام: «العمدُ قودٌ إلا أن يعفوَ وليُّ المقتُول» (5).
وقوله عليه السلام: «منْ قَتَلَ عامداً فهو قَوَد» . رواه أبو داود وابن ماجة ولفظه: «منْ قُتِلَ عمداً فهوَ قَوَد» (6).
وأما كون غير العمد لا يوجب للقصاص؛ فلأن غير ذلك: إما شبه عمد، وإما خطأ، وإما ما أجري مجرى الخطأ. والكل لا قصاص فيه. وسيأتي دليل ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى.
(1) سبق تخريجه ص: خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة ..
(2)
ساقط من د.
(3)
أخرجه أبو داود في سننه (4496) 4: 169 كتاب الديات، باب الإمام يأمر بالعفو في الدم.
أخرجه ابن ماجة في سننه (2623) 2: 876 كتاب الديات، باب من قتل له قتيل فهو بالخيار بين إحدى ثلاث.
(4)
أخرجه أبو داود في سننه (4504) 4: 172 كتاب الديات، باب ولي العمد يرضى بالدية.
وأخرجه الترمذي في جامعه (1406) 4: 21 كتاب الديات، باب ما جاء في حكم ولي القتيل في القصاص والعفو.
(5)
أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (27757) 5: 435 كتاب الديات، من قال: العمد قود.
(6)
أخرجه أبو داود في سننه (4539) 4: 183 كتاب الديات، باب من قتل في عمياء بين قوم.
وأخرجه ابن ماجة في سننه (2635) 2: 880 كتاب الديات، باب من حال بين ولي المقتول وبين القود أو الدية.
وأما قول المصنف رحمه الله: إذا كملت شروطه فصحيح؛ لأنه لا شبهة أن للقصاص شروطاً؛ مثل كون المقتول حراً مسلماً ونحو ذلك. ولا يمكن استيفاء الشيء قبل شرطه (1).
(1) في أ: شروطه.
فصل [في شبه العمد]
قال المصنف رحمه الله: (وشبه العمد: أن يقصد الجناية بما لا يقتل غالباً فيقتل؛ نحو: أن يضربه بسوط أو عصا أو حجر صغير أو يلكزه أو يلقيه في ماء قليل أو يسحره بما لا يقتل غالباً أو يصيح بصبي أو معتوه وهما على سطح فيسقطا أو يغتفل عاقلاً فيصيح به فيسقط ونحو ذلك).
أما قول المصنف رحمه الله: أن يقصد الجناية بما لا يقتل غالباً؛ فهو بيان لمعنى شبه العمد. وسمي بذلك؛ لأنه قصد الفعل وأخطأ في القتل. ويسمى عمد الخطأ وخطأ العمد لاجتماع الخطأ والعمد فيه.
فعلى هذا قصد المصنف رحمه الله بقوله: أن يقصد الجناية الاحتراز عن الخطأ، وبما لا يقتل غالباً الاحتراز عن العمد المحض.
وأما قوله: نحو أن يضربه بسوط
…
إلى آخره فتمثيل لصور شبه العمد وتعداد لها.
ولا بد من بيان قصد الجناية في كل واحد منها وكون المجني به مما لا يقتل غالباً: أما قصد الجناية في كل واحد منها فظاهر.
وأما كون المجني به مما لا يقتل غالباً: أما في السَّوط والعصا والحجر الصغير والكبير والإلقاء في الماء القليل؛ فلأن كل واحد من ذلك لم تجر العادة بقتله لأحد.
وأما في السحر فقد جعل المصنف رحمه الله ذلك وصفاً فيه، والمرجع في ذلك إلى أهل العلم به فما كان لا يقتل غالباً فذلك شبهعمد وما كان يقتل غالباً فهو عمد محض. وقد تقدم الكلام فيه في أقسام العمد المحض.
وأما فيما إذا صاح بصبي أو معتوه وهما على سطح فسقطا؛ فلأن الصياح في العادة لا يقتل غالباً. فإذا تعقبه الموت كان شبه عمد.
وأما فيما إذا اغتفل عاقلاً فصاح به فسقط؛ فلأن غفلته كحال الصبي والمعتوه. فوجب أن يثبت حكمهما فيه.
فإن قيل: شبه العمد ما حكمه؟
قيل: لا قصاص فيه وتجب به الدية؛ لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: «اقتتلتِ امرأتانِ من هذيل. فرمتْ إحداهُما الأخرى بحجرٍ فقتلتها وما في بطنها. فقضى النبي صلى الله عليه وسلم أن ديةَ جنينها عبد أو وليدَة. وقضى بدية المرأةِ على عاقِلتها» (1). متفق عليه.
وفي الحديث: «ألا! إن في قتلِ خطإِ العمدِ قتيل السوطِ والعصا مائةٌ من الإبل» (2). رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة.
سماه خطأ العمد وأوجب فيه الدية لا القصاص.
(1) أخرجه البخاري في صحيحه (6512) 6: 2532 كتاب الديات، باب جنين المرأة
…
وأخرجه مسلم في صحيحه (1681) 3: 1309 كتاب القسامة، باب دية الجنين
…
(2)
أخرجه أبو داود في سننه (4588) 4: 195 كتاب الديات، باب في دية الخطأ شبه العمد.
وأخرجه النسائي في سننه (4797) 8: 42 كتاب القسامة، ذكر الاختلاف على خالد الحذاء.
وأخرجه ابن ماجة في سننه (2627) 2: 877 كتاب الديات، باب دية شبه العمد مغلظة.
فصل [في قتل الخطأ]
قال المصنف رحمه الله: (والخطأ على ضربين: أحدهما: أن يرمي الصيد، أو يفعل ما له فعله فيقتل إنساناً: فعليه الكفارة، والدية على عاقلته).
أما كون الخطأ على ضربين؛ فلأنه تارة يكون على فاعله الكفارة وعلى عاقلته الدية، وتارة يكون فيه الكفارة وفي وجوب الدية على العاقلة روايتان.
وأما كون أحد ضربي الخطأ: أن يرمي الصيد
…
إلى قوله: إنساناً (1)؛ فلأن ابن المنذر قال: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن القتل الخطأ: أن يرمي الرامي شيئاً فيصيب غيره. لا أعلمهم يختلفون فيه.
وأما كون القاتل بذلك عليه الكفارة؛ فلقوله تعالى: {ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: 92].
وأما كون الدية على عاقلته؛ فلأنها إذا وجبت الدية عليها في شبه العمد. فلأن تجب في الخطأ بطريق الأولى.
ولأن الخطأ يكثر فلو وجبت الدية على القاتل لأجحف به. فناسب تعليقها بالعاقلة ليحصل مجموع الأمرين من إيفاء المجني عليه حقه مع عدم الإجحاف بالجاني.
(1) في أ: أن يرمي الصيد فيصيب إنساناً.
قال: (الثاني: أن يقتل في دار الحرب من يظنه حربياً ويكون مسلماً، أو يرمى إلى صف الكفار فيصيب مسلماً ،أويتترس من الكفار بمسلم ويخاف على المسلمين إن لم يرمهم فيرميهم فيقتل المسلم: فهذا فيه الكفارة وفي وجوب الدية على العاقلة روايتان).
أما كون الثاني من ضربي الخطأ: أن يقتل في دار الحرب
…
إلى قوله: فيقتل المسلم فلا خلاف فيه. قاله المصنف رحمه الله في المغني.
وأما كون قتل من يظنه حربياً ويكون مسلماً فيه الكفارة؛ فلأن الله تعالى قال: {فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبةٍ مؤمنة} [النساء: 92].
وأما كون وجوب الدية على العاقلة فيه روايتان؛ فلأن النظر إلى أن الله تعالى صرح في أول الآية بالكفارة والدية وذكر هنا الكفارة دون الدية يقتضي عدم وجوب الدية، والنظر إلى عموم قوله:{وديةٌ مسلّمةٌ إلى أهله} [النساء: 92]، وعموم قوله:«ألا! إن في قتلِ خطأِ العمد مائةٌ من الإبل» (1) يقتضي وجوبها.
والأولى أصح (2)؛ لما ذكر.
والخطأ المذكور لم يدخل فيما تقدم؛ لأنه صرح بذكره (3) وجعله قسماً مفرداً، والخبر مخصوص بقوله:{فإن كان من قوم عدو لكم} [النساء: 92].
وأما كون قتل المسلم في بقية ما ذكر فيه الكفارة وفي وجوب الدية على العاقلة روايتان؛ فلأنه يساوي ما تقدم معنى فكذا يجب أن يكون حكماً.
(1) سبق تخريجه ص: خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة ..
(2)
ساقط من أ.
(3)
في أ: ولأنه صرح بذلك.
قال: (والذي أجري مجرى الخطأ كالنائم ينقلب على إنسان فيقتله، أو يقتل بالسبب؛ مثل: أن يحفر بئراً أو ينصب سكيناً أو حجراً فيؤول إلى إتلاف إنسان. وعمد الصبي والمجنون، فهذا كله لا قصاص فيه، والدية على العاقلة، وعليه الكفارة في ماله).
أما كون الذي أجري مجرى الخطأ كالنائم إلى المجنون؛ فلأنه يشارك الخطأ في الإتلاف. وإنما لم يجعل خطأ لعدم (1) القصد في الجملة. وقد تقدم أن بعض الأصحاب جعل الأقسام ثلاثة (2).
فعلى هذا كل ما ذكر خطأ.
وأما كونه لا قصاص فيه؛ فلأنه إذا لم يجب بالخطأ فلأن لا يجب بالذي يجري مجرى الخطأ بطريق الأولى.
وأما كون الدية على العاقلة؛ فلأنه يجري مجرى الخطأ، والخطأ تجب ديته على العاقلة. فكذلك الذي يجري مجراه.
وأما كون القاتل عليه الكفارة في ماله؛ فلأن الأمر كذلك في الخطأ. فكذا في الذي يجري مجراه.
(1) ساقط من أ.
(2)
ص: خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة ..
فصل [في قتل الجماعة بالواحد]
قال المصنف رحمه الله: (وتقتل الجماعة بالواحد. وعنه: لا يقتلون. والمذهب الأول).
أما كون الجماعة تقتل بالواحد على المذهب؛ فـ «لأن عمر بن الخطاب قتلَ سبعة من أهلِ صنعاء قتلوا رجلاً. وقال: لو تمالأَ عليه أهلُ صنعاءَ لقتلتُهم جميعًا» (1).
وأما كونهم لا يقتلون على روايةٍ؛ فلأن مفهوم قول الله تعالى: {أن النفس بالنفس} [المائدة: 45] يدل على أنه لا تؤخذ أكثر من نفس واحدة بنفس واحدة.
ولأن كل واحد من الجماعة مكان للمقتول. فلا يؤخذ أبدال بمبدل واحد؛ كما لا تؤخذ ديات بمقتول واحد.
ولأن التفاوت في الأوصاف يمنع. فإن الحر لا يقتل بالعبد. فالتفاوت في العدد أولى.
وأما كون المذهب الأول؛ فلأن إجماع الصحابة عليه منهم عمر وقد تقدم. ويروى عن علي رضي الله عنه «أنه قتلَ ثلاثة قتلُوا رجلاً» (2)، وعن ابن عباس رضي الله عنه:«أنه قتلَ جماعةً بواحدٍ» (3). ولم يعرف لهم في عصرهم مخالف.
ولأنها عقوبة تجب للواحد على الواحد. فوجبت على الجماعة؛ كحد القذف.
(1) ذكره البخاري في صحيحه معلقاً 6: 2527 كتاب الديات، باب إذا أصاب قوم من رجل هل يعاقب أو يقتص منهم كلهم.
وأخرجه الشافعي في مسنده (333) 2: 100 كتاب الديات.
(2)
أخرج نحوه ابن أبي شيبة في مصنفه (27687) 5: 428 كتاب الديات، الرجل يقتله النفر.
(3)
أخرج عبد الرزاق في مصنفه عن ابن عباس قال: «لو أن مئة قتلوا رجلاً قتلوا به» (18082) 9: 479 كتاب العقول، باب النفر يقتلون الرجل.
ولأنه لو سقط القصاص بالاشتراك لأدى ذلك إلى التسارع إلى القتل به. وفيه إسقاط لحكمة الردع والزجر. والفرق بين قتل الجماعة والدية أن الدم لا يتبعض. بخلاف الدية.
قال: (وإن جرحه أحدهما جرحاً، والآخر مائة فهما سواء في القصاص والدية).
أما كون أحد الجارحين إذا جرح جرحاً والآخر مائة هما سواء في القصاص والدية؛ فلأن كل واحد من الجرح والجراحات صالح لزهوق النفس، وذلك يوجب كونهما سواء في الزهوق. ويلزم من كونهما سواء [في الزهوق سواء](1) في القصاص؛ لأن التساوي في موجب الشيء يلزم منه (2) التساوي في موجبه.
وأما كونهما سواء في الدية؛ فلأنها بدل القصاص.
قال: (وإن قطع أحدهما من الكوع ثم قطع الآخر من المرفق فهما قاتلان. وإن فعل أحدهما فعلاً لا تبقى الحياة معه كقطع حشوته أو مريئه أو ودجيه ثم ضرب عنقه آخر فالقاتل هو الأول ويعزر الثاني).
أما كون أحد القاطعين إذا قطع من الكوع والآخر من المرفق هما قاتلان؛ فلأن كل واحد من القطعين يوجب القتل، وذلك يوجب كونهما قاتلين؛ لاشتراكهما في موجبه.
وأما كون القاتل هو الأول إذا فعل فعلاً لا تبقى الحياة معه كما مثل المصنف رحمه الله ثم ضرب عنقه آخر؛ فلأن الحياة لا تبقى مع جنايته، وذلك يوجب كونه القاتل لا غير.
وأما كون الثاني يعزر؛ فلأنه بمنزلة الجاني على الميت، والجناية على الميت توجب التعزير. فهاهنا مثله بل أولى لأنه أحسن حالاً من الميت.
(1) ساقط من أ.
(2)
في أ: فيه.
قال: (وإن شق الأول بطنه أو قطع يده ثم ضرب الثاني عنقه: فالثاني هو القاتل، وعلى الأول ضمان ما أتلف بالقصاص أو الدية).
أما كون الثاني فيما ذكر هو القاتل؛ فلأن المجني عليه لم يخرج بفعل الأول من حكم الحياة، وإذا كان كذلك فالمفوت للنفس هو الثاني. فيجب كونه هو القاتل. ضرورة تفويته النفس المحرم تفويتها.
وأما كون الأول عليه ضمان ما أتلف؛ فلأنه حصل بجنايته.
وأما كون ذلك بالقصاص تارة وبالدية أخرى؛ فلأن الجناية تارة تكون موجبة للقصاص كقطع اليد عمداً، وتارة لا تكون موجبة له كقطع اليد خطأ.
قال: (وإن رماه من شاهق فتلقاه آخر بسيف فقَدّه: فالقاتل هو الثاني. وإن رماه في لجة فتلقاه حوت فابتلعه فالقود على الرامي في أحد الوجهين).
أما كون القاتل هو الثاني إذا رماه من شاهق فتلقاه آخر بسيف (1) فقدّه؛ فلأنه فوّت حياته قبل المصير إلى حال يئس فيها من حياته. أشبه ما لو رماه رجل بسهم فبادره رجل فقطع عنقه قبل وصول السهم إليه.
وأما كون القود على الرامي إذا رماه في لجة فتلقاه حوت فابتلعه في وجهٍ؛ فلأنه تسبب إلى قتله ولم يوجد مباشر. فصح إسناد القتل إليه. فوجب أن يعمل السبب عمله. وبه فارق ما تقدم من حيث إن الذي تلقى المقتول مباشر صالحٌ لإسناد القتل إليه.
وأما كونه لا قود عليه في وجهٍ؛ فلأنه متسبب والإتلاف حصل بالمباشرة، وذلك يوجب قطع التسبب.
والأول أصح؛ لأن السبب لا ينقطع إلا بشرط صلاحية إسناد التلف إلى المباشر، وهو مفقود هاهنا.
قال: (وإن أكره إنساناً على القتل فقتل فالقصاص عليهما).
أما كون القصاص فيما ذكر على المكره؛ فلأنه تسبب إلى قتله بشيء يفضي إليه غالباً. فوجب عليه القصاص؛ كما لو ألسعه حية، أو ألقاه إلى أسد في زُبْية.
(1) في أ: بالسيف.
وأما كونه على المكره؛ فلأنه قتل شخصاً ظلماً لاستبقاء نفسه. أشبه ما لو قتله في المخمصة ليأكله.
فإن قيل: المكرَه ملجأ.
قيل: ذلك غير صحيح؛ لأنه متمكن من الامتناع، ولهذا يأثم بالقتل.
فإن قيل: فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «عُفيَ لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (1).
قيل: يحمل ذلك على غير القتل؛ لأن القتل عظيم، ولذلك يأثم به وفاقاً.
قال: (وإن أمر من لا يميز أو مجنوناً أو عبده الذي لا يعلم أن القتل محرم بالقتل فقتل: فالقصاص على الآمر. وإن أمر كبيراً عاقلاً عالماً بتحريم القتل [به فقتل] (2): فالقصاص على القاتل).
أما كون القصاص في المسألة الأولى على الآمر؛ فلأن القاتل هنا كالآلة. فوجب القصاص على الآمر؛ كما لو أنهشه حية، أو ألقاه في زُبْية أسد فقتلته أو قتله.
وأما كونه على الثاني؛ فلأنه مباشر مكلف عالم بتحريم ما فعله. فكان القصاص عليه دون غيره.
ولأن مقتضى الدليل وجوب القصاص على المباشر لأنه أقبح جناية من المتسبب. تُرك العمل به فيما تقدم للعذر من عدم العقل وبجهله بتحريم القتل. فبقي فيما عداه على مقتضى الدليل.
فإن قيل: لم قال المصنف رحمه الله في صدر المسألة الأولى: من لا يميز وفي صدر المسألة الثانية: كبيراً؟
قيل: لأن (3) من يميز وليس كبيراً لا قصاص عليه ولا على الآمر، أما الأول؛ فلأنه غير مكلف، وأما الثاني؛ فلأن تمييزه يمنع أن يكون كالآلة.
(1) أخرجه ابن ماجة في سننه (2043) 1: 659 كتاب الطلاق، باب طلاق المكره والناسي.
(2)
ساقط من أ.
(3)
في أ: يمكن.
قال: (وإن أمر السلطان بقتل إنسان بغير حق من يعلم ذلك فالقصاص على القاتل، وإن لم يعلم فعلى الآمر).
أما كون القصاص على القاتل إذا علم كون الآمر بغير حق؛ فلأنه مباشر لا عذر له في فعله، وقد نبّه الشرع على ذلك. قال:«لا طاعةَ لمخلوقٍ (1) في معصيةِ الخالِق» (2).
وعنه عليه السلام: «من أمركمْ من الولاةِ بغيرِ طاعةِ الله فلا تُطيعُوه» (3).
ولأن غير السطان لو أمره بقتل من ذكر فقتله كان القصاص على القاتل. فكذلك لو أمره السلطان بذلك.
وأما كونه على الآمر إن لم يعلم القاتل ذلك؛ فلأن القاتل معذور لوجوب طاعة الإمام فيما ليس بمعصية، والظاهر من حاله أنه لا يأمر إلا بالحق. وإذا تعين عدم كون القصاص عليه تعين كونه على الآمر لأن قوله مع ظاهر حاله أوجب قتله. أشبه ما لو ألسعه حية.
فإن قيل: لو أمر غير السلطان بالقتل فقتل كان القصاص على القاتل بكل حال. فما الفرق؟
قيل: الفرق بينهما أن غير السلطان لا تجب طاعته وليس له القتل. بخلاف السلطان.
(1) في د: للمخلوق.
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه (6830) 6: 2649 كتاب التمني، باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق
…
وأخرجه مسلم في صحيحه (1840) 3: 1469 كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية
…
(3)
أخرجه أحمد في مسنده (11657) 3: 67.
قال: (وإن أمسكَ إنساناً لآخر ليقتله فقتله: قُتل القاتل وحُبس الممسك حتى يموت في إحدى الروايتين، والأخرى يقتل أيضاً. وإن كتَّفَ إنساناً وطرحه في أرض مسبعة أو ذات حيات فقتلته فحكمه حكم الممسك).
أما كون القاتل فيما ذكر يُقتل؛ فلما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أمسكَ الرجل وقتلَ الآخر يُقتل الذي قتلَ ويُحبس الذي أَمسك» (1). رواه الدارقطني.
ولأنه مباشر للقتل الموجب للقود.
وأما كون الممسك يحبس في روايةٍ؛ فلما تقدم من الحديث.
وأما كون حبسه حتى يموت؛ فلأنه حَبَسه حتى مات. فيحبس حابسه حتى يموت؛ ليكون مماثلاً لما أتى به. ونظيره ما لو حبس رجلاً عن الطعام حتى مات فإنه يحبس عن الطعام حتى يموت.
وأما كونه يقتل في روايةٍ؛ فلأن ذلك حصل من إمساكه ومباشرة رفيقه، وذلك يوجب الاشتراك في القتل، والاشتراك في القتل يوجب قتل جميع الشركة؛ لما تقدم (2).
وأما كون حكم من كتَّفَ إنساناً وطرحه في أرض مسبعة أو ذات حيات فقتلته حكم الممسك؛ فلأنه يساويه معنى. فوجب أن يساويه حكماً.
بيان المساواة المعنوية: أن تكتيفَهُ وطرحَهُ في أرضٍ موصوفة بما ذكر إمساك له ليقتل، وحكم الممسك قد تقدم ذكر الخلاف فيه وتعليله فلا حاجة إلى إعادته.
(1) أخرجه الدارقطني في سننه (176) 3: 140 كتاب الحدود.
(2)
ص: 22
فصل [حكم مشارك من لا يجب عليه القصاص]
قال المصنف رحمه الله: (وإن اشترك في القتل اثنان لا يجب القصاص على أحدهما كالأب وأجنبي في قتل الولد، والحر والعبد في قتل العبد، والخاطئ والعامد: ففي وجوب القصاص على الشريك روايتان أظهرهما وجوبه على شريك الأب والعبد وسقوطه عن شريك الخاطئ).
أما كون القصاص يجب على الشريك على روايةٍ؛ فلأن سقوطه عن شريكه لمعنى يختص به. فلم يتعد إلى غيره. بيانه: أن سقوطه عن الأب لأُبوَّتِهِ، وعن الحر لعدم مكافأة العبد له، وعن الخاطئ لخطئه. وكل ذلك مفقود في الشريك. فوجب عليه القصاص؛ للآيات والأخبار الدالة عليه السالمة عن معارضة ما ذكر.
وأما كونه لا يجب عليه على روايةٍ؛ فلأنه تناول من لا قصاص عليه. فلم يجب عليه قصاص؛ لكون القتل لم يتمحض موجباً للقصاص.
وأما كون أظهر الروايتين وجوبه على شريك الأب والعبد وسقوطه عن شريك الخاطئ؛ فلأن قتلهما عمد محض عدوان، وإنما سقط القصاص لمعنى مختص بما تقدم ذكره. أشبه ما لو سقط القصاص على أحد الأجنبيين بالعفو عنه. بخلاف شريك الخاطئ من حيث إن قتله لم يتمحض عمداً لوجود الخطأ في الفعل الذي حصل به خروج الروح.
قال: (وفي شريك السبع وشريك نفسه وجهان).
أما كون القصاص يجب على شريك السبع وشريك نفسه في وجهٍ؛ فلأنه قتل عمد متمحض. أشبه شريك الأب.
وأما كونه لا يجب في وجهٍ؛ فلأنه شارك من لا يجب عليه قصاص. فلم يلزمه شيء؛ كشريك الخاطئ.
قال: (ولو جرحه إنسان عمداً فداوى جرحه بسم، أو خاطه في اللحم، أو فعل ذلك وليه أو الإمام: ففي وجوب القصاص على الجارح وجهان).
أما كون وجوب القصاص فيما ذكر يجب على الجارح في وجهٍ؛ فلأنه شريك في القتل. فوجب عليه القصاص؛ لما تقدم.
وأما كونه لا يجب عليه في وجهٍ؛ فلأن المداوي قصد مداواة النفس. فكان فعله عمد خطأ. فلم يجب القصاص على شريكه؛ لكونه شريك خاطئ. وقد تقدم أن شريكه لا يقتل على الصحيح. ضرورة أن فعله غير متمحض.