المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌كتاب الحدود الحدود جمع حد. والحد في اللغة: المنع، ومنه قيل - الممتع في شرح المقنع - ت ابن دهيش ط ٣ - جـ ٤

[ابن المنجى، أبو البركات]

فهرس الكتاب

- ‌كتاب الجنايات

- ‌باب شروط القصاص

- ‌باب استيفاء القصاص

- ‌باب العفو عن القصاص

- ‌باب ما يوجب القصاص فيما دون النفس

- ‌كتاب الديات

- ‌باب مقادير ديات النفس

- ‌باب ديات الأعضاء ومنافعها

- ‌باب الشجاج وكسر العظام

- ‌باب العاقلة وما تحمله

- ‌باب كفارة القتل

- ‌باب القسامة

- ‌كتاب الحدود

- ‌باب حد الزنى

- ‌باب القذف

- ‌باب حد المسكر

- ‌باب التعزير

- ‌باب القطع في السرقة

- ‌باب حد المحاربين

- ‌باب قتال أهل البغي

- ‌باب حكم المرتد

- ‌كتاب الأطعمة

- ‌باب الذ كاة

- ‌كتاب الصيد

- ‌كتاب الأيمان

- ‌باب جامع الأيمان

- ‌باب النذر

- ‌كتاب القضاء

- ‌باب أدب القاضي

- ‌باب طريق الحكم وصفته

- ‌باب حكم كتاب القاضي إلى القاضي

- ‌باب القسمة

- ‌باب الدعاوي والبينات

- ‌باب في تعارض البينتين

- ‌كتاب الشهادات

- ‌باب شروط من تقبل شهادته

- ‌باب موانع الشهادة

- ‌باب أقسام المشهود به

- ‌باب الشهادة على الشهادة

- ‌باب اليمين في الدعاوى

- ‌كتاب الإقرار

- ‌باب ما يحصل به الإقرار

- ‌باب الحكم فيما إذا وصل بإقراره ما يغيره

- ‌باب الإقرار بالمجمل

الفصل: ‌ ‌كتاب الحدود الحدود جمع حد. والحد في اللغة: المنع، ومنه قيل

‌كتاب الحدود

الحدود جمع حد. والحد في اللغة: المنع، ومنه قيل للبواب حداد؛ لأنه يمنع من دخول الدار.

وفي الشرع: عبارة عن عقوبة مخصوصة.

فإن قيل: لم سميت العقوبة في الشرع حداً؟

قيل: لأنها تمنع من الدخول في المعاصي المختصة بها.

قال المصنف رحمه الله: (لا يجب الحد إلا على بالغ عاقل عالم بالتحريم).

أما كون الحد لا يجب على غير بالغ عاقل؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رُفعَ القلمُ عن ثلاث: عن الصبيِّ حتى يبلُغ، وعن المجنون حتى يُفيق، وعن النائمِ حتى يستيقظ» (1).

وأما كونه لا يجب على غير عالم بالتحريم؛ فلأن عمر وعلياً رضي الله عنهما قالا: «لا حَدَّ إلا على من عَلِمَه» (2).

ولأن الحد يدرأ بالشبهة، والجهل شبهة.

وأما كونه يجب على بالغ عاقل عالم بالتحريم؛ فلعموم النصوص المقتضية لوجوبه السالمة عن معارضة ما تقدم ذكره.

(1) أخرجه أبو داود في سننه (4403) 4: 141 كتاب الحدود، باب في المجنون يسرق أو يصيب حداً.

وأخرجه الترمذي في جامعه (1423) 4: 32 كتاب الحدود، باب ما جاء فيمن لا يجب عليه الحد.

(2)

أخرجه عبدالرزاق في مصنفه (13643) 7: 403 كتاب الطلاق، باب لا حد إلا على من علمه. نحوه.

وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى 8: 239 كتاب الحدود، باب ما جاء في درء الحدود بالشبهات. نحوه.

ص: 215

قال: (ولا يجوز أن يقيم الحد إلا الإمام أو نائبه؛ إلا السيد فإن له إقامة الحد بالجلد خاصة على رقيقه القن. وهل له القتل في الردة، والقطع في السرقة؟ على روايتين. ولا يملك إقامته على مكاتبه، ولا على من بعضه حر، ولا على أمته المزوجة).

أما كون الحد لا يجوز أن يقيمه غير الإمام أو نائبه أو سيده فلأن (1) الإقامة تفتقر إلى ثبوت واجتهاد ونظر، وذلك مفقود فيمن ذكر.

فإن قيل: ما ذكر موجود في السيد، وهو يقيمه.

قيل (2): خرج من ذلك السيد لما يأتي فيبقى فيما عداه على مقتضاه.

وأما كونه يجوز أن يقيمه؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقيمه» ، وكذلك الخلفاء بعده.

وأما كونه يجوز لنائب الإمام أن يقيمه؛ فلأن أنيساً رجم امرأة بطريق النيابة عن النبي صلى الله عليه وسلم (3).

ولأن نائب الإمام في غير ما ذكر كالإمام. [فكذلك يجب أن يكون فيما ذكر. قياساً للبعض على البعض.

ولأن نواب الإمام] (4) يقيمون ذلك في سائر الأعصار من غير نكير.

وأما كون السيد له إقامة الحد بالجلد على رقيقه القن؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا زنتْ [أمةُ أحدكم فاجلدُوها، ثم إن زنتْ فاجلدُوها، ثم إن زنتْ] (5) فاجلدُوها، ثم بيعوها ولو بضَفِير» (6)، ولعموم قوله عليه السلام:«أَقيموا الحدَّ على ما ملكتْ أيمانكم» (7).

(1) في أ: فإن.

(2)

في د: على.

(3)

أخرجه البخاري في صحيحه (2575) 2: 971 كتاب الشروط، باب الشروط التي لا تحل في الحدود.

وأخرجه مسلم في صحيحه (1697) 3: 1325 كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنى.

(4)

ساقط من أ.

(5)

ساقط من أ.

(6)

أخرجه البخاري في صحيحه (6447) 6: 2509 كتاب المحاربين، باب إذا زنت الأمة.

وأخرجه مسلم في صحيحه (1703) 3: 1329 كتاب الحدود، باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنى.

(7)

أخرجه أبو داود في سننه (4473) 4: 161 كتاب الحدود، باب في إقامة الحد على المريض.

ص: 216

وأما كونه له قتله في الردة وقطعه في السرقة على روايةٍ؛ فلعموم الحديث المذكور.

ولأنه روي عن حفصة «أنها قَتَلَتْ أمةً لها سَحَرَتْها» (1)، و «عمرُ قطعَ عبداً له سَرق» (2).

وأما كونه ليس له ذلك؛ فلأن الجلد ضرب، والسيد له ضرب عبده؛ لإصلاحه. والقتل والقطع ليس كذلك. فوجب أن لا يقيمه إلا الإمام أو نائبه؛ كالحر.

وأما كونه لا يملك إقامته على مكاتبه؛ فلأنه معه كالأجنبي.

وأما كونه لا يملك إقامته على من بعضه حر؛ فلأنه ليس له ولاية على كله، والحد تصرّف في الكل.

وأما كونه لا يملك إقامته على أمته المزوجة؛ فلأن في الحديث المذكور: «فإن كانت مزوَّجة فليرفعه إلى الحاكم» .

ولأن أحكام الملك نقصت (3) بالتزويج بها. بل إنه يجب على الزوج نفقتها مدة إقامتها عنده وفطرتها.

قال: (وإن كان السيد فاسقاً أو امرأة فله إقامته في ظاهر كلامه. ويحتمل أن لا يملكه).

أما كون السيد إذا كان فاسقاً له إقامة الحد على ظاهر كلام الإمام أحمد؛ فلأن إقامة السيد لذلك ولاية مستفادة بالملك. فلا ينافيها الفسق؛ كولاية نكاحها.

وأما كونه يحتمل أن لا يملكه؛ فلأن السيد أحد من يملك الإقامة. فاشترط فيه العدالة؛ كالإمام.

(1) أخرجه مالك في الموطأ (14) 2: 663 كتاب العقول، باب ما جاء في الغيلة والسحر.

(2)

أخرجه الشافعي في مسنده (269) 2: 83 كتاب الحدود، باب في حد السرقة. عن ابن عمر.

(3)

ساقط من د.

ص: 217

وأما كونه إذا كان (1) امرأة لها ذلك على ظاهر كلام الإمام أحمد؛ فلأن السيد إنما يملك ذلك بالملك، وهو موجود في المرأة.

وأما كونها يحتمل أن لا تملكه؛ فلأنها في مظنة الدين. أشبهت الفاسق.

قال: (ولا يملكه المكاتب. ويحتمل أن يملكه).

أما كون المكاتب (2) لا يملك إقامة الحد على رقيقه على المذهب؛ فلأنه ليس من أهل الولاية.

ولأن ملكه على عبده ناقص، ولذلك لا تجب عليه الزكاة.

وأما كونه يحتمل أن يملكه؛ فلأن إقامة الحد في حق السيد مستفادة بالملك. فملكه المكاتِب؛ كسائر تصرفاته.

قال: (وسواء ثبت ببينة أو إقرار. وإن ثبت بعلمه فله إقامته. نص عليه. ويحتمل أن لا يملكه كالإمام).

أما كون الثبوت بالبينة والإقرار في إقامة السيد الحد سواء؛ فلأن كل واحد منهما حجة في ثبوت الزنى. فوجب أن لا يختلف حال السيد فيه. فلهذا للسيد أن يسمع إقراره ويقيم عليه الحد، وليس له أن يسمع البينة؛ لأن البينة تحتاج إلى بحث عن العدالة والسيد ليس من أهلها.

فعلى هذا إن ثبت ذلك على الحاكم أقام الحد، وإلا توقف على ثبوت الزنى عنده.

وقيل: إن كان السيد يعرف شرط العدالة؛ لأنه يلي إقامة الحد فيلي (3) سماع البينة مع الإقامة كالحد على رقيقه إذا ثبت بعلمه على منصوص الإمام.

ولأنه قد ثبت عنده. أشبه ما لو أقر به عنده.

وأما كونه يحتمل أن لا يملكه؛ فلأن السيد أحد من يملك إقامة الحد. فلم يملكه بعلمه؛ كالإمام. وسيأتي دليله بعد إن شاء الله تعالى.

(1) في د: كانت.

(2)

في أ: المكاتبة.

(3)

في أ: قيل.

ص: 218

قال: (ولا يقيم الإمام الحد بعلمه. ولا تقام الحدود في المساجد).

أما كون الإمام لا يقيم الحد بعلمه؛ فلأن الله تعالى قال: {فاستشهدوا عليهن أربعة منكم} [النساء: 15]، وقال:{فإذ (1) لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون} [النور: 13].

ولأنه متهم في حكمه بعلمه، وذلك شبهة يدرأ بها الحد.

وأما كون الحدود لا تقام في المساجد؛ فلما روى حكيم بن حزام «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهَى أن يُستقادَ في المساجد، وأن يُنشدَ فيه الأشعار، وأن تُقامَ فيه الحدود» (2).

وروي عن عمر رضي الله عنه «أنه أُتي برجلٍ في منى فقال: أخرجاهُ من المسجدِ فاضرباه» .

وعن علي رضي الله عنه «أنه أُتي بسارق فقال: يا قنبر! أخرجه من المسجد فاقطع يده» .

ولأنه لا يؤمن أن يُحدث في المسجد إذا حد فيه فينجسه ويؤذيه.

قال: (ويُضرب الرجل في الحد قائماً بسوط لا جديد ولا خَلَق. ولا يُمدّ ولا يربط ولا يجرد بل يكون عليه القميص والقميصان. ولا يبالغ في ضربه بحيث يشق الجلد. ويُفَرّقُ الضربُ على أعضائه؛ إلا الرأس والوجه والفرج وموضع المقتل).

أما كون الرجل يضرب في الحد قائماً؛ فـ «لأن علياً أمرَ بضربِ (3) الرجلِ قائماً» (4).

ولأن قيامه وسيلة إلى إعطاء كل عضو حظه من الضرب، وذلك مطلوب شرعاً؛ لما يأتي في قول المصنف رحمه الله: ويفرق الضرب على أعضائه.

(1) في الأصول: فإن.

(2)

أخرجه أبو داود في سننه (4490) 4: 167 كتاب الحدود، باب في إقامة الحد في المسجد.

(3)

في أ: أمر أن يضرب.

(4)

أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 8: 327 كتاب الأشربة والحد فيها، باب ما جاء في صفة السوط والضرب.

ص: 219

وأما كون السوط لا جديد ولا خلق؛ فلأنه يروى «أن رجلاً اعترفَ عندَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالزنى. فدعى له بسوطٍ. فأُتي به مكسوراً. فقال: فوقَ هذا. فأتي بسوطٍ جديد لم يُكسر. فقال: بين هذين» (1).

ولأن الغرض الإيلام دون الجرح، والجديد يجرح، والخَلَق لا يؤلم.

وأما كونه لا يمد ولا يربط ولا يجرد؛ فلأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مدّ يد أحد (2) ولا ربطها ولا جرّدها في الحد، وعن ابن مسعود:«ليس في ديننا مدٌ ولا قيدٌ ولا تجريد» (3).

وأما كونه عليه القميص والقميصان؛ فلأن ذلك صيانة له عن التجريد. مع أن ذلك لا يرد ألم الضرب، ولا يضر بقاؤهما عليه.

وأما كونه لا يبالغ في ضربه بحيث (4) يشق الجلد؛ فلأن الغرض تأديبه وزجره عن المعصية لا قتله، والمبالغة تؤدي إليه.

وأما كونه يفرّق الضربُ على أعضائه سوى الوجه والفرج وموضع المقتل؛ فلأن توالي الضرب على عضو واحد مما يؤدي إلى القتل.

وأما كونه لا يضرب رأسه ولا وجهه؛ فلأنه (5) روي عن علي رضي الله عنه: «أنه قال للجلاّد: اضرب وأوجِع. واتَّقِ الرأسَ والوجه» (6).

ولأنهما أجمل ما في الإنسان، وفي إصابة الضرب لهما خطر؛ لأنه (7) ربما عمي، أو ذهب عقله.

وأما كونه لا يضرب فرجه وموضع مقتله؛ فلأن الضرب في ذلك الموضع يؤدي إلى القتل وهو غير مأمور به بل مأمور بعدمه.

(1) أخرجه مالك في الموطأ (12) 2: 629 كتاب الحدود، باب ما جاء فيمن اعترف على نفسه بالزنا.

(2)

في د: مدّ أحدا.

(3)

أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 8: 326 كتاب الأشربة والحد فيها، باب ما جاء في صفة السوط والضرب.

(4)

في أ: حتى.

(5)

في د: فلأن.

(6)

أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه نحوه ولفظه: «

فقال: اضرب وأعط كل عضو حقه واتق الوجه والمذاكير» (28666) 5: 524 كتاب الحدود، ما جاء في الضرب في الحد.

(7)

في د: ولأنه.

ص: 220

قال: (والمرأة كذلك؛ إلا أنها تضرب جالسة، وتشدُّ عليها ثيابها، وتمسك يداها لئلا تنكشف).

أما كون المرأة كالرجل فيما عدا المستثنى؛ فلأن الأصل كونها كالرجل إلا أن (1) يقوم دليل على التخصيص، ولا دليل عليه فيما عدا المواضع المستثناة. فوجب كونها كالرجل. عملاً بالأصل السالم عن المعارض.

وأما كونها تضرب جالسة وتشدّ ثيابها عليها وتمسك يداها؛ فلما ذكر المصنف رحمه الله.

ولأن المرأة عورة.

ولأن فيما ذكر ستراً لها، وذلك مطلوب في نظر الشرع، وكذلك يشرع لها في الصلاة أن تجمع نفسها في الركوع والسجود، وفي الحديث عن علي رضي الله عنه:«تُضربُ المرأةُ جالسَة» (2).

قال: (والجلد في الزنى أشد الجلد، ثم جلد القذف، ثم الشرب، ثم التعزير. وإن رأى الإمام الضرب في حد الخمر بالجريد والنعال فله ذلك).

أما كون جلد الزنى أشد الجلد ثم القذف ثم التعزير

إلى آخره؛ فلأن (3) عدده أكثر. فكذلك يجب أن تكون صفته.

وأما كون جلد القذف أشد من الشرب؛ فلأن جلد القذف متفق عليه في العدد والضرب بالسوط، وجلد الشرب مختلف فيه في ذلك.

ولأن (4) جلد القذف جلد (5) لجناية على آدمي ولحق (6) الله تعالى، وجلد الشرب جلد بجناية (7) على حق الله فقط.

(1) في أ: أنها.

(2)

أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 8: 327 كتاب الأشربة والحد فيها، باب ما جاء في صفة السوط والضرب.

(3)

في أ: ثم الخمر ثم التعزير فلأن.

(4)

في أ: لأن.

(5)

في د: جلداً.

(6)

في د: لحق.

(7)

في أ: جناية.

ص: 221

وأما كونه أشد من التعزير؛ لأنه أشد من الشرب لما تقدم، والشرب أشد من التعزير؛ لما يأتي إن شاء الله تعالى.

وأما كون (1) جلد الشرب أشد من التعزير؛ فلأن التعزير لا يزيد على عشرة أسواط على الصحيح. بخلاف الشرب.

وأما كون الإمام له الضرب في حد الخمر بالجريد والنعال إذا رأى ذلك؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أُتي بشاربٍ. فقال: اضربوه. فضُرب بالأيدي والنعالِ وأطرافِ الثيابِ وحثوا عليه التراب» (2).

قال (3): (قال أصحابنا: ولا يؤخر الحد للمرض. فإن كان جلداً وخشي عليه من السوط أقيم بأطراف الثياب والعثكول. ويحتمل أن يؤخّر في المرض المرجو زواله).

أما كون الحد لا يؤخر لأجل المرض على قول الأصحاب؛ فلأن الله تعالى أوجب الجلد. فلم يجب تأخير ما أوجبه الله تعالى.

ولأن عمر رضي الله عنه أقامَ الجلد على قدامة وهو مريض (4).

وأما كونه يقام بأطراف الثياب والعثكول إذا كان المريض (5) جلداً وخشي عليه من السوط؛ فلما روى أبو أمامة بن سهل عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنه اشتكى رجلٌ منهم حتى أُضنيَ فعادَ جلداً على عظم. فدخلتْ عليه جاريةٌ لبعضهم فوقعَ عليها. فلما دخلَ عليه رجال قومه يعودونَهُ أخبرهم بذلك.

(1) في د: كونه.

(2)

أخرجه البخاري في صحيحه (6395) 6: 2488 كتاب الحدود، باب الضرب بالجريد والنعال.

وأخرجه أبو داود في سننه (4477) 4: 162 كتاب الحدود، باب الحد في الخمر.

(3)

ساقط من أ.

(4)

عن عبدالله بن عامر بن ربيعة وكان أبوه قد شهد بدراً «أن عمر رضي الله عنه استعمل قدامة بن مظعون على البحرين

فقال لأصحابه: ما ترون في جلد قدامة فقال القوم: ما نرى أن تجلده ما دام وجعا. فقال عمر رضي الله عنه: لأن يلقى الله عز وجل تحت السياط أحب إلي من أن يلقاه وهو في عنقي

» أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 8: 315 كتاب الأشربة، باب من وجد منه ريح شراب أو لقي سكران.

(5)

في د: كان حد المريض.

ص: 222

فقال (6): استفتُوا لي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم. فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: ما رأينا بأحدٍ من الضر مثلَ ما (1) هو به. لو حملناهُ إليك لتفسَّخَتْ (2) عظامُهُ ما هوَ إلا جلدٌ (3) على عظمٍ. فأمرَ النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذوا له [مائة] شمراخٍ (4) فيضربوهُ بها (5) ضربة» (6).

وأما كونه يحتمل أن يؤخر في المرض المرجو زواله؛ فلأن في التأخير استيفاء الحد على وجه الكمال من غير خوف فواته. وبه فارق المريض المرض الذي لا يرجى زواله؛ لأنه يخاف فوات الحد.

قال: (وإذا مات المحدود في الجلد فالحق قتله. فإن زاد سوطاً أو أكثر فتلف ضمنه. وهل يضمن جميعه أو نصف الدية؟ على وجهين).

أما كون المحدود إذا مات في جلده فالحقّ قتله؛ فلأنه روي عن علي أنه قال: «ليسَ أحدٌ أقيمُ عليه حداً فأجد في نفسي شيئاً أن الحقَ قتلهُ؛ إلا حدَّ الخمرِ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يَسُنَّهُ لنا» (7).

ولأنه حد وجب لله. فلم يجب ضمان من مات به على أحد؛ لكونه غير القاتل حكماً.

فإن قيل: كلام المصنف رحمه الله عام، وكلام عليّ غير عام؛ لأنه أخرج حد الخمر.

قيل: ما أخرجه من أن الحق قتله، وإنما أخرجه من الوجدان النفساني، وذلك لا ينفي أن الحق قتله.

(6) في د: قال.

(1)

ساقط من د.

(2)

في أ: لانفسخت.

(3)

في د: جلد إلا.

(4)

في الأصول: شمراخاً.

(5)

في أ: به.

(6)

أخرجه أبو داود في سننه (4472) 4: 161 كتاب الحدود، باب في إقامة الحد على المريض. وما بين المعكوفين زيادة من السنن.

(7)

أخرجه البخاري في صحيحه (6396) 6: 2488 كتاب الحدود، باب الضرب بالجريد والنعال.

وأخرجه مسلم في صحيحه (1707) 3: 1332 كتاب الحدود، باب حد الخمر.

ص: 223

وأما كونه يضمنه مَن حدَّهُ إذا تلف بزيادة في الحد؛ فلأنه [تلف بتعديه من حده. أشبه ما لو قتله.

وأما كونه يضمن جميعه على وجه؛ لأنه] (1) تلف تلفاً بأمر حصل من جهة الله تعالى وعدوان آدمي. فكان ضمان جميعه على الآدمي؛ كما لو ضرب مريضاً سوطاً فقتله.

وأما كونه يُضمن بنصف الدية على وجه؛ فلأنه مات من فعل مضمون [وغير مضمون](2). فكان عليه نصف الدية؛ كما لو جرح نفسه وجرحه غيره فمات.

قال: (وإذا كان الحد رجماً لم يحفر له. رجلاً كان أو امرأة في أحد الوجهين، وفي الآخر: إن ثبت على المرأة بإقرارها لم يحفر لها، وإن ثبت ببينة حُفر لها إلى الصدر).

أما كون الرجل لا يحفر له إذا كان الحد رجماً؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحفر لماعز. قال أبو سعيد: «لما أمرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم برجمِ ماعز خرجنا به إلى البقيع. فواللهِ! ما حفرنا لهُ ولا أوثقناهُ ولكنهُ قامَ (3) لنا» (4). رواه أبو داود.

وأما كون المرأة إذا ثبت زناها بإقرارها لا يحفر لها؛ فلأن رجوعها عن إقرارها مقبول، والحفر يمنعها من الهرب الذي هو في معنى الرجوع قولاً.

وأما كونها إذا ثبت زناها ببينة لا يحفر لها في وجهٍ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحفر للجُهَنِيّة لما رجمها.

وأما كونها يحفر لها إلى الصدر على وجه؛ فـ «لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم رجمَ امرأةً فحفرَ لها إلى الصدر» (5). رواه أبو داود.

ولأن الحفر أستر لها، ولا حاجة إلى تمكينها من الهرب. بخلاف من أقرّت.

(1) ساقط من د.

(2)

مثل السابق.

(3)

مثل السابق.

(4)

أخرجه أبو داود في سننه (4431) 4: 149 كتاب الحدود، باب رجم ماعز بن مالك.

(5)

أخرجه مسلم في صحيحه (1695) 3: 1323 كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنى.

وأخرجه أبو داود في سننه (4443) 4: 152 كتاب الحدود، باب المرأة التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم برجمها من جهينة.

ص: 224

والأول أصح؛ لما تقدم.

ولأن أكثر الأحاديث على ترك الحفر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحفر للجهنية لما رجمها، ولا لماعز، ولا لليهودي. وأما الحديث المتقدم ذكره فلا يدل على موضع الغرض؛ لأن الحد على المرأة المذكورة ثبت عليها بإقرارها والحفر لا يشرع مع (1) الإقرار.

قال: (ويستحب أن يَبدأ الشهود بالرجم. وإن ثبت بالإقرار استحب أن يبدأ الإمام).

أما كون الشهود يستحب لهم أن يبدؤا بالرجم إذا ثبت بهم؛ فلأنه يروى عن علي رضي الله عنه أنه قال: «إذا قامتِ البينةُ رجمتِ البينةُ ثم رجمَ الناس» (2).

وأما كون الإمام يستحب له أن يبدأ بالرجم إذا ثبت بالإقرار؛ فلأنه يروى عن علي رضي الله عنه أنه قال: «إذا ظهرَ الحبلُ من الزنى كان أولُ من يرجم الإمام ثم الناس» (3)، وفي حديث أبي بكرة «أن النبي صلى الله عليه وسلم رجمَ امرأةً فحفرَ لها إلى الصدر. ثم رماها بحصاةٍ مثل الحِمِّصَةِ. ثم قال: ارمُوا واتَّقُوا الوجْه» (4).

قال: (ومتى رجع المقر بالحد عن إقراره قُبل منه. وإن رجع في أثناء الحد لم يُتَمّم).

أما كون المقر بالحد إذا رجع عن إقراره يقبل منه؛ فلما روي عن بريدة قال: «كنا أصحابَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم نتحدثُ أن الغامديةَ وماعز بن مالكٍ لو رجعَا بعدَ اعترافهِمَا [أوْ قالَ: لو لم يرجعا بعد اعترافهمَا] (5) لم يَطلُبْهُمَا الحدّ. وإنما رجمهُمَا عندَ الرابعة» (6). رواه أبو داود.

(1) في أ: من.

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (28808) 5: 539 كتاب الحدود، فيمن يبدأ بالرجم.

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (28809) الموضع السابق.

وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى 8: 220 كتاب الحدود، باب من اعتبر حضور الإمام والشهود

(4)

أخرجه أبو داود في سننه (4443) 4: 152 كتاب الحدود، باب المرأة التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم برجمها من جهينة.

(5)

ساقط من د.

(6)

أخرجه أبو داود في سننه (4434) 4: 149 كتاب الحدود، باب رجم ماعز بن مالك.

ص: 225

ولأن الرجوع شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات. وبه فارق سائر الحقوق؛ لأنه لا يدرأ بالشبهة.

وأما كون الحد لا يُتَمّم إذا رجع المحدود في أثنائه؛ فلأن جميع الحد يسقط بالرجوع. فلأن يسقط تمامه بطريق الأولى.

ولأن المقر لو هرب لم يتمم حده؛ لما يأتي. فلأن لا يتم حد الراجع عن إقراره بطريق الأولى.

قال: (وإن رُجم ببينة فهرب لم يُترك، وإن كان بإقرار تُرك).

أما كون من رُجم ببينة فهرب لا يُترك؛ فلأنه ثبت عليه على وجه ليس له الرجوع فيه بالقول، وذلك يقتضي أنه لا يترك. ضرورة استيفاء الحق الواجب عليه الذي لا يقبل الإسقاط فيه بوجه.

وأما كون من رُجم (1) بإقرار فهرب يترك؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكرت الصحابة له هرب (2) ماعز قال: هلاّ تركتُمُوه» (3).

ولأن الهرب (4) رجوع في المعنى، والرجوع شبهة يُدرأ بها الحد.

(1) في أ: يرجم.

(2)

في د: هربة.

(3)

أخرجه أبو داود في سننه (4419) 4: 145 كتاب الحدود، باب رجم ماعز بن مالك.

وأخرجه الترمذي في جامعه (1428) 4: 36 كتاب الحدود، باب ما جاء في درء الحد عن المعترف إذا رجع.

وأخرجه ابن ماجة في سننه (2554) 2: 854 كتاب الحدود، باب الرجم.

(4)

في د: الهربة.

ص: 226

فصل [إذا اجتمعت حدود لله تعالى]

قال المصنف رحمه الله: (وإذا اجتمعت حدودٌ لله تعالى فيها قتل استوفي وسقط سائرها. وإن لم يكن فيها قتل: فإن كانت من جنس؛ مثل: إن زنى، أو سرق، أو شرب مراراً أجزأ (1) حد واحد. وإن كانت من أجناس استوفيت كلها. ويُبدأ بالأخف فالأخف).

أما كون من اجتمعت عليه حدودٌ لله فيها قتل؛ مثل: إن شرب وسرق وزنى وهو محصن يُستوفى منه القتل ويسقط سائرها؛ فلأنه قول ابن مسعود. ولا مخالف له في الصحابة.

ولأن أسباب الحدود إذا كان فيها موجب للقتل سقط ما دونه. دليله المحارب إذا أخذ المال وقتَل فإنه يُقتل ولا يُقطع.

ولأن الحدود تراد للزجر، ومن يُقتل لا فائدة في زجره.

وأما كون من اجتمعت عليه حدود لله لا قتل فيها وكانت من جنس واحد؛ مثل: إن زنى ثم زنى، أو شرب ثم شرب (2) يجزئ حد واحد؛ فلأن الغرض الزجر عن إتيان مثل ذلك في المستقبل، وذلك حاصل بالحد الواحد.

ولأن الواجب هنا من جنس واحد. فوجب التداخل فيه؛ كالكفارات.

وأما كون الحدود من أجناس تستوفى كلها؛ فلأن التداخل إنما (3) يمكن فيما كان من جنس واحد، وهذه من أجناس.

وأما كون الأخف فالأخف من ذلك يُبدأ به؛ فلأن في ذلك تدريجاً.

فعلى هذا يُبدأ بالجلد في الشرب ثم بالجلد في الزنى؛ لأن الأول أخف من الثاني.

(1) في أ: أجزأه.

(2)

في أ: مثل إن زنا أو سرق ثم شرب.

(3)

في د زيادة: كان.

ص: 227

قال: (وأما حقوق الآدميين فتستوفى كلها. سواء كان فيها قتل أو لم يكن. ويبدأ بغير القتل).

أما كون حقوق الآدميين تستوفى كلها سواء كان فيها قتل أو لم يكن؛ فلأنها حقوق الآدميين يمكن استيفاؤها كلها. فوجب؛ كسائر حقوقهم.

فإن قيل: لم اكتفي بالقتل في حقوق الله تعالى؟

قيل: لأن حقوق الله مبنية على السهولة. بخلاف حق (1) الآدمي فإنه مبني على الضيق والشح.

وأما كونها يبدأ فيها بغير القتل؛ فلأن البداءة بالقتل يفوت استيفاء باقي الحقوق. فلم يجز؛ لما فيه من تفويت الحق الواجب.

قال: (وإن اجتمعت مع حدود الله (2) بُدئ بها؛ فإذا زنى وشرب وقذف وقطع يداً قطعت يده أولاً، ثم حد للقذف ثم للشرب ثم للزنى، ولا يستوفى حد حتى يبرأ من الذي قبله).

أما كون من اجتمعت عليه حقوق آدميين مع حدود الله يبدأ فيها بحقوق الآدميين؛ فلأن حقوق الآدميين مبنية على الشح والضيق، وحقوق الله مبنية على السهولة.

وأما كون من زنى وشرب وقذف وقطع يداً تقطع يده قصاصاً أولاً؛ فلأنه متمحض لآدمي. [بدليل سقوطه بإسقاطه.

وأما كونه يحد للقذف ثانياً؛ فلأنه مختلف في كونه لآدمي] (3). بخلاف حد الزنى والشرب.

وأما كونه يحد للشرب ثالثاً؛ فلأنه أخف.

وأما كونه يحد للزنى رابعاً؛ فلأنه أشد الحدود.

وأما كونه لا يستوفى حد من جميع ما ذكر حتى يبرأ من الذي قبله؛ فلئلا تتوالى عليه الحدود فتؤدي إلى تلفه، وليس ذلك مطلوباً في الحد.

(1) في أ: المساهلة بخلاف حقوق.

(2)

في أ: حدود الله تعالى.

(3)

ساقط من أ.

ص: 228

فصل [فيمن أتى حداً في الحرم]

قال المصنف رحمه الله: (ومن قتل أو أتى حداً خارج الحرم ثم لجأ إليه (1) لم يستوف منه فيه، ولكن لا يبايع ولا يشارى حتى يخرج فيقام عليه. وإن فعل ذلك في الحرم استوفى منه فيه).

أما كون من قتل أو أتى حداً خارج الحرم ثم لجأ إليه لا يُستوفى منه في الحرم؛ فلأن الله تعالى قال: {ومن دخله كان آمناً} [آل عمران: 97].

ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله حرمَ مكةَ يوم خلقَ السمواتِ والأرض، وإنما أُحلّتْ لي ساعةً من نهار ثم عادتْ إلى حرمتِها. فلا يُسفك فيها دم» (2)، وفي لفظ:«فلا يحلُ لامرئ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ أن يَسْفِكَ فيها دَماً» (3) متفق عليه.

فإن قيل: فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الحرمُ لا يُعيذُ عَاصِياً ولا فَارًّا بدمٍ ولا بِخَرْبَة (4» ) (5).

وروي عنه (6)«أنه قتلَ ابن خطلٍ وهو متعلقٌ بأستارِ الكعبَة» (7) حديث حسن صحيح.

(1) في أ: ثم لجأ إلى الحرم.

(2)

أخرجه البخاري في صحيحه (1737) 2: 651 كتاب الحج، باب لا يحل القتال بمكة.

وأخرجه مسلم في صحيحه (1353) 2: 986 كتاب الحج، باب تحريم مكة وصيدها وخلاها

(3)

أخرجه البخاري في صحيحه (104) 1: 51 كتاب العلم، باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب.

وأخرجه مسلم في صحيحه (1354) 2: 987 الموضع السابق.

(4)

في أ: فاراً بخربة ولا دم.

(5)

هو قطعة من الحديث السابق.

(6)

ساقط من أ.

(7)

أخرجه البخاري في صحيحه (1749) 2: 655 كتاب الحج، باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام.

وأخرجه مسلم في صحيحه (1357) 2: 989 كتاب الحج، باب جواز دخول مكة بغير إحرام.

وأخرجه الترمذي في جامعه (1693) 4: 202 كتاب الجهاد، باب ما جاء في المغفر.

ص: 229

قيل: ما روي من الحديث من كلام عمرو بن سعيد فإن (1) أبا شريح الخزاعي لما روى الحديث المتقدم ذكره قال له عمرو: «وأنا أعلمُ بذلكَ منكَ إن الحرمَ لا يُعيذُ

إلى آخره» (2) فلا يعارض قول النبي صلى الله عليه وسلم.

وأما قتل ابن خطل فقد تقدم التنبيه عليه حيث قال: «إن الله أذنَ لي ولم يأذنْ لأحد» (3).

وأما كونه لا يُبايع ولا يُشارى حتى يخرج فيقام عليه؛ فلما روى ابن عباس رضي الله عنه قال: «من أصابَ حداً ثم لجأَ إلى الحرم؛ فإنه لا [يجالس ولا] (4) يبايع ولا يشارَى [ولا يُؤْوَى] (5)، ويأتيه الذي يطلبهُ فيقول: يا فلان! اتقِ الله. فإذا خرجَ من الحرمِ أُقيمَ عليهِ الحد» (6). رواه الأثرم.

ولأن الاستيفاء واجب في الجملة، وفي مبايعته ومشاراته إبقاء له في الحرم، وذلك يفضي إلى عدم استيفاء الواجب.

وأما كون من فعل ذلك في الحرم يستوفى منه فيه؛ فلأنه روي عن ابن عباس (7) أنه قال: «من أحدَثَ حدثًا في الحرمِ أُقيمَ عليه ما أحدَث» (8).

ولأن الله تعالى حرم القتال في الحرم وأباحه لمن قاتل فيه فقال تعالى: {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم} [البقرة: 191].

ولأن أهل الحرم يحتاجون إلى الزجر عند ارتكاب المعاصي؛ حفظًا لأنفسهم وأموالهم وأعراضهم كما يحتاج إليه غيرهم. فلو لم يُشرع الحد على من ارتكبه في الحرم لتعطلت حدودُ الله في حقهم، وفاتت هذه المصالح التي لا بد منها.

(1) في أ: وإن.

(2)

سبق تخريجه قريباً.

(3)

سبق تخريجه قريباً.

(4)

ساقط من د.

(5)

ساقط من أ.

(6)

لم أقف عليه هكذا. وقد أخرج نحوه ابن أبي شيبة في مصنفه عن عطاء (28907) 5: 549 كتاب الحدود، في إقامة الحدود والقود في الحرم.

(7)

في أ: فلما روى ابن عباس.

(8)

لم أقف عليه هكذا. وقد أخرج نحوه ابن أبي شيبة في مصنفه عن مجاهد (28905) 5: 548 كتاب الحدود، في إقامة الحدود والقود في الحرم.

ص: 230

قال: (وإن أتى حداً في الغزو لم يستوف منه في أرض العدو حتى يرجع إلى دار الإسلام فيقام عليه).

أما كون من أتى حداً في الغزو لم يستوف منه في أرض العدو؛ فلأنه لا يؤمن أن يغضب فيؤديه غضبه إلى أن يرتد إلى الكفر.

وأما [كونه يقام عليه إذا رجع إلى دار الإسلام؛ فلأن ما فعله يوجب الحد. تعذر استيفاؤه](1) في أرض العدو؛ لما (2) تقدم. فإذا زال ذلك وجب أن يقام عليه. عملاً بالمقتضي له السالم عن المعارض المذكور.

(1) ساقط من أ.

(2)

في أ: فلما.

ص: 231