المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(باب في الغسل من الجنابة) - المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود - جـ ٣

[السبكي، محمود خطاب]

فهرس الكتاب

- ‌(باب في الغسل من الجنابة)

- ‌(باب في الوضوء بعد الغسل)

- ‌(باب في المرأة هل تنقض شعرها عند الغسل)

- ‌(باب في الجنب يغسل رأسه بالخطمىّ)

- ‌(باب فيما يفيض بين الرجل والمرأة من الماء)

- ‌(باب مؤاكلة الحائض ومجامعتها)

- ‌(باب الحائض تناول من المسجد)

- ‌(باب في الحائض لا تقضى الصلاة)

- ‌(باب في إتيان الحائض)

- ‌(باب في الرجل يصيب منها ما دون الجماع)

- ‌(باب من روى أن المستحاضة تغتسل لكل صلاة)

- ‌(باب من قال تجمع بين الصلاتين وتغتسل لهما غسلا)

- ‌(باب من قال تغتسل من طهر إلى طهر)

- ‌ بيان حال أحاديث الباب

- ‌(باب من قال المستحاضة تغتسل من ظهر إلى ظهر)

- ‌(باب من قال تغتسل كل يوم مرّة ولم يقل عند الظهر)

- ‌(باب من قال تغتسل بين الأيام)

- ‌(باب من قال توضأ لكل صلاة)

- ‌(باب من لم يذكر الوضوء إلا عند الحدث)

- ‌(باب في المرأة ترى الصفرة والكدرة بعد الطهر)

- ‌(باب المستحاضة يغشاها زوجها)

- ‌(باب ما جاء في وقت النفساء)

- ‌(باب الاغتسال من الحيض)

- ‌ فتح خيبر

- ‌(باب التيمم في الحضر)

- ‌(باب الجنب يتيمم)

- ‌(باب إذا خاف الجنب البرد أيتيمم)

- ‌ غزوة ذات السلاسل)

- ‌(باب في المجروح يتيم

- ‌(باب المتيمم يجد الماء بعد ما يصلى في الوقت)

- ‌(باب في الغسل يوم الجمعة)

- ‌(باب في الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة)

- ‌(باب في الرجل يسلم فيؤمر بالغسل)

- ‌(باب الصلاة في الثوب الذى يصيب أهله فيه)

- ‌(باب المنيّ يصيب الثوب)

- ‌(باب بول الصبى يصيب الثوب)

- ‌(باب الأرض يصيبها البول)

- ‌(باب في طهور الأرض إذا يبست)

- ‌(باب الأذى يصيب الذيل)

- ‌(باب البزاق يصيب الثوب)

- ‌(كتاب الصلاة)

- ‌(باب في المواقيت)

- ‌(باب في وقت صلاة النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وكيف كان يصليها)

- ‌ باب في وقت صلاة الظهر

- ‌(باب وقت العصر)

- ‌(باب في الصلاة الوسطى)

- ‌(باب التشديد في الذى تفوته صلاة العصر)

- ‌(باب في وقت المغرب)

- ‌(باب في وقت العشاء الآخرة)

- ‌(باب في وقت الصبح)

الفصل: ‌(باب في الغسل من الجنابة)

بسم الله الرحمن الرحيم

(باب في الغسل من الجنابة)

أى في بيان كيفية الغسل من الجنابة. والغسل بضم الغين اسم مصدر من اغتسل وبالفتح مصدر غسل ويجوز فيه الضم حكاه ابن سيده وغيره وبالكسر الشئ الذى يغسل به مع الماء كالصابون والأشنان. والمشهور في استعماله عند الفقهاء الفتح إذا أضيف إلى المغسول كغسل الثوب والضم إذا أضيف إلى غيره كغسل الجنابة. وهو لغة الإسالة وشرعا إيصال الماء إلى جميع ظاهر الجسد ومنه داخل الفم والأنف بنية رفع الجنابة مع الدلك عند من جعله من مسمى الغسل كالمالكية والجنابة في الأصل البعد وسمى من اتصف بها جنبا لأنه منهىّ عن قربان مواضع الصلاة حتى يتطهر كما تقدم، وشرعا أمر معنوى يقوم بالبدن يمنع محة الصلاة حيث لا مرخص

(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، ثَنَا زُهَيْرٌ، ثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّهُمْ ذَكَرُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ الْغُسْلَ مِنَ الجَنَابَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ:«أَمَّا أَنَا فَأُفِيضُ عَلَى رَأْسِي ثَلَاثًا» . وَأَشَارَ بِيَدَيْهِ كِلْتَيْهِمَا

(ش)(رجال الحديث)

(قوله زهير) بن معاوية. و (أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعى

(قوله سليمان بن صرد) بضم الصاد المهملة وفتح الراء ابن الجون بن أبى الجون الخزاعي أبو مطرف الكوفي صحابي مشهور. كان اسمه في الجاهلية يسارا فسماه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سليمان. روى له عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خمسة عشر حديثا اتفق الشيخان على واحد وانفرد البخارى بواحد. روى عن على وأبى الحسن وجبير بن مطعم. وعنه عدي ابن ثابت أبو إسحاق السبيعى ويحيى بن يعمر وعبد الله بن يسار وآخرون. كان خيرا فاضلا شهد صفين مع علىّ وكان ممن كاتب الحسين ثم تخلف عنه ثم قدم هو والمسيب بن نجبة في آخرين

ص: 2

فخرجوا يطلبون بدم الحسين فلقيهم عبيد الله بن زياد بعين الوردة بعسكر مروان فقتل سليمان ومن معه سنة خمس وستين وكان له ثلاث وتسعون سنة

(قوله جبير بن مطعم) بضم اليم وسكون الطاء وكسر العين المهملتين ابن عدى بن نوفل بن عبد مناف القرشي النوفلى المدنى كان من أكابر قريش وعلماء الأنساب. قدم على النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليستشفع في وفد أسارى بدر فسمعه يقرأ "أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون" قال فكاد قلبي يطير بها وكان ذلك أول ما دخل الإيمان في قلبى فلما فرغ من صلاته كلمته فيهم فقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لو كان أبوك حيا وكلمني فيهم وهبتهم له، وأسلم جبير عام خيبر وقيل عام الفتح روى له عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ستون حديثا اتفق الشيخان على ستة وانفرد كل منهما بحديث. روى عنه ابناه محمد ونافع وسعيد بن المسيب وغيرهم. مات بالمدينة سنة سبع أو تسع وخمسين. روى له الجماعة

(معنى الحديث)

(قوله أنهم ذكروا الخ) أى تذاكر الصحابة أمر الغسل من الجنابة. وفي رواية مسلم عن جابر بن عبد الله أن وفد ثقيف سألوا النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقالوا إن أرضنا أرض باردة فكيف بالغسل الخ. وفي رواية أحمد تذاكرنا الغسل الخ

(قوله أما أنا الخ) أما للتفصيل والتوكيد وقسيمها محذوف صرّح به في رواية مسلم والبيهقى والنسائى عن جبير أيضا قال تماروا في الغسل عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال بعض القوم أما أنا فأغسل رأسى كذا وكذا فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أما أنا فإنى أفيض على رأسى ثلاث أكفّ، وأفيض بضم الهمزة من أفاض يقال أفاض الرجل الماء على جسده صبه وثلاثيه فاض بمعنى كثر، والثلاث محتملة للتوزيع على سائر البدن ومحتملة للتكرار على الرأس وهو الأقرب لما رواه البخارى عن جابر قال كان النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يأخذ ثلاث أكفّ ويفيضها على رأسه ثم يفيض على سائر جسده ولما رواه الطبرانى في الأوسط وفيه ثم تفرغ على رأسك ثلاث مرّات تدلك رأسك كل مرّة

(قوله وأشار بيديه كلتيهما) أى قال جبير بن مطعم وأشار رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بيديه والمراد أنه صب على رأسه ثلاث حفنات كل واحدة منهنّ ملء الكفين جميعا (قال) النووى في هذا الحديث استحباب إفاضة الماء على الرأس ثلاثا وهو متفق عليه وألحق به أصحابنا سائر البدن قياسا على الرأس وعلى أعضاء الوضوء وهو أولى بالثلاث من الوضوء فإن الوضوء مبنيّ على التخفيف ويتكرّر فإذا استحب فيه الثلاث ففى الغسل أولى ولا نعلم في هذا خلافا إلا ما انفرد به أبو الحسن الماوردى صاحب الحاوى من أصحابنا فإنه قال لا يستحب التكرار في الغسل وهذا شاذ متروك اهـ وبما قاله النووى قالت الحنفية والحنابلة (وقالت) المالكية ليس في الغسل

ص: 3

شئ يندب فيه التثليث سوى الرأس بخلاف الوضوء والفرق كثرة المشقة في الغسل. وما قالوه هو الظاهر الذى يشهد له ظاهر الأحاديث الواردة في غسله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فإن التثليث وقع فيها للرأس دون الجسد (منها) حديث الباب (ومنها) ما أخرجه ابن ماجه والمصنف بعد عن صدقة بن سعيد وفيه ثم يغسل رأسه ثلاث مرّات ثم يفيض على جسده ثم يقوم إلى الصلاة (ومنها) ما أخرجه البخارى ومسلم عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلل بها أصول شعره ثم يصبّ على رأسه ثلاث غرفات بيديه ثم يفيض الماء على جلده (ومنها) ما ترجم عليه البخارى بقوله باب الغسل مرّة واحدة وذكر الحديث عن ابن عباس عن ميمونة وفيه ثم أفاض على جسده الماء (قال) في الفتح قال ابن بطال تستفاد المرّة الواحدة من قوله ثم أفاض على جسده لأنه لم يقيده بعدد فيحمل على أقلّ ما يسمى وهو المرّة الواحدة لأن الأصل عدم الزيادة عليها اهـ ولو ثبت تثليث الجسد لنقل إلينا كغيره. وقول من قال إن الغسل أولى بالتثليث لا يخلو عن نظر لأنه قد غلظ فيه في حديث إيصال الماء إلى تمام الأعضاء فلا يغلظ فيه ثانيا من حيث التثليث وأيضا في تثليثه من الحرج ما ليس في تثليث الوضوء (فقه الحديث) دلّ الحديث على مشروعية مذاكرة العلم عند رؤساء الدين. وعلى مشروعية إفاضة الماء على الرأس في الغسل من الجنابة ثلاث مرات. وعلى أنه ينبغى للمعلم أن يسلك في تعليمه ما يسهل فهمه على المتعلم

(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البخارى ومسلم والبيهقي والنسائى وابن ماجه

(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ دَعَا بِشَيْءٍ نَحْوِ الْحِلَابِ، فَأَخَذَ بِكَفَّيْهِ فَبَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ الْأَيْسَرِ، ثُمَّ أَخَذَ بِكَفَّيْهِ، فَقَالَ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ»

(ش)(رجال الحديث)

(قوله أبو عاصم) الضحاك بن مخلد

(قوله حنظلة) بن أبى سفيان ابن عبد الرحمن بن صفوان بن أمية المكي الجمحى. روى عن القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وطاوس وعطاء بن أبى رباح وآخرين. وعنه الثورى ويحيى القطان وابن المبارك ووكيع وغيرهم وثقه أبو زرعة وأبو داود والنسائى وأحمد وقال ابن معين ثقة حجة. مات سنة إحدى وخمسين ومائة، روى له الجماعة

(معنى الحديث)

(قوله إذا اغتسل الخ) أى إذا أراد أن يغتسل طلب إناء مثل الحلاب بكسر

ص: 4

الحاء المهملة وتحفيف اللام إناء يسع قدر حلب ناقة وكذا المحلب بكسر الميم. وقد وصفه أبو عاصم بأنه أقلّ من شبر في شبر أخرجه أبو عوانة في صحيحه. وفي رواية لابن حبان وأشار أبو عاصم بكفيه فكأنه حلق بشبرية يصف به دوره الأعلى (قال) النووى والحلاب هو المشهور الصحيح المعروف في الرواية. وعن الأزهرى أنه الجلاب بضم الجيم وتشديد اللام وهو ماء الورد وهو فارسىّ معرّب وأنكره الهروى اهـ بتصرّف (وقال) القرطبي الحلاب بالحاء المهملة لا يصح غيره وقد وهم من ظنه من الطيب وكذا من قاله بضم الجيم اهـ

(قوله فأخذ بكفيه الخ) أى أخذ النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من الماء الذى في الإناء بكفيه فابتدأ بجانب رأسه الأيمن ثم ثنى بالأيسر. والشقّ بكسر الشين ويطلق أيضا على نصف الشئ. ومنه تصدّقوا ولو بشقّ تمرة

(قوله ثم أخذ بكفيه) إشارة إلى الغرفة الثالثة كما في رواية أبى عوانة

(قوله فقال بهما على رأسه) وفى رواية البخارى على وسط رأسه أى صبّ الماء بكفيه على رأسه كله ففيه إطلاق القول على الفعل مجازا

(فقه الحديث) دلّ الحديث على مشروعية تهيئة الماء للطهارة، وعلى استحباب البدء بالرأس في الغسل ولعله لكونها أكثر شعثا من بقية البدن. وعلى طلب غسل الميامن قبل المياسر وعلى طلب تثليث غسل الرأس

(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البخارى ومسلم والنسائى وأخرجه البيهقى بسنده إلى عائشة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يغتسل في حلاب قدر هذا وأرانا أبو عاصم قدر الحلاب بيده فإذا هو كقدر كوز يسع ثمانية أرطال ثم يصبّ على شق رأسه الأيمن ثم يصبّ على شقّ رأسه الأيسر ثم يأخذ كفيه فيصب وسط رأسه

(ص) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَعْنِي ابْنَ مَهْدِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ بْنِ قُدَامَةَ، عَنْ صَدَقَةَ، قال ثَنَا جُمَيْعُ بْنُ عُمَيْرٍ أَحَدُ بَنِي تَيْمِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أُمِّي وَخَالَتِي عَلَى عَائِشَةَ، فَسَأَلَتْهَا إِحْدَاهُمَا كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ عِنْدَ الْغُسْلِ؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ:«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يُفِيضُ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَنَحْنُ نُفِيضُ عَلَى رُءُوسِنَا خَمْسًا مِنْ أَجْلِ الضُّفُرِ»

(ش)(رجال الحديث)

(قوله يعقوب بن إبراهيم) بن كثير بن زيد بن أفلح العبدى الدورقى أبو يوسف سكن بغداد. روى عن ابن علية ويحيى القطان وأبى عاصم

ص: 5

وآخرين. وعنه البخارى ومسلم وأبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه. قال أبو حاتم صدوق وذكره ابن حبان في الثقات وقال الخطيب ثقة متقن ووثقه النسائى ومسلمة بن قاسم ولد سنة ست وستين ومائة. ومات سنة اثنتين وخمسين ومائتين

(قوله صدقة) بن سعيد الحنفى الكوفي. روى عن جميع بن عمير وبلال بن المنذر ومصعب بن شيبة. وعنه الثورى وعبد الواحد ابن زياد وأبو بكر بن عياش وزائدة. قال البخارى عنده عجائب وضعفه ابن وضاح وقال الساجى ليس بشئ وذكره ابن حبان في الثقات. روى له أبو داود وابن ماجه

(قوله جميع بن عمير) بالتصغير فيهما أبو الأسود الكوفي التيمى. روى عن ابن عمر وأبي بردة وعائشة. وعنه صدقة ابن سعيد والأعمش وأبو إسحاق الشيباني والعلاء بن صالح وغيرهم. قال البخارى فيه نظر وقال أبن عدى في أحاديثه نظر وعامة ما يرويه لا يتابعه عليه أحد وقال ابن نمير كان من أكذب الناس وقال ابن حبان كان رافضيا يضع الحديث وقال الساجى له أحاديث مناكير وقال العجلى تابعي ثقة وقال أبو حاتم محله الصدق صالح الحديث، روى له أبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه

(معنى الحديث)

(قوله مع أمى وخالتي) مع ظرف متعلق بمحذوف حال أى دخلت حال كوني مصاحبا لأمي وخالتي. ولم نقف على اسميهما

(قوله يتوضأ وضوءه للصلاة) أى يتوضأ مثل وضوئه للصلاة كما في رواية البخارى ومالك في الموطأ وفي رواية ابن ماجه عن جميع كان يفيض على كفيه ثلاث مرّات ثم يدخلهما الإناء ثم يغسل رأسه ثلاث مرّات ثم يفيض على جسده. وقدّم غسل أعضاء الوضوء تشريفا لها ولتحصل لها الطهارتان الصغرى والكبرى (وظاهر) الحديث أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم توضأ وضوءا كاملا ولم يؤخر غسل الرجلين ولا تنافى بينه وبين ما يأتى في حديث ميمونة من أنه كان يؤخر غسلهما لحمل كل على حالة كما سيأتى بيانه إن شاء الله تعالى (وظاهر) الحديث أيضا استحباب تكرار غسل أعضاء الوضوء لتشبيهه بوضوء الصلاة (وقال) القاضى عياض لم يأت في شئ من الروايات في وضوء الغسل ذكر التكرار اهـ لكنه مردود بحديث الباب وغيره مما فيه تشبيه وضوء الغسل بوضوء الصلاة والتشبيه يقضى بالتكرار. وبما رواه البيهقي عن أبى سلمة عن عائشة أنها وصفت غسله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وفيه ثم يتمضمض ثلاثا ويستنشق ثلاثا ويغسل وجهه ثلاثا ويديه ثلاثا ثم يفيض على رأسه ثلاثا، وبما. رواه النسائى عن ابن عمر في صفة الغسل أيضا وفيه ثم يغسل يديه ثلاثا ويستنشق ويمضمض ويغسل وجهه وذراعيه ثلاثا ثلاثا. وقال الأبىّ ومن شيوخنا من كان يفتي سائله بالتكرار. اهـ (واختلف) في حكم هذا الوضوء فقيل سنة وهو مذهب الجمهور وهو الظاهر، واحتجوا بأن الله تعالى أمر بالغسل ولم يذكر وضوءا. وبما رواه أحمد عن جبير بن مطعم قال تذاكرنا الغسل عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال أما أنا فيكفيني أن

ص: 6

أصبّ على رأسى ثلاثا ثم أفيض بعد ذلك على سائر جسدى. وتقدم نحوه للمصنف. وبقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لأم سلمة يكفيك أن تفيضى عليك الماء، وبقوله لأبى ذرّ في حديث التيمم فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك. وسيأتيان للمصنف، فهذه الأحاديث ليس فيها ذكر الوضوء ولو كان واجبا ما تركه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (أما وضوؤه) قبل الغسل فمحمول على الاستحباب جمعا بين الأدلة (وذهب) داود وأبو ثور إلى وجوب الوضوء قبل الغسل لكن لا دليل عليه، وعلى ما ذهب إليه الجمهور من القول بالسنية فإن لم ينو رفع الجنابة عن أعضاء الوضوء وجب عليه إعادة غسلها بنية رفع الجنابة وإلا فلا (قال) ابن دقيق العيد قول عائشة ويتوضأ وضوءه للصلاة يقتضى استحباب تقديم الغسل لأعضاء الوضوء في ابتداء الغسل ولا شك في ذلك نعم يقع البحث في أن هذا الغسل لأعضاء الوضوء هل هو وضوء حقيقة فيكتفى به عن غسل هذه الأعضاء للجنابة فإن موجب الطهارتين بالنسبة إلى هذه الأعضاء واحد أو يقال إن غسل هذه الأعضاء إنما هو عن الجنابة وإنما قدّمت على بقية الجسد تكريما لها وتشريفا ويسقط غسلها عن الوضوء باندراج الطهارة الصغرى تحت الكبرى فقد يقول قائل قولها وضوءه للصلاة مصدر مشبه به تقديره وضوءا مثل وضوئه للصلاة فيلزم من ذلك أن تكون هذه الأعضاء المغسولة مغسولة عن الجنابة لأنها لو كانت مغسولة عن الوضوء حقيقة لكان قد توضأ عين الوضوء للصلاة فلا يصح التشبيه لأنه يقتضى تغاير المشبه والمشبه به فإذا جعلناها مغسولة للجنابة صح التغاير وكان التشبيه في الصورة الظاهرة، وجوابه بعد تسليم كونه مصدرا مشبها به من وجهين (أحدهما) أن يكون شبه الوضوء الواقع في ابتداء غسل الجنابة بالوضوء للصلاة في غير غسل الجنابة والوضوء بقيد كونه في غسل الجنابة مغاير للوضوء بقيد كونه خارجا عن غسل الجنابة فيحصل التغاير الذى يقتضى صحة التشبيه ولا يلزم منه عدم كونه وضوءا للصلاة حقيقة (الثانى) لما كان وضوء الصلاة له صورة معنوية ذهنية شبه هذا الفرد الذى وقع في الخارج بذلك المعلوم في الذهن كأنه يقال أوقع في الخارج ما يطابق الصورة الذهنية لوضوء الصلاة اهـ

(قوله من أجل الضفر) تعليل لإفاضتهن خمسا. والضفر بفتح الضاد المعجمة وسكون الفاء مصدر ضفر كضرب يقال ضفر الشعر ضفرا إذا نسجه والمراد به هنا اسم المفعول أى الذوائب المضفورة كالخلق بمعنى المخلوق، ويستفاد من قول عائشة هذا أن المرأة تحثى على رأسها خمس حثيات لكن الحديث ضعيف لأن فيه جميعا وهو ضعيف كما تقدم، على أنه معارض بما يأتى للمصنف من أن المرأة تحثى على رأسها ثلاث حثيات

(فقه الحديث) دلّ الحديث على استحباب الوضوء قبل الغسل من الجنابة، وعلى مشروعية إفاضة الماء على الرأس ثلاث مرّات للرجل وخمسا للأنثى، وعلى جواز ضفر الشعر، وعلى

ص: 7

أنه لا يلزم المرأة نقض ضفائرها لأجل الغسل ومحله إن وصل الماء إلى أصول الشعر

(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه النسائى وابن ماجه والدارقطني وفى سنده جميع بن عمير حسن الترمذى حديثه وضعفه غير واحد كما علمت

(ص) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ الْوَاشِحِيُّ، وَمُسَدَّدٌ قَالَا: ثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ:«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ - قَالَ سُلَيْمَانُ - يَبْدَأُ فَيُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ» وَقَالَ مُسَدَّدٌ: «غَسَلَ يَدَيْهِ يَصُبُّ الْإِنَاءَ عَلَى يَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ اتَّفَقَا فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ» ، وَقَالَ مُسَدَّدٌ:«يُفْرِغُ عَلَى شِمَالِهِ، وَرُبَّمَا كَنَتْ عَنِ الْفَرْجِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي الْإِنَاءِ، فَيُخَلِّلُ شَعْرَهُ، حَتَّى إِذَا رَأَى أَنَّهُ قَدْ أَصَابَ الْبَشْرَةَ، أَوْ أَنْقَى الْبَشْرَةَ أَفْرَغَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا، فَإِذَا فَضَلَ فَضْلَةٌ صَبَّهَا عَلَيْهِ»

(ش)(قوله الواشحى) نسبة إلى واشح بطن من الأزد، و (حماد) بن زيد

(قوله إذا اغتسل) أى شرع في الغسل

(قوله قال سليمان يبدأ الخ) أى قال سليمان بن حرب في روايته إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه ثم يتوضأ الخ وقال مسدد في روايته إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه يصبّ الإناء على يده اليمنى فيغسل فرجه يفرغ على شماله ثم يتوضأ الخ وقوله غسل يديه يصبّ الإناء الخ أى بدأ بغسل يديه حال كونه يصب من الإناء على يده اليمنى. وفي رواية البخارى بدأ فغسل يديه. وفي رواية مالك في الموطأ بدأ بغسل يديه وغسل اليدين يحتمل أن يكون للتنظيف ويحتمل أن يكون هو الغسل المشروع عند القيام من النوم

(قوله ثم اتفقا الخ) أى اتفق سليمان ومسدّد في الرواية على قولها فيغسل فرجه أى بعد غسل اليدين يغسل فرجه مفرغا الماء بيمينه على يساره وغسل الفرج لإزالة ما علق به من أذى. وينبغى أن يغسل في الابتداء عن الجنابة لئلا يحتاج إلى غسله مرّة أخرى وقد يقع ذلك بعد غسل أعضاء الوضوء فيحتاج إلى إعادة غسلها فلو اقتصر على غسلة واحدة لإزالة النجاسة وللغسل عن الجنابة أفيكفى ذلك أم لابدّ من غسلتين فيه خلاف ولم يرد في الحديث إلا مطلق الغسل من غير ذكر تكرار فقد يؤخذ منه الاكتفاء بغسلة واحدة

(قوله وربما كنت عن الفرج) أى ربما كنت عائشة عن الفرج لاستهجان التصريح باسمه وكنت بفتح النون المخففة من كنيت عن الأمر وكنوت عنه إذا

ص: 8

ورّيت عنه بغيره والاسم الكناية وهى أن يتكلم بشئ يستدلّ به على المكنى عنه كالرفث والغائط. ولم يذكر مسدد في روايته ما كنت به عائشة من الفرج وذكره المصنف في الرواية الآتية بلفظ غسل مرافغه. وذكره مسلم بلفظ ثم صب الماء على الأذى الذى به بيمينه وغسل عنه بشماله

(قوله ثم يدخل يديه الخ) وفي نسخة يده وفي رواية البخارى ثم يدخل أصابعه الماء فيخلل بها أصل الشعر. وفي رواية مسلم ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشعر وفي رواية الترمذى والنسائى ثم يشرب شعره الماء والمراد شعر رأسه كما في رواية حماد بن سلمة عن هشام يخلل بها شقّ رأسه الأيمن فيتبع بها أصول الشعر ثم يفعل بشقّ رأسه الأيسر كذلك رواه البيهقى (وقال) القاضى عياض احتج به بعضهم على تخليل شعر الجسد في الغسل إما لعموم قوله أصول الشعر وإما بالقياس على شعر الرأس اهـ وفائدة التخليل إيصال الماء إلى الشعر والبشرة ومباشرة الشعر باليد ليحصل تعميمه بالماء وتأنيس البشرة لئلا يصيبها بالصب ما تتأذى به، وهذا التخليل غير واجب اتفاقا إلا إن كان الشعر ملبدا بشئ يحول بين الماء وبين الوصول إلى أصوله (وأما التخليل) حين صب الماء أو بعده ففيه خلاف (فذهب) الحنفية استحباب تخليل شعر اللحية والرأس إن وصل الماء إلى أصول الشعر بدون تخليل وإلا فلا بدّ من التخليل (وذهبت) المالكية إلى وجوب تخليل الشعر مطلقا لا فرق بين لحية وغيرها خفيفا كان الشعر أو كثيفا لقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خللوا الشعر وأنقوا البشرة فإن تحت كل شعرة جنابة رواه النسائى والترمذى وهو معتمد المذهب، وقيل يفرق في اللحية بين الخفيفة والكثيفة فيجب إذا كانت خفيفة ويندب إذا كانت كثيفة. والمراد بالتخليل الواجب عندهم عرك الشعر وتحريكة حتى يصل الماء للبشرة فلا يجب إدخال الأصابع تحته (وقالت) الشافعية والحنابلة يندب تخليل الشعر إذا أمكن وصول الماء للبشرة بدونه وإلا وجب

(قوله حتى إذا رأى الخ) أى فإذا علم أن الماء قد وصل إلى البشرة أفرغ على رأسه ثلاثا وفي رواية الدارمى غرف بمده ثلاث غرفات فصبها على رأسه ثم اغتسل

(قوله أو أنقى البشرة) من الإنقاء وهو شك من بعض الرواة. والبشرة ظاهر جلد الإنسان قيل وغيره وتجمع على بشر مثل قصبة وقصب وجمع الجمع أبشار

(قوله فإذا فضل فضلة الخ) أى إذا بقيت بقية من الماء صبّ النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تلك الفضلة على سائر جسده وفضل من بابى نصر وفهم (بهذا) الحديث احتج من قال بعدم وجوب الدلك لأن الصب المذكور في رواية المصنف والإفاضة المذكورة في الروايات الأخر مطلق الإسالة. لكن لا حجة فيه لأن المراد من الصبّ والإفاضة الغسل. وقد وقع الخلاف في الغسل أمن حقيقته الدلك أم لا وتقدّم بأن الخلاف في وجوب الدلك في باب الوضوء

ص: 9

(فقه الحديث) والحديث يدلّ على طلب غسل اليدين أوّلا في غسل الجنابة، وعلى غسل الفرج وعلى طلب الوضوء الشرعي، وعلى طلب تخليل الشعر، وعلى استحباب إفراغ الماء على رأسه ثلاث مرّات، وعلى صبّ ما بقى من الماء على الجسد. وهذه الصفة المذكورة هي المسنونة في الغسل على هذا الترتيب عند عامة العلماء

(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البخارى ومسلم والنسائى وأحمد والدارمى ومالك في الموطأ والترمذى وقال حسن صحيح

(ص) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ الْبَاهِلِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ، حَدَّثَنا سَعِيدٌ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنِ النَّخَعِيِّ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَغْتَسِلَ مِنَ الْجَنَابَةِ بَدَأَ بِكَفَّيْهِ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ غَسَلَ مَرَافِغَهُ، وَأَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ، فَإِذَا أَنْقَاهُمَا أَهْوَى بِهِمَا إِلَى حَائِطٍ، ثُمَّ يَسْتَقْبِلُ الْوُضُوءَ، وَيُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ»

(ش)(رجال الحديث)

(قوله عمرو بن على) في بحر بن كنيز بضم الكاف وبالنون والزاى أبو حفص الصيرفي الفلاس البصرى الحافظ أحد الأعلام. روى عن يزيد بن زريع والمعتمر بن سليمان وابن عيينة ويحيى القطان وآخرين. وعنه أبو زرعة وأبو حاتم والبخارى ومسلم وأبو داود والترمذى وابن ماجه وعبد الله بن أحمد وكثيرون. قال النسائى ثقة حافظ صاحب حديث وقال أبو حاتم صدوق وقال الدارقطني كان من الحفاظ إماما متقنا وذكره ابن حبان في الثقات وقال مسلمة بن قاسم ثقة حافظ. توفي سنة تسع وأربعين ومائتين. و (الباهلى) نسبة إلى باهلة قبيلة من قيس عيلان وهو في الأصل اسم امرأة من همدان كانت تحت معن ابن أعصر بن سعد

(قوله محمد بن أبى عدى) كنية أبيه إبراهيم وقيل إنه منسوب إلى جدّه فإنه محمد بن إبراهيم بن أبى عدى السلمى مولاهم أبو عمرو البصرى. روى عن سليمان التيمى وحميد الطويل وشعبة ويونس بن عبيد ومحمد بن إسحاق وغيرهم. وعنه أحمد بن حنبل وابن معين ومحمد بن المثني وقتيبة بن سعيد وآخرون. وثقه ابن سعد وأبو حاتم والنسائى وذكره ابن حبان في الثقات وأثنى عليه عبد الرحمن بن مهدى ومعاذ بن معاذ وفي الميزان قال أبو حاتم مرّة لا يحتج به. مات بالبصرة سنة أربع وتسعين ومائة. و (سعيد) بن أبى عروبة. و (أبو معشر) زياد ابن كليب. و (النخعى) إبراهيم. و (الأسود) بن يزيد

(معنى الحديث)

(قوله ثم غسل مرافغه) بفتح الميم وكسر الفاء ثم الغين المعجمة. وفي بعض

ص: 10

النسخ مرافقه بالقاف قال العراقى والأولى هي الصحيحة. والمرافغ أصول الفخذين واليدين لا واحد له من لفظه، والمراد بها هنا الفرج كما جاء في بعض الروايات "إذا التقى الرفغان وجب الغسل" يريد التقاء الختانين فكنى بالرفغين عن الختانين. ويحتمل أن في الكلام اختصارا وأصله غسل فرجه ومرافغه (وفي النهاية) الرفع بالضم والفتح واحد الأرفاغ وهي أصل المغابن كالآباط وغيرها من مطاوى الأعضاء وما يجتمع فيه من الوسخ والعرق. وفي حديث عمر إذا التقى الرفغان وجب الغسل يريد التقاء الختانين فكنى عنه بالتقاء أصول الفخذين لأنه لا يكون إلا بعد التقاء الختانين اهـ

(قوله وأفاض عليه الماء) أى أنه بعد أن غسل فرجه ومرافغه من الأذى أفاض عليهما الماء مبالغة في الغسل. ويحتمل أن في الكلام تقديما وتأخيرا وأصله ثم أفاض الماء على مرافغه وغسلها

(قوله فإذا أنقاهما الخ) أى إذا أنقى اليدين بالغسل ثانيا بعد الفراغ من غسل الفرج أمالهما إلى جدار فمسحهما به ليزول ما علق بهما من الأذى والرائحة مبالغة في الإنقاء

(قوله ثم يستقبل الوضوء) أى يشرع في الوضوء ويصب الماء على رأسه

(فقه الحديث) دلّ الحديث زيادة على ما تقدم على مشروعية غسل المغابن في الغسل، وعلى مشروعية مسح اليدين بالتراب بعد الفراغ من الاستنجاء

(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه أحمد عن الأسود عن عائشة أيضا بلفظ كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا أراد أن يغتسل بدأ بكفيه فغسلهما ثم أفاض بيمينه على شماله فغسل مراقه حتى إذا أنقى أهوى بيده إلى الحائط ثم غسلها ثم استقبل الطهور وأفاض عليه الماء، والمراق ما رقّ ولان من أسفل البطن

(ص) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ شَوْكَرٍ، ثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ عُرْوَةَ الْهَمْدَانِيِّ، حَدَّثَنَا الشَّعْبِيُّ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: «لَئِنْ شِئْتُمْ لَأُرِيَنَّكُمْ أَثَرَ يَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَائِطِ حَيْثُ كَانَ يَغْتَسِلُ مِنَ الجَنَابَةِ»

(ش)(رجال الحديث)

(قوله الحسن بن شوكر) بفتح فسكون البغدادى أبو على. روى عن إسماعيل بن جعفر وإسماعيل بن علية وهشيم بن بشير ويوسف بن عطية وخلف بن خليفة وعنه أبو داود ومحمد بن المنادى والقاسم بن يحيى وأبو أحمد العبدوسى. ذكره ابن حبان في الثقات مات سنة ثلاثين ومائتين

(قوله عروة الهمداني) هو ابن الحارث الكوفي المعروف بأبى فروة الأكبر. روى عن أبي عمرو الشيبانى والشعبي وعبد الرحمن بن أبى ليلى وأبى زرعة. وعنه الأعمش وأبو إسحاق ومسعر والسفيانان وشعبة. قال ابن معين ثقة وذكره ابن حبان في ثقات

ص: 11

التابعين. روى له البخارى مقرونا ومسلم وأبو داود والنسائى

(معنى الحديث)

(قوله لئن شئتم لأرينكم الخ) اللام موطئة للقسم أى والله إن شئتم أيها الراغبون في معرفة ما كان يفعله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في غسل الجنابة بعد أن يغسل فرجه لأبصرنكم علامة يد رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم التي حصلت من ضرب يده على الحائط حينما كان يغتسل من الجنابة، فأرينكم من الإراءة وهى الإبصار. والأثر بفتحتين العلامة، ولعلّ بعض القوم تردّد فيما حدّثت به عائشة من أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يضرب بيده الحائط في غسل الجنابة بعد غسل فرجه فقالت لهم لئن شئتم لأرينكم الخ دفعا لتردّدهم وتأكيدا لما حدّثت به

(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه أحمد عن عروة عن الشعبي عن عائشة بلفظ كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا اغتسل من الجنابة بدأ فتوضأ وضوءه للصلاة وغسل فرجه ومسح يده بالحائط ثم أفاض عليه الماء فكأني أرى أثر يده في الحائط

(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، ثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنْ خَالَتِهِ مَيْمُونَةَ قَالَتْ:«وَضَعْتُ للنبى صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُسْلًا يَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ فَأَكْفَأَ الْإِنَاءَ عَلَى يَدِهِ الْيُمْنَى، فَغَسَلَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ صَبَّ عَلَى فَرْجِهِ فَغَسَلَ فَرْجَهُ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ الْأَرْضَ فَغَسَلَهَا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ وَجَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى نَاحِيَةً فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ، فَنَاوَلْتُهُ الْمِنْدِيلَ فَلَمْ يَأْخُذْهُ وَجَعَلَ يَنْفُضُ الْمَاءَ عَنْ جَسَدِهِ» فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ: «كَانُوا لَا يَرَوْنَ بِالْمِنْدِيلِ بَأْسًا، وَلَكِنْ كَانُوا يَكْرَهُونَ الْعَادَةَ» قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ مُسَدَّدٌ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَاوُدَ: كَانُوا يَكْرَهُونَهُ لِلْعَادَةِ؟ فَقَالَ: هَكَذَا هُوَ، وَلَكِنْ وَجَدْتُهُ فِي كِتَابِي هَكَذَا

(ش)(رجال الحديث)

(قوله سالم) بن أبى الجعد

(قوله كريب) بن أبى مسلم المدني القرشي الهاشمى أبو رشدين مولى ابن عباس. روى عن ابن عباس وأسامة بن زيد ومعاوية بن أبى سفيان وأم سلمة وميمونة وعائشة وآخرين. وعنه ابناه محمد ورشدين وأبو سلمة وموسى بن عقبة والزهرى وكثيرون: قال ابن سعد كان ثقة كثير الحديث وذكره ابن حبان في الثقات ووثقه ابن معين والنسائى

ص: 12

مات بالمدينة سنة ثمان وتسعين. روى له الجماعة

(قوله ميمونة) بنت الحارث بن حزن بن بجير الهلالية أم المؤمنين. تزوّجها رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سنة ست من الهجرة بعد أن تأيمت من أبى رهم بن عبد العزى على الصحيح. روى لها عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ستة وأربعون حديثا اتفق الشيخان على سبعة وانفرد البخارى بحديث ومسلم بخمسة. روى عنها عبد الله بن عباس وكريب وعبد الله بن شدّاد وغيرهم. توفيت بسرف سنة إحدى وخمسين وصلى عليها ابن عباس. روى لها الجماعة

(معنى الحديث)

(قوله وضعت لرسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الخ) وهكذا رواية الترمذى وابن ماجه ورواية للبخارى وفى أخرى له صببت للنبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم غسلا وفى رواية مسلم أدنيت لرسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم غسله. والغسل بضم الغين المعجمة وسكون السين المهملة المراد به الماء الذى يغتسل به كما صرّح به في رواية للبخارى عن ميمونة قالت وضعت له صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ماء للغسل وكذلك الغسول بضم الغين والمغتسل يطلقان على ماء الغسل قال الله تعالى "هذا مغتسل بارد وشراب"

(قوله فغسلها مرّتين أو ثلاثا) بالشك من سليمان الأعمش كما صرّح به البخارى من طريق أبى عوانة عن الأعمش عن ميمونة أيضا وفيه فصبّ على يده فغسلها مرّة أو مرّتين قال سليمان لا أدرى أذكر الثالثة أم لا وفى رواية للبخارى من طريق عبد الواحد عن الأعمش وفيه فأفرغ على يديه وغسلهما مرّتين أو ثلاثا. ولابن فضيل عن الأعمش فصبّ على يديه ثلاثا ولم يشك أخرجه أبو عوانة في صحيحه (قال) الحافظ فكأن الأعمش كان يشك فيه ثم تذكر فجزم لأن سماع ابن فضيل منه متأخر اهـ

(قوله فغسل فرجه) إظهار في مقام الإضمار لزيادة الإيضاح، وفى رواية مسلم ثم أدخل يده في الإناء ثم أفرغ به على فرجه وغسله بشماله، وفى رواية للبخارى ثم أفرغ بيمينه على شماله فغسل مذاكيره

(قوله ثم ضرب بيده الأرض) وفى رواية مسلم ثم ضرب بشماله الأرض فدلكها دلكا شديدا. وفى رواية للبخارى ثم قال بيده الأرض فمسحها بالتراب ثم غسلها (وفيه دليل) على استحباب مسح اليد بالتراب من الحائط أو الأرض عقب الاستنجاء بالماء لكمال الإنقاء كما تقدم (قال) اين دقيق العيد إذا بقيت رائحة النجاسة بعد الاستقصاء في الإزالة لم يضرّ على مذهب بعض الفقهاء وفى مذهب الشافعى خلاف وقد يؤخذ العفو عنه من هذا الحديث ووجهه أن ضربه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالأرض أو الحائط لا بدّ وأن يكون لفائدة ولا جائز أن يكون لإزالة العين لأنه لا تحصل الطهارة مع بقاء العين اتفاقا وإذا كانت اليد نجسة ببقاء العين فيها فعند انفصالها ينجس المحل بها وكذلك لا يكون للطعم لأن بقاء الطعم دليل على بقاء العين ولا يكون لإزالة اللون لأن الجنابة بالإنزال أو بالمجامعة لا تقتضى لونا يلصق باليد وإن اتفق فنادر جدّا فبقى أن

ص: 13

يكون لإزالة الرائحة ولا يجوز أن يكون لإزالة رائحة تجب إزالتها لأن اليد قد انفصلت عن المحل على أنه قد طهر ولو بقى ما يتعين إزالته من الرائحة لم يكن المحل طاهرا لأنه عند الانفصال تكون اليد نجسة وقد لابست المحل مبتلا فيلزم من ذلك أن يكون بعض الرائحة معفوًّا عنه ويكون الضرب بالأرض لطلب الأكمل فيما لا تجب إزالته. ويحتمل أن يقال فصل اليد عن المحل بناء على ظنّ طهارته لزوال رائحته والضرب بالأرض لإزالة احتمال في بقاء الرائحة مع الاكتفاء بالظنّ في زوالها ويقوّى الاحتمال الأول ما ورد في الحديث الصحيح من كونه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم دلكها دلكا شديدا والدلك الشديد لا يناسبه الاحتمال الضعيف اهـ

(قوله ثم تمضمض واستنشق) فيه دليل على مشروعية المضمضة والاستنشاق في الغسل (وقد) اختلف العلماء فيهما في الغسل والوضوء (فقالت) طائفة بوجوبهما فيهما منهم ابن المبارك وأحمد وإسحاق (وقالت) طائفة بوجوبهما في الغسل دون الوضوء وهو قول سفيان الثورى والحنفية (وقالت) طائفة إنهما سنتان في الوضوء والغسل وهو قول مالك والشافعى وقد تقدّم الكلام فيهما وافيا بالأدلة في باب الوضوء

(قوله ثم صبّ على رأسه وجسده) ظاهره أنه لم يخلل شعر رأسه اكتفاء بالغسل المفروض وتقدم للمصنف أنه يخلله ثم يفيض على رأسه ثلاثا وفى الصحيحين أنه يتوضأ وضوءه للصلاة ثم يصبّ على رأسه فيحتمل أن الراوى ترك ذلك هنا اختصارا أو أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ترك التخليل أحيانا لبيان الجواز (قال) الترمذى وهذا الذى اختاره أهل العلم في الغسل من الجنابة أنه يتوضأ وضوءه للصلاة ثم يفرغ على رأسه ثلاث مرّات ثم يفيض الماء على سائر جسده اهـ

(قوله ثم تنحى ناحية الخ) أى تباعد وتحوّل عن مكانه إلى مكان آخر فغسل رجليه، وفيه التصريح بتأخير غسل الرجلين إلى نهاية الغسل وقد جاءت الأحاديث في هذا الباب مختلفة ففى أحاديث عائشة في الصحيحين وغيرهما توضأ كوضوء الصلاة. وفى رواية لمسلم من طريق أبى معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ثم يتوضأ وضوءه للصلاة "الحديث" وفى آخره ثم أفاض على سائر جسده ثم غسل رجليه. وفي أكثر أحاديث ميمونة ثم توضأ ثم أفاض الماء عليه ثم تنحى فغسل رجليه. وفي حديث لها عند البخارى توضأ رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وضوءه للصلاة غير رجليه ثم أفاض عليه الماء ثم نحى رجليه فغسلهما، ولا تخالف بين هذه الروايات لأن روايات عائشة تحمل على أن المراد بوضوء الصلاة أكثره وهو ما سوى الرجلين أو تحمل على ظاهرها من إتمام الوضوء قبل الغسل في حالة ويكون قولها في رواية مسلم عن أبى معاوية ثم غسل رجليه أى أعاد غسلهما لاحتمال أن يكون المغتسل غير نظيف وتحمل روايات تأخر غسل القدمين على أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يغتسل في مكان يجتمع فيه الماء أو على أن ذلك كان لإزالة طين ونحوه ويحتمل أنه أحيانا

ص: 14

كان يتوضأ وضوءا كاملا وأحيانا يؤخر غسل رجليه وبحسب اختلاف هاتين الحالتين اختلف العلماء (فذهب) الجمهور إلى استحباب تأخير غسل الرجلين في الغسل (وذهب) أبو حنيفة وأصحابه إلى أن الأفضل إكمال الوضوء أوّلا إن كان يغتسل في محل لا يجتمع فيه الماء وتأخير غسل القدمين إن كان يغتسل في نحو طست (وعن مالك) إن كان المكان غير نظيف فالمستحب تأخير غسلهما وإلا فالتقديم (وعند) الشافعية في الأفضل قولان أصحهما وأشهرهما أنه يكمل وضوءه لأن أكثر الروايات عن عائشة وميمونة كذلك قاله النووى (قال) الحافظ في الفتح وليس في شيء من الروايات عنهما التصريح بذلك "يعنى بإكمال الوضوء أول الغسل" بل هي إما محتملة كرواية توضأ وضوءه للصلاة أو ظاهرة في تأخيرهما كرواية أبى معاوية المتقدمة ويوافقها أكثر الروايات عن ميمونة أو صريحة في تأخيرهما بحديث الباب "يعنى حديث توضأ رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وضوءه للصلاة غير رجليه" وراويه مقدّم في الحفظ والفقه على جميع من رواه عن الأعمش (وقول) من قال إنما فعل ذلك مرة لبيان الجواز (متعقب) فإن في رواية أحمد عن أبي معاوية عن الأعمش ما يدلّ على المواظبة ولفظه كان إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه فذكر الحديث وفي آخره ثم يتنحى فيغسل رجليه اهـ

(قوله فناولته المنديل فلم يأخذه) وفي رواية للبخارى فناولته خرقة فقال بيده هكذا ولم يردها بضم المثناة التحتية من الإرادة. وفي رواية لمسلم ثم أتيته بالمنديل فردّه، والمنديل بكسر الميم مشتقّ من ندلت الشئ ندلا من باب قتل إذا جذبته أو أخرجته ونقلته. وهو مذكر ولا يجوز تأنيثه فلا يقال منديل حسنة (وبهذا الحديث) استدلّ من قال بكراهة التنشيف في الغسل والوضوء منهم جابر بن عبد الله وابن أبي ليلى وسعيد بن المسيب لكن لا حجة لهم فيه لأنها واقعة حال يتطرّق إليها الاحتمال فيجوز أن يكون عدم الأخذ لأمر آخر لا يتعلق بكراهة التنشيف واستدلوا على الكراهة أيضا بحديث أنس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُأن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى له وسلم لم يكن يمسح وجهه بالمنديل بعد الوضوء ولا أبو بكر ولا عليّ ولا عمر ولا ابن مسعود أخرجه ابن شاهين في الناسخ والمنسوخ، وفيه سعيد بن ميسرة البصرى قال البخارى منكر الحديث وقال ابن حبان يروى الموضوعات، وإن صح فليس فيه نهيه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وغاية ما فيه أن أنسا لم يثبت عنده ذلك وهو غير مستلزم للنهى (وذهب) إلى إباحة التنشيف بعد الغسل والوضوء عثمان بن عفان والحسن بن على وأنس بن مالك والحسن البصرى وأبو حنيفة ومالك وأحمد، واحتجوا بحديث سلمان الفارسى أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم توضأ فقلب جبة صوف كانت عليه فمسح بها وجهه أخرجه ابن ماجه، وبحديث عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا قالت كان لرسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خرقة يتنشف بها بعدا لوضوء رواه الترمذى وقال ليس بالقائم وروى أيضا عن معاذ قال رأيت النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا توضأ مسح

ص: 15

وجهه بطرف ثوبه وهو ضعيف لأن فيه رشدين بن سعد وعبد الرحمن بن زياد الإفريقي وهما ضعيفان وبحديث إياس بن جعفر عن رجل من الصحابة أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان له منديل أو خرقة يمسح بها وجهه إذا توضأ رواه النسائى في الكنى بسند صحيح، والأحاديث في ذلك كثيرة وهى وإن كان في بعضها مقال إلا أن كثرتها يقوّى بعضها بعضا (وذهب) ابن عباس إلى أنه مكروه في الوضوء دون الغسل (وللشافعية) فيه أقوال أشهرها أن المستحب تركه (ثانيها) أنه مكروه (ثالثها) مباح يستوى فعله وتركه (رابعها) مستحب لما فيه من الاحتراز عن الأوساخ (خامسها) يكره في الصيف دون الشتاء (قال) النووى هذا كله ما لم تكن هناك حاجة إلى التنشيف كخوف برد أو التصاق نجاسة وإلا فلا كراهة قطعا اهـ

(قوله وجعل ينفض الماء عن جسده) أى شرع صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يسقط الماء عن جسده يقال نفضت الورق عن الشجرة أسقطته (وفمه دليل) على جواز نفض ماء الغسل عن الأعضاء ومثله الوضوء بالقياس عليه إذ لم يثبت في النهى عنه شئ صحيح (وما ورد) من قوله لا تنفضوا أيديكم في الوضوء فإنها مراوح الشيطان (قال) ابن الصلاح لم أجده وقال النووى ضعيف لا يعرف اهـ وقد أخرجه ابن حبان في الضعفاء وابن أبي حاتم في العلل عن أبى هريرة فإذا لم يعارضه حديث الباب لم يكن صالحا لأن يحتج به (قال) النووى فيه دليل على أن نفض اليد بعد الوضوء والغسل لا بأس به (وقد) اختلف أصحابنا فيه على أوجه (أشهرها) أن المستحب تركه ولا يقال إنه مكروه (والثانى) أنه مكروه (والثالث) أنه مباح يستوى فعله وتركه وهذا هو الأظهر المختار فقد جاء هذا الحديث الصحيح في الإباحة ولم يثبت في النهى شيء أصلا اهـ

(قوله فذكرت ذلك الخ) أى قال سليمان الأعمش ذكرت ردّه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم المنديل ونفضه الماء بيده لإبراهيم النخعى فقال كان السلف لا يرون في التمسح بالمنديل بأسا وإنما كرهوا أن يتخذ عادة بعد الوضوء. وفى رواية أحمد والبيهقى فقال سليمان الأعمش فذكرت ذلك لإبراهيم النخعى فقال إبراهيم لا بأس بالمنديل وإنما ردّه مخافة أن يصير عادة. ففى روايتهما إسناد القول لإبراهيم لا للسلف

(قوله قلت لعبد الله بن داود كانوا يكرهونه للعادة الخ) أى قال مسدد لشيخه عبد الله بن داود أتحفظ ما دار بين الأعمش وإبراهيم وتوجيه إبراهيم عن السلف لردّ النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم المنديل فقال عبد الله إنما أحفظ حديث ميمونة خاليا مما ذكر لكن وجدت الحديث في كتابى هكذا مشتملا على ذلك (قال) ابن رسلان قال أصحاب الحديث إذا وجد الحافظ في كتابه خلاف ما يحفظه فإن كان حفظه من كتابه فليرجع إلى كتابه وإن كان حفظه من فم المحدّث أو من القراءة على المحدّث وهو غير شاكّ في حفظه فليعتمد على حفظه والأحسن أن يجمع بينهما كما فعل عبد الله بن داود فيقول في حفظى كذا وفى كتابى كذا وكذا فعل شعبة

ص: 16

وغير واحد من الحفاظ اهـ (ويحتمل) أن يكون المعنى قال مسدد لعبد الله بن داود هل المراد أنهم كانوا يكرهونه للعادة فقال عبد الله بن داود هذا هو المراد لكن وجدته في كتابي بلفظ كانوا يكرهون العادة بغير اللام الجارة

(فقه الحديث) دلّ الحديث على جواز الاستعانة بإحضار ماء الغسل ومثله الوضوء، وعلى مشروعية خدمة المرأة زوجها، وعلى طلب صب الماء باليمين على الشمال لغسل الفرج بها، وعلى تقديم غسل الكفين على غسل الفرج وقد علمت أنه محمول على ما إذا كان بهما أذى أو كان مستيقظا من النوم. وعلى تكرار غسل اليدين. وعلى طلب غسل الفرج بالشمال. وعلى طلب مسح اليد بالأرض بعد الاستنجاء لإزالة ما بها من الأذى. وعلى مشروعية المضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة وعلى أن الغسل لا تثليث فيه. وعلى جواز تأخير غسل الرجلين في الوضوء الذى قبل الغسل إلى تمام الغسل. وعلى أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان معتادا للتنشيف ولولا ذلك لم تأته بالمنديل وقد علمت وجه ردّه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم للمنديل في هذه الواقعة

(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البيهقي وكذا البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجه وليس في حديثهم قصة إبراهيم النخعى

(ص) حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بْنُ عِيسَى الْخُرَاسَانِيُّ، ثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ شُعْبَةَ:"أنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ يُفْرِغُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى سَبْعَ مِرَارٍ، ثُمَّ يَغْسِلُ فَرْجَهُ - فَنَسِيَ مَرَّةً كَمْ أَفْرَغَ، فَسَأَلَنِي كَمْ أَفْرَغْتُ؟ فَقُلْتُ لَا أَدْرِي. فَقَالَ: لَا أُمَّ لَكَ، وَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَدْرِيَ؟ - ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يُفِيضُ عَلَى جِلْدِهِ الْمَاءَ ". ثُمَّ يَقُولُ: «هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ يَتَطَهَّرُ»

(ش)(رجال الحديث)

(قوله ابن أبى فديك) بالتصغير هو محمد بن إسماعيل بن مسلم الديلمى مولاهم المدني أبو إسماعيل. روى عن أبيه وسلمة بن وردان ومحمد بن عمرو بن علقمة وداود بن قيس وهشام بن سعد وآخرين. وعنه الشافعى والحميدى وأحمد بن صالح وأحمد بن حنبل وكثيرون. قال النسائى ليس به بأس وذكره ابن حبان في الثقات ووثقه ابن معين وقال ابن سعد كان كثير الحديث ليس بحجة. مات سنة مائتين. روى له الجماعة. و (ابن أبي ذئب) هو محمد ابن عبد الرحمن القرشى

(قوله شعبة) بن دينار القرشى، الهاشمى مولاهم أبو عبد الله مولى ابن عباس. روى عن ابن عباس. وعنه بكير بن الأشج وابن أبي ذئب وحفص بن عمر وغيرهم

ص: 17

قال ابن معين ليس به بأس وقال مالك ليس بثقة وقال النسائى والجوزجاني وأبو حاتم ليس بالقوى وقال أحمد ما أرى به بأسا وضعفه أبو زرعة والساجى. توفي في خلافة هشام بن عبد الملك

(معنى الحديث)

(قوله كان إذا اغتسل الخ) أى كان ابن عباس إذا أراد الغسل من الجنابة أفرغ بيده اليمنى على اليسرى سبع مرار قبل أن يدخلها في الإناء فنسى مرّة العدد الذى أفرغه على يده قال شعبة فسألني ابن عباس كم أفرغت أسبع مرار أم أقل

(قوله لا أمّ لك) قال في النهاية هو ذمّ وسب أى أنت لقيط لا تعرف لك أمّ وقيل قد يقع مدحا بمعنى التعجب منه وفيه بعد اهـ (وقال) الطيبي لا أمّ لك ولا أب لك أكثر ما يذكر في المدح أى لا كافي لك غير نفسك وقد يذكر للذم والتعجب ودفعا للعين اهـ ولعل ابن عباس لم يرد ذمه بل أراد التعجب منه لعدم يقظته للأمر. ويؤخذ منه أن للشيخ أن يؤدب تلميذه بمثل ذلك ليحثه على حفظ ما ينبغي حفظه ويعتني بشأنه

(قوله هكذا كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يتطهر) أى في الغسل من الجنابة (والظاهر) من هذا الحديث أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يغسل يديه في الغسل من الجنابة سبع مرار لكن الحديث ضعيف لأن فيه شعبة ابن دينار وفيه مقال فلا يحتج بحديثه ولا يصلح لمعارضة الأحاديث الصحاح التي فيها النص على أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يغسل يديه في الغسل ثلاث مرار وعلى تقدير صحته فيحمل على أنه كان أوّلا ثم نسخ بالحديث الآتي وبأحاديث أخر فيها غسل يديه ثلاثا

(فقه الحديث) دلّ الحديث زيادة على ما تقدم على أن غسل اليدين في الجنابة سبع مرار وقد علمت ما فيه

(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه أحمد وفي سنده شعبة بن دينار وهو ضعيف كما تقدّم

(ص) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا أَيُّوبُ بْنُ جَابِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُصْمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ:«كَانَتِ الصَّلَاةُ خَمْسِينَ، وَالْغُسْلُ مِنَ الجَنَابَةِ سَبْعَ مِرَارٍ، وَغَسْلُ الْبَوْلِ مِنَ الثَّوْبِ سَبْعَ مِرَارٍ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ يَسْأَلُ حَتَّى جُعِلَتِ الصَّلَاةُ خَمْسًا، وَالْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ مَرَّةً، وَغَسْلُ الْبَوْلِ مِنَ الثَّوْبِ مَرَّةً»

(ش)(رجال الحديث)

(قوله أيوب بن جابر) بن سيار بن طارق اليمامي السحيمى الكوفى أبو سليمان. روى عن عبد الله بن عصِم وآدم بن على وسماك بن حرب وأبي إسحاق السبيعى وجماعة. وعنه قتيبة وأبو داود الطيالسى وابن أبى ليلى وآخرون. ضعفه النسائى وأبو حاتم

ص: 18

وابن معين وقال ليس بشئ وقال أبو زرعة واهي الحديث ضعيف وقال ابن حبان كان يخطئُ حتى خرج عن حدّ الاحتجاج به لكثرة وهمه وقال ابن عدى يكتب حديثه. روى له أبو داود والترمذى

(قوله عبد الله بن عصم) بضم العين وسكون الصاد المهملتين ويقال ابن عصمة أبو علوان العجلى الحنفى. روى عن ابن عمر وابن عباس وأبى سعيد الخدرى. وعنه شريك بن عبد الله وأيوب بن جابر، قال ابن معين ثقة وقال أبو زرعة ليس به بأس وذكره ابن حبان في الثقات وقال يخطئُ وذكره أيضا في الضعفاء وقال منكر الحديث جدًّا على قلة روايته يحدّث عن الأثبات بما لا يشبه أحاديثهم حتى يسبق إلى القلب أنها موهومة أو موضوعة. روى له أبو داود والترمذى

(معنى الحديث)

(قوله كانت الصلاة خمسين الخ) أى فرض الله تعالى الصلاة خمسين والغسل من الجنابة سبعا وغسل الثوب من النجاسة سبعا وكان ذلك في أول مشروعية ما ذكر فاستمرّ النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يسأل ربه عز وجل التخفيف عن أمته لعظم ما عنده من الرأفة والرحمة فأجاب الله طلبه. أما جعل الصلاة خمسا فكان في ليلة الإسراء كما في حديث الإسراء الطويل عند مسلم وفيه قال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ففرض الله علىّ خمسين صلاة في كل يوم وليلة فنزلت إلى موسى فقال ما فرض ربك على أمتك قلت خمسين صلاة فقال ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك لا تطيق ذلك فإنى بلوت بنى إسرائيل وخبرتهم قال فرجعت إلى ربى فقلت يا رب خفف على أمتى فحط عني خمسا فرجعت إلى موسى فقلت قد حط عني خمسا قال فإن أمتك لا يطيقون ذلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف قال فلم أزل بين ربى تبارك وتعالى وبين موسى حتى قال يا محمد إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة لكل صلاة عشر فذاك خمسون صلاة (قال) في الفتح وأبدى بعض الشيوخ حكمة لاختيار موسى تكرير ترداده صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال لما كان موسى قد سأل الرؤية فمنع وعرف أنها حصلت لمحمد صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قصد بتكرير رجوعه تكرير رؤيته ليرى من رأى اهـ ودلّ تكرار سؤاله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تلك المرّات كلها على أن الأمر في كل مرّة لم يكن على سبيل الإلزام بخلاف المرّة الأخيرة. وأما جعل الغسل من الجنابة وغسل الثوب من النجاسة مرّة فهو محتمل لأن يكون مع الصلاة ليلة الإسراء ولأن يكون ليلة أخرى. وغسل الثوب مرّة هو مذهب الشافعية والمالكية غير أن الشافعية قالوا يندب تثليث الغسل لكن محله إن زالت النجاسة بها وإلا فيجب التكرار حتى تزول وهو إحدى الروايتين عن أحمد واختاره صاحب المغنى. والرواية الأخرى عنه لا يكفى أقل من سبع مرّات منقية (وقالت) الحنفية النجاسة ضربان مرئية وغير مرئية فما كان منها مرئيا فطهارته بزوال عينها وما ليس بمرئى فطهارته أن

ص: 19

يغسل حتى يغلب على ظنّ الغاسل أنه قد طهر ولا يشترط عدد على المفتي به حتى لو جرى الماء على ثوب نجس وغلب على الظن أنه قد طهر حكم بطهارته وإن لم يحصل ذلك ولا عصر وإن لم يكن الماء جاريا فلا بدّ من العصر في كل مرة على ظاهر الرواية وقيل يكفي العصر مرّة وهو أرفق (وعن) أبى يوسف العصر ليس بشرط. ومن قال منهم بوجوب تثليث غسل المتنجس بنجاسة غير مرئية نظر إلى أن غالب ظنّ الطهارة يحصل عند التثليث

(فقه الحديث) دلّ الحديث على جواز نسخ الأحكام الشرعية بعضها ببعض. وعلى أن الله سبحانه وتعالى رحم هذه الأمة بالتخفيف عنها، وعلى مشروعية طلب العبد من ربه عز وجل ما لا محظور فيه، وعلى أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مقبول الشفاعة في عظائم المهمات

(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه أحمد والبيهقي وفي سنده أيوب بن جابر وعبد الله بن عصم وهما ضعيفان كما تقدم

(ص) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ وَجِيهٍ، ثَنَا مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: «إِنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةً فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ، وَأَنْقُوا الْبَشَرَ» قَالَ أَبُو دَاوُدَ: الْحَارِثُ بْنُ وَجِيهٍ حَدِيثُهُ مُنْكَرٌ، وَهُوَ ضَعِيفٌ

(ش)(رجال الحديث)

(قوله الحارث بن وجيه) بوزن عظيم وقيل بسكون الجيم وباء موحدة مفتوحة الراسبي أبو محمد البصرى. روى عن مالك بن دينار. وعنه زيد بن الحباب ونصر ابن على ومحمد بن أبي بكر. قال أبو حاتم والنسائى ضعيف وقال العقيلى ضعفه نصر بن علي وله عنده حديث منكر ولا يتابع عليه وقال ابن حبان كان قليل الحديث ولكنه تفرّد بالمناكير عن المشاهير وقال البخارى في حديثه بعض المناكير. روى له أبو داود والترمذى وابن ماجه

(قوله مالك بن دينار) أبو يحيى البصرى الزاهد الناجى بنون السامى بسين مهملة مولى امرأة من بنى ناجية. روى عن أنس والحسن البصرى والقاسم بن محمد وعطاء وسعيد بن جبير وآخرين، وعنه عاصم الأحول وسعيد بن أبي عروبة وأبان بن يزيد ووهب بن راشد وكثيرون. قال النسائى ثقة وذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن سعد كان ثقة قليل الحديث وقال الأزدى يعرف وينكر، مات سنة سبع وعشرين وقيل سنة ثلاثين ومائة. روى له الترمذى وأبو داود والنسائى

(معنى الحديث)

(قوله إن تحت كل شعرة جنابة) هو كناية عن شمول الجنابة كل ظاهر البدن الذى

ص: 20

هو محل الشعر عادة

(قوله فاغسلوا الشعر) رتب الحكم الذى هو وجوب الغسل على الوصف الذى هو عموم الجنابة للبدن للدلالة على أن الشعر قد يمنع وصول الماء إلى البشرة فيجب استقصاء الشعر بالغسل فلو بقى شيء من الشعر لم يصل إليه الماء بقيت عليه جنابته ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة (قال) الخطابى ظاهر هذا الحديث يوجب نقض القرون والضفائر إذا أراد الاغتسال من الجنابة فإنه لا يكون شعره كله شعرة شعرة مغسولا إلا بنقضها وإليه ذهب إبراهيم النخعى. وقال عامة أهل العلم إيصال الماء إلى أصول الشعر وإن لم ينقض شعره يجزئه اهـ وسيأتى تمام الكلام عليه إن شاء الله تعالى. والشعر بفتح الشين المعجمة وسكون العين المهملة يجمع على شعور مثل فلس وفلوس وبفتح العين يجمع على أشعار مثل سبب وأسباب

(قوله وأنقوا البشر) من الإنقاء أى نظفوا البشرة من الأوساخ ونحوها لأنه لو منع شيء من ذلك وصول الماء إلى جزء من البدن لم ترفع الجنابة. والبشر بفتح الموحدة والشين المعجمة جمع بشرة وهو ظاهر جلد الإنسان وغيره كما تقدم (قال) الخطابي قد يحتج به من يوجب الاستنشاق في الجنابة لما في داخل الأنف من الشعر واحتج بعضهم في إيجاب المضمضة بقوله وأنقوا البشر وزعم أن داخل الفم من البشرة وهذا خلاف قول أهل اللغة لأن البشرة عندهم ما ظهر من البدن يباشره البصر من الناظر إليه وأما داخل الأنف والفم فهو الأدمة والعرب تقول فلان مؤدم مبشر إذا كان حسن الظاهر محبور الباطن اهـ وقوله محبور الباطن أى مزين الباطن طاهر القلب، وردّ ما قاله الخطابي بأن الجوهرى وغيره من أهل اللغة صرّحوا بأن الأدمة بفتحات هي باطن الجلد الذى يلي اللحم وداخل الفم والأنف ليس كذلك بل هو من الظاهر فالاستدلال على إيجاب المضمضة في الغسل من الجنابة بقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأنقوا البشر صحيح (وقال) العينى بهذا الحديث احتج أبو حنيفة على أن المضمضة والاستنشاق فرضان في الجنابة أما الاستنشاق فلقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إن تحت كل شعرة جنابة وفي الأنف شعور وأما المضضة فلأن الفم من ظاهر البدن بدليل أنه لا يقدح في الصوم فيطلق عليه ما يطلق على البدن فبهذا الاغتبار فرضت المضمضة لا باعتبار ما قاله الخطابى اهـ

(قوله حديثه منكر) يعنى لتفرّد الحارث به وهو ضعيف ضعفه المصنف وغيره كما تقدم فلا يعتمد على روايته

(فقه الحديث) والحديث يدل على وجوب تعميم جميع البشرة والشعر بالماء في غسل الجنابة، وعلى وجوب إزالة كل ما يمنع وصول الماء إلى البشرة

(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البيهقى وابن ماجه والترمذى وقال حديث الحارث ابن وجيه حديث غريب لا نعرفه إلا من حديثه وهو شيخ ليس بذاك اهـ وقال الدارقطني في العلل إنما يروى مالك بن دينار عن الحسن مرسلا ورواه أبان العطار عن قتادة عن الحسن عن

ص: 21

أبى هريرة من قوله (وقال) الشافعي هذا الحديث ليس بثابت (وقال) البيهقى أنكره أهل العلم البخارى وأبو داود وغيرهما اهـ من التلخيص

(ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا حَمَّادٌ، أَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ زَاذَانَ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ قَالَ:«مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعْرَةٍ مِنْ جَنَابَةٍ لَمْ يَغْسِلْهَا فُعِلَ بِهَا كَذَا وَكَذَا مِنَ النَّارِ» قَال عَلِيٌّ: فَمِنْ ثَمَّ عَادَيْتُ رَأْسِي فَمِنْ ثَمَّ عَادَيْتُ رَأْسِي ثَلَاثًا، وَكَانَ يَجُزُّ شَعْرَهُ

(ش)(قوله حماد) بن سلمة

(قوله عطاء بن السائب) بن مالك ويقال ابن السائب بن يزيد أبو السائب الثقفي الكوفي. روى عن أبيه وأنس بن مالك وعبد الله بن أبى أوفى وعمرو بن حريث وسعيد بن جبير وعكرمة وكثيرين. وعنه الأعمش وابن جريج والحمادان وشعبة والسفيانان ويحيى القطان وغيرهم. قال أحمد ثقة رجل صالح وقال العجلى كان شيخا ثقة قديما وقال النسائى ثقة في حديثه القديم إلا أنه تغير وقال أبو حاتم محله الصدق قبل أن يختلط صالح مستقيم الحديث ثم تغير حفظه وقال الدارقطنى اختلط ولم يحتجوا به في الصحيح ولا يحتج من حديثه إلا بما رواه الأكابر شعبة والثورى ونظائرهم. مات سنة ست أو سبع وثلاثين ومائة. روى له البخارى وأبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه

(قوله زاذان) الكندى مولاهم أبو عبد الله ويقال أبو عمر الكوفى. روى عن على بن أبى طالب وابن مسعود وابن عمر والبراء بن عازب وسلمان الفارسى وعائشة وغيرهم. وعنه أبو صالح السمان والمنهال بن عمرو وأبو اليقظان وعمرو بن مرّة وعطاء بن السائب وآخرون. قال ابن معين ثقة لا يسأل عن مثله ووثقه العجلى والخطيب وابن سعد وقال كان كثير الحديث وقال ابن عدى أحاديثه لا بأس بها إذا روى عنه ثقة وذكره ابن حبان في الثقات وقال كان يخطئُ كثيرا. توفى سنة اثنتين وثمانين. روى له الجماعة إلا البخارى

(معنى الحديث)

(قوله من ترك موضع شعرة الخ) أى قدر موضع شعرة فليس المراد المحل الذى تحت أصول الشعر لأن إيصال الماء إليه ليس بواجب بل أراد ترك شيء قليل من ظاهر البدن لم يغسله في غسل جنابة. وفى رواية أحمد والدارمى لم يصبها الماء. وأنث الضمير العائد على الموضع لاكتسابه التأنيث من المضاف إليه

(قوله فعل به الخ) بصيغة المجهول أى فعل الله بالموضع المتروك أو بمن ترك موضعا بلا غسل أنواعا من العذاب في النار، وفي نسخة فعل بها أى بالموضع المتروك وأنث الضمير لما تقدم

(قوله فمن ثم عاديت رأسى الخ) أى فمن أجل

ص: 22