الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب الشهادة على الشهادة
والرجوع عن الشهادة
الأصل في الشهادة على الشهادة في الجملة الإجماع والمعنى: أما الإجماع؛ فقال أبو عبيد: أجمعت العلماء من أهل الحجاز والعراق على إمضاء الشهادة على الشهادة في الأموال.
وأما المعنى؛ فلأن الحاجة داعية إليها فإنها لو لم تقبل لبطلت الشهادة بالوقوف، وما تأخر إثباته عند الحكام لو ماتت شهوده. وفي ذلك ضرر عظيم ومشقة شديدة.
قال المصنف رحمه الله: (تُقبل الشهادة على الشهادة فيما يُقبل فيه كتاب القاضي، وترد فيما يرد فيه. ولا تُقبل إلا أن تتعذر شهادة شهود الأصل بموتٍ أو مرضٍ أو غيبةٍ إلى مسافة القصر. وقيل: لا تُقبل إلا بعد موتهم).
أما كون الشهادة على الشهادة تُقبل فيما يُقبل فيه كتاب القاضي وترد فيما يرد فيه؛ فلأنها في معناه؛ لاشتراكهما في كونهما فرعاً لأصل.
وأما كونها لا تُقبل إلا أن يتعذر فيها شهود الأصل؛ فلأنه إذا أمكن سماع الحاكم شهادة شهود الأصل يكون قادراً على سماع الأصل. فلم يجز العدول عنه؛ كسائر الأصول مع فروعها.
ولأن قدرة القاضي على سماع شهود الأصل يقتضي البحث عن عدالة شاهدي الفرع، ويمكنه العلم بشهادة شهود الأصل. فلم يجز له العدول إلى ظن شهادتهم بشهادة شاهدي الفرع.
وأما كون التعذر بموتٍ فلا خلاف فيه؛ لتحققه معه.
وأما كونه بمرضٍ أو غيبةٍ إلى مسافة القصر على المذهب؛ فلأن الشهادة يتعذر معهما. أشبها الموت.
وأما كون الشهادة المذكورة لا تُقبل إلا بعد موت شهود الأصل على قول؛ فلأن المريض ترجى عافيته والغائب يرجى قدومه.
والأول أصح؛ لما تقدم.
ولأن انتظار صحة المريض وقدوم الغائب يؤدي إلى ضرر صاحب الحق وتأخير حقه لأمر يحتمل أن يصير ويحتمل أن لا يصير.
فعلى هذا يتعدى الأمر إلى المحبوس والخائف من سلطان أو غيره أو نحو ذلك؛ لأن جميع ذلك تتعذر معه الشهادة من شهود الأصل. أشبها المريض والغائب.
قال: (ولا يجوز لشاهد الفرع أن يشهد إلا أن يسترعيه شاهد الأصل فيقول: اشهد على شهادتي أني أشهد أن فلان ابن فلان وقد عرفتُه بعينه واسمه ونسبه أقرّ عندي وأشهدني على نفسه طوعاً بكذا، أو شهدتُ عليه أو أقرّ عندي بكذا).
أما كون شاهد الفرع لا يجوز له أن يشهد إذا لم يسترعيه شاهد الأصل؛ فلأن الشهادة على الشهادة فيها معنى النيابة، والنيابة بغير إذن لا يجوز.
فإن قيل: إذا كان استرعاء شاهد الأصل معتبراً في شهادة الفرع فهل يعتبر أن يسترعيه بعينه أم يجوز لم لم يسترع أن يشهد على شهادته؟
قيل: فيه وجهان: أحدهما: يعتبر أن يسترعيه بعينه. وهو ظاهر كلام المصنف رحمه الله هنا؛ لأنه ذكر هاهنا شاهد الفرع. ثم قال: يسترعيه فأعاد الضمير إليه ثم أتبعه بقوله فيقول: اشهد على شهادتي.
والثاني: لا يعتبر أن يسترعيه بعينه بل إذا سمع رجلاً يسترعي رجلاً جاز للسامع أن يشهد وإن لم يسترعه وهو الذي رجحه المصنف رحمه الله في المغني وعلله بحصول الاسترعاء.
وأما كونه يجوز له ذلك إذا استرعاه شاهد الأصل؛ فلأن المانع منه عدم إذنه له، وذلك مفقود مع ذلك.
وأما كون الاسترعاء كما ذكر المصنف رحمه الله؛ فلأنه محصل للغرض.
قال: (وإن سمعه يقول: أشهد على فلان بكذا لم يجز أن يشهد؛ إلا أن يسمعه يشهد عند الحاكم أو يشهد بحقٍ يعزيه إلى سببٍ من بيعٍ أو إجارةٍ أو قرضٍ فهل يشهد به؟ على وجهين).
أما كون شاهد الفرع لا يجوز أن يشهد إذا سمع شاهد الأصل يقول: أشهد على فلان بكذا من غير ذكر سبب ولا شهادة عند الحاكم؛ فلأن شاهد الأصل لم يسترعه الشهادة.
ولأن شاهد الأصل يجوز أن يريد بالشهادة العلم ولو قال: أعلم لم يجز للفرع أن يشهد على شهادته.
وأما كون من سمع من يشهد عند الحاكم أو يعزي شهادته إلى سبب يجوز له أن يشهد على شهادته على وجه؛ فلأن بشهادته عند الحاكم وعزوه الاستحقاق إلى سبب يزول الاحتمال ويرتفع الإشكال.
وأما كونه لا يجوز له ذلك على وجه؛ فلأنه لم يسترعه للشهادة عليه.
قال: (وتثبت شهادة شاهدي الأصل بشهادة شاهدين يشهدان عليهما سواء شهدا على كل واحدٍ منهما أو شهد على كل واحدٍ منهما شاهد من شهود الفرع. وقال أبو عبدالله بن بطة: لا تثبت حتى يشهد أربعة على كل شاهد أصل شاهدا فرع).
أما كون شهادة شاهدي الأصل تثبت بشهادة شاهدين يشهدان عليهما على المذهب؛ فلأن شهود الفرع بدل عن شهود الأصل، وشاهدا الأصل اثنان فكذا الأصل (1).
فعلى هذا لا فرق في الشاهدين بين أن يشهد كل واحدٍ على واحدٍ وبين أن يشهدا على كل واحدٍ منهما؛ لأن الغرض مشابهة الفرع الأصل وبالأول تحصل المشابهة وبالثاني تتأكد القضية والمطلوب حصول المشابهة لا تأكد القضية.
وأما كونها لا تثبت حتى يشهد أربعة على كل أصلٍ فرعان على قول ابن بطة؛ فلأن شاهدي الفرع يُثبتان شهادة شاهدي الأصل. فلا تثبت شهادة كل
(1) كذا في د. ولعل الصواب: الفرع.
واحدٍ منهما بواحدٍ؛ كما لا يثبت إقرار مقرين بشهادة اثنين يشهد كل واحدٍ منهما على واحد.
قال: (ولا مدخل للنساء في شهادة الفرع. وعنه: لهن مدخلٌ فيشهد رجلان على رجل وامرأتين، أو رجل وامرأتان على رجل وامرأتين. وقال القاضي: لا تجوز شهادة رجلين على رجل وامرأتين نص عليه أحمد. قال أبو الخطاب: وفي هذه الرواية سهو من ناقلها).
أما كون النساء لا مدخل لهن في شهادة الفرع على المذهب؛ فلأنهن يثبتن بشهادتهن شهادة الأصل، وليست بمال ولا المقصود منها المال ويطلع عليها الرجال في غالب الأحوال. أشبه القصاص والحد.
وأما كونهن لهن مدخلٌ فيها على روايةٍ؛ فلأن المقصود من شهادتهن إثبات الحق الذي يشهد به شهود الأصل. فكان لهن في ذلك مدخل؛ كالبيع.
فعلى الأول لا يشهد رجلان على رجل وامرأتين، وعلى الثاني يشهد رجلان على رجل وامرأتين.
وأما كون شهادة رجلين على رجل وامرأتين لا يجوز على قول القاضي أنه منصوص الإمام أحمد؛ فلأن في الشهادة على الشهادة ضعفاً وفي شهادة النساء ضعف فلا يضم ضعف إلى ضعف.
وأما كون هذه الرواية سهواً من ناقلها على قول أبي الخطاب؛ فلأنه إذا قُبل شهادة امرأة على شهادة امرأة. فلأن تقبل شهادة رجل على شهادة امرأة بطريق الأولى؛ لأن الرجل أحسن حالاً من المرأة.
ولأن ناقل هذه الرواية قال فيها: أقبل فيها شهادة رجل على شهادة رجلين وذلك مما لا وجه له؛ لأن رجلاً واحداً لو كان أصلاً فشهد في القتل العمد ومعه ألف امرأة لا يُقبل فإذا شهد بها وحده وهو فرع كيف يقبل ويحكم بها؟ .
قال: (ولا يجوز للحاكم أن يحكم بشهادة شاهدي الفرع حتى يثبت عنده عدالتهما وعدالة شاهدي الأصل).
أما كون الحاكم لا يجوز له أن يحكم بشهادة شاهدي الفرع حتى يثبت عنده عدالة شاهدي الفرع؛ فلأن الحق يترتب على قولهما ويثبت به.
وأما كونه لا يجوز له ذلك حتى يثبت عنده عدالة شاهدي الأصل؛ فلأنهما أصلان. فلأن تعتبر عدالتهما بطريق الأولى.
قال: (وإن شهدا عنده فلم يحكم حتى حضر شهود الأصل وُقف الأمر على سماع شهادتهم. وإن حدث منهم ما يمنع قبول الشهادة لم يجز الحكم).
أما كون الأمر يُوقف على سماع شهادة شهود الأصل إذا حضروا قبل الحكم بشهادة شاهدي الفرع؛ فلأن الحاكم قدر على الأصل قبل العمل بالبدل. فلم يجز العمل؛ كما لو تيمم ثم قدر على الماء قبل الصلاة.
ولأن حضورهما لو وجد في ابتداء الشهادة منع. فإذا طرأ قبل الحكم منع؛ كالفسق.
وأما كون الحكم لا يجوز إذا حدث من شهود الفرع ما يمنع قبول الشهادة كفسق بعضهم؛ فلأن ما كان شرطاً في قبول الشهادة كان استمراره إلى حين الحكم شرطاً في جوازه. دليله: عدالة الأصل بعد أدائه.
قال: (وإن حكم بشهادتهما ثم رجع شهود الفرع لزمهم الضمان. وإن رجع شهود الأصل لم يضمنوا. ويحتمل أن يضمنوا).
أما كون شهود الفرع إذا رجعوا لزمهم الضمان فيما ذكر؛ فلأنهم بشهادتهم حالوا بين صاحب الحق وبين حقه على وجهٍ لا يمكن استدراكه وذلك يوجب الضمان. دليله: ما لو شهد شاهدان بمال لزيدٍ فحكم الحاكم له ثم رجعا. وسيأتي ذكر ذلك ودليله (1).
وأما كون شهود الأصل إذا رجعوا لا يضمنون على المذهب؛ فلأن شهادتهم ما ألجأت القاضي إلى الحكم.
وأما كونهم يحتمل أن يضمنوا؛ فلأن شاهدي الفرع نائبا شاهدي الأصل لما حصل الإلجاء بشهادة شاهدي الفرع.
(1) ص: 682.
فصل [إذا رجع الشهود]
قال المصنف رحمه الله: (ومتى رجع شهود المال بعد الحكم لزمهم الضمان، ولم ينقض الحكم سواء كان قبل القبض أو بعده، وسواء كان المال قائماً أو تالفاً).
أما كون شهود المال إذا رجعوا بعد الحكم يلزمهم الضمان؛ فلأنهم حالوا بين المالك وماله بشهادتهم الثابت كونها باطلة بقولهم. فلزمهم الضمان؛ كما لو غصب غاصبٌ العبد وهرّبه.
وأما كون الحكم لا ينقض؛ فلأن حق المشهود له وجب بالحكم. فلا يسقط بعد وجوبه بقول الشهود واعترافهم بالكذب؛ لأنه يحتمل كذبهم فيه.
ولأن رجوعهم ليس بشهادة، والحق الثابت بشهادة أو إقرار لا يزيله إلا شهادة على صاحبه أو إقرار منه.
وأما كون ذلك كذلك سواء كان قبل القبض أو بعده، وسواء كان المال قائماً أو تالفاً؛ فلأن وجوب الحق متعلق بالحكم وهو موجود في الأمور المذكورة على حدٍ سواء.
قال: (وإن رجع شهود العتق غرموا القيمة. وإن رجع شهود الطلاق قبل الدخول غرموا نصف المسمى. وإن كان بعده لم يغرموا شيئاً. وإن رجع شهود القصاص أو الحد قبل الاستيفاء لم يستوف. وإن كان بعده وقالوا: أخطأنا فعليهم دية ما تلف).
أما كون شهود العتق يغرمون القيمة إذا رجعوا؛ فلأنهم حالوا بين مالك العبد وملكه بشهادتهم بعتقه وقد اعترفوا بكذبهم. فلزمهم قيمته؛ كما لو غصب عبداً فهرَّبه.
وأما كون شهود الطلاق يغرمون نصف المسمى إذا رجعوا قبل الدخول؛ فلأنهم فوَّتوا ذلك على الزوج حيث أوجبوه عليه بشهادتهم التي تبيَّن كذبها.
وأما كونهم لا يغرمون شيئاً إذا رجعوا بعد الدخول؛ فلأن المنفعة التي قابلت المهر استوفاها بدخوله بالزوجة المشهود بطلاقها وإذا كان كذلك لم يفوت الشهود على المشهود عليه شيئاً لم يستوف نفعه.
وأما كون شهود القصاص والحد لا يستوفى ما شهدوا به إذا رجعوا قبل الاستيفاء؛ فلأن رجوعهم شبهة، والحد يسقط بالشبهة، والقصاص عقوبة. فوجب أن يساويه في حكمه.
وأما كونهم عليهم الدية إذا رجعوا بعد الاستيفاء وقالوا: أخطأنا؛ فلأن بإقراره تمّ تبين أن التلف حصل بسببهم لكن على طريق الخطأ. فلزمتهم الدية؛ كما لو قتل شخصٌ شخصاً خطأ.
قال: (ويتقسّط الغرم على عددهم. فإن رجع أحدهم وحده غَرم بقسطه).
أما كون الغرم يتقسّط على عدد الشهود؛ فلأن التفويت حصل منهم كلهم. فوجب تقسيط الغرامة عليهم كلهم؛ كما لو اتفق جماعة وأتلفوا ملكاً لإنسان.
وأما كون الواحد يغرم بقسطه؛ فلأن الإتلاف حصل بشهادتهم. فوجب أن يغرم الراجع بقسطه؛ كما لو رجع الجميع.
ولأن ما يضمنه كل واحدٍ مع اتفاقهم على الرجوع يجب أن يضمنه الراجع إذا انفرد؛ كما لو كانوا أربعة.
قال: (وإذا شهد عليه ستة بالزنا فرُجم ثم رجعَ منهم اثنان غرُما ثلثَ الدية. وإن رجع الكل لزمتهم الدية أسداساً).
أما كون الشاهدين الراجعين يغرمان ثلث الدية؛ فلأنهم اثنان من ستة.
وأما كون الدية تلزم الكل أسداساً إذا رجعوا؛ فلأنهم ستة، والغرامة تقسط عليهم.
قال: (وإن شهد أربعة بالزنا واثنان بالإحصان فرُجم ثم رجع الجميع لزمتهم الدية أسداساً في أحد الوجهين، وفي الآخر على شهود الزنا النصف، وعلى شهود الإحصان النصف).
أما كون الدية تلزم من ذكر أسداساً؛ فلأن الرجم مستند إلى شهادة ستة، والغُرم يقسط على عدد الشهود.
وأما كونها تلزمهم نصفين؛ فلأن بينة الإحصان غير بينة الزنا. فيجب أن تنقسم عليهما.
قال: (وإن شهد أربعة بالزنا وشهد اثنان منهم بالإحصان صحت الشهادة. فإن رُجم ثم رجعوا عن الشهادة فعلى من شهد بالإحصان ثلُثا الدية على الوجه الأول، وعلى الثاني تلزمهم ثلاثة أرباعها).
أما كون الشهادة المذكورة تصح؛ فلأنها لا مانع من صحتها.
وأما كون شهود الإحصان عليهم ثلُثا الدية على الوجه الأول؛ فلأن الرجم مستند إلى شهادة ستة معنى؛ لأن شهود الإحصان من حيث الإحصان اثنان، ومن حيث الزنا اثنان والآخران تكملة بينة الزنا، وإذا كان كذلك فعلى شهود الإحصان من حيث الإحصان ثلث الدية؛ لأنهما ثلث البينة، ومن حيث الزنا ثلثها؛ لأنهما ثلث الستة.
وأما كونهم يلزمهم ثلاثة أرباع الدية على الوجه الثاني؛ فلأن الدية تقسط على بينتي الزنا والإحصان نصفين. فلزم بينة الإحصان النصف من حيث إنهما بينة إحصان، ويلزمهما الربع من حيث إنهما نصف بينة الزنا، ومجموع ذلك ثلاثة أرباع الدية.
قال: (وإن حكم بشاهدٍ ويمينٍ فرجع الشاهد غرُم المال كله. ويتخرج أن يغرم النصف).
أما كون الشاهد المذكور يغرُم المال كله؛ فلأن قول الخصم ليس بحجةٍ على خصمه. وإنما هو شرط الحكم. فجرى مجرى مطالبته للحاكم بالقضاء له.
وأما كونه يتخرج أن يغرم النصف؛ فلأن اليمين أحد حُجتي الدعوى. فلم يكن على الشاهد أكثر من النصف؛ كما لو كان معه شاهد آخر.
قال: (وإن بانَ بعد الحكم أن الشاهدين كانا كافرين أو فاسقين نقض ويرجع بالمال أو ببدله على المحكوم له. وإن كان المحكوم به إتلافاً فالضمان على المزكين، فإن لم يكن ثَمَّ تزكية فعلى الحاكم. وعنه: لا ينقض إذا كانا فاسقين).
أما كون الحكم ينقض إذا بانَ الشاهدان كافرين؛ فلأن شرط الحكم كون الشاهد مسلماً ولم يوجد.
وأما كونه ينقض إذا بانَ الشاهدان فاسقين على المذهب؛ فلما ذكر في الكافر.
وأما كونه لا ينقض على روايةٍ؛ فلأن شرط الحكم أن لا يظهر للقاضي فسق الشهود وذلك موجود.
والفرق بين الكفر والفسق: أن الكفر لا يخفى غالباً. بخلاف الفسق فإنه يخفى غالباً فلذلك كان المعتبر في الكفر عدمه وفي الفسق عدم ظهوره.
وأما كون المال يرجع به أو ببدله على المحكوم له؛ فلأن الحكم قد نقض. فيجب أن يرجع الحق إلى مستحقه. فإذا كان ذلك موجوداً لزم رده بعينه، وإن كان تالفاً لزم رد بدله.
وأما كون الضمان على المزكين إذا كان المحكوم به إتلافاً؛ كالقتل والقطع وما أشبههما؛ فلأن المحكوم به تعذر رده، وشهود التزكية ألجؤا الحاكم إلى الفعل المذكور. فلزمهم ضمانه؛ كما لو شهد عدلان بحقٍ ثم حكم الحاكم ثم رجعا.
وأما كونه على الحاكم إذا لم يكن تزكية؛ فلأن التلف حصل بفعله أو بأمره. فلزمه ضمانه: أما فيما إذا حصل بفعله مثل: أن يقتل أو يقطع أو ما أشبه ذلك بنفسه؛ فظاهر.
وأما فيما إذا أمر بذلك؛ فلأن الحاكم سلّطه على ذلك ومكّنه منه.
فإن قيل: إذا أمر الحاكم الولي بالاستيفاء ينبغي أن يكون الضمان عليه؛ كما لو حكم له بمال فقبضه ثم بان فسقُ الشهود فإن الضمان على المستوفي دون الحاكم فكذا هاهنا.
قيل: ثَمَّ حصل في يد المستوفي مال المحكوم عليه بغير حقٍ. فوجب عليه رده وضمانه إن تلف وهاهنا لم يحصل في يده شيء، وإنما أتلف شيئًا بخطأ الإمام وتسليطه عليه فافترقا.
وقال المصنف رحمه الله في المغني: في محل الضمان روايتان:
إحداهما: في بيت المال؛ لأن الحاكم نائب المسلمين ووكيلهم، وخطأ الوكيل في حق موكله عليه.
ولأن خطأ الحاكم يكثر؛ لكثرة تصرفاته وحكوماته. فإيجاب ضمان ما يخطئ فيه على عاقلته إجحاف بهم.
والرواية الثانية: هي على عاقلته مخفّفة مؤجلة؛ لما روي «أن امرأة ذُكرت عند عمر بسوء فأنفذَ إليها فأجهضت. فبلغَ ذلك عمر فشاورَ الصحابة. فقال بعضهم: لا شيءَ عليكَ. وقال علي: أرى عليك الدية. فقال عمر: عزمتُ عليك أن لا تبْرح حتى تقسمها على قومك» (1). يعني قريشاً؛ لأنهم عاقلة عمر، ولو كان خطؤه واجباً في بيت المال لم يوجب الدية على عاقلته.
ولأن تلف المحكوم به حصل بخطئه فكان على عاقلته كخطئه في غير الحكم.
فعلى هذه الرواية إن كان المتلفُ يبلغ ثلث الدية فصاعداً تحملته العاقلة والكفارة تجب في ماله؛ لأن العاقلة في قتل الخطأ تحمل الثلث فصاعداً دون الكفارة فكذلك هاهنا، وإن كان المتلف أقل من الثلث فذلك في ماله؛ لأن العاقلة لا تحمل أقل من الثلث، وعلى الرواية الأولى الكفارة والقليل والكثير من الدية في بيت المال؛ لأن جعل ذلك في بيت المال لعلة أنه نائب عنهم وخطأ النائب على من استنابه وهذا يدخل فيه القليل والكثير.
ولأنه يكثر خطؤه فجعل الضمان في ماله يجحف به وإن قل لكثرته بتكرره.
(1) أخرجه عبدالرزاق في مصنفه (18010) 9: 458 كتاب العقول، باب من أفزعه السلطان.
قال: (وإن شهدوا عند الحاكم بحقٍّ ثم ماتوا حكم بشهادتهم إذا ثبتت عدالتهم).
أما كون الشهود إذا ماتوا بعد أن شهدوا عند الحاكم بحقٍ يحكم بشهادتهم؛ فلأن الموت لا يؤثر في الشهادة ولا يدل على الكذب فيها ولا يحتمل أن يكون موجوداً حال أداء الشهادة. بخلاف الفسق فإنه يحتمل ذلك.
وأما كون ثبوت عدالتهم شرطاً؛ فبالقياس على الحياة.
وفي قول المصنف رحمه الله: إذا ثبتت عدالتهم؛ تنبيه على أن الموت لا يُسقط اعتبار العدالة في حق الشهود. وهو صحيح؛ لأن العدالة إنما اعتبرت بحصول الثقة للقاضي بقول الشاهد، وذلك موجود مع الموت كالحياة.
قال: (وإذا علم الحاكم بشاهد الزور عزّره وطاف به في المواضع التي يشتهر فيها فيقال: إنا وجدنا هذا شاهد زور فاجتنبوه).
أما كون الحاكم إذا علم بشاهد الزور يعزره؛ فلأن ذلك قول عمر رضي الله عنه ولم يعرف له مخالف.
ولأن قول الزور معصية لا حد فيه. فوجب فيه التعزير؛ كالشتم.
وأما كونه يطوف به في المواضع المذكورة؛ فليشتهر أمره ليجْتنب.
وأما كون الطائف به يقول كما ذكر المصنف رحمه الله؛ فلأن الشهرة بمفردها لا يحصل بها إعلام الناس به. فلم يكن بد من القول المذكور أو ما أشبهه.
قال: (ولا تُقبل الشهادة إلا بلفظ الشهادة، فإن قال: أعلم أو أُحق لم يُحكم به).
أما كون الشهادة لا تُقبل إلا بلفظ الشهادة؛ فلأنا قد تعبدنا بذلك. فلا يقوم غيره مقامه؛ كالصلاة.
وأما كون الشاهد إذا قال: أعلم أو أُحِق لا يُحكم به؛ فلأن الحكم يعتمد لفظ الشهادة؛ لما ذكر ولم يوجد.