المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب جامع الأيمان - الممتع في شرح المقنع - ت ابن دهيش ط ٣ - جـ ٤

[ابن المنجى، أبو البركات]

فهرس الكتاب

- ‌كتاب الجنايات

- ‌باب شروط القصاص

- ‌باب استيفاء القصاص

- ‌باب العفو عن القصاص

- ‌باب ما يوجب القصاص فيما دون النفس

- ‌كتاب الديات

- ‌باب مقادير ديات النفس

- ‌باب ديات الأعضاء ومنافعها

- ‌باب الشجاج وكسر العظام

- ‌باب العاقلة وما تحمله

- ‌باب كفارة القتل

- ‌باب القسامة

- ‌كتاب الحدود

- ‌باب حد الزنى

- ‌باب القذف

- ‌باب حد المسكر

- ‌باب التعزير

- ‌باب القطع في السرقة

- ‌باب حد المحاربين

- ‌باب قتال أهل البغي

- ‌باب حكم المرتد

- ‌كتاب الأطعمة

- ‌باب الذ كاة

- ‌كتاب الصيد

- ‌كتاب الأيمان

- ‌باب جامع الأيمان

- ‌باب النذر

- ‌كتاب القضاء

- ‌باب أدب القاضي

- ‌باب طريق الحكم وصفته

- ‌باب حكم كتاب القاضي إلى القاضي

- ‌باب القسمة

- ‌باب الدعاوي والبينات

- ‌باب في تعارض البينتين

- ‌كتاب الشهادات

- ‌باب شروط من تقبل شهادته

- ‌باب موانع الشهادة

- ‌باب أقسام المشهود به

- ‌باب الشهادة على الشهادة

- ‌باب اليمين في الدعاوى

- ‌كتاب الإقرار

- ‌باب ما يحصل به الإقرار

- ‌باب الحكم فيما إذا وصل بإقراره ما يغيره

- ‌باب الإقرار بالمجمل

الفصل: ‌باب جامع الأيمان

‌باب جامع الأيمان

قال المصنف رحمه الله: (ويرجع في الأيمان إلى النية. فإن لم يكن له نية رجع إلى سبب اليمين وما هيجها. فإذا حلف ليقضينّه حقه غداً فقضاه قبله لم يحنث إذا قصد أن لا يتجاوزه، أو كان السبب يقتضيه).

أما كون الأيمان يرجع فيها إلى النية؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وإنما لكل امرئ ما نوى» (1).

ولأن إطلاق العام وإرادة الخاص شائع في القرآن والشعر وكلام العرب فكذلك يجب أن يكون في كلام الحالف. ولا فرق بين أن تكون ظاهر اللفظ أو غير ظاهره؛ لأن المصحح النية وهو موجود فيهما.

وأما كونها يرجع فيها إلى سبب اليمين وما هيجها؛ فلأن السبب قرينة دالة على قصر اليمين عليه. أشبه النية.

فإن قيل: لو اجتمعت النية والسبب وتعارضا؛ مثل: إن تمنّن على رجل زوجته بغزلها فيحلف لا يلبس ثوباً من غزلها وينوي اللبس خاصة: فلأيهما الحكم؟

قيل: فيه وجهان:

أحدهما: تُقدَّمُ النية؛ لأنها الأصل.

والثاني قاله القاضي: يقدم السبب؛ لأن اللفظ ظاهر في العموم والسبب مقوٍّ له.

ولأن السبب هو الامتنان، وظاهر حاله قصد قطع المنة ولا يلتفت إلى نيته المخالفة لهذين الظاهرين.

(1) أخرجه البخاري في صحيحه (1) 1: 3 كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي.

وأخرجه مسلم في صحيحه (1907) 3: 1515 كتاب الإمارة، باب قوله صلى الله عليه وسلم:«إنما الأعمال بالنية» .

ص: 448

والأول أولى؛ لما تقدم.

وأما تقوية السبب الظاهر فلا يسلم أنها تبلغ بلوغاً تصير النية مرجوحاً معها.

وأما كون السبب يدل على قصد قطع المنة فالدلالة على القصد لا تعتبر مع العلم بانتفاء المدلول؛ كشهادة العدلين بموت من يعلم حياته.

وأما كون من حلف لغريمه ليقضينّه حقه غداً فقضاه قبله لا يحنث إذا كان قصده أن لا يتجاوزه أو كان السبب يقتضيه؛ فلأنه متى كان كذلك لم يخالف ما حلف عليه نظراً إلى نيته أو سببه، والعبرة بهما؛ لما تقدم.

قال: (وإن حلف لا يبيع ثوبه إلا بمائة فباعه بأكثر لم يحنث. وإن باعه بأقل حنث).

أما كون من حلف لا يبيع ثوبه إلا بمائة فباعه بأكثر لم يحنث؛ فلأنه ما خالف ما حلف عليه معنى.

وأما كونه يحنث إذا باعه بأقل؛ فلأن العرف يقتضي من تقييده نفسه من البيع بمائة يكون مانعاً لها من بيعها بأقل من ذلك. فيكون حلفه تنبيهاً على امتناعه من بيعه بما دون المائة وذلك يوجب الحنث؛ كما لو حلف ما له عليّ حبة وله عليّ شيء كثير.

قال: (وإن حلف لا يدخل داراً ونوى اليوم لم يحنث بالدخول في غيره. وإن دُعي إلى غداء فحلف لا يتغدى اختصت يمينه به إذا قصده).

أما كون من حلف لا يدخل داراً ونوى اليوم لا يحنث بالدخول في غيره؛ فلأن النية خصصت الدخول باليوم فاختص الحنث بالدخول فيه؛ لما تقدم من أن العبرة في الأيمان بالنية.

ولأن اللفظ العام يصير بالإرادة خاصاً، ولو كانت يمينه خاصة؛ كقوله: لا دخلت داراً اليوم لم يحنث بالدخول في غيره فكذلك إذا نواه.

وأما كون من دُعي إلى غداء فحلف لا يتغدى يختص يمينه بالغداء عند الداعي إذا قصده؛ فلأن اللفظ وإن كان عاماً لكن القصد خصصه. فصار كما لو دُعي إلى غداء فحلف لا يتغدى عند الداعي.

ص: 449

قال: (وإن حلف لا يشرب له الماء من العطش يقصد قطع المنَّةِ حنثَ بأكل خبزهِ واستعارةِ دابتهِ وكل ما فيه المنَّة).

أما كون من حلف بما ذكر وقد قصد قطع المنَّة يحنث بما ذكر في الجملة؛ فلأن تعميم اللفظ بتعميم القصد شائع في الشرع، منه قوله تعالى:{ولا تُظلمون فَتيلا} [النساء: 77]، وقوله تعالى:{فإذًا لا يُؤتون الناس نقيرًا} [النساء: 53].

ومنه قول الحطيئة يهجو قوماً:

ولا يَظلمون الناس حبة خردل

وإذا كان تعميم اللفظ بتعميم القصد شائعاً صار قول من حلف: لا يشرب له الماء من العطش مع قصد قطع المنَّة بمنزلة حلفه: لا فعلت فعلاً فيه منة ثم فعل شيئاً مما ذكر.

وأما كونه يحنث بكل واحد من أكل خبزه، واستعارة دابته، وكل ما فيه منَّة؛ فلأن العبرة بالقصد كما تقدم، والمنَّة موجودة في كل واحد مما (1) ذكر.

قال: (وإن حلف لا يلبس ثوباً من غزلها يقصد قطع منّتِها فباعه واشترى بثمنه ثوباً فلبسه: حنث. وكذلك إن انتفع بثمنه).

أما كون من حلف لا يلبس ثوباً من غزل المحلوف على غزلها يقصد قطع منَّتها فباعه واشترى بثمنه ثوباً فلبسه: حنث؛ فلأنه قصد بيمينه قطع المنّة، والمنّة حاصلة بما ذكر. فوجب أن يحنث؛ كما لو حلف لا ينتفع بغزلها فباعه واشترى بثمنه ثوباً ولبسه.

وأما كونه يحنث إذا انتفع بثمنه؛ فلأن القصد قطع المنَّة، وفي الانتفاع بغير اللبس منَّة. فيجب أن يحنث به؛ كاللبس.

قال: (وإن حلف لا يأوي معها في دار يريد جفاءها ولم يكن للدار سبب هيج يمينه فأوى معها في غيرها حنث).

أما كون من حلف بما ذكر يريد جفاء المحلوف عليها يحنث إذا أوى معها في غير دار في الجملة؛ فلأن القصد جفاؤها، ولم يحصل في غير دار.

(1) في د: ما.

ص: 450

وأما كون ذلك يشترط فيه أن لا يكون للدار سبب هيج يمينه؛ فلأن الدار إذا كان لها سبب هيج يمينه فأوى معها في غيرها لا يحنث. وصرح به في المغني وعلله بأنه قَصَد جفاء زوجته في مكان مخصوص ولم يخالف ما حلف عليه.

قال: (وإن حلف لعامل لا يخرج إلا بإذنه فعُزِلَ، أو على زوجته فطلقها، أو على عبده فأعتقه ونحوه، يريد ما دام كذلك انحلت يمينه. وإن لم تكن له نية انحلت يمينه أيضاً ذكره القاضي؛ لأن الحال تصرف اليمين إليه. وذكر في موضع آخر أن السبب إذا كان يقتضي التعميم عممناها به. وإن اقتضى الخصوص مثل: من نذرَ لا يدخلُ بلداً لظُلمٍ رآهُ فيه فزال الظلم فقال أحمد: النذر يُوفى به.

والأول أولى؛ لأن السبب يدل على النية فصار كالمنوي سواء).

أما كون من حلف بما ذكر لعامل فعُزِلَ، أو على زوجته فطلقها، أو على عبده فأعتقه ونحو ذلك يريد ما دام كذلك تنحل يمينه؛ فلأن الخروج بعد عزل العامل وطلاق الزوجة وعتق العبد بغير إذن خروج لم يتناوله اليمين؛ لتخصيص لفظها بإرادة زمن العمالة والزوجية والعبودية.

وأما كونه إذا لم تكن له نية تنحل يمينه أيضاً على ما ذكره القاضي؛ فلما ذكره المصنف رحمه الله من أن الحال تصرف إلى حال كون المحلوف عليه على الصفة الموجودة فيه؛ لأن العرف يقضي بأن المنع من الخروج إلا بإذن العامل إنما كان لأجل كونه عاملاً، ومن خروج الزوجة والعبد إنما كان لأجل الولاية عليهما.

وأما كون النذر يُوفى به على المنصوص عن أحمد في مسألة الظلم فنظر إلى عموم اللفظ واللفظ في بقية المسائل عام. فيجب أن يعم.

وأما كون الأول أولى؛ فلما علل المصنف رحمه الله من أن السبب يدل على النية فصار كالمنوي سواء.

ولأن أصول الإمام تقتضي تقديم النية والسبب على عموم اللفظ، وذلك يوجب تخصيص اللفظ العام وقصره على الحاجة. فكذلك يجب في هذه المسألة؛ لكونها داخلة في القواعد الكلية.

ص: 451

قال: (وإن حلف لا رأيت منكراً إلا رفعته إلى فلان القاضي فعُزلَ انحلت يمينه إن نوى ما دام قاضياً. وإن لم ينو احتمل وجهين).

أما كون يمين من ذكر تنحل إن نوى ما دام قاضياً؛ فلأن الرفع بمنزلة الخروج فيما إذا حلف لعامل لا يخرج إلا بإذنه ونوى ما دام عاملاً، وهناك تنحل يمينه. فكذلك هاهنا.

وأما كونه إن لم ينو ذلك يحتمل وجهين؛ فلأن ذلك في معنى ما لو حلف لعامل اليمين المذكورة ولم ينو حال كونه عاملاً.

ص: 452

فصل [إذا عدمت النية والسبب]

قال المصنف رحمه الله: (فإن عدم ذلك رجع إلى التعيين. فإذا حلف لا يدخل دار فلان هذه فدخلها وقد صارت فضاء أو حماماً أو مسجداً أو باعها فلان، أو لا لبستُ هذا القميص فجعله سراويل أو رداء أو عمامة ولبسه، أو لا كلمتُ هذا الصبي فصار شيخاً، أو امرأة فلان، أو صديقه فلاناً، أو غلامه سعداً، فطلقت الزوجة وزالت الصداقة وعتق العبد وكلمهم، أو لا أكلتُ لحم هذا الحَمَل فصار كبشاً، أو لا أكلتُ هذا الرطب فصار تمراً أو دبساً أو خلاً، أو لا أكلتُ هذا اللبن فتغيّر أو عُمل معه شيء فأكله: حنثَ في ذلك كله. ويحتمل أن لا يحنث).

أما كون الأيمان يرجع فيها إلى التعيين إذا عدمت النية والسبب المتقدم ذكرهما المشار إليهما بذلك في قول المصنف رحمه الله: فإن عدم ذلك؛ فلأن التعيين أبلغُ من دلالة الاسم على المسمّى؛ لأنه ينفي الإيهام بالكلية. بخلاف الاسم، ولهذا لو شهد عدلان على عين شخص بحق وجب على الحاكم الحكم عليه، ولو شهد عدلان على المسمى باسم بحق لم يحكم عليه حتى يثبت أنه المسمى بذلك لا مشارك له فيه، وإذا كان التعيين أبلغ من دلالة الاسم على المسمى كان راجحاً عليه وتعين الرجوع إليه.

وأما كون من حلف بما تقدم ذكره يحنث بما ذكر على المذهب في مسألة الدار والقميص والصبي؛ فلأن التعيين يقتضي الحنث، وزوال الاسم ينفيه، والتعيين راجح على الاسم؛ لما تقدم.

وأما في مسألة المرأة والصديق والغلام؛ فلأن الإضافة فيها تقتضي وصف المحلوف على عدم كلامه بالزوجية والصداقة وكونه غلاماً، والصفة كالاسم بل أضعف فإذا غلب التعيين على الاسم. فلأن يغلب على الصفة أولى.

ص: 453

وأما في مسألة الحمل والرطب؛ فلأنهما كسكنى الدار والقميص من غير فرق. فالحنث في بعض يقتضي الحنث في البعض الآخر.

وأما في مسألة اللبن؛ فلأن تغيره وخلط شيء آخر معه بمنزلة زوال الاسم وذلك لا يضر؛ لما تقدم.

وأما كونه يحتمل أن لا يحنث في ذلك كله؛ فلأنه لو حلف على ذلك كله ناوياً الصفة التي حلف عليها لم يحنث إذا زالت، وقرينة الحال تدل على إرادة ذلك. فصار كالمنوي.

والأول أصح؛ لأن مقتضى التعيين الحنث وهو راجح؛ لما تقدم. تُرك العمل به في مسألة النية والسبب؛ لما تقدم. فوجب أن يعمل عند عدمهما عمله.

ص: 454

فصل [إذا عدمت النية والسبب والتعيين]

قال المصنف رحمه الله: (فإن عدم ذلك رجعنا إلى ما يتناوله الاسم.

والأسماء تنقسم ثلاثة أقسام: شرعية وحقيقية وعُرفية. فأما الشرعية فهي أسماء لها موضوع في الشرع وموضوع في اللغة؛ كالصلاة والصوم والزكاة والحج ونحوه فاليمين المطلقة تنصرف إلى الموضوع الشرعي وتتناول الصحيح منه. فإذا حلف لا يبيع فباع بيعاً فاسداً، أو لا ينكح فنكح نكاحاً فاسداً لم يحنث؛ إلا أن يضيف اليمين إلى شيء لا يتصور فيه الصحة مثل: أن يحلف لا يبيع الخمر أو الحر فيحنث بصورة البيع. وذكر القاضي فيمن قال لامرأته: إن سرقتِ مني شيئاً وبعتنيه فأنت طالق ففعلت لم تطلق. والأولى أولى).

أما كوننا نرجع إلى ما يتناوله الاسم إذا عدمت النية والسبب؛ فلأن الاسم دليل على إرادة المسمى ولا مُعارض له هنا. فوجب أن يرجع إليه عملاً به؛ لسلامته عن معارضة غيره له.

وأما كون الأسماء تنقسم ثلاثة أقسام؛ فلأنها تارة تكون شرعية، وتارة حقيقية، وتارة عُرفية.

وأما كون الأسماء الشرعية هي أسماء لها موضوع في الشرع وموضوع في اللغة؛ كالصلاة والصوم والزكاة والحج ونحوه؛ فلأن موضوع الصلاة في اللغة الدعاء، ومنه قوله تعالى:{يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} [الأحزاب: 56].

وموضوعها في الشرع: الأفعال المشتملة على الركوع والسجود وبقية أفعالها المذكورة في كتب الفقه.

وموضوع الصوم في اللغة: الإمساك. ومنه قول الشاعر:

خيل صيام وخيل غير صائمة

تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما

ص: 455

أي ممسكات.

وموضوعه في الشرع: الإمساك عن المفطرات في زمن مخصوص ونية مخصوصة.

وموضوع الزكاة في اللغة: النماء ومنه زكا الزرع إذا نمى.

وفي الشرع: إخراج طائفة من المال على وجه مخصوص.

وموضوع الحج في اللغة: القصد.

وفي الشرع: هو الأفعال المشتملة على الطواف والوقوف وغير ذلك من أفعاله المذكورة في كتب الفقه.

ونحو ذلك الدابة فإن موضوعها في اللغة: كل ما دب ودرج، وفي العرف: ذوات الأربع من الخيل والبغال والحمير بدليل لو أوصى لرجل بدابة فإنه ينصرف إلى ذلك.

وأما كون اليمين المطلقة الصالحة لإرادة الموضوع الشرعي واللغوي تنصرف إلى الموضوع الشرعي؛ فلأن ذلك هو المتبادر إلى الفهم عند الإطلاق.

ولأن الشارع لو قال لرجل: صل لوجبت عليه الصلاة المشتملة على الأفعال؛ إلا أن يقترن بكلامه ما يدل على إرادة الموضوع اللغوي فكذلك يمين الحالف؛ لأن كلام المكلف مبني على كلام الشارع.

وتقييد اليمين بكونها مطلقة احتراز مما إذا نوى الحالف بيمينه الموضوع اللغوي فإن يمينه حينئذ إنما تنصرف إلى المنوي؛ لأن النية تعين المحلوف عليه؛ لما تقدم في باب الأيمان. وتُقَدّم على غيرها.

وأما كون ذلك يتناول الصحيح منه دون الفاسد؛ لأن الفاسد ممنوع منه بأصل الشرع فلا حاجة إلى المنع من فعله باليمين، واليمين إنما يقصد بها المنع. فوجب أن يحمل على ما لا منع فيه؛ لتكون هي المانعة.

وأما كون من حلف لا يبيع فباع بيعاً فاسداً، أو لا ينكح فنكح نكاحاً فاسداً: لا يحنث؛ فلما تقدم من أن اليمين على ذلك تتناول الصحيح منه.

وأما كون من أضاف اليمين إلى شيء لا يتصور فيه الصحة كما ذكر المصنف رحمه الله يحنث بصورة البيع على قول غير القاضي؛ فلأن يمينه نصٌّ في المنع من

ص: 456

ذلك بدليل أنه لا يمكن صرفها إلى غيره. فوجب أن يحنث به. ضرورة مخالفة ما حلف عليه.

وأما كونه لا يحنث على قوله؛ فبالقياس على الضرب الأول.

والأول أولى؛ لأن الضرب الأول أمكن صرف يمينه إلى أحد محمليه. بخلاف الضرب الثاني فإنه لا محمل له سوى الفاسد. فصرفه إليه يتعين؛ لعدم التردد فيه.

قال: (وإن حلف لا يصوم لم يحنث حتى يصوم يوماً. وإن حلف لا يُصلي لم يحنث حتى يُصلي ركعة.

وقال القاضي: إن حلف لا صليتُ صلاة لم يحنث حتى يفرغ مما يقع عليه اسم الصلاة. وإن حلف لا يُصلي حنث بالتكبير).

أما كون من حلف لا يصوم لا يحنث حتى يصوم يوماً؛ فإن إمساك بعض يوم ليس بصوم شرعي. ضرورة أنه لا يصح صوم بعض يوم.

وأما كون من حلف لا يصلي لا يحنث حتى يُصلي ركعة على قول غير القاضي؛ فلأن أقل ما ينطلق عليه اسم الصلاة ركعة.

وأما كونه يحنث بالتكبير على قول القاضي؛ فلأنه يدخل في الصلاة بذلك ويُطلق عليه أنه مصلٍ. فيجب أن يكون ما هو فيه صلاة.

والأول أصح؛ لأن ما ذكر ثانياً موجود فيمن شرع.

وأما كون من حلف لا صليتُ صلاةً لا يحنث حتى يفرغ مما يقع عليه اسم الصلاة؛ فلأنه لم يصل صلاة. فلم يكن فاعلاً لما حلف على تركه.

قال: (وإن حلف لا يهبُ زيداً شيئاً ولا يُوصي له ولا يتصدق عليه ففعل ولم يقبل زيد حنث. وإن حلف لا يتصدقُ عليه فوهبه لم يحنث. وإن حلف لا يهبهُ فتصدق عليه حنث. وإن أعارَه لم يحنث إلا عند أبي الخطاب فيهما. وإن وقفَ عليه حنث. وإن وصّى له لم يحنث. وإن باعه وحاباه حنث. ويحتمل أن لا يحنث).

أما كون من حلف لا يهبُ زيداً شيئاً ولا يُوصي له ولا يتصدق عليه ففعل ولم يقبل زيد حنث؛ فلأنه حلف على فعل نفسه، وقد فعل ما حلف على

ص: 457

تركه. بدليل أنه يقال: وهبه ولم يقبل هبته، ووصى له ولم يقبل وصيته، وتصدَّق عليه ولم يقبل صدقته.

وأما كون من حلف لا يتصدق عليه فوهبه لا يحنث؛ فلأنه لا يلزم من المنع من الصدقة المنع من الهبة. بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم ممنوع من الصدقة غير ممنوع من الهبة له.

وأما كون من حلف لا يهبه فتصدَّق عليه يحنث عند غير أبي الخطاب؛ فلأنه يلزمه من المنع من الهبة المنع من الصدقة.

ولأن المتصدق بشيء يقال: وهب ذلك الشيء.

وأما كونه لا يحنث عند أبي الخطاب فكما لو حلف لا يتصدق عليه فوهبه.

فإن قيل: في أي موضع قال أبو الخطاب ذلك؟

قيل: هنا في قوله بعد: إلا عند أبي الخطاب فيهما أي في العارية والهبة.

وأما كون من حلف لا يهبه فأعاره لا يحنث؛ فلأن الهبة تمليك والعارية إباحة.

وأما كونه يحنث عنده؛ فلأن العارية هبة المنفعة، وهي قائمة مقام هبة العين. بدليل صحة مقابلة المنفعة بالعوض؛ كالعين.

وأما كون من حلف لا يهبه فوقف عليه يحنث؛ فلأن الوقف على المعين في العُرف هبة.

وقال المصنف رحمه الله في المغني: ويحتمل أن يخرّج ذلك على ملك الوقف: فإن قيل: يملكه حنث لمساواته الهبة، وإلا فلا؛ لعدم مساواته لها.

ولقائل أن يقول: لا يحنث وإن قيل يملكه؛ لأن الإنسان ممنوع من هبة أولاده الذكور والإناث بالسّوية وليس بممنوع من الوقف عليهم بالسوية على المنصوص. فلم يلزم من المنع من الهبة المنع من الوقف.

وأما كون من حلف لا يهبه فوصّى له لا يحنث؛ فلأن الموصُى له لا يملك إلا بالقبول بعد الموت، وبالموت تنحل اليمين.

ص: 458

وأما كون من حلف لا يهبه فباعه وحاباه يحنث على الأول وهو قول أبي الخطاب؛ فلأن المحاباة حكمها حكم الهبة. بدليل اعتبارها من الثلث إذا وقعت في مرض الموت.

وأما كونه يحتمل أن لا يحنث؛ فلأنها وقعت في ضمن العقد بعوض ومثل ذلك لا يعد هبة عُرفاً.

ص: 459

فصل [الأسماء الحقيقية]

قال المصنف رحمه الله: (القسم الثاني: الأسماء الحقيقية. إذا حلف لا يأكل اللحم فأكل الشحم أو المخ أو الكبد أو الطحال أو القلب أو الكرش أو المصران أو الإلية أو الدماغ أو القانصة: لم يحنث. وإن أكل المرق لم يحنث، وقد قال أحمد: لا يعجبني. قال أبو الخطاب: هذا على سبيل الورع.

وإن حلف لا يأكل الشحم فأكل شحم الظهر حنث).

أما كون القسم الثاني الأسماء الحقيقية؛ فلأنها تلي الأسماء الشرعية وهي القسم الأول.

وأما كون من حلف لا يأكل اللحم فأكل الشحم

إلى القانصة؛ فلأن ذلك جميعه لا يُسمى لحماً. فلم يحنث بأكله؛ كما لو أكل الخبز.

وأما كونه إذا أكل المرق لا يحنث وهو قول أبي الخطاب؛ فلأن المرق لا يُسمى لحماً.

وأما كونه يحنث على قول الإمام أحمد: لا يعجبني وهو قول القاضي؛ فلأنه لا يخلو من قِطَع اللحم.

والأول أصح؛ لما تقدم. وعدم خلوِّ المرق من اللحم ممنوع؛ لأن الكلام مفروض حيث لا لحم. وقول أحمد محمول على الورع.

وأما كون من حلف لا يأكل الشحم فأكل شحم الظهر يحنث؛ فلأن ذلك يُسمى شحماً ويشارك شحم البطن في اللون والذّوب.

وزاد المصنف رحمه الله في المغني الحنث بأكل شحم الجنْبِ والإلية. ثم قال: وعلى قول القاضي لا يحنث بأكل الإلية ولا شحم الظهر والجنْب؛ لأن ذلك لا يتبادر إلى الذهن عند إطلاق الشحم.

ص: 460

قال: (وإن حلف لا يأكل لبناً فأكل زبداً أو سمناً أو كشكاً أو مصلاً أو جبناً: لم يحنث. وإن حلف على الزبد أو السمن فأكل لبناً لم يحنث).

أما كون من حلف لا يأكل لبناً فأكل زبداً

إلى جبناً لا يحنث؛ لأن ذلك كله لا يسمى لبناً. فوجب أن لا يحنث؛ لعدم المخالفة.

وأما كون من حلف على الزبد والسمن فأكل لبناً لا يحنث؛ فلأن ذلك لا يسمى زبداً ولا سمناً.

وقال المصنف رحمه الله في المغني: إن لم يظهر فيه الزبد لم يحنث، وإن ظهر حنث؛ لأن ظهور الشيء كوجوده.

قال: (وإن حلف على الفاكهة فأكل من ثمر الشجر؛ كالجوز واللوز والتمر والرمان حنث. وإن أكل البطيخ حنث. ويحتمل أن لا يحنث. ولا يحنث بأكل القثاء والخيار).

أما كون من حلف على الفاكهة فأكل من ثمر الشجر كما مثل المصنف رحمه الله يحنث؛ فلأن ذلك يسمى فاكهة عُرفاً وشرعاً.

فإن قيل: ينبغي أن لا يحنث بأكل النخل والرمان؛ فلأن الله تعالى قال: {فيهما فاكهة ونخل ورمان} [الرحمن: 68] والمعطوف يغاير المعطوف عليه.

قيل: عطفهما؛ لزيادة فضلهما لا لخروجهما من المعطوف عليه. ونظيره قوله تعالى: {من كان عدوًا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال} [البقرة: 98] وهما من الملائكة.

وأما كونه إذا أكل البطيخ يحنث وإن كان ليس له ساق؛ فلأنه ينضج ويحلو. فوجب كونه كثمر الشجر.

وأما كونه يحتمل أن لا يحنث؛ فلأنه ثمرة بقلة. أشبه القثاء والخيار.

وأما كونه لا يحنث بأكل القثاء والخيار؛ فلأنه لا يسمى فاكهة ولا هو في معنى الفاكهة. فوجب أن لا يحنث بأكله؛ لعدم المخالفة لفظاً ومعنى.

ص: 461

قال: (وإن حلف لا يأكل رطباً فأكل مذنباً حنث. وإن أكل تمراً أو بسراً، أو حلف لا يأكل تمراً فأكل رُطباً أو دِبْساً أو ناطِفاً لم يحنث).

أما كون من حلف لا يأكل رطباً فأكل مذنباً يحنث؛ فلأن المذنب ما أُرطب بعضه فيكون آكله آكلاً رطباً وتمراً. فوجب أن يحنث؛ كما لو أكل نصف رطبة ونصف تمرة منفردتين.

وأما كونه إذا أكل تمراً أو بسراً لا يحنث؛ فلأن ذلك لا يسمى رطباً.

وأما كون من حلف لا يأكل تمراً فأكل رطباً أو دبساً أو ناطفاً لا يحنث؛ فلأن ذلك كله لا يسمى تمراً.

قال: (وإن حلف لا يأكل أُدماً حنث بأكل البيض والشواء والجبن والملح والزيتون واللبن وسائر ما يُصطبَغُ به. وفي التمر وجهان).

أما كون من حلف لا يأكل أدماً يحنث بأكل البيض

إلى قوله: وسائر ما يصطبغ به؛ فلأن العادة جارية بالتأدُّم بذلك كله.

وأما كونه يحنث بأكل التمر في وجه؛ فلأنه أُدم لما روي «أن النبي صلى الله عليه وسلم وضعَ تمرة على كسرة وقال: هذهِ أُدم» (1). رواه أبو داود.

وأما كونه لا يحنث به في وجه؛ فلأنه لا يُؤدَمُ به عادة إنما يؤكل قُوتاً أو حلاوة.

قال: (وإن حلف لا يلبس شيئاً فلبس ثوباً أو درعاً أو جوشناً أو خفاً أو نعلاً: حنث).

أما كون من حلف لا يلبس شيئاً فلبس ثوباً أو درعاً أو جوشناً يحنث؛ فلأنه ليس شيئاً حقيقة وعُرفاً.

وأما كونه يحنث إذا لبس خفاً؛ فلأن الخف مما يلبَسُ عادة، وفي الحديث:«أن النجاشي أهدَى إلى النبي صلى الله عليه وسلم خُفين فلبسهُما» (2).

(1) أخرجه أبو داود في سننه (3259) 3: 225 كتاب الأيمان والنذور، باب الرجل يحلف أن لا يتأدم.

(2)

أخرجه أبو داود في سننه (155) 1: 39 كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين.

وأخرجه الترمذي في جامعه (2820) 5: 124 كتاب الأدب، باب ما جاء في الخف الأسود.

وأخرجه ابن ماجة في سننه (549) 1: 182 كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في المسح على الخفين.

ص: 462

وأما كونه يحنث إذا لبس نعلاً؛ فلأنه مما يلبس عادة. وقيل لابن عمر: «إنكَ تلبسُ هذه النعال. قال: إني رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسها» (1).

قال: (وإن حلف لا يلبس حُلياً فلبس حلية ذهب أو فضة أو جوهر حنث. وإن لبس عقيقاً أو سَبَجاً لم يحنث. وإن لبس الدراهم والدنانير في مرسلة فعلى وجهين).

أما كون من حلف لا يلبس حُلياً فلبس حلية ذهب أو فضة أو جوهر يحنث؛ فلأن ذلك كله حلي. قال الله تعالى: {يُحلّون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤًا} [فاطر: 33]، وقال:{وتستخرجوا منه حلية} [النحل: 14]، وفي الحديث أن ابن عمر قال:«قال الله تعالى للبحر الشرقي: إني عاجل فيك الحلية والصيد والطيب» .

وأما كونه لا يحنث إذا لبس عقيقاً أو سبجاً؛ فلأن ذلك ليس بحلي عُرفاً فكذا يجب أن يكون شرعاً.

وأما كونه لا يحنث إذا لبس الدراهم والدنانير في مرسلة على وجه؛ فلأن العادة أنه لا يحلى بذلك.

(1) أخرجه البخاري في صحيحه (164) 1: 73 كتاب الوضوء، باب غسل الرجلين في النعلين ولا يمسح على النعلين.

وأخرجه مسلم في صحيحه (1187) 2: 844 كتاب الحج، باب الإهلال من حيث تنبعث الراحلة.

ص: 463

قال: (وإن حلف لا يركب دابة فلان، ولا يلبس ثوبه، ولا يدخل داره، فركب دابة عبده ولبس ثوبه ودخل داره، أو فعل ذلك فيما استأجره فلان: حنث.

وإن ركب دابة استعارها لم يحنث.

وإن حلف لا يركب دابة عبده فركب دابة جعلت برسمه حنث).

أما كون من حلف لا يركب دابة فلان، ولا يلبس ثوبه، ولا يدخل داره يحنث إذا ركب دابة عبده ولبس ثوبه ودخل داره؛ فلأن ذلك كله ملك لسيده فالفاعل لذلك بمنزلة من فعل ذلك في ملك فلان نفسه.

وأما كونه يحنث إذا فعل ذلك فيما استأجره؛ فلأن الدار تضاف إلى ساكنها إذا أضافها إلى مالكها. قال الله تعالى: {لا تخرجوهن من بيوتهن} [الطلاق: 1]. والمراد بيوت أزواجهن.

ولأن الإضافة هنا للاختصاص، ولذلك يُضاف الرجل إلى أخيه بالأخوَّة، وإلى ابنه بالبنوَّة، وإلى أبيه بالأبوَّة، وإلى زوجته بالزوجيَّة.

وأما كونه لا يحنث إذا ركب دابة استعارها؛ فلأن فلاناً لا يملك منافع الدابة المستعارة.

قال المصنف رحمه الله في المغني: إذا قال: لا دخلت مسكن زيد تعلقت يمينه بالدار التي سكنها سواء كانت مملوكة أو مستأجرة.

وأما كون من حلف لا يركب دابة عبده فركب دابة جُعلت برسمه يحنث؛ فلأنه مختص بها حينئذ. أشبه الدار المستأجرة.

ص: 464

قال: (وإن حلف لا يدخل داراً فدخل سطحها حنث. وإن دخل طاقَ الباب احتمل وجهين).

أما كون من حلف لا يدخل داراً فدخل سطحها يحنث؛ فلأنه من الدار وحكمُه حكمُها. بدليل صحة (1) الاعتكاف فيه ومنع الجنب من اللبث فيه. فوجب أن يحنث إذا دخله؛ كما لو دخل الدار نفسها.

وأما كونه إذا دخل طاقَ الباب لا يحنث في وجه؛ فلأنه إذا أغلق الباب حصل خارجاً منها ولا يُسمى داخلاً فيها، وهذا أصح؛ لما ذكر. قاله المصنف في المغني.

قال: (وإن حلف لا يكلم إنساناً حنث بكلام كل إنسان. وإن زجره فقال: تنح أو اسكت حنث. وإن حلف لا يبتدئه بكلام فتكلما معاً حنث).

أما كون من حلف لا يكلم إنساناً يحنث بكلام كل إنسان؛ فلأن النكرة في سياق النفي تعم، وإذا كان اللفظ عاماً دخل تحته كل إنسان، وذلك يوجب الحنث؛ لأنه خالف ما عليه.

وأما كونه يحنث إذا زجره فقال: تنح أو اسكت؛ فلأن ذلك كلام فيدخل تحت ما حلف على عدمه.

وأما كونه يحنث إذا حلف لا يبتدئه بكلام فتكلما معاً؛ فلأنه قصد البداءة بكلامهِ، وكلامُ صاحبه وقعَ معه اتفاقاً، وإذا كان كذلك وجب الحنث.

(1) في د زيادة: الأيمان.

ص: 465

قال: (وإن حلف لا يكلمه حيناً فذلك ستة أشهر نص عليه. وإن قال: زمناً أو دهراً أو بعيداً أو ملياً رجع إلى أقل ما يتناوله اللفظ. وإن قال: عمُراً احتمل ذلك، واحتمل أن يكون أربعين عاماً، وقال القاضي: هذه الألفاظ كلها مثل: الحين إلا بعيداً أو ملياً فإنه على أكثر من شهر. وإن قال: الأبد والدهر فذلك على الزمان كله).

أما كون حين ستة أشهر؛ فلأن الحين المطلق من كلام الحالف يحمل على الحين المطلق من كلام الله، والحين المطلق من كلام الله يراد به ذلك. فيجب أن يحمل كلام الحالف عليه.

فإن قيل: حين يطلق ويراد به السنة؛ كقوله تعالى: {تؤتي أكلها كل حين} [إبراهيم: 25]، ويطلق ويراد به يوم القيامة؛ كقوله تعالى:{ولتعلمن نبأه بعد حين} [ص: 88]، ويطلق ويراد به ساعة {فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون} [الروم: 17]. ويقال في العرف: أتيتك مذ حين وإن كنت قد أتيته من ساعة، ويطلق ويراد به مدة طويلة؛ كقوله تعالى:{فذرهم في غمرتهم حتى حين} [المؤمنون: 54].

قيل: لا نزاع في صحة الإطلاق وإرادة جميع ما ذكر لكن الكلام في الإطلاق الخالي عن الإرادة، وغالب ما يُستعمل في ستة أشهر. فوجب حمل الكلام عليه؛ لغلبته.

وأما قوله تعالى: {تؤتي أكلها كلَّ حين} [إبراهيم: 25] فقال عكرمة وسعيد ابن جبير وأبو عبيدة: هو ستة أشهر.

وأما كون زمناً ودهراً يرجع فيهما إلى أقل ما يتناوله اللفظ على قول غير القاضي؛ فلأن ما زاد عليه مشكوك في إرادته والأصل عدمه.

وأما كونهما مثل الحين على قول القاضي؛ فلمشاركتهما له في المعنى.

وأما كون بعيداً أو ملياً يرجع فيهما إلى أقل ما يتناوله اللفظ على قول غير القاضي؛ فلما ذكر في " حين ".

وأما كونهما أكثر من شهر على قوله (1).

(1) كذا في د.

ص: 466

وأما كون عُمُر يحتمل فيه ذلك أي أنه يرجع فيه إلى أقل ما يتناوله اللفظ على قول غير القاضي؛ فلما ذكر في " حين ".

وأما كونه يحتمل أن يكون أربعين عاماً؛ فلأن الله تعالى قال: {لبثت فيكم عُمُراً} [يونس: 16]. وفسر بأربعين عاماً.

وأما كونه مثل الحين على قوله؛ فلما ذكر فيه.

وأما كون الأبد والدهر على الزمان كله؛ فلأن الألف واللام للاستغراق وذلك يوجب دخول الزمان كله.

قال: (والحُقب ثمانون سنة، والشهور اثنا عشر عند القاضي، وعند أبي الخطاب: ثلاثة؛ كالأشهر والأيام ثلاثة.

وإن حلف لا يدخل باب هذه الدار فحول ودخله حنث).

أما كون الحُقب بضم الحاء ثمانين سنة؛ فلأن ذلك يروى عن ابن عباس.

وقال الجوهري في كتابه المسمى بالصحاح: الحُقْب بالضم ثمانون سنة.

وأما كون الشهور اثنا عشر شهراً عند القاضي؛ فلأن الله تعالى قال: {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا} [التوبة: 36].

وأما كونها ثلاثة كالأشهر عند أبي الخطاب؛ فلأن فعولاً تستعمل ويراد به أفعل، ومنه قوله تعالى:{والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228] وإذا استعمل في كل واحد منهما كان الأقل متيقناً والأكثر مشكوكاً فيه، ومتى دار الأمر بين متيقن ومشكوك فيه كان حمل اللفظ على المتيقن متعيناً.

ولأن الأصل براءة ذمته. تُرك العمل به في الأقل؛ لتيقنه. فيبقى فيما عداه على مقتضى البراءة.

وأما كون الأيام ثلاثة؛ فلأنها أقل الجمع.

وأما كون من حلف لا يدخل باب هذه الدار فحول ودخله حنث؛ فلأنه فعل ما حلف على تركه.

ص: 467

قال: (وإن حلف لا يكلمه إلى حين الحصاد انتهت يمينه بأوله. ويحتمل أن يتناول جميع مدته).

[أما كون من حلف لا يكلمه إلى حين الحصاد انتهت يمينه بأوله](1) على المذهب؛ فلأن ما بعد إلى لا يدخل فيما قبلها إلا بقرينة، وهي منتفية هنا.

وأما كونه يحتمل أن يتناول جميع مدته؛ فلأن الظاهر أنه قصد هجرانه، واللفظ صالح لتناول الجميع بدليل صحة تفسير كلامه به.

قال: (وإن حلف لا مال له، وله مال غير زكوي، أو دين على الناس: حنث).

أما كون من ذكر يحنث إذا كان له دين؛ فلأن الدين مال ينعقد عليه الحول ويصح تصرفه فيه بالإبراء والحوالة. أشبه المودع.

قال: (وإذا حلف لا يفعل شيئاً فوكّل من فعله حنث إلا أن ينوي).

أما كون من حلف لا يفعل شيئاً فوكّل في فعله يحنث إذا لم ينو؛ فلأن قصده ظاهراً أن لا يفعل، وذلك لا يحصل مع فعل وكيله له.

وأما كونه لا يحنث إذا حلف لا يفعل بنفسه؛ فلأن الموجب للحنث المخالفة ولم يوجد.

(1) زيادة يقتضيها السياق.

ص: 468

فصل [الأسماء العرفية]

قال المصنف رحمه الله: (فأما الأسماء العُرفية فهي أسماء اشتهر مجازها حتى غلب على الحقيقة؛ كالرّاوية والظَّعينة والدابة والغائط والعَذِرة ونحوها، فتتعلق اليمين بالعرف دون الحقيقة).

أما كون الأسماء العرفية هي أسماء اشتهر مجازها حتى غلب على الحقيقة؛ فلأنها إذا لم تشتهر تكون مجازاً له.

فإن قيل: لم سميت عُرفية؟

قيل: لاستعمال أهل العُرف لها في غير المعنى اللغوي. وذلك أن الألفاظ قد تكون حقيقة لغوية في معنى ثم تصير مدلولاً بها على معنى آخر عُرفي. ولا شُبهة في وقوع ذلك؛ لما ذكر المصنف رحمه الله من الرّاوية والظعينة والدابة والغائط والعَذِرة ونحو ذلك.

فإن قيل: فما معاني الألفاظ المذكورة لغة وعُرفاً؟

قيل: الرّاوية في اللغة: اسم للجمل الذي يظعن عليه، وفي العرف: اسم للمرأة.

والدابة في اللغة: اسم لما دبّ ودرج، وفي العرف: اسم لذوات الأربع من الخيل والبغال والحمير.

والغائط في اللغة: اسم للمكان المطمئن، وفي العرف: اسم للفضلة المستقذرة.

وأما كون يمين الحالف بذلك تتعلق بالعُرف دون الحقيقة؛ فلأن العُرف هو السابق إلى الفهم. فوجب تعلق اليمين به دون غيره.

ص: 469

قال: (وإن حلف على وطء امرأة: تعلقت يمينه بجماعها. وإن حلف على وطء دار: تعلقت يمينه بدخولها راكباً أو ماشياً أو حافياً أو منتعلاً).

أما كون من حلف على وطء امرأة تعلقت يمينه بجماعها؛ فلأنه المتبادر إلى الفهم، ولذلك لما قال الله تعالى:{حرمت عليكم أمهاتكم} [النساء: 23] تعلق التحريم بالجماع.

وأما كون من حلف على وطء دار تعلقت يمينه بدخولها؛ فلأنها غير قابلة للجماع. فوجب تعلق يمينه بدخولها.

وأما كونه تتعلق يمينه بدخولها راكباً أو ماشياً أو حافياً أو منتعلاً؛ فلأن اليمين محمولة على الدخول، والفاعل لحالةٍ مما ذكر يسمى داخلاً.

فإن قيل: لم لا تتعلق بوطء القدم فيما (1) إذا دخلها راكباً؟

قيل (2): لأن إرادة الدخول أظهر من إرادة ما ذكر، واللفظ يحمل على الظاهر لا على غيره.

قال: (وإن حلف لا يشم الريحان فشم الورد والبنفسج والياسمين، أو لا يشم الورد والبنفسج فشم دهنهما أو ماء الورد فالقياس أنه لا يحنث، وقال بعض أصحابنا: يحنث).

أما كون من حلف لا يشم الريحان فشم الورد والبنفسج والياسمين لا يحنث على القياس؛ فلأن الريحان في العُرف هو اسم للفارسي. فلم تنصرف اليمين إلى ما ذكر.

وأما كونه يحنث على قول بعض أصحابنا وهو أبو الخطاب؛ فلأن الريحان في اللغة: اسم لكل نبت أو زهر طيب الريح وهو موجود في الورد والبنفسج والياسمين.

وأما كون من حلف لا يشم الورد والبنفسج فشم دُهنهما أو ماء الورد ولم يحلف على ذلك (3).

(1) في د زيادة: لا يحلف.

(2)

زيادة يقتضيها السياق.

(3)

كذا في د.

ص: 470

وأما كونه يحنث على الثاني وهو قول أبي الخطاب؛ فلأن معنى كلامه: لا أشم رائحة ذلك؛ لأن الشم إنما يكون للرائحة، ورائحة الورد والبنفسج في دهنهما، وقد شم ذلك.

قال: (وإن حلف لا يأكل لحماً فأكل سمكاً حنث عند الخرقي، ولم يحنث عند ابن أبي موسى).

أما كون من حلف بما ذكر يحنث بما ذكر عند الخرقي؛ فلأن الله تعالى قال: {وهو الذي سخّر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً} [النحل: 14]، وقال عز وجل:{ومِن كُلٍّ تأكلونَ لحمًا طريًا} [فاطر: 12].

ولأن السمك لحم حيوان.

وأما كونه لا يحنث عند ابن أبي موسى؛ فلأن السمك لا ينصرف إليه إطلاق اسم اللحم بدليل: ما لو وكل رجلاً في شراء لحم فاشترى له سمكاً لم يلزمه.

ولأنه يصح أن يُنفى عنه فيقال: ما أكل لحماً وإنما أكل سمكاً. وتسمية ذلك باللحم لا يوجب الحنث. بدليل: أن الله عز وجل سمى السماء سقفاً محفوظاً (1). ولو حلف حالف: لا قعدت تحت سقف ففعل تحت السماء لم يحنث.

والأول ظاهر المذهب. قاله المصنف رحمه الله في المغني.

والفرق بين مسألة اللحم وبين مسألة السقف: أن الظاهر أن من حلف لا يقعد تحت سقف قصد بيمينه تحت سقف يمكنه التحرز منه، والسماء ليست كذلك فلا تدخل في يمينه. بخلاف الحالف بأنه لا يأكل لحماً؛ لعدم المعنى المذكور في يمينه.

قال: (وإن حلف لا يأكل رأساً ولا بيضاً حنث بأكل رؤوس الطيور والسمك وبيض السمك والجراد عند القاضي، وعند أبي الخطاب لا يحنث إلا بأكل رأس جرت العادة بأكله منفرداً، أو بيض يزايل بائضه حال الحياة).

أما كون من حلف بما ذكر يحنث بما ذكر عند القاضي؛ فلأن رؤوس الطيور والسمك وبيض السمك والجراد رؤوس وبيض حقيقة وعُرفاً. فوجب أن يحنث؛

(1) في قوله تعالى: {وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً} [الأنبياء: 32].

ص: 471

كما لو حلف لا يأكل لحماً فأكل من لحم الأنعام والزرافة. والجامع بينهما أن غاية ما يقدر أن أكل رؤوس الطيور والسمك وبيض السمك والجراد نادر بالنسبة إلى رؤوس النعم وإلى بيض الدجاج، وأكل لحم الأنعام نادر بالنسبة إلى أكل لحوم النعم، والحنث في مسألة اللحم محقق فكذا في مسألة الرؤوس والبيض.

وأما كونه لا يحنث عند أبي الخطاب إلا بأكل رأسٍ جرت العادةُ بأكله منفرداً؛ كالغنم والبقر، أو بيض يزايل بائضه حال الحياة؛ كبيض الدجاج؛ فلأن المتبادر إلى الذهن ما جرت العادة بأكله منفرداً.

ولأن الظاهر إرادة ذلك. فوجب أن لا يتعداه اليمين. فلم يحنث بأكل غيره؛ لعدم دخوله في يمينه. وحنث بأكله؛ لدخوله في يمينه.

قال: (وإن حلف لا يدخل بيتاً فدخل مسجداً أو حماماً أو بيت شعر أو أدم. أو لا يركب فركب سفينة حنث عند أصحابنا. ويحتمل أن لا يحنث).

أما كون من حلف لا يدخل بيتاً يحنث إذا دخل مسجداً عند أصحابنا؛ فلأن الله تعالى سماه بيتاً فقال: {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة} [آل عمران: 96]، وقال:{في بيوتٍ أذن الله أن ترفع} [النور: 36].

وأما كونه يحنث إذا دخل حماماً؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم سماه بيتاً قال: «بئسَ البيتُ الحمام» (1).

وأما كونه يحنث إذا دخل بيت شعر أو أدم؛ فلأن البدوي يسميه بيتاً.

ولأن البدوي لو حلف لا يدخل بيتاً فدخل بيت الحضري حنث فكذلك إذا حلف الحضري لا يدخل بيتاً فدخل بيت البدوي.

وأما كونه يحتمل أن لا يحنث في ذلك كله؛ فلأن الظاهر أن الحالف لم يُرد ذلك بيمينه فلم يحنث بالدخول فيه.

وظاهر كلام المصنف رحمه الله في المغني أن الاحتمال إنما هو في المسجد والحمام؛ لأن أهل العُرف لا تسمي ذلك بيتاً.

(1) ذكره الزبيدي في الإتحاف 2: 635 عن عائشة، وعزاه إلى البيهقي في السنن.

ص: 472

قال: (وإن حلف لا يتكلم فقرأ أو سبّح أو ذكر الله عز وجل لم يحنث. وإن دقَّ عليه إنسان فقال: ادخلوها بسلام آمنين يقصد تنبيهه لم يحنث).

أما كون من حلف لا يتكلم فقرأ أو سبح أو ذكر اسم الله لا يحنث؛ فلأن الكلام في العُرف لا يطلق إلا على كلام الآدميين، ولهذا قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم:«كنا نتكلمُ في الصلاةِ حتى نزلت: {وقوموا لله قانتين} [البقرة: 238]. فأُمرنا بالسكوتِ ونُهينا عن الكلام» (1).

وقال الله: {أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا واذكر ربك كثيرًا وسبّح بالعشي والإبكار} [آل عمران: 41]. نهاه عن الكلام وأمره بالتسبيح، ولو كان التسبيح كلاماً لدخل في المنهي عنه.

وأما كونه لا يحنث إذا دقَّ عليه إنسان فقال: ادخلوها بسلام آمنين يقصد تنبيهه؛ فلأن ذلك كلام الله عز وجل ويمينه إنما تنصرف إلى كلام الآدميين. فلم يحنث؛ لعدم شمول يمينه لذلك.

فإن قيل: لو قال ذلك في الصلاة لبطلت صلاته، ولو لم يكن من كلام الآدميين لما كان كذلك؟

قيل: في ذلك منعٌ. وعلى تقدير التسليم الفرق بينهما (2) أن الصلاة لا تصح بغير قرآن وقد وقع التردد في كون ذلك قرآناً. فلا تصح مع الشك في شرطها. بخلاف الحنث فإن شرط الحنث فيه: كون المتكلم به كلام الآدميين وقد وقع التردد فيه فلا يحنث بالشك في شرطه.

(1) أخرجه البخاري في صحيحه (4260) 4: 1648 كتاب تفسير القرآن، باب {وقوموا لله قانتين} .

وأخرجه مسلم في صحيحه (539) 1: 383 كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحة.

(2)

في د زيادة: وذلك.

ص: 473

قال: (وإن حلف لا يضرب امرأته فخنقها أو نتف شعرها أو عضّها حنث. وإن حلف ليضربنّهُ مائة سوطٍ فجمعها فضربهُ بها ضربة واحدة لم يبرّ في يمينه).

أما كون من حلف لا يضرب امرأته فخنقها أو نتفَ شعرها أو عضّها يحنث؛ فلأن ذلك اللفظ يطلق ويراد به عدم إيلام المرأة، وفي جميع ما ذكر يحصل إيلام المرأة.

وأما كون من حلف ليضربنّ شخصاً مائة سوطٍ فجمعها وضربه بها ضربة واحدة لا يبرّ في يمينه؛ فلأنه لا يفهم في العُرف من ضرب مائة سوط إلا مائة ضربة متفرقة. فيجب أن يحمل اليمين عليه.

ولأن السوط آلة أقيمت مقام المصدر وانتصبت انتصابه فمعنى كلامه: لأضربنّه مائة ضربة بسوط فلا يبرّ بضربه بمائة سوط مجموعة؛ لأن ذلك ليس بمائة ضربة بسوط.

ص: 474

فصل [إذا حلف لا يأكل شيئا فأكله مستهلكاً]

قال المصنف رحمه الله: (وإن حلف لا يأكل شيئاً فأكله مُستهلكاً في غيره؛ مثل: أن لا يأكل لبناً فأكل زبداً، أو لا يأكل سمناً فأكل خَبيصاً فيه سمن لا يظهرُ فيه طعمُه، أو لا يأكل بيضاً فأكل ناطفاً، أو لا يأكل شحماً فأكل اللحم الأحمر، أو لا يأكل شعيراً فأكل حنطة فيها حبات شعير: لم يحنث. وإن ظهرَ طعمُ السمنِ أو طعمُ شيء من المحلوف عليه حنث.

وقال الخرقي: يحنث بأكل اللحم الأحمر وحده، وقال غيره: يحنث بأكل حنطة فيها حبات شعير).

أما كون من حلف بما ذكر لا يحنث إذا أكل المحلوف عليه مُستهلكاً في غيره؛ فلأن المستهلك لا يقع عليه اسم الذي حلف عليه. فلم يحنث بأكل المستهلك فيه؛ كما لو حلف لا يأكل رُطباً فأكل تمراً.

ولأن المستهلَك في الشيء يصير وجوده كعدمه. والظاهر من الحالف على شيء من ذلك أنه إنما حلف لمعنى في المحلوف عليه، وإذا كان كذلك تعين عدم الحنث؛ لانتفاء المعنى المحلوف من أجله.

فعلى هذا لا يحنث بأكل الزُبد إذا حلف لا يأكل لبناً؛ لأن اللبن الذي في الزبد مستهلك فيه، ولا يحنث بأكل الخبيص الذي فيه سمن لا يظهر طعمه فيه إذا حلف لا يأكل سمناً؛ لأن السمن إذا لم يظهر طعمه مستهلك في الخبيص، ولا يحنث بأكل الناطف إذا حلف لا يأكل بيضاً؛ لأن بياض البيض يصير مستهلكاً في الناطف.

وأما كون من حلف لا يأكل شحماً فأكل اللحم الأحمر لا يحنث على المذهب؛ فلأن اللحم الأحمر إن كان فيه شحم فهو مستهلك فيه.

ص: 475

وأما كونه يحنث على قول الخرقي؛ فلأنه لا يخلو من شحم. ودعوى الاستهلاك ممنوعة.

وأما كون من حلف لا يأكل شعيراً فأكل حنطة فيها حبات شعير لا يحنث على المذهب؛ فلأن الشعير مستهلك في الحنطة.

وأما كونه يحنث على قول بعض الأصحاب؛ فلأن الشعير يمكن تمييزه فتركه فيه وأكله له أكل لما منع نفسه من أكله مع القدرة عليه.

وأما كون ما تقدم ذكره يحنث إذا ظهر طعمُ السمنِ أو طعمُ شيء من المحلوف عليه؛ فلأن عدم الحنث إنما انتفى من أجل انتفاء المعنى الذي قصده الحالف، وذلك منتفٍ فيما إذا ظهر الطعم. فوجب الحنث؛ لوجود المقتضي للحنث وانتفاء المعني عدمه.

ص: 476

فصل [إذا حلف لا يأكل شيئاً فشربه]

قال المصنف رحمه الله: (وإن حلف لا يأكلُ سَويقاً فشربه، أو لا يشربه فأكله فقال الخرقي: يحنث.

وقال أحمد فيمن حلف لا يشرب نبيذاً فثَرد فيه وأكله: لا يحنث. فيُخَرّج في كل ما حلف لا يأكله فشربه، أو لا يشربه فأكله وجهان.

وقال القاضي: إن عيّن المحلوف عليه حنث. وإن لم يعيّنه لم يحنث).

أما كون من حلف لا يأكل سَويقاً فشربه أو بالعكس يحنث على قول الخرقي؛ فلأن الحلف على ترك شيء يقصد به في العُرف اجتناب ذلك بالكلية فحملت اليمين عليه. ألا ترى إلى قوله تعالى: {ولا تأكلوا أموالهم} [النساء: 2] فإنه يتناول تحريم شربها.

ولو قال طبيب لمريض: لا تأكل العسل لكان ناهياً له عن شربه وبالعكس.

وأما كونه لا يحنث على ما قاله الإمام في مسألة النبيذ؛ فلأن الأفعال كالأعيان، ولو حلف على عين لم يحنث بالأخرى فكذلك إذا حلف على فعل لم يحنث بالآخر.

وأما كونه إذا عين المحلوف عليه؛ مثل: إن حلف لا يأكل هذا السمن فشربه أو بالعكس يحنث على قول القاضي؛ فلأن تغير صفة المحلوف عليه لا تنفي الحنث فكذلك تغير صفة الفعل، وإذا لم يعينه لا يحنث؛ لأنه لا تحصل المخالفة من جهة الاسم ولا من جهة التعيين.

ص: 477

قال: (وإن حلف لا يطعمه حنث بأكله وشربه. وإن ذاقه ولم يبلعه لم يحنث. وإن حلف لا يأكل مائعاً فأكله بالخبز حنث).

أما كون من حلف لا يطعَمُ شيئاً يحنث بأكله وشربه؛ فلأنه طعمه. ضرورة وجود ذلك في الأكل والشرب.

وأما كونه إذا ذاقه ولم يبلعه لا يحنث؛ فلأنه ما طعمه.

وأما كون من حلف لا يأكل مائعاً فأكله بالخبز حنث؛ فلأن المائع هكذا يُؤكل في العادة.

ص: 478

فصل [إذا حلف فاستدام ذلك]

قال المصنف رحمه الله (1): (وإن حلف لا يتزوج ولا يتطهر ولا يتطيب فاستدام ذلك لم يحنث. وإن حلف لا يركب ولا يلبس فاستدام ذلك حنث).

أما كون من حلف لا يتزوج ولا يتطهر ولا يتطيب فاستدام ذلك لا يحنث؛ فلأن المستديم لا يُطلق عليه ذلك. بدليل أنه لا يقال: تزوج شهراً، ولا تطهر شهراً، ولا تطيب شهراً.

وأما كون من حلف لا يركب ولا يلبس فاستدام ذلك يحنث؛ فلأن المستديم يُطلق عليه ذلك. بدليل أنه يقال: ركب شهراً ولبس شهراً.

قال (2): (وإن حلف لا يدخل داراً هو داخلها فأقام فيها حنث عند القاضي، ولم يحنث عند أبي الخطاب. وإن حلف لا يدخل على فلان بيتاً فدخل فلانٌ عليه فأقام معه فعلى الوجهين).

أما كون من حلف لا يدخل داراً هو داخلها فأقام فيها يحنث على قول القاضي؛ فلأن استدامة الإقامة في الدار حرام كابتداء الدخول.

وأما كونه لا يحنث على قول أبي الخطاب؛ فلأن الدخول لا يُستعمل في الاستدامة، ولهذا يقال: دخلتها منذ شهر، ولا يقال: دخلتها شهراً فجرى مجرى التزويج.

ولأن الانفصال من خارج إلى داخل لا يوجد في الإقامة.

وأما كون من حلف لا يدخل على فلان بيتاً فدخل فلانٌ عليه فأقام معه على الوجهين؛ فلأن الإقامة هنا كالإقامة في المسألة التي قبلها. فوجب أن يخرّج فيها ما خرّج فيها نقلاً ودليلاً.

(1) زيادة يقتضيها السياق.

(2)

في د: قال المصنف رحمه الله. وما أثبتناه يناسب صنيع الشارح في الكتاب.

ص: 479

قال: (وإن حلف لا يسكن داراً، أو لا يُساكن فُلاناً وهو مساكنه. فلم يخرج في الحال: حنث؛ إلا أن يقيم لنقل متاعه أو يخشَى على نفسه الخروج فيقيم إلى أن يمكنه، فإن خرج دون متاعه وأهله حنث، إلا أن يودع متاعه أو يعيره وتأبى امرأته الخروج معه، ولا يمكنه إكراهها فيخرج وحده فلا يحنث).

أما كون من حلف بما ذكر فلم يخرج في الحال من الدار المحلوف عليها وهو قادر على نقل متاعه غير خائفٍ على نفسه الخروج يحنث؛ فلأن استدامة السُكنى سُكنى. بدليل أنه يصح أن يقال: سكن الدار شهراً.

وأما كون من يقيم لنقل متاعه لا يحنث؛ فلأن النقل لا يكون إلا بالمتاع، والإقامة من أجله إقامة لا يمكن التحرز عنها. فلا يقع اليمين عليها.

وظاهر كلام المصنف رحمه الله هنا: أن الإقامة مختصة بالمتاع.

وقال في المغني: وإن أقام لنقل متاعه وأهله لم يحنث.

والواجب حمل كلامه هنا على ما في المغني؛ لأن نقل الأهل مثل المتاع بدليل: أنه لو خرج دون أهله حنث كما يحنث إذا خرج دون متاعه.

وأما كون من يخشى على نفسه من الخروج فيقيم حتى يزول الخوف لا يحنث؛ فلأنه أقام لدفع الضرر، وإزالته عند ذلك مطلوبة شرعاً. فلم تدخل تحته اليمين؛ لأنها تقتضي المنع.

وأما كون من خرج في الحال دون أهله ومتاعه ويمكنه إخراج ذلك ولم يُودع متاعه ولا يُعيره يحنث؛ فلأن السُكنى تكون بالأهل والمال، ولهذا يقال: فلان ساكن في البلد الفلاني وهو غائب عن بيته، وإذا نزل بلداً بأهله وماله يقال: سكنه وإن نزله بنفسه.

وأما كون من خرج وحده وأودع متاعه أو أعاره متاعه وأبتِ امرأته الخروج معه ولم يمكنه إكراهها لا يحنث؛ فلأن يده زالت عن متاعه، وامرأته هو عاجز عن إخراجها، وزوال اليد والعجز لا يتصور معهما حنث البتة.

ص: 480

قال: (وإن حلف لا يُسَاكن فُلاناً فبنيا بينهما حائطاً وهما متساكنان حنث. وإن كان في الدار حُجرتان كل حجرة تختص ببنائها ومرافقها فسكن كل واحد في حجرة لم يحنث).

أما كون من حلف لا يُسَاكن فُلاناً يحنث إذا بنيا بينهما حائطاً وهما متساكنان؛ فلأن إقامتهما إلى بناء الحائط يقع عليها اسم المساكنة المحلوف على تركها، وذلك يوجب ضرورة تحقق المخالفة ليمينه.

وأما كونه لا يحنث إذا كان في الدار حجرتان

إلى آخره؛ فلأن كل واحد ساكن في حجرته فلا يكون مُساكناً لغيره. فلم يحنث؛ لعدم فعل المحلوف على تركه.

قال: (وإن حلف ليخرجنّ من هذه البلدة فخرج وحده دون أهله برّ. وإن حلف ليخرجن من هذه الدار فخرج دون أهله لم يبرّ).

أما كون من حلف ليخرجن من هذه البلدة فخرج وحده دون أهله يبرّ؛ فلأن حقيقة الخروج لم يعارضها في الخروج من البلدة معارض. فوجب حصول البر؛ لحصول الحقيقة، وذلك موجود في خروجه بنفسه دون أهله.

وأما كون من حلف ليخرجن من هذه الدار لا يبرّ إذا خرج دون أهله؛ فلأن الدار يخرج منها ساكناً في اليوم مراراً. فظاهر حاله أنه لم يُرد حقيقة الخروج. فوجب حمله على مجازه وذلك هو النقلة. وقد تقدم أن النقلة تقتضي إخراج الأهل فإذا خرج دونهم لم يحصل البر ضرورة عدم الوفاء باليمين.

قال: (وإن حلف ليخرجنّ من هذه البلدة، أو ليرحلنّ عن هذه الدار ففعل فهل له العود إليها؟ على روايتين).

أما كون من حلف بما ذكر ففعل له العود إلى البلدة والدار على روايةٍ؛ فلأن يمينه على الرحيل، وقد وجد، وذلك يوجب انحلال اليمين وإذا انحلت يمينه صار بمنزلة من لم يحلف.

وأما كونه ليس له العود إليهما على روايةٍ؛ فلأن الظاهر أنه قصد هجران ما حلف على الرحيل منه، والعود إليه ينافي مقصود يمينه.

ص: 481

فصل [في مسائل من الحلف]

قال المصنف رحمه الله: (إذا حلفَ لا يدخلُ داراً فحُملَ فأُدخِلها ويمكنه الامتناع فلم يمتنع، أو حلفَ لا يستخدمُ رجلاً فخدمه وهو ساكت فقال القاضي: يحنث. ويحتمل أن لا يحنث).

أما كون من حلف لا يدخل داراً فحُملَ فأُدخِلها ويمكنه الامتناع فلم يمتنع يحنث عند القاضي؛ فلأن عدم الامتناع مع القدرة يُذهب معنى الإكراه النافي للحنث.

فإن قيل: فحُملَ فأُدخلَها مشعر بالإكراه فيكون الكلام مفروضاً في الإكراه. فإذا خرج عن أن يكون مكرهاً خرجت المسألة عن أصلها.

قيل: لما كان الحملُ إكراهاً في الصورة أُطلق عليه مُكرهاً فإذا أمكنه الامتناع لم يكن مكرهاً حقيقة.

وتقييد المصنف رحمه الله الحنث بأن يمكنه الامتناع إشعار بأنه إذا لم يمكنه لا يحنث. وهو صحيح نص عليه الإمام أحمد.

قال المصنف في المغني: والأصل في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عُفيَ لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهُوا عليه» (1).

ولأن الفعل غير موجود عنه ولا منسوب إليه.

وأما كون من يمكنه الامتناع فلم يفعل يحتمل أن لا يحنث؛ فلأنه مكره صورة. أشبه المكره معنى.

وأما كون من حلف لا يستخدم رجلاً فخدمه وهو ساكت يحنث على قول القاضي؛ فلأن الظاهر أنه قصد اجتناب خدمته ولم يحصل.

(1) سبق تخريجه ص: 443.

ص: 482

وأما كونه يحتمل أن لا يحنث؛ فلأنه ما استخدمه. والسكوت لا يدل على الرضى بدليل: ما لو شقّ رجل ثوب رجل وهو ساكت فإن سكوته لا يدل على رضاه، ولهذا يملك الذي شقّ ثوبه مطالبة الذي شقه بقيمة شقه.

قال: (وإن حلف ليشربنّ الماء أو ليضربنّ غلامه غداً فتلف المحلوف عليه قبل الغد حنث عند الخرقي. ويحتمل أن لا يحنث. وإن مات الحالف لم يحنث).

أما كون من حلف بما ذكر يحنث إذا تلف المحلوف عليه قبل الغد عند الخرقي؛ فلأن الحالف لم يفعل المحلوف عليه في وقته وعدم إكراهه ونسيانه. أشبه ما لو حلف ليحجّن هذا العام فلم يقدر على الحج لمرض أو عدم نفقة.

وأما كونه يحتمل أن لا يحنث؛ فلأنه تعذر فعل المحلوف عليه لا من جهته. أشبه المكره والناسي.

والأول أصح؛ لما تقدم.

والفرق بين ما ذكر وبين المكره والناسي: أن الامتناع في الإكراه والنسيان لمعنى فيه، وهاهنا الامتناع في المحل.

وأما كونه لا يحنث إذا مات الحالف؛ فلأن الحنث إنما يحصل بفوات المحلوف عليه في وقته وهو الغد، والحالف قد خرج عن أن يكون من أهل التكليف قبل ذلك فلا يمكن حنثه. وبأهلية الحالف ظهر الفرق بين موت الحالف وبين موت المحلوف عليه؛ لأن في تلف المحلوف عليه أهليّة الحالف باقية فصادف الحنث محله، وفي موت الحالف أهليّته تبطل بموته. فلم يُصادف بالحنث محله.

قال: (وإن حلف ليقضينّه حقه فأبرأه فهل يحنث؟ على وجهين. وإن مات المستحقّ فقضى ورثته لم يحنث، وقال القاضي: يحنث. وإن باعه بحقه عرْضاً لم يحنث عند ابن حامد، وحنث عند القاضي. وإن حلف ليقضينّه حقه عند رأس الهلال فقضاه عند غروب الشمس في أول الشهر برّ).

أما كون من حلف ليقضينّ غريمه حقه فأبرأه يحنث على وجه؛ فلأن الحلف على القضاء، والإبراء ليس بقضاء. بدليل أنه يصح أن يقال: ما قضاني حقي وإنما أبرأته منه.

ص: 483

وأما كونه لا يحنث على وجه؛ فلأن الغرض من القضاء حصول البراءة فإذا أبرأه فقد حصل مقصود يمينه. فيجب أن لا يحنث.

وأما كونه إذا مات المستحقّ فقضى ورثته لا يحنث وهو قول أبي الخطاب؛ فلأن قضاء الورثة قائم مقام قضائه في إبراء ذمته. فكذلك يجب أن يقوم مقامه في البرّ في يمينه.

وأما كونه يحنث على قول القاضي فكما لو حلف ليضربنّ عبده في غد فمات العبد قبل الغد.

وأما كونه إذا باعه بحقه عرْضاً لا يحنث عند ابن حامد؛ فلأن الغرض البراءة وهي حاصلة بذلك.

وأما كونه يحنث عند القاضي؛ فلأن الحلف على قضاء الحق ولم يوجد.

وأما كون من حلف ليقضينّ غريمه حقه عند رأس الهلال فقضاه عند غروب الشمس في أول الشهر يبرّ؛ فلأن ذلك هو الوقت المحلوف فيه. فإذا قضاه فيه وجب حصول البر.

قال: (وإن حلف لا فارقتك حتى أستوفي حقي فهرب منه حنث. نصّ عليه، وقال الخرقي: لا يحنث. وإن فلسه الحاكم وحكم عليه بفراقه خُرِّج على الروايتين. وإن حلف: لا افترقنا فهرب منه حنث. وقدْر الفراق ما عده الناس فراقاً؛ كفُرقَة البيع).

أما كون من حلف لا فارقتك حتى أستوفي حقي فهرب يحنث على المنصوص؛ فلأن معنى يمينه: لا حصل منا فرقة وقد حصل.

وأما كونه لا يحنث على قول الخرقي؛ فلأنه حلف على فعل نفسه في الفُرقة وما فعلها ولا فعل باختيار. فلم يحنث؛ كما لو قال: لا قمت فأقامه غيره.

وأما كونه إذا فلسه الحاكم وحكم عليه بفراقه يخرج على روايتين؛ فلأن ذلك في معنى الروايتين في الإكراه، وقد تقدم ذكر دليلهما.

وأما كونه يحنث إذا قال: لا افترقنا على قوليهما جميعاً؛ فلأن يمينه يقتضي لا حصل بيننا فرقة بوجه من جهة اللفظ والمعنى. وبذلك يظهر الفرق بين المسألة الأولى والثانية على قول الخرقي؛ لأن لفظ الأولى لا يقتضي ذلك.

ص: 484

وأما كون قدر الفراق الذي يحصل به الحنث في موضع الحكم بالحنث فيه ما عده الناس فراقاً في العُرف؛ فلأن الشرع رتب على ذلك أحكاماً ولم يبين مقداره. فوجب الرجوع فيه إلى العادة؛ كالحِرْز والقبض.

ولأن الفرقة في البيع تثبت الخيار وهي مقدرة بذلك. فكذلك يجب تقديرها في الحلف قياساً له عليها.

ص: 485