الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب الذ كاة
قال المصنف رحمه الله: (ولا يباح شيء من الحيوان المقدور عليه بغير ذكاة، إلا الجراد وشبهه، والسمك، وسائر ما لا يعيش إلا في الماء فلا ذكاة له. وعنه: في السرطان وسائر البحري أنه يحل بلا ذكاة. وعنه: في الجراد لا يؤكل إلا أن يموت بسبب؛ ككبسه وتغريقه).
أما كون شيء من الحيوان المقدور على ذبحه لا يباح بغير ذكاة ما خلا المستثنى؛ فلأن الله تعالى قال: {حُرّمت عليكم الميتة -إلى قوله-: إلا ما ذكيتم} [المائدة: 3].
وأما كون الجراد يباح بغير ذكاة ولا سبب يوجب موته على المذهب؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أُحلِّت لنا ميتتَان: السمكُ والجراد» (1).
وأما كونه لا يؤكل إلا أن يموت بسبب ككبسه وتغريقه على روايةٍ؛ فلأن ذلك فيه (2) بمنزلة الذبح له. فوجب اعتباره فيه؛ كالذبح في غيره.
والأولى أصح؛ لأن ما أُبيحت ميتته لا (3) يعتبر له سبب. دليله: السمك.
ولأنه لو افتقر إلى [سببٍ لافتقر إلى](4) ذبح ذابح وآلةٍ؛ كبهيمة الأنعام.
وأما كون شبه الجراد يباح بغير ما ذكر؛ فلأن شبه الشيء يُعطى حكمه.
وأما كون السمك يباح بغير ما ذكر؛ فلما ذكر في الجراد من الحديث.
وأما كون سائر ما لا يعيش إلا في الماء ونحوه يباح بلا ذكاة رواية واحدة؛
(1) أخرجه ابن ماجة في سننه (3314) 2: 1102 كتاب الأطعمة، باب الكبد والطحال.
(2)
ساقط من أ.
(3)
في أ: لم.
(4)
ساقط من د.
فلأن الله تعالى قال: {أحل لكم صيد البحر وطعامه} [المائدة: 96] قال ابن عباس: «طعامُه ما ماتَ فيه» (1).
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في البحر: «هو الطَّهورُ ماؤُهُ، الحلُّ ميتَتُه» (2).
ومفهوم كلام المصنف رحمه الله: وسائر (3) ما لا يعيش إلا في الماء: أن ما يعيش في البر ومأواه فيٍ (4) البحر مثل: السلحفاء (5) وكلب الماء لا [يحل، ولا](6) يباح بلا ذكاة على روايةٍ؛ لأنه حيوان مأكول. فلا يباح بلا ذكاة؛ كالحيوان البري.
وأما كون سائر البحري يحل بلا ذكاة على روايةٍ؛ فلما تقدم من الآية والخبر.
فإن قيل: فهل (7) السرطان من الذي يباح بلا ذكاة رواية واحدة، أم من الذي فيه خلاف؟
قيل: ظاهر كلام المصنف رحمه الله هنا أنه من الثاني. فاستثناه في المغني فقال لما ذكره: إلا ما لا دَمَ فيه؛ كالسرطان فإنه يباح بغير ذكاة. ثم قال: قال (8) أحمد: السرطان لا بأس به، قيل له: يذبح (9) قال: لا. ثم قال: وذلك لأن (10) مقصود الذبح إنما هو إخراج الدم منه وتطييب اللحم بإزالة عفنه فما لا دم فيه لا حاجة إلى ذبحه.
فإن قيل: ما الصحيح من الروايتين المتقدم ذكرهما؟
(1) ذكره البخاري في صحيحه تعليقاً 5: 2092 كتاب الذبائح والصيد، باب قول الله تعالى:{أحل لكم صيد البحر} .
(2)
سبق تخريجه ص: 367.
(3)
في أ: في سائر.
(4)
ساقط من أ.
(5)
في أ: السلحفاة.
(6)
ساقط من أ.
(7)
مثل السابق.
(8)
ساقط من د.
(9)
مثل السابق.
(10)
في الأصول: لأنه. وما أثبتناه من المغني 11: 83.
قيل: ظاهر كلام المصنف رحمه الله في المغني أن الصحيح أنه لا يباح بلا ذكاة؛ لأنه قدمه. ثم قال بعد ذكر (1) الخلاف فيه: ولنا. ونقضَ علة الإباحة بأن لا خلاف في طير الماء أنه لا يباح بغير ذكاة، وحمل الأخبار على ما لا يعيش إلا في البحر.
وقيل: الصحيح أنه يباح؛ لما تقدم ذكره، ويعضده (2) ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«كلُّ شيءٍ في البحرِ مذبوح» (3). وما روي عنه أنه قال: «إن الله تعالى ذبحَ كل ما في البحر لابن آدم» ، وما صح من «أن (4) أبا عبيدة وأصحابه وجدُوا على ساحلِ البحر دابةً يقال لها: العنبر. فأكلوا منها شهراً وادَّهنوا حتى سمنُوا» (5).
(1) في د: ذلك.
(2)
في د: ويعضه.
(3)
سبق تخريجه ص: 367.
(4)
ساقط من د.
(5)
أخرجه البخاري في صحيحه (4103) 4: 1585 كتاب المغازي، باب غزوة سيف البحر
…
وأخرجه مسلم في صحيحه (1935) 3: 1535 كتاب الصيد والذبائح، باب إباحة ميتات البحر.
[فصل في شروط الذ كاة]
قال: (ويشترط للذكاة شروط أربعة:
أحدها: أهلية الذابح. وهو أن يكون: عاقلاً مسلماً أو كتابياً فتباح ذبيحته، ذكراً كان أو أنثى. وعنه: لا تباح ذبيحة نصارى بني (1) تغلب، ولا من أحد أبويه غير كتابي).
أما كون الذكاة يشترط لها شروط أربعة؛ فلما يأتي ذكره فيها.
وأما كون أحدها أهلية الذابح؛ فلأن مسلوب الأهلية فعله كلا فعل فتكون ذبيحته ميتة.
وأما كون الذابح الأهلي أن يكون عاقلاً مسلماً أو كتابياً؛ فلأن غير العاقل وغير المسلم والكتابي لا تباح ذبيحته؛ لما يأتي فلا يكون أهلاً لها: أما كون غير العاقل لا تباح ذبيحته؛ فلما يأتي بعد في قول المصنف رحمه الله: ولا تباح ذكاة مجنون ولا سكران ولا طفل غير مميز.
وأما كون غير المسلم والكتابي لا تباح ذبيحته؛ فلأن تخصيص إباحة طعام أهل الكتاب بالذكر يدل على نفيه عن غير الكتابي.
فإن قيل: الكلام في الذكاة لا في الطعام.
قيل: المراد بقوله تعالى: {وطعام الذين أوتوا الكتاب} [المائدة: 5]«ذبائحهم» قاله ابن عباس (2). ورواه (3) عنه البخاري، وروي معنى ذلك عن ابن مسعود.
(1) ساقط من أ.
(2)
ذكره البخاري في صحيحه تعليقاً 5: 2097 كتاب الذبائح والصيد، باب ذبائح أهل الكتاب وشحومها
…
(3)
في د: وروى.
وفي قول المصنف رحمه الله: وهو أن يكون عاقلاً مسلماً أو كتابياً؛ إشعار بإباحة ذبيحة العاقل منهما. وقوله بعد ذلك: فتباح ذبيحته (1) تصريح بذلك. وكلاهما صحيح: أما في المسلم العاقل؛ فلا شبهة فيه.
وأما في الكتابي غير نصارى بني تغلب وغير من أحد أبويه غير كتابي؛ فلما تقدم من الآية، ولانعقاد الإجماع عليه.
وأما كون من ذكر تباح ذبيحته ذكراً كان أو أنثى؛ فلمساواتهما في المعنى المقتضي لمساواتهما في الحكم.
وأما في الكتابي من نصارى بني تغلب على المذهب؛ فلما تقدم من عموم الآية.
وأما كونه لا تباح ذبيحته على روايةٍ؛ فلما تقدم ذكره في باب الجزية (2).
وأما فيمن أحد أبويه غير كتابي على المذهب؛ فلما تقدم من عموم الآية.
وأما كونه لا تباح ذبيحته على روايةٍ؛ فلتغليب التحريم.
قال: (ولا تباح ذكاة مجنون، ولا سكران، ولا طفل غير مميز، ولا وثني، ولا مجوسي، ولا مرتد).
أما كون ذكاة المجنون والسكران والصبي غير المميز لا تباح؛ فلأن الذبح يعتمد القصد، وهو غير متصور ممن ذكر.
فإن قيل: الكلام في كون الذكاة ممن ذكر تُبيح فلمَ قيل: لا تباح؟
قيل: المراد ذلك أو أنها إذا كانت لا تُبَاح لا تُبيح؛ لأن الفعل المنهي عنه لمعنى في نفسه لا يقصد إباحة.
وأما كون ذكاة الوثني والمجوسي والمرتد كذلك؛ فلأن شرط الذكاة كون الذابح مسلماً أو كتابياً وليس واحد منهما موجوداً فيمن ذكر.
فإن قيل: المجوسي مُلحقٌ بالكتابي في الإقرار بالجزية فلمَ لا يلحق به في إباحة الذبح؟
قيل: لوجوه:
(1) ساقط من د.
(2)
2: 628.
أحدها: الإجماع على عدم إباحة ذبحه؛ لأن علياً وابن مسعود وابن عباس وجابراً (1) وأبا بردة قالوا ذلك. ولا يعرف لهم مخالف.
وثانيها: أن قوله صلى الله عليه وسلم: «سُنّوا بهم سنّةَ أهل الكتاب» (2) إن دل على إباحة ذبح المجوسي؛ فدلالته من حيث العموم بقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا اشتريتم (3) لحماً فإن كان ذبيحةَ يهودي أو نصراني فكلوا، وإن كان ذبيحة مجوسي فلا تأكلوا» . رواه الإمام أحمد بإسناده: يدل على عدم إباحته ودلالة ذلك دلالة خاصة، والدلالة الخاصة مقدمة على الدلالة العامة.
وثالثها (4): أن شبهة كتابهم أثرت في تحريم قتلهم تغليباً؛ لما في ذلك من الاحتياط. وليس كذلك حل ذبائحهم؛ لأن الاحتياط يقتضي تغليب جانب تحريمها كما كان يقتضي تغليب جانب تحريم القتل.
(1) في أ: وجابر.
(2)
أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 9: 189 كتاب الجزية، باب المجوس أهل كتاب والجزية تؤخذ منهم.
وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (10765) 2: 435 كتاب الزكاة، في المجوس يؤخذ منهم شيء من الجزية.
وأخرجه عبدالرزاق في مصنفه (10025) 6: 68 كتاب أهل الكتاب، أخذ الجزية من المجوس.
(3)
في د: اشترى.
(4)
في د: والثالثة.
فصل [الشرط الثاني]
قال المصنف رحمه الله: (الثاني: الآلة. وهو: أن يذبح بمحدد. سواء كان من حديد أو حجر أو قصب أو غيره؛ إلا السن والظفر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أنهرَ الدمَ [وذُكرَ اسمُ اللهِ عليه] (1) فكُل؛ إلا السنّ والظفر» (2».
أما كون الثاني من شروط الذكاة الآلة؛ فلأنها مما (3) لا بد منها.
وأما كونه أن يذبح بمحدد؛ فلأن غير المحدد لا يذبح.
وأما كون المحدد من حديد أو حجر أو قصب أو غير ذلك إذا كان غير السن والظفر سواء؛ فلما ذكر المصنف رحمه الله من الحديث.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أنهرَ الدمَ وذُكرَ اسمُ اللهِ عليه فكُلوا ما لم يكن سِنًا أو ظفرًا» (4) متفق عليه.
وعن عدي بن حاتم قال: «قلت يا رسول الله! أرأيتَ إنْ أحدُنا أصابَ صيداً وليسَ معه سكينٌ أيذبحُ بالمروةِ وشقِ العصا؟ قال: أنهرِ (5) الدمَ بما شئتَ واذكرِ اسمَ اللهِ عز وجل» (6).
(1) ساقط من أ.
(2)
سيأتي تخريجه في الحديث القادم.
(3)
في أ: ما.
(4)
أخرجه البخاري في صحيحه (5190) 5: 2098 كتاب الذبائح والصيد، باب ما ندّ من البهائم فهو بمنزلة الوحش.
وأخرجه مسلم في صحيحه (1968) 3: 1558 كتاب الأضاحي، باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم
…
(5)
ساقط من أ.
(6)
أخرجه أبو داود في سننه (2824) 3: 102 كتاب الأضاحي، باب في الذبيحة بالمروة.
وأخرجه ابن ماجة في سننه (3177) 2: 1060 كتاب الذبائح، باب ما يذكى به.
وعن رجل من بني حارثة «أنه كان يرعى لِقْحَةً. فأخذها الموتُ. فلم يجد شيئاً ينحرها به. فأخذ وتِداً فوجَأها به في لبّتِها حتى أهريق (1) دمها. ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمره بأكلها» (2). رواه أبو داود.
قال: (فإن ذبح بآلة مغصوبة حل في أصح الوجهين).
أما كون المذبوح بما ذكر يحل في وجه؛ فلأن الذبح فعل حسي وقد حصل (3).
ولأن الآلة المغصوبة تنهر الدم فيدخل في قوله: «ما أنهرَ الدمَ فكُل» (4).
وأما كونه لا يحل في وجه؛ فلأن الذبح بها ممنوع. فلم يحصل الحل؛ كالذكاة بالسن والظفر.
وأما كون الأول أصح؛ فلما تقدم.
والفرق بين الآلة المغصوبة وبين السن والظفر: أن المنع من السن والظفر أخرجهما عن أهلية الذبح، وليس ذلك موجوداً في الآلة المغصوبة.
(1) في د: هريق.
(2)
أخرجه أبو داود في سننه (2823) 3: 102 كتاب الأضاحي، باب في الذبيحة بالمروة.
(3)
ساقط من د.
(4)
سبق تخريجه قريباً.
فصل [الشرط الثالث]
قال المصنف رحمه الله: (الثالث: أن يقطع الحلقوم والمريء. وعنه: يشترط مع ذلك قطع الودجين. وإن نحره أجزأ وهو أن يطعنه بمحدد في لبته. والمستحب أن ينحر البعير ويذبح ما سواه).
أما كون الثالث من شروط الذكاة أن يقطع الحلقوم والمريء؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الذكاةُ في الحلقِ واللبّة» (1).
وعن عمر رضي الله عنه أنه نادى «أن النحرَ في الحلقِ واللبّة لمن قَدَر» (2). رواه سعيد والأثرم.
فإن قيل (3): فقد روى أبو العشراء عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه سئل: أما تكونُ الذكاةُ إلا في الحلقِ واللبّة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو طَعنْتَ في فخذِهَا لأجْزَأَ عنك» (4).
قيل: قال أحمد: أبو العشراء هذا ليس بمعروف.
فإن قيل: ما الحلقوم والمريء؟
قيل: الحلقوم مجرى النفس، والمريء مجرى الطعام والشراب.
فإن قيل: لم اختصت الذكاة بالمحل المذكور؟
(1) أخرجه الدارقطني في سننه (45) 4: 283 كتاب الصيد والذبائح.
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (19825) 4: 260 كتاب الصيد، من قال: إذا أنهر الدم فكل ما خلا سناً أو عظماً.
(3)
في أ: ذكر قبل هذه الجملة: فإن قيل: الكلام في الحلقوم والمريء وما ذكر في الحلق واللبة. قيل: معناهما.
(4)
أخرجه أبو داود في سننه (2825) 3: 103 كتاب الأضاحي، باب ما جاء في ذبيحة المتردية.
وأخرجه الترمذي في جامعه (1481) 4: 75 كتاب الأطعمة، باب ما جاء في الذكاة في الحلق واللبة.
وأخرجه النسائي في سننه (4408) 7: 228 كتاب الضحايا، ذكر المتردية في البئر التي لا يوصل إلى حلقها.
وأخرجه ابن ماجة في سننه (3184) 2: 1063 كتاب الذبائح، باب ذكاة النادّ من البهائم.
قيل: لأنه مجمع العروق فتنفسخ (1) بالذبح فيه الدماء السيالة، ويسرع زهوق النفس فتكون أطيب اللحم وأخف على الحيوان.
وأما كون قطع الودجين لا يشترط مع قطع الحلقوم والمريء على المذهب؛ فلأن الحياة تزول بقطعهما وذلك هو المقصود.
وأما كونه يشترط مع ذلك قطع الودجين على روايةٍ؛ فلما روى أبو هريرة قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شَريطةِ البطنِ. وهي التي تُذبحُ فيُقطعُ الجلدُ ولا تُفرَى الأوداجُ ثم تُتركُ حتى تموت» (2). رواه أبو داود.
والأول أصح؛ لما تقدم.
وأما الحديث؛ فمحمول على ما يقطع المريء.
وأما كون نحر ما يذبح يجزئ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعدي: «أمررِ الدمَ بما شئت» (3).
وعن أسماء قالت: «نحرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرساً فأكلناه» (4).
وعن عائشة قالت: «نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقرة» (5).
ولأن ما كان ذكاة لحيوان كان ذكاة لحيوان آخر؛ كسائر الحيوانات.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهو أن يطعنه بمحدد في لبته؛ فبيان لمعنى النحر. وإنما كان النحر كذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه هكذا كانوا ينحرون.
وأما كون نحر الإبل وذبح ما سواه يستحب؛ فلأن الله تعالى قال: {فصلّ لربك وانحر} [الكوثر: 2]، وقال:{إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} [البقرة: 67]. أَمَر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بالنحر؛ لأن غالب ماشية قومه الإبل، وأمر بني إسرائيل بالذبح؛ لأن غالب ماشيتهم البقر.
(1) ساقط من د.
(2)
أخرجه أبو داود في سننه (2826) 3: 103 كتاب الأضاحي، باب في المبالغة في الذبح.
(3)
سبق تخريج حديث عدي ص: 388.
(4)
أخرجه البخاري في صحيحه (5200) 5: 2101 كتاب الذبائح والصيد، باب لحوم الخيل.
وأخرجه مسلم في صحيحه (1942) 3: 1541 كتاب الصيد والذبائح، باب في أكل لحوم الخيل.
(5)
أخرجه أبو داود في سننه (1750) 2: 145 أول كتاب المناسك، باب في هدي البقر.
وأخرجه ابن ماجة في سننه (3135) 2: 1047 كتاب الأضاحي، باب عن كم تجزئ البدنة والبقرة.
و «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نحر البُدن وذبحَ كبشين أملحَينِ ذبحهما بيده» (1) متفق عليه.
قال: (فإن عجز عن ذلك مثل أن يند البعير أو يتردى في بئر فلا يقدر على ذبحه صار كالصيد إذا جرحه في أي موضع أمكنه فقتله حل أكله؛ إلا أن يموت بغيره مثل أن يكون رأسه في الماء فلا يباح).
أما كون ما عجز عن ذبحه ونحره (2) يصير كالصيد إذا جرحه في أي موضع من بدنه فقتله يحل أكله ما لم يمت بغيره؛ فلما روى رافع بن خديج قال: «كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فندّ بعيرٌ وكان في القومِ خيلٌ يسيرةٌ. فطلبوه فأعياهم. فأهوى إليه رجلٌ بسهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن لهذه البهائمِ أوابدَ كأوابدِ الوحش. فما غلبَكُم فاصنعُوا به هكذا» (3).
وفي لفظ: «فما ندّ (4) عليكم فاصنعُوا به هكذا» (5) متفق عليه.
(1) أخرجه البخاري في صحيحه (1476) 2: 562 كتاب الحج، باب التحميد والتسبيح والتكبير
…
وأخرجه مسلم في صحيحه (1966) 3: 1556 كتاب الأضاحي، باب استحباب الضحية
…
(2)
في د: أما كون ما عجز عنه.
(3)
أخرجه البخاري في صحيحه (2356) 2: 881 كتاب الشركة، باب قسمة الغنم.
وأخرجه مسلم في صحيحه (1968) 3: 1558 كتاب الأضاحي، باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم
…
(4)
في د: قيد.
(5)
أخرجه البخاري في صحيحه (5179) 5: 2095 كتاب الذبائح والصيد، باب التسمية على الذبيحة ومن ترك متعمداً.
وأخرجه مسلم في الموضع السابق.
(6)
في د: وخرّ.
(7)
ساقط من د.
(8)
في أ: ذكاته.
(9)
أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (19787) 4: 257 كتاب الصيد، ما قالوا في الأنسية توحش من الإبل والبقر.
و «تردّى بعير في بئرٍ فذكيَ من قبل شاكلته فبيعَ بعشرين درهماً فأخذ ابن عمر عشره بدرهمين» (1). وروي نحو ذلك عن مسروق والأسود (2). رواهن سعيد.
ولأن الاعتبار في الذكاة بحال الحيوان وقت ذبحه لا بأصله. بدليل الوحشي إذا قدر عليه وجبت ذكاته في الحلق واللبة. فكذلك الأهلي إذا توحش يعتبر بحاله.
وأما كون ما عجز عنه لا يباح إذا فعل به ما تقدم ذكره ومات بغيره كما مثل المصنف رحمه الله؛ فلأن ذلك يعين على قتله فيحصل قتله به. أو بمبيح وحاظر. فوجب أن لا يباح؛ كما لو جرح الصيدَ مسلم ومجوسي.
قال: (وإن ذبحها من قفاها وهو مخطئ فأتت السكين على موضع ذبحها وهي في الحياة: أُكلت. وإن فعله عمداً فعلى وجهين).
أما كونه إذا ذبحها من قفاها وهو مخطئ فأتت (3) السكين على موضع ذبحها وهي في الحياة تؤكل؛ فلأن الذبح قطعُ الحلقوم والمريء وقد وجد.
وأما كون المذبوحة كذلك عمداً تؤكل على وجه؛ فلما ذكر في الخطأ.
وأما كونها لا تؤكل على وجه؛ فلأن الجرح في القفا سبب لزهوق النفس، والجرح في الذبح سبب له فيحصل مبيح ومحرم. فيجب تغليب الحرمة؛ كما لو وقع رأس الذبيحة في الماء.
فإن قيل: المعنى المذكور موجود في الخطأ. فيجب أن يُخَرَّج فيه الخلاف المذكور.
قيل: ليس الأمر كذلك؛ لأن الخطأ قيل معناه: أن يلتوي عنق الذبيحة وذلك يقتضي صيرورتها معجوزاً عن ذبحها فيسقط اعتبار المحل؛ كالمتردية في بئر. على أن الأصح في العمد أنها تؤكل؛ لما ذكر في المذبوحة خطأ.
(1) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (19831) 4: 261 كتاب الصيد، من قال: تكون الذكاة في غير الحلق واللبة.
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (19834) في الموضع السابق.
(3)
في أ: أما كون المذبوح من قفاها خطأ إذا أتت.
قال: (وكل ما وجد فيه سبب الموت؛ كالمنخنقة والمتردية والنطيحة وأكيلة السبع إذا أدرك ذكاتها وفيها حياة مستقرة أكثر من حركة المذبوح حلّت. وإن صارت حركتها كحركة المذبوح لم تحل).
[أما كون المنخنقة والمتردية والنطيحة وأكيلة السبع إذا أُدركت وفيها حياة مستقرة أكثر من حركة المذبوح](1) تحل؛ فلأن الله تعالى قال: {إلا ما ذكيتم} [المائدة: 3]، وفي حديث جارية كعب:«أنها أصيبت شاةٌ من غنمها. فأدركتْها فذبحتْها بحجرٍ. فسُئل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كلُوها» (2) ولم يستفصل.
وأما كونها إذا صارت حركتها كحركة المذبوح لا تحل؛ فلأن المجوسي لو ذبح الحيوان ثم ذبحه مسلم لم يبح؛ لكون المذبوح خرج عن أهلية الذبح. فكذا ما ذكر لما لم تبق فيه حركة (3) إلا كحركة المذبوح خرج عن أهلية الذبح.
(1) ساقط من د.
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه (2181) 2: 808 كتاب الوكالة، باب إذا أبصر الراعي أو الوكيل شاة تموت
…
(3)
في د: تبق حركته.
فصل [الشرط الرابع]
قال المصنف رحمه الله: (الرابع: أن يذكر اسم الله عند الذبح وهو أن يقول: بسم الله. لا يقوم غيرها مقامها؛ إلا الأخرس فإنه يومئ إلى السماء).
أما كون الرابع (1) من شروط الذكاة: أن يذكر اسم الله تعالى؛ فلأن الله تعالى قال: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق} [الأنعام: 121]. والفسق حرام؛ لقوله تعالى: {قل لا أجد فيما أوحي إلي محرمًا على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتةً أو دمًا مسفوحًا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا
…
الآية} [الأنعام: 145].
وأما كون ذلك عند الذبح؛ فلأن الله تعالى أمر به وأطلق، و «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذبح سمى» (2). فيحمل مطلق الآية على فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما كونه أن يقول: بسم الله لا يقوم غيرها مقامها إذا لم يكن أخرسًا (3)؛ فلأن إطلاق التسمية ينصرف إلى ذلك.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت أنه قال عند الذبح: بسم الله فيحمل مطلق الآية عليه.
وأما كون الأخرس يومئ برأسه (4) إلى السماء؛ فلأن إشارته [تقوم مقام النطق.
ولأن إشارته] (5) تدل على قصد تسميته الذي في السماء. وفي الحديث «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل الجاريةَ فقال لها: أينَ الله؟ فأشارتْ إلى السماء. فقال:
(1) في د: الذابح.
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه (5238) 5: 2113 كتاب الأضاحي، باب من ذبح الأضاحي بيده. ولفظه: «
…
يسمي ويكبر
…
».
أخرجه مسلم في صحيحه (1966) 3: 1556 كتاب الأضاحي، باب استحباب الضحية
…
، نحوه.
(3)
في الأصول: أخرس. والصواب ما أثبتناه.
(4)
ساقط من أ.
(5)
مثل السابق.
أعتقْها فإنها مؤْمنَة» (1) جعل إشارتها علماً على [إيمانها. فلأن تجعل إشارتها علماً على](2) تسميتها بطريق الأولى.
قال: (فإن ترك التسمية عمداً لم تبح. وإن تركها ساهياً أبيحت. وعنه: تباح في الحالين. وعنه: لا تباح فيهما).
أما كون من ترك التسمية على ذبيحته عمداً لم تبح، وإذا تركها ساهياً أبيحت على المذهب؛ فلما روى راشد بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذبيحةُ المسلمِ حلالٌ وإن لم يسم إذا لم يتعمد» .
وعن ابن عباس: «من نسيَ التسميةَ فلا بأس» (3).
ولأن ذلك قول ابن عباس ولم يعرف له مخالف في عصره فكان إجماعاً.
وأما كونها تباح في الحالين أي في العمد والسهو على روايةٍ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (4): «اسمُ الله في قلب كل مسلم» (5).
ولأن التسمية لو اشترطت لما حلت الذبيحة مع الشك في وجود التسمية؛ لأن الشك في الشرط شك في المشروط والذبيحة مع الشك في وجود التسمية حلال بدليل حل ذبيحة أهل الكتاب مع أن الأصل عدم التسمية منهم بل الظاهر أنهم لا يسمون وذلك أبلغ في المنع من الشك.
فإن قيل: لا يصح حمل أمر أهل الكتاب في ترك التسمية على أن الأصل عدم إتيانهم بها؛ لأن ذلك مشترك بينهم وبين المسلم؟
قيل: ليس الأمر كذلك؛ لأنهما وإن اشتركا في ذلك، لكن المسلم عارض عدم إتيانه: أن الظاهر من حاله أنه يأتي بها، وذلك مفقود في أهل الكتاب.
وأما كونها لا تباح إذا تركها فيهما على روايةٍ؛ فلعموم قوله تعالى: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} [الأنعام: 121].
(1) أخرجه مسلم في صحيحه (537) 1: 381 كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة
…
(2)
ساقط من د.
(3)
ذكره البخاري في صحيحه 5: 2094 كتاب الذبائح والصيد، باب التسمية على الذبيحة، ومن ترك متعمداً.
(4)
ساقط من د.
(5)
لم أقف عليه هكذا وقد أخرج البيهقي في السنن الكبرى عن أبي هريرة قال:
…
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اسم الله على كل مسلم» 9: 240 كتاب الصيد والذبائح، باب من ترك التسمية وهو ممن تحل ذبيحته.
ولأن الشيء متى كان شرطاً لا يعذر في تركه سهواً (1). [دليله: الوضوء](2) مع الصلاة.
قال: (وتحصل ذكاة الجنين بذكاة أمه إذا خرج ميتاً، أو متحركاً؛ كحركة المذبوح. وإن كانت فيه حياة مستقرة لم يبح إلا بذبحه. وسواء أشعر أو لم يشعر).
أما كون ذكاة الجنين تحصل بذكاة أمه إذا خرج ميتاً أو متحركاً كحركة المذبوح؛ فلما روى أبو سعيد قال: «قيل: يا رسول الله! إنّ أحدنا ينحرُ الناقةَ ويذبحُ البقرةَ والشاةَ فيجد في بطنها الجنينَ أنأكلُه أم نلقِه؟ قال: كلُوه إن شئتُم فإنَّ ذكاتَهُ ذكاةُ أمه» (3).
وعن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ذكاةُ الجنينِ ذكاةُ أمه» (4). رواهما أبو داود.
ولأن الجنين متصل بها اتصال خلقة يتغذى بغذائها. فتكون ذكاته بذكاتها؛ كأعضائها.
ولأن الذكاة في الحيوان تختلف على حسب الإمكان والقدرة، ولا يمكن ذبح الجنين قبل انفصاله إلا بأن تجعل ذكاة أمه ذكاته.
وأما كونه إذا كانت فيه حياة مستقرة لا يباح إلا بذبحه؛ فلأنه حيوان صار مقدوراً على ذبحه بنفسه. فلم يبح بذكاة غيره؛ كغير الجنين.
ولأن إباحة الجنين بذكاة أمه ملحوظ فيه العجز عن ذكاته، وذلك منتفٍ فيما فيه حياة مستقرة.
وأما كون ما أشعر وما لم يشعر سواء؛ فلأن الحديث مطلق لا تقييد فيه. فلم يجز تقييده بغير دليل.
(1) في أ: ترك سهو.
(2)
ساقط من د.
(3)
أخرجه أبو داود في سننه (2827) 3: 103 كتاب الأضاحي، باب ما جاء في ذكاة الجنين.
(4)
أخرجه أبو داود في سننه (2828)، الموضع السابق.
فصل [في مكروهات الذبح]
قال المصنف رحمه الله: (ويكره توجيه الذبيحة إلى غير القبلة، والذبح بآلة كالّة. وإن يحد السكين والحيوان يبصره (1). وإن يكسر عنق الحيوان، أو يسلخه حتى يبرد. فإن فعل (2) أساء وأُكلت).
أما كون توجيه الذبيحة إلى غير القبلة يكره؛ فلأنه خلاف فعل النبي صلى الله عليه وسلم. فإنه روي «أنه ضحى ووجّه (3) أضحيته إلى القبلة وقال: {وجهت وجهي
…
الآيتين} [الأنعام: 79، 162]» (4).
ولأن الذبح قد يكون قربة؛ كذبح الأضحية. فكره توجيه الذبيحة إلى غير القبلة؛ كالأذان.
وأما كون الذبح بآلة كالّة يكره؛ فلأن في ذلك تعذيباً للحيوان، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«إذا ذبحتمْ فأحسنِوا الذِّبحة. وليحدَّ أحدُكمْ شفرتَه، وليُرِحْ ذبيحَتَه» (5). رواه أبو داود.
(1) في أ: ينظره.
(2)
في أ: فعله.
(3)
في أ: أنه لما ضحى وجّه.
(4)
أخرجه أبو داود في سننه (2795) 3: 95 كتاب الضحايا، باب ما يستحب من الضحايا.
وأخرجه ابن ماجة في سننه (3121) 2: 1043 كتاب الأضاحي، باب أضاحي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(5)
أخرجه مسلم في صحيحه (1955) 3: 1548 كتاب الصيد والذبائح، باب الأمر بإحسان الذبح والقتل وتحديد الشفرة.
وأخرجه أبو داود في سننه (2815) 3: 100 كتاب الأضاحي، باب في النهي أن تصبر البهائم والرفق بالذبيحة.
وأخرجه الترمذي في جامعه (1409) 4: 23 كتاب الديات، باب ما جاء في النهي عن المثلة.
وأخرجه النسائي في سننه (4412) 7: 229 كتاب الضحايا، باب حسن الذبح.
وأخرجه ابن ماجة في سننه (3170) 2: 1058 كتاب الذبائح، باب إذا ذبحتم فأحسنوا الذبح.
وأما كون حَدِّ السكين والحيوان يبصره يكره؛ فـ «لأن عمر رضي الله عنه رأى رجلاً قد وضعَ رجله على شاةٍ وهو يحد السكينَ. فضربهُ حتى أفلتتِ الشاة» (1).
وأما كون كسر عنق الحيوان وسلخه قبل برده يكره؛ فلأن في ذلك تعذيباً للحيوان.
وأما كون من فعل ذلك كله أساء؛ فلارتكابه فعل المكروه.
وأما كون ذبيحته تؤكل؛ فلأنه لم يوجد سبب يقتضي تحريمها (2).
قال: (وإذا ذبح الحيوان ثم غرق في ماء، أو وطئ عليه شيء يقتله مثله فهل يحل؟ على روايتين).
أما كون ما ذكر يحل على روايةٍ؛ فلحصول ذبحه، وطرآن الأسباب المذكورة حصل بعد الموت بالذبح. فلم يؤثر ما أصابه بحصوله بعد الحكم بحله.
وأما كونه لا يحل على روايةٍ؛ فلأن الماء والوطء أعان على قتله فيغلب حكمه؛ لاجتماع المبيح والحاظر، وفي الحديث:«إنْ وقعَ في الماءِ فلا تأكُل» (3).
(1) أخرج البيهقي في السنن الكبرى نحواً منه عن عاصم بن عبيدالله بن عاصم بن عمر بن الخطاب: «أن رجلاً حدّ شفرة وأخذ شاة ليذبحها فضربه عمر رضي الله عنه بالدرة وقال: أتعذب الروح؟ ألا فعلت هذا قبل أن تأخذها» 9: 280 كتاب الضحايا، باب الذكاة بالحديد
…
(2)
في أ: تحريمه.
(3)
أخرجه البخاري في صحيحه (5167) 5: 2089 كتاب الذبائح والصيد، باب الصيد إذا غاب عنه يومين أو ثلاثة.
وأخرجه مسلم في صحيحه (1929) 3: 1531 كتاب الصيد والذبائح، باب الصيد بالكلاب المعلمة.
قال: (وإذا ذبح الكتابي ما يحرم عليه كذي الظفر لم يحرم علينا. وإن ذبح حيواناً غيره لم تحرم علينا الشحوم المحرمة عليهم وهو شحم الثِّرب والكليتين في ظاهر كلام أحمد رحمه الله تعالى (1). واختاره ابن حامد وحكاه عن الخرقي في كلام مفرد، واختار أبو الحسن التميمي والقاضي تحريمه.
وإن ذبح لعيده أو ليتقرب به إلى شيء مما يعظمونه لم يحرم. نص عليه).
أما كون الكتابي إذا ذبح ما يحرم عليه كذي الظفر وهو الإبل والنعام والبط وما ليس بمشقوق الأصابع لا يحرم علينا؛ فلأن كونه محرماً (2) عليه لا يوجب تحريمه. بدليل الشحوم المحرمة عليه الآتي ذكرها.
ولأن الله تعالى أباح لنا طعامهم، وذلك يستلزم كونهم أهلاً للذبح، وإذا كانوا كذلك كان ما ذبحوه مما ذكر ذبحاً صدر من أهله. فلم يحرم علينا؛ كغيره من الذبائح.
وأما كونه إذا ذبح حيواناً غير ما يحرم عليه لا تحرم علينا الشحوم المحرمة على أهل الكتاب في ظاهر كلام الإمام أحمد؛ فلما روى عبدالله بن مغفل قال: «دُلِّيَ جرابٌ من شحمٍ [من قصرِ خيبر] (3). فبرزتُ لآخذه فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم إليّ» (4) متفق عليه.
ولأن ذكاة الكتابي ذكاة أباحت اللحم والجلد. فأباحت الشحم؛ كذكاة المسلم.
وأما كونه يحرم في اختيار أبي الحسن والقاضي؛ فلأن الله تعالى قال: {وطعامُ الذين أوتوا الكتاب حل لكم} [المائدة: 5]، وليس الشحوم المذكورة [من طعامهم.
(1) في أ: رضي الله عنه.
(2)
في أ: يحرم.
(3)
زيادة من أ.
(4)
أخرجه البخاري في صحيحه (2984) 3: 1149 أبواب الخمس، باب ما يصيب من الطعام في أرض الحرب.
وأخرجه مسلم في صحيحه (1772) 3: 1393 كتاب الجهاد والسير، باب جواز الأكل من طعام الغنيمة في دار الحرب.
ولأن الشحوم المذكورة] (1) جزء من الذبيحة لم تُبح لذابحها. فلم تبح لغيره؛ كالدم.
والأول أصح؛ لما تقدم.
والآية حجة للحل؛ لأن معنى طعامهم: ذبائحهم. كذلك فسره العلماء.
وأما كون الشحوم المحرمة على الكتابي شحم الثِّرب والكليتين؛ فلأن السدي قال في تفسير قوله تعالى: {ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما} [الأنعام: 146] هي: شحم الثرب والكلى.
فإن قيل: ما الفرق بين ذي الظفر وبين الشحوم المذكورة حيث لا خلاف في الأول وفي الثاني خلاف؟
قيل: الخلاف فيهما صرح به المصنف في المغني فإذاً لا فرق فيه.
وأما كونه إذا ذبح لعيده أو ليتقرب به إلى شيء مما يعظمونه لا يحرم على منصوص الإمام أحمد؛ فلأن الذابح قصد الذكاة وهو ممن تحل ذبيحته.
وقال ابن عقيل في فصوله: وعندي أنه يكون ميتة؛ لقوله تعالى: {وما أهل به لغير الله} [البقرة: 173].
قال: (ومن ذبح حيواناً فوجد في بطنه جراداً، أو طائراً فوجد في حوصلته حباً، أو وجد الحب في بعر الجمل لم يحرم.
وعنه: يحرم).
أما كون ما وُجد من الجراد في بطن الحيوان إذا ذبح لا يحرم على المذهب؛ فلعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «الحل (2) ميتته» (3).
ولأنه حيوان لا يعتبر له ذبح. فيباح أكله؛ كغير المأكول.
وأما كونه يحرم على روايةٍ؛ فلأنه مأكول. فلم يؤكل مرة أخرى؛ كالطعام المأكول إذا أخرجه الآكل من جوفه بعد أكله.
(1) ساقط من د.
(2)
في د: والحل.
(3)
سبق تخريجه ص: 367.
وأما كون ما وجد في حوصلة الطائر وفي بعر الجمل من الحب لا يحرم على المذهب؛ فبالقياس على الجراد المذكور قبل.
وأما كونه يحرم على روايةٍ؛ فلأنه مأكول مرة فلا يؤكل أخرى.