الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتاب القضاء
الأصل في القضاء ووجوبه الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب؛ فآيات:
إحداها: قوله تعالى: {يا داودُ إنا جعلناك خليفةً في الأرض فاحكم بين الناس بالحق} [ص: 26].
وثانيها: قوله تعالى: {وأن احكمْ بينهم بما أنزل الله} [المائدة: 49].
وثالثها: قوله تعالى: {وإذا دُعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم} [النور: 48].
ورابعها: قوله تعالى: {فلا وربك لا يُؤمنون حتى يحكّموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت} [النساء: 65].
وأما السنة؛ فما ورى عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا اجتهدَ الحاكمُ فأصابَ فله أجران، وإذا اجتهدَ فأخطأَ فلهُ أجر» (1).
وأما الإجماع؛ فأجمع المسلمون على نَصب القضاة للحكم بين الناس.
قال المصنف رحمه الله: (وهو فرض كفاية. قال أحمد رحمه الله: لا بدّ للناس من حاكم، أتذهبُ حقوقُ الناس؟ فيجب على الإمام أن ينصبَ في كل إقليمٍ قاضياً. ويختارُ لذلك أفضلَ من يجد وأورعهم، ويأمره بتقوى الله عز وجل، وإيثار طاعته في سره وعلانيته، وتحري العدل، والاجتهاد في إقامة الحق. وإن يستخلف في كل صُقْعٍ أصلحَ من يقدرُ عليه لهم).
أما كون القضاء فرض كفاية؛ فلأن أمر الناس لا يستقيم بدونه. فكان فرض كفاية؛ كالجهاد والإمامة، ولذلك قال الإمام ما تقدم ذكره.
وأما كون الإمام يجب عليه أن ينصبَ في كل إقليمٍ قاضياً؛ فلأنه هو القائم بأمر الرعية المتكفّل بمصلحتهم المسؤول عنهم. فإذا كان القضاء فرض كفاية ولم
(1) أخرجه البخاري في صحيحه (6919) 6: 2676 كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ.
وأخرجه مسلم في صحيحه (1716) 3: 1342 كتاب الأقضية، باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ.
يكن بد من نصب من تقوم الكفاية به تعين على القائم بأمر الرعية نصبُه. ضرورة دفع الحاجة، ولذلك «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم قاضياً إلى اليمن» (1).
و«ولى عمرُ شريحًا قضاء الكوفة وكعبَ بن سور (2) قضاء البصرة» (3).
و«بعث إلى كل مصرٍ قاضيًا وواليًا» .
وأما كونه يختار أفضل من يجد وأورعهم؛ فلأن ذلك أقرب وأكمل تولية إلى حصول المقصود من القضاء.
ولأن منصب القضاء أكمل المناصب، وذلك يناسب أن يكون متوليه أكمل من يوجد.
وأما كونه يأمر من ينصبه بتقوى الله عز وجل، وإيثار طاعته في سره وعلانيته، وتحري العدل، والاجتهاد في إقامة الحق؛ فلأن في ذلك تذكرة له بما يجب عليه فعله، وإعانةً له على عمل ذلك، وتقويةً لقلبه، وتنبيهاً على اهتمام الإمام بأمر الشرع وأهله.
وأما كونه يأمره أن يستخلف في كل صُقعٍ أصلحَ من يقدرُ عليه لهم؛ فلأن في ذلك خروجاً في جواز الاستنابة، وتنبيهاً على مصلحة رعية بلد القاضي، وحثاً له على اختيار الأصلح.
قال: (ويجب على من يصلحُ له إذا طُلب ولم يوجد غيره ممن يوثقُ به الدخول فيه. وعنه: أنه سئل: هل يأثم القاضي بالامتناع إذا لم يوجد غيره ممن يوثقُ به؟ قال: لا يأثم. وهذا يدل على أنه ليس بواجب).
أما كون من يصلح للقضاء إذا طُلب ولم يوجد غيره ممن يُوثق به يجب عليه الدخول فيه على المذهب؛ فلأن فرض الكفاية إذا لم يوجد من يقوم به غير واحد وجب عليه. دليله: غسل الميت وتكفينه.
وأما كونه ليس بواجب على روايةٍ؛ فلأن في دخوله في القضاء خطراً عظيماً ومشقَّة شديدة.
(1) أخرجه أبو داود في سننه (3582) 3: 301 كتاب الأقضية، باب كيف القضاء.
(2)
في د: ابن سود. وما أثبتناه من السنن.
(3)
أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 10: 87 كتاب آداب القاضي.
والأول أصح؛ لما تقدم.
والرواية الثانية: محمولة على أنه كان عاجزاً عن القيام بالواجب؛ لظلم السلطان وغيره.
قال: (فإن وُجد غيره كُره له طلبه بغير خلاف في المذهب. وإن طُلب فالأفضل أن لا يجيب إليه في ظاهر كلام أحمد، وقال ابن حامد: الأفضل الإجابة إليه إذا أمن نفسه).
أما كون من وُجد غيره يُكره له طلب القضاء بغير خلاف في المذهب؛ فلأن أنساً روى روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ابتغى القضاءَ وسألَ فيه شفعًا (1) وُكِلَ إلى نفسه، ومن أُكرهَ عليه أنزلَ اللهُ عليه ملكًا يسددُه» (2). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
وقال صلى الله عليه وسلم لعبدالرحمن بن سمرة: «يا عبدالرحمن! لا تسأل الإمارةَ. فإنك إن أُعطيتها عن مسألةٍ وُكِلْتَ إليها، وإن أُعطيتها عن غير مسألةٍ أُعِنْتَ عليها» (3). متفق عليه.
وأما كونه إذا طُلب له فالأفضل أن لا يدخل فيه في ظاهر كلام الإمام؛ فلما فيه من الخطر والغرر. وفي تركه من السلامة والظفر، ولما وَرد فيه من التشديد. ولذلك روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«من وُلّي قاضياً فقد ذُبحَ بغير سِكِّين» (4).
ولأن طريقة السلف الامتناع منه والتوقي له، وقد «أراد عثمان تولية ابن عمر القضاء فأباه» .
(1) في د: شفيعاً.
(2)
أخرجه الترمذي في جامعه (1324) 3: 614 كتاب الأحكام، باب ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في القاضي.
(3)
أخرجه البخاري في صحيحه (6727) 6: 2613 كتاب الأحكام، باب من لم يسأل الإمارة أعانه الله عليها.
وأخرجه مسلم في صحيحه (1652) 3: 1273 كتاب الأيمان، باب ندب من حلف يميناً
…
(4)
أخرجه أبو داود في سننه (3571) 3: 298 كتاب الأقضية، باب في طلب القضاء.
وأخرجه الترمذي في جامعه (1325) 3: 614 كتاب الأحكام، باب ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في القاضي.
وأخرجه ابن ماجة في سننه (2308) 2: 774 كتاب الأحكام، باب ذكر القضاة.
وأما كون الأفضل الإجابة إليه إذا أمن نفسه في قول ابن حامد؛ فلأنه كما فيه خطر فكذا فيه أجر عظيم، ولذلك جعل الله للمجتهد فيه أجراً مع الخطأ، وأجرين مع الإصابة، وأسقط عنه حكم الخطأ.
ولأن فيه الأمر بالمعروف، ونصر المظلوم، وأداء الحق إلى مستحقه، ورد الظالم عن ظُلمه، ولذلك تولاه الرسول صلى الله عليه وسلم.
وعن ابن مسعود أنه قال: «لأن أجلسَ قاضياً بين اثنين لحق أحب إليَّ من عبادة سبعين سنة» .
وحكى المصنف رحمه الله في المغني أن ابن حامد قال: إن كان -يعني المطلوب- رجلاً خاملاً لا يرجع إليه في الأحكام، ولا يُعرف فالأولى له توليه القضاء؛ ليرجع إليه في الأحكام، ويقوم به حق. وإن كان مشهوراً في الناس بالعلم يُرجع إليه في تعليم العلم والفتوى، فالأولى له الاشتغال بذلك؛ لما فيه من تحصيل النفع مع الأمن من التغرر.
قال: (ولا تثبت ولاية القضاء إلا بتولية الإمام أو نائبه).
أما كون ولاية القضاء لا تثبت بغير ولاية الإمام أو نائبه؛ فلأن ولاية القضاء حكم على الناس بالرجوع إلى أقوال القضاة، ومن ليس بإمام أو نائبه ليس له الحكم على الناس، ولا يجب عليهم الرجوع على من ولاه عليهم.
وأما كونها تثبت بتولية الإمام؛ فلأن الإمام هو وليُّ أمر المسلمين، وصاحبُ الأمر والنهي، وهو واجب الطاعة، مسموعُ الكلمة، مالك لجميع الولايات الشرعية الحكمية والحربية.
وأما كونها تثبت بولاية نائبه؛ فلأنه مُنَزّل منزلته، وقائم مقامه، ولذلك تجب طاعته والرجوع إلى قوله.
قال: (ومن شرط صحتها: معرفة المولِّي كون المولَّى على صفة تصلح للقضاء، وتعيين ما يوليه الحكم فيه من الأعمال والبلدان، ومشافهته بالولاية أو مكاتبته بها، وإشهاد شاهدين على توليته. وقال القاضي: تثبت بالاستفاضة إذا كان بلده قريباً يستفيض فيه أخبار بلد الإمام. وهل تشترط عدالة المولّي؟ على روايتين).
أما كون تولية القضاء من شرط صحتها: معرفة المولّي كون المولّى على صفة تصلح للقضاء؛ فلأن كون المولّى على الصفة التي تصلح للقضاء شرط لصحته التولية لما يأتي في مواضعه، وما كان شرطاً للصحة كانت معرفته شرطاً. دليله: العدالة لما كانت شرطاً لصحة الحكم بشهادة الشاهد كانت معرفتها شرطاً لصحة ذلك.
وأما كونها من شرط صحتها تعيين ما يُوليه الحكم فيه من الأعمال والبلدان؛ فلأن ولايته مستفادة من تولية الإمام. فلم يكن بد من معرفته ما تولاه؛ ليمكن الفصل بين الخصوم بموضع التولية.
وأما كونها من شرط صحتها مشافهة الإمام المولى بالولاية أو مكاتبته بها مع الإشهاد على المذهب؛ فلأنه إذا عُدمت المشافهة والمكاتبة لم يتصل طريق الولاية ولم يعلم المولي من المولى عليه.
وأما كونها تثبت بالاستفاضة بشرط كون بلد القاضي قريباً من بلد الإمام على قول القاضي؛ فلأن العلم بالولاية يحصل بذلك.
وأما كون عدالة المولي تشترط على روايةٍ؛ فلأن الفسق مؤثر في المنع من ولاية المولى عليه. فوجب أن يكون له أثر في المنع من تولية المولي.
وأما كونها لا تشترط على روايةٍ؛ فلأن أكثر الأمراء فسقة. فاشتراط العدالة في المولي يؤدي إلى تعطيل الأحكام وضياع الناس.
قال: (وألفاظ التولية الصريحة سبعة: ولّيتُكَ الحكم، وقلّدتُكَ، واستَنبْتُكَ، واستخلفتُكَ، ورددتُ إليكَ، وفوّضتُ إليكَ، وجعلتُ إليكَ الحكم. فإذا وجد لفظ منها والقبول من المولّى انعقدت الولاية.
والكناية نحو: اعتمدتُ عليكَ، وعوّلتُ عليكَ، ووَكلتُ إليكَ، وأسندتُ إليكَ الحكم فلا ينعقد بها حتى يقترن بها قرينة نحو: فاحكمْ، أو فَتَولّ ما عوّلتُ عليكَ فيه، وما أشبهه).
أما كون ألفاظ التولية صريحة وكناية؛ فلأنها عقد. فكانت ألفاظها صريحة وكناية؛ كغيرها من العقود.
وأما كون الألفاظ الصريحة سبعة؛ فلأنها تدل على ولاية القضاء دلالة لا يفتقر معها إلى شيء آخر، وذلك هو شأن الصريح.
وأما كون الولاية إذا وجد لفظ من الألفاظ الصريحة والقبول من المولى تنعقد؛ فلأنه يلزم من ذلك وجود الإيجاب والقبول، وذلك يستلزم الانعقاد إذا وجدت بقية الشروط. دليله: البيع والإجارة وغيرهما.
وأما كون بقية الألفاظ كناية؛ فلأنها تفتقر في دلالتها إلى شيء آخر، وذلك شأن الكناية.
وأما كون الولاية لا تنعقد بلفظ منها حتى تقترن بها قرينة نحو: فاحكم أو فتولّ أو ما أشبه ذلك؛ فلأن الكناية لا تستقل بنفسها. فوجب افتقارها إلى قرينة تقوّيها وتعضُدُها.
فعلى هذا إذا وجد اللفظ المذكور مع القرينة انعقدت الولاية؛ لحصول الكناية مع ما يقوّيها ويعضُدها.
فصل [فيما تفيده الولاية]
قال المصنف رحمه الله: (وإذا ثبتت الولايةُ وكانت عامةً استفادَ بها النظر في عشرة أشياء: فصلُ الخصومات واستيفاءُ الحق ممن هو عليه ودفعهُ إلى ربه، والنظرُ في أموال اليتامى والمجانين والسفهاء، والحجرُ على من يرى الحجر عليه لسفهٍ أو فلسٍ، والنظرُ في الوقوف في عمله بإجرائها على شرطِ الواقف، وتنفيذُ الوصايا، وتزويجُ النساء اللاتي لا ولي لهن، وإقامةُ الحدود، وإقامةُ الجمعة، والنظرُ في مصالحِ عمله بكف الأذى عن طرقات المسلمين وأفنيتهم، وتصفحُ حال شهوده وأمنائه، والاستبدالُ بمن ثبت جرحه منهم. فأما جبايةُ الخراج وأخذ الصدقة فعلى وجهين).
أما كون من ثبتت ولايته وكانت عامة يستفيدُ بها النظر في الأشياء المذكورة؛ فلما يأتي ذكره في مواضعه.
وأما كونه يستفيد فصل الخصومات واستيفاء الحق ممن هو عليه ودفعه إلى ربه؛ فلأن المقصود من القضاء ذلك. فلو لم يملكه لذهب مقصود القضاء، ولذلك وقعت الإشارة من الإمام أحمد رحمه الله بقوله: أتذهب حقوق الناس؟ .
وأما كونه يستفيد النظر في أموال اليتامى والمجانين والسفهاء؛ فلأن بعضهم لا ينظر في ماله إلا الحاكم هو السفيه، وبعضهم هو بين أن لا يكون له ولي فترك نظره في ماله يؤدي إلى ضياعه، وبين أن يكون له ولي فترك نظره في حال الولي يؤدي إلى طمعه في مال موليه، وفي ذلك ضرر عليه.
وأما كونه يستفيد الحجر على من يرى الحجر عليه من سفه أو فلس؛ فلأن الحجر المذكور يفتقر إلى نظر واجتهاد، وليس ذلك لغير القاضي، ولذلك جُعل الحجر المذكور مختصاً به.
وأما كونه يستفيد النظر في الوقوف؛ فلأن النظر ضرورة تدعو إلى إجرائها على شروطها. فإن لم يكن لها نُظّار على وجه الخصوصية تعين نظره فيها، وتولية ذلك لمن ينظر في أحوالهم وفي فعلهم فيها.
وأما كونه يستفيد تنفيذ الوصايا؛ فلأن بالميت حاجة إلى ذلك، وليس ذلك لغيره.
وأما كونه يستفيد تزويج النساء اللاتي لا ولي لهن؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فإن اشتجروا فالسلطانُ وليُّ من لا وليَّ له» (1) والحاكم نائبه.
وأما كونه يستفيد إقامة الحدود؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقيمها. فكذا الخلفاء بعده، وكان من مناصبه الإمامة. فلم لا يجوز أن يكون ذلك مستفاداً من جهة الإمامة؟ .
فإن قيل: هو نائب الإمام في الاستيفاء المذكور؛ لأنه هو الذي نصبه (2).
وأما كونه يستفيد إقامة الجمعة؛ فلأن الخلفاء هم الذين كانوا يقيمونها.
وأما كونه يستفيد النظر في مصالح عمله بكف الأذى عن طرقات المسلمين؛ فلأنه مرصد للمصالح فإذا كان ذلك من المصالح استفاد النظر فيه.
وأما كونه يستفيد تصفح حال الشهود؛ فلأن ذلك من أكبر المهمات المتعلقة بالقضاء؛ لأنه يجب أن يعلم حال الشهود عندهم منهم.
وأما كونه يستفيد الإبدال بمن ثبت عنده جرحه؛ فلأن المجروح لا تسمع له شهادة، وأمر الشهادة مردود إلى الحاكم. فكذلك يجب أن يُرد إليه ترتيب الشهود واستبدالهم بمن يصلح لها.
وأما كونه يستفيد جباية الخراج وأخذ الصدقة على وجه؛ فلأنه أخذ حقٍ ممن هو عليه. أشبه أخذ الحق من الخصوم ودفعه إلى خصومهم.
(1) أخرجه أبو داود في سننه (2083) 2: 229 كتاب النكاح، باب في الولي.
وأخرجه الترمذي في جامعه (1102) 3: 407 كتاب النكاح، باب ما جاء لا نكاح إلا بولي.
وأخرجه ابن ماجة في سننه (1879) 1: 605 كتاب النكاح، باب لا نكاح إلا بولي.
وأخرجه أحمد في مسنده (24417) 6: 66.
(2)
كذا في د.
وأما كونه لا يستفيد ذلك على روايةٍ؛ فلأن الخراج مصرفه إلى أهل الديوان. والصدقة يصرف بعضها إلى أهل الديوان، وبعضها يصرف للناس في مصارف ذلك. فلم يدخل ذلك في ولايته؛ كما لو جرت العادة لذلك بناظر خاص.
ولا بد أن يلحظ في الخلاف المذكور أن الخراج والصدقة ما خص الإمام بهما أحداً. ذكره أبو الخطاب شرطاً في جريان الوجهين. ولفظه: وأما جباية الخراج وأخذ الصدقة فهل يدخل في مطلق ولايته إذا لم يخص بناظرٍ؟ وجهان.
قال: (وله طلبُ الرزقِ لنفسه وأمنائهِ وخلفائهِ مع الحاجة. فأما مع عدمها فعلى وجهين).
أما كون القاضي له طلب الرزق لنفسه مع الحاجة؛ فلأن أخذ الرزق مع الحاجة جائز وطلبُ ما أخذه جائز يجب أن يكون جائزاً. بيان جواز الأخذ:
«أن عمر رضي الله عنه رزق شريحاً في كل شهر مائة درهم» (1).
و«رزق ابن مسعود نصف شاة كل يوم» (2).
وأما كونه له طلب الرزق لأمنائه وخلفائه مع الحاجة؛ لأن معناهم: فإذا جاز له الطلب لنفسه وجب أن يكون ذلك لمن هو في معناه.
وأما كونه له ذلك مع عدم الحاجة على وجه؛ فلما تقدم من رزق عمر لشريح وغيره.
ولأنه لو لم يجز ذلك لأفضى إلى تعطيل القضاء؛ لأن أحداً لا يسهل عليه الاشتغال عن اشتغال نفسه وتكسبه بغير عوض.
(1) قال في ابن حجر: لم أره هكذا. وروى عبدالرزاق في مصنفه عن الحسن بن عمارة عن الحكم، «أن عمر بن الخطاب رزق شريحا وسلمان بن ربيعة الباهلي على القضاء» (15282) 8: 297 أبواب القضاء، باب هل يؤخذ على القضاء رزق. وهذا ضعيف منقطع، وفي البخاري تعليقاً: كان شريح يأخذ على القضاء أجراً. تلخيص الحبير 4: 194.
(2)
أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 6: 354 كتاب قسم الفيء والغنيمة، باب ما يكون للوالي الأعظم ووالي الإقليم من مال الله.
وأما كونه ليس له ذلك على وجه؛ فلأن القضاء قُربة وطاعة. فلم يجز فيها طلب الرزق مع عدم الحاجة؛ كالصلاة.
فصل [في الولاية العامة والخاصة]
قال المصنف رحمه الله: (ويجوز أن يوليه عمومَ النظرِ في عموم العمل، ويجوز أن يوليه خاصاً في أحدهما أو فيهما، فيوليه عموم النظر في بلد أو في محلة خاصة، فينفذ قضاؤه في أهله ومن طرأ إليه، أو يجعل الحكم في المداينات خاصة، أو في قدر من المال لا يتجاوزه، أو يفوّض إليه عقود الأنكحة دون غيرها).
أما كون القاضي يجوز أن يوليه الإمام عمومَ النظر في عموم العمل، وعموم النظر في خصوص العمل؛ فلأن الخيرة له في التولية فكذلك في صفتها.
ولأن الإمام قد يعلم المصلحة في بعض هذه الأشياء دون بعض وذلك يقتضي تمكينه من فعل ما رأى فيه المصلحة.
ولأن القاضي المتولي قد يكون قيّماً بعموم النظر في عموم العمل وقد يكون عاجزاً عن ذلك قيّماً بالخصوص فيهما أو في أحدهما. فيجب أن تكون الولاية مختصة بما هو قيّم به دون ما هو عاجز عنه.
فإن قيل: ما مثال كل واحدٍ من الأمور الأربعة؟
قيل: مثال التعميم في النظر والعمل: أن يوليه الإمام القضاء في سائر الأحكام وسائر البلدان.
ومثال تعميم النظر وتخصيص العمل: أن يوليه القضاء في سائر الأحكام ولكن في بلد من البلاد ومحلة من المحال.
ومثال تخصيص النظر وتعميم العمل: أن يوليه الحكم في المداينات أو في قدر من المال لا يتجاوزه، أو يوليه عقود الأنكحة أو ما أشبه ذلك في جميع البلاد.
ومثال تخصيص النظر والعمل: أن يوليه الحكم فيما ذكر في بعض البلاد أو بعض المحال.
وأما كون المولى في بلد أو محلة ينفذُ قضاؤه في أهله؛ فظاهر.
وأما كونه ينفذ فيمن طرأ إليه؛ فلأن الطارئ إلى مكان يُعطى حكم أهله في كثير من الأحكام. ألا ترى أن الدماء الواجبة لأهل مكة يجوز تفريقها في الطارئ إليها كأهلها.
قال: (ويجوز أن يولى قاضيين أو أكثر في بلد واحد يجعلُ إلى كل واحدٍ عملاً، فيجعل إلى أحدهما الحكمَ بين الناس وإلى الآخر عقود الأنكحة. فإن جعل إليهما عملاً واحداً جاز، وعند أبي الخطاب لا يجوز).
أما كون الإمام يجوز أن يولي قاضيين أو أكثر في بلد واحدٍ يجعل لكل واحد منهما عملاً كما مثّل المصنف رحمه الله؛ فلأن ذلك ليس فيه ضرر، والإمام كامل الولاية. فوجب أن يملك ذلك؛ كتولية القاضي الواحد.
وأما كونه يجوز إذا جَعل إليهما عملاً واحداً عند غير أبي الخطاب؛ فلأنه يجوز أن يستخلف الإمام في البلدة التي هو فيها فيكون في البلدة قاضيان. فجاز أن يكون فيها قاضيان أصليان.
وأما كونه لا يجوز عند أبي الخطاب؛ فلأنه يؤدي إلى إيقاف الأحكام والخصومات؛ لأن القاضيين يختلفان في الاجتهاد فيؤدي إلى ذلك. وهذا صوابه.
والأول أصح عند المصنف رحمه الله. قاله في المغني.
قال: (وإن مات المولي أو عزل المولى مع صلاحيته لم تبطل ولايته في أحد الوجهين، وتبطل في الآخر. وهل ينعزل قبل العلم بالعزل؟ على وجهين بناء على الوكيل).
أما كون ولاية المولَّى لا تبطل بما ذكر في وجه؛ فلأنه عَقدٌ عُقِدَ لمصلحة المسلمين. فلم يبطل بموته؛ كما لو عقد الولي النكاح على موليته ثم مات أو فسخه.
وأما كونها تبطل في وجه؛ فلأنه نائبه فتبطل ولايته بما ذكر؛ كوكيله.
ويؤيد بطلان الولاية بالعزل «أن عمر رضي الله عنه قال: لأعزلنّ أبا مريم وأولي رجلاً إذا رآه الفاجر فرقه. فعزله وولى كعب بن سور» .
و«ولى علي أبا الأسود ثم عزله فقال: لم عزلتني وما خنت ولا حبيت؟ قال: رأيتك يعلو كلامك على الخصمين» .
وأما كونه إذا انعزل ينعزل بنفس العزل أو يعلم به فيه وجهان مبنيان على عزل الموكل الوكيل؛ فلأنه في معناه.
قال: (وإذا قال المولي: من نظرَ في الحكم في البلد الفلاني من فلان وفلان فهو خليفتي، أو قد ولّيته لم تنعقد الولاية لمن ينظر. وإن قال: وليتُ فلاناً وفلاناً فمن نظرَ منهما فهو خليفتي انعقدت الولاية).
أما كون الولاية لا تنعقد لمن ينظر إذا قال: من نظرَ [في الحكم](1) في البلد الفلاني من فلان وفلان فهو خليفتي أو قد وليته؛ فلأن المولّي لم يعين المولَّى. أشبه ما لو قال للبائع: بعتك أحد الثوبين.
وأما كونها تنعقد إذا قال: وليتُ فلاناً وفلاناً فمن نظر منهما فهو خليفتي؛ فلأن المولي ولاّهما جميعاً ثم عين السابق منهما.
فإن قيل: لو قال البائع: بعت ثوبي من فلان وفلان فمن قبضه فهو له لم يصح. فكذلك يجب هاهنا لم يصح. لا سيما وعدم الصحة في المسألة الأولى عليه قياسها على قول البائع: بعتك أحد الثوبين.
قيل: الولاية قابلة للعزل ويلزم من عزل أحدهما استقلال الآخر بالولاية. ولا كذلك مسألة البيع فإنه بعد انعقاده لا يقبل الإبطال، ولو قُبل لعاد ذلك إلى مالكه لا إلى رفيقه في الشراء.
(1) زيادة يقتضيها السياق.
فصل [في شروط القاضي]
قال المصنف رحمه الله: (ويشترطُ في القاضي عشرُ صفاتٍ: أن يكونَ بالغاً، عاقلاً، ذكراً، حراً، مسلماً، عدلاً، سميعاً، بصيراً، مُتكلّماً، مجتهداً. وهل يشترط كونه كاتباً؟ على وجهين).
أما كون القاضي يشترطُ فيه عشرُ صفاتٍ؛ فلما يأتي ذكره في مواضعه.
وأما كونها أن يكون بالغاً
…
إلى آخره: أما بلُوغه وعقلُه؛ فلأن الصبي والمجنون لا ينفذ قولهما في أنفسهما. فلأن لا ينفذ قولهما في غيرهما بطريق الأولى.
ولأن الصبي والمجنون يستحقان الحجر عليهما، والقاضي يستحق الحجر على غيره؛ فبين حاليهما وبين حاله منافاة.
وأما ذكوريته؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أفلحَ قومٌ ولّوا أمرهمُ امرأة» (1).
ولأن المرأة ناقصة العقل وقليلة الرأي ليست أهلاً لحضور الرجال وشهود محافل الخصوم.
وأما حريته؛ فلأن القضاء منصبٌ شريفٌ. فلا يجوز أن يتولاه عبدٌ؛ كالإمامة العُظمى.
ولأن العبد في أعين الناس ممتهن، والقاضي موضوعٌ للفصل بين الخصوم. فحاله يُنافي حال الولاية.
وأما إسلامه؛ فلأن الكفر يقتضي إذلال صاحبه، والقاضي يقتضي احترامه وبينهما منافاة.
ولأن الإسلام شرطٌ في الشهادة. فلأن يكون شرطاً في القضاء بطريق الأولى.
(1) أخرجه البخاري في صحيحه (4163) 4: 1610 كتاب المغازي، باب كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر.
وأما عدالته؛ فلأن الله تعالى قال: {إن جاءكم فاسقٌ بنبإ فتبينوا} [الحجرات: 6]. والحاكم يجيء بقول. فلا يجوز قبوله مع فسقه كذلك.
ولأن الفاسق لا يجوز أن يكون شاهداً. فلأن لا يجوز أن يكون قاضياً بطريق الأولى.
وأما سَمعُهُ وبَصرُهُ وتكلّمُهُ؛ فلأنه لا يتمكن مع فقد هذه الحواس من الفصل بين المتخاصمين؛ لأن سماع القول لا يتمكن منه إلا بسمعه. ومعرفة المدعِي من المدعَى عليه، والمقر من المقرِّ له، والشاهد من المشهود عليه: لا يتمكن منه إلا ببصره. والحكمُ بين الخصومِ لا يتمكن منه إلا بالنطق.
وأما اجتهاده؛ فلأن فاقد الاجتهاد إنما يحكم بالتقليد، والقاضي مأمور بالحكم بما أنزل الله.
ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «القضاةُ ثلاثة: اثنان في النار وواحدٌ في الجنة: رجلٌ علمَ الحق فقضى به فهوَ في الجنة، ورجلٌ قضى للناس على جهلٍ فهو في النار، ورجلٌ جارَ في الحكمِ فهوَ في النار» (1). رواه ابن ماجة.
ولأن الحكم آكد من الفتيا؛ لأنه فُتيا وإلزام، والمفتي لا يجوزُ أن يكون عامياً مقلداً فالحاكم أولى.
وأما كون القاضي يشترطُ فيه أن يكون كاتباً على وجه؛ فلأن القاضي من أهل الكمال، والكتابة منه.
ولأنه يحتاج إلى الكتابة على ما ثبت عنده، وعلى خطوط الشهود.
وأما كونه لا يشترطُ أن يكون كاتباً على وجه؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم كان حاكم الحكام ولم يكن كاتباً.
وأجيب عنه بأن عدم الكتابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لمعنى كان مفقوداً في غيره، وذلك يقتضي قطع الإلحاق.
قال: (والمجتهدُ: من يعرفُ من كتاب الله عز وجل وسنة رسوله عليه السلام الحقيقة والمجاز، والأمر والنهي، والمجمل والمبين، والمحكم والمتشابه، والخاص
(1) أخرجه أبو داود في سننه (3573) 3: 299 كتاب الأقضية، باب في القاضي يخطئ.
وأخرجه ابن ماجة في سننه (2315) 2: 776 كتاب الأحكام، باب الحاكم يجتهد فيصيب الحق.
والعام، والمطلق والمقيد، والناسخ والمنسوخ، والمستثنى والمستثنى منه. ويعرفُ من السنةِ صحيحها من سقيمها، وتواترها من آحادها، ومرسلها ومتصلها، ومسندها ومنقطعها، مما له تعلقٌ بالأحكام خاصة. ويعرف ما أُجمع عليه مما اختُلف فيه، والقياس وحدوده وشروطه وكيفية استنباطه، والعربيةُ المتداولةُ بالحجازِ والشامِ والعراقِ وما يواليهم، وكل ذلك مذكورٌ في أصولِ الفقهِ وفروعهِ، فمن وقَفَ عليه ورُزق فهمُه صَلُحَ للفُتيا والقضاء وبالله التوفيق).
أما كون المجتهد من يعرفُ ما ذكره المصنف رحمه الله؛ فلأن العالم لا يتمكن من الاجتهاد بدون ذلك.
وأما كون ذلك مذكوراً في أصولِ الفقهِ وفروعهِ؛ فلأنهما محلُ ذلك كله. وفيه تنبيه على المواضع لتُقصَدَ فيحصُل لطالبها ما قصَدَه.
وأما كون من وقَفَ على ذلك ورُزق فهمُه صلُح للفُتيا والقضاء؛ فلأن العالم بذلك متمكنٌ من التصرفِ في العلومِ الشرعية ووضعها في مواضعها.
فصل [في التحاكم]
قال المصنف رحمه الله: (وإن تحاكمَ رجلان إلى رجلٍ يصلحُ للقضاء فحكَّماهُ بينَهُما فحكمَ نفذ حكمه في المال والقصاص والحد والنكاح واللعان في ظاهر كلامه. ذكره أبو الخطاب، وقال القاضي: لا ينفذُ حكمُه إلا في المال خاصة).
أما كون من تحاكم إليه رجلان فحكَّماهُ بينهما فَحَكم ينفذ حكمه؛ فلما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حكمَ بين اثنين تراضيا به فلمْ يعدل بينهما فهو ملعون» (1).
ولولا أنه ينفذ حكمه لما كان كذلك.
وأما كون حكمه ينفذ في المال والقصاص والحد والنكاح واللعان في ظاهر كلام الإمام أحمد؛ فلأن عموم الحديث المذكور يشمل ذلك كله.
وفي نفاذ حكم من ذكر إشعار بجواز التحاكم في الجملة. وهو صحيح؛ لما ذكر من الحديث.
و«لأن عمر وأبيًا احتكما إلى زيد بن ثابت» (2)، و «حاكم عمرُ رجلاً إلى شريح قبل توليه القضاء» .
(1) أخرجه ابن الجوزي في التحقيق ر. تلخيص الحبير 4: 185.
(2)
أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 10: 144 كتاب آداب القاضي، باب القاضي لا يحكم لنفسه.
(3)
أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 5: 267 كتاب البيوع، باب من قال يجوز بيع العين الغائبة.
فإن قيل: عمر وعثمان كانا إمامين فإذا ردَّا الحكم إلى رجل صار حاكماً.
قيل: لم ينقل عنهما أكثر من الرضى بحكمه خاصة. وذلك لا يصير به المتحاكم إليه قاضياً.
وأما كون حكم المتحاكم إليه لا ينفذُ إلا في المال خاصة على قول القاضي؛ فلأنه أسهل من غيره. فيجب الاقتصار عليه.