المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فهرس الكتاب

- ‌(باب في الغسل من الجنابة)

- ‌(باب في الوضوء بعد الغسل)

- ‌(باب في المرأة هل تنقض شعرها عند الغسل)

- ‌(باب في الجنب يغسل رأسه بالخطمىّ)

- ‌(باب فيما يفيض بين الرجل والمرأة من الماء)

- ‌(باب مؤاكلة الحائض ومجامعتها)

- ‌(باب الحائض تناول من المسجد)

- ‌(باب في الحائض لا تقضى الصلاة)

- ‌(باب في إتيان الحائض)

- ‌(باب في الرجل يصيب منها ما دون الجماع)

- ‌(باب من روى أن المستحاضة تغتسل لكل صلاة)

- ‌(باب من قال تجمع بين الصلاتين وتغتسل لهما غسلا)

- ‌(باب من قال تغتسل من طهر إلى طهر)

- ‌ بيان حال أحاديث الباب

- ‌(باب من قال المستحاضة تغتسل من ظهر إلى ظهر)

- ‌(باب من قال تغتسل كل يوم مرّة ولم يقل عند الظهر)

- ‌(باب من قال تغتسل بين الأيام)

- ‌(باب من قال توضأ لكل صلاة)

- ‌(باب من لم يذكر الوضوء إلا عند الحدث)

- ‌(باب في المرأة ترى الصفرة والكدرة بعد الطهر)

- ‌(باب المستحاضة يغشاها زوجها)

- ‌(باب ما جاء في وقت النفساء)

- ‌(باب الاغتسال من الحيض)

- ‌ فتح خيبر

- ‌(باب التيمم في الحضر)

- ‌(باب الجنب يتيمم)

- ‌(باب إذا خاف الجنب البرد أيتيمم)

- ‌ غزوة ذات السلاسل)

- ‌(باب في المجروح يتيم

- ‌(باب المتيمم يجد الماء بعد ما يصلى في الوقت)

- ‌(باب في الغسل يوم الجمعة)

- ‌(باب في الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة)

- ‌(باب في الرجل يسلم فيؤمر بالغسل)

- ‌(باب الصلاة في الثوب الذى يصيب أهله فيه)

- ‌(باب المنيّ يصيب الثوب)

- ‌(باب بول الصبى يصيب الثوب)

- ‌(باب الأرض يصيبها البول)

- ‌(باب في طهور الأرض إذا يبست)

- ‌(باب الأذى يصيب الذيل)

- ‌(باب البزاق يصيب الثوب)

- ‌(كتاب الصلاة)

- ‌(باب في المواقيت)

- ‌(باب في وقت صلاة النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وكيف كان يصليها)

- ‌ باب في وقت صلاة الظهر

- ‌(باب وقت العصر)

- ‌(باب في الصلاة الوسطى)

- ‌(باب التشديد في الذى تفوته صلاة العصر)

- ‌(باب في وقت المغرب)

- ‌(باب في وقت العشاء الآخرة)

- ‌(باب في وقت الصبح)

الفصل: ‌ فتح خيبر

استحياء يقال تقبض الجلد أى انزوى

(قوله لعلك نفست) بفتح النون وكسر الفاء أى حضت وجاء في الولادة بضم النون أيضا (قال) ابن الأثير يقال نفست المرأة بضحم النون وفتحها إذا ولدت فأما الحيض فلا يقال فيه إلا نفست بالفتح اهـ

(قوله فأصلحى من نفسك) أى أصلحى حالك بما اعتاده الحيض من نحو تلجم يمنع ظهور أثر الدم

(قوله فاطرحى فيه ملحا) أى من المطعوم لما فيه من المبالغة في التنقية. ويحتمل أن يكون المراد غير المطعوم الذى يظهر في الأرض السبخة والأحجار التى تملح

(قوله فلما فتح رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خيبر) هي اسم لجملة من الحصون والقرى سميت باسم رجل من العماليق نزلها وهو خيبر بن قاينة بينها وبين المدينة ثمانية برد إلى جهة الشام وكان فتحها في المحرم سنة سبع من الهجرة وذلك أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لما رجع من الحديبية وعده الله‌

‌ فتح خيبر

بقوله "وأثابهم فتحا قريبا" خرح إلى خيبر فصبحها بكرة على غرّة من أهلها فلما نزل بساحتهم سار إليهم قوم من أسد وغطفان ليظاهروا اليهود فألقى الله الرعب في قلوبهم فرجعوا ثم هموا أن يتوجهوا إلى المدينة فأعجزهم الله تعالى وذلك قوله "وكفّ أيدى الناس عنكم" ثم أقبل صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على حصونها فافتتحها حصنا حصنا حتى انتهى إلى أمنع حصونهم فحاصرهم فيه بضع عشرة ليلة ثم تأخر لمرض أصابه فأخذ الراية أبو بكر وقاتل قتالا شديدا ثم رجع ولم يتمّ الفتح ثم عمر كذلك فقال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه فبات الناس يخوضون ليلتهم فيمن يعطاها فلما أصبح قال أين عليّ فقالوا هو يا رسول الله يشتكي عينيه فأتى به فبصق صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في عينيه ودعا له فبرأ وأعطاه الراية فقاتل حتى تمّ الفتح على يديه

(قوله رضخ لنا من الفئ) أى أعطانا قليلا منه يقال رضخت له رضخا من باب نفع أعطيته شيئا ليس بالكثير والفئ يطلق على الخراج وعلى الغنيمة وهي المرادة هنا

(قوله قالت وكانت الخ) أى قالت أمية بنت أبى الصلت وكانت الغفارية لا تريد أن تتطهر من الحيض إلا جعلت ملحا في الماء الذى تريد أن تتطهر به. وتطهر بتشديد الطاء المهملة أصله تتطهر أبدلت التاء الثانية طاء وأدغمت في الطاء وأوصت بالملح أن يكون في غسلها حين موتها لزيادة التنظيف

(فقه الحديث) دلّ الحديث على مزيد تواضعه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وسعة رحمته وجميل عشرته وعظيم خلقه حيث أردف المرأة على مركوبه. وعلى جواز استعمال الملح في غسل الثوب من الدم لتنقيته وفي معناه سائر المطعومات فيجوز غسل ثياب الحرير بالعسل إذا كان يفسدها الصابون وبالخلّ إذا أصابها الحبر ويجوز التدلك بالنخالة وغسل الأيدى بدقيق الباقلاء والترمس ونحوهما من الأشياء التى لها قوّة الجلاء (وعن) يونس بن عبد الأعلى دخلت الحمام بمصر فرأيت

ص: 139

الشافعى يتدلك بالنخالة (وفى مصنف) عبد الرزاق بسنده إلى حماد عن إبراهيم النخعى أنه كان لا يرى بأسا أن يغسل الرجل يده بشئ من الدقيق والسويق (وفيه) عن أبى معشر قال أكلت مع إبراهيم سمكا فدعا لى بسويق فغسلت يدى (وفيه) قال سئل جابر بن زيد عن الرجل يغسل يده بالدقيق والخبز من الغمر فقال لا بأس بذلك "والغمر بضم الغين المعجمة وسكون الميم الزعفران"(وكره) ذلك بعضهم فقد روى ابن أبى شيبة عن الحسن أنه كان يكره أن يغسل يده بدقيق أو بطحين. ودلّ الحديث أيضا على وجوب غسل دم الحيض. وعلى مشروعية الإعطاء من الغنيمة للنساء ومن في معناهن. وعلى ما كانت عليه نساء الصحابة من الاهتمام بأمر الجهاد والتمسك بإرشاداته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم والعمل على مقتضاها والإيصاء بتنفيذها حتى بعد الموت

(ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا سَلَّامُ بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَتْ أَسْمَاءُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَغْتَسِلُ إِحْدَانَا إِذَا طَهُرَتْ مِنَ الْمَحِيضِ؟ قَالَ:«تَأْخُذُ سِدْرَهَا وَمَاءَهَا فَتَوَضَّأُ، ثُمَّ تَغْسِلُ رَأْسَهَا، وَتَدْلُكُهُ حَتَّى يَبْلُغَ الْمَاءُ أُصُولَ شَعْرِهَا، ثُمَّ تُفِيضُ عَلَى جَسَدِهَا، ثُمَّ تَأْخُذُ فِرْصَتَهَا فَتَطَّهَّرُ بِهَا» قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ أَتَطَهَّرُ بِهَا. قَالَتْ: عَائِشَةُ فَعَرَفْتُ الَّذِي يَكْنِي عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ فَقُلْتُ لَهَا: تَتَّبِعينَ بِهَا آثَارَ الدَّمِ

(ش)(رجال الحديث)

(قوله سلام) بتشديد اللام (ابن سليم) بالتصغير كنيته أبو الأحوص

(قوله إبراهيم بن مهاجر) بن جابر البجلى بفتح الموحدة وسكون الجيم أبو إسحاق الكوفي. روى عن طارق بن شهاب ومجاهد بن جبر والشعبى وإبراهيم النخعى وغيرهم. وعنه الثورى وشعبة ومسعر وأبو عوانة وشريك والأعمش. قال سفيان وأحمد لا بأس به وقال يحيى القطان والنسائى لم يكن بالقوى وقال ابن عدى حديثه يكتب في الضعفاء وقال ابن حبان في الضعفاء هو كثير الخطأ ووثقه ابن سعد. روى له الجماعة إلا البخارى

(قوله دخلت أسماء) هي بنت شكل كما في مسلم قال النووى شكل بالشين المعجمة والكاف المفتوحتين هذا هو الصحيح المشهور وحكى صاحب المطالع فيه إسكان الكاف وما ذكره الخطيب من أنها أسماء بنت يزيد بن السكن فغير مسلم فقد ذكرها كذلك قبل مسلم أبو بكر بن أبى شيبة في مسنده وأبو عوانة وأبو نعيم في كل مستخرجيهما وقد ذكر أسماء بنت شكل في الصحابة جماعة منهم ابن سعد والطبرانى وابن منده والبارودى (معنى الحديث)

(قوله

ص: 140

تأخذ سدرها وماءها) كأنها سألت عن الكيفية المطلوبة أعمّ من أن تكون مطلوبة على سبيل الوجوب أو الندب في الغسل فبينها لها صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وإلا فاستعمال السدر ليس بفرض وكذا الوضوء وأخذ الفرصة فلا يصح الاستدلال بهذا الحديث على افتراض شئ من ذلك، والمراد بالسدر ورق النبق المطحون ففى المصباح إذا أطلق السدر في الغسل فالمراد الورق المطحون اهـ أى أنه يدقّ ويدلك به الجسد مع الماء ويحتمل أنه يغلى في الماء ثم يغسل به والغرض من استعماله التنظيف ويلحق به ما يقوم مقامه في ذلك كالصابون والأشنان

(قوله فرصتها) بكسر الفاء وحكى تثليثها وسكون الراء وبالصاد المهملة قطعة من قطن أو خرقة تستعملها المرأة في مسح دم الحيض ويطلب أن تطيب بالمسك أو بغيره من الطيب لتطييب المحل وقطع الرائحة الكريهة كما يدلّ عليه الحديث الآتى

(قوله فتطهر بها) بتخفيف الطاء المهملة على حذف إحدى التاءين وبتشديدها بإبدال التاء طاء وإدغامها في الطاء أى تطيب بها كل ما أصابه الدم من جسدها وهذا مستحب لكل مغتسلة من حيض أو نفاس سواء المتزوجة وغيرها وتستعمله بعد الغسل فإن لم تجد طيبا استحب لها استعمال طين أو نحوه مما يزيل الرائحة الكريهة فإن لم تجد شيئا فالماء كاف. وما قيل من أنها تستعمل ذلك قبل الغسل فهو غير موافق يردّه صريح الحديث

(قوله كيف أتطهر بها) أى بالفرصة وإنما قالت ذلك لما فهمته من أن المراد بالتطهير الغسل

(قوله يكنى عنه) بفتح الياء وسكون الكاف أى يعبر عنه بتطهر وفي رواية البخارى فأخذتها فجذبتها فأخبرتها بما يريد النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم

(قوله آثار الدم) جمع أثر بفتحتين وأثر الشئ ما بقى من رسمه. وفى بعض النسخ تتبعين أثر الدم بالإفراد

(فقه الحديث) دلّ الحديث على طلب السعى لتعلم أحكام الدين. وعلى مشروعية السؤال عما خفى من الأحكام ولو كان من شأنه أن يستحيي من ذكره وكان المسئول أعظم الناس وعلى أنه تطلب الكناية عما يستحيي من التصريح به. وعلى أن المسئول يطلب منه أن يجيب السائل بأوضح بيان. وعلى استحباب استعمال السدر في الغسل لأجل التنقية والنظافة. وعلى استحباب بدء الغسل بالوضوء. وعلى طلب دلك الرأس حتى يبلغ الماء أصول الشعر. وعلى تقديم غسله على باقى أعضاء الجسد. وعلى أنه يطلب من المرأة أخذ شيء من مسك أو طيب بعد انتهاء غسلها وجعله في قطنة أو خرقة وتتبع بها أثر الدم في أى موضع أصابه الدم من بدنها

(من أخرح الحديث أيضا) أخرجه مسلم عن أبى الأحوص عن إبراهيم وأخرجه البخارى والنسائى ومسلم عن منصور بن عبد الرحمن عن أمه صفية عن عائشة

ص: 141

(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ، نَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا ذَكَرَتْ نِسَاءَ الْأَنْصَارِ، فَأَثْنَتْ عَلَيْهِنَّ وَقَالَتْ لَهُنَّ: مَعْرُوفًا، وَقَالَتْ: دَخَلَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ، فَذَكَرَ مَعْنَاهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ «فِرْصَةً مُمَسَّكَةً». قَالَ مُسَدَّدٌ: كَانَ أَبُو عَوَانَةَ يَقُولُ: «فِرْصَةً» ، وَكَانَ أَبُو الْأَحْوَصِ يَقُولُ:«قَرْصَةً» .

(ش)(قوله أبو عوانة) هو الوضاح بن عبد الله الواسطى

(قوله نساء الأنصار) أى أهل المدينة وهم الذين تعهدوا بنصر النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على من عاداه

(قوله فأثنت عليهن) أى وصفتهن بخير وهو عطف تفسير على ذكرت

(قوله وقالت لهن معروفا) أى قالت في حقهن قولا حسنا وفيه نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين كما يأتي بعد

(قوله دخلت امرأة) هي أسماء المذكورة في الرواية السابقة

(قوله فذكر معناه) أى ذكر أبو عوانة معنى الحديث السابق غير أنه قال في روايته فرصة ممسكة بضم الميم الأولى وفتح الثانية وتشديد السين المهملة المفتوحة أى مطيبة بالمسك يتتبع بها أثر الدم لتقطع رائحة الأذى. وقيل هي بضم فسكون وفتح السين مخففة من الإمساك أى أنها تمسكها بيدها فتستعملها لأنه لم يكن المسك عندهم بالحال الذى يمتهن هذا الامتهان فيستعمل في الحيض، وقيل ممسكة أى خلقة وهى التي أمسكت كثيرا فإنه أراد أن لا تستعمل الجديد من القطن وغيره للارتفاق به ولأن الخلق أصلح لذلك. وروى بكسر السين أى ذات مساك تمسك به يبعد اليد عن الأذى. وروى مسك بكسر الميم أى قطعة من المسك الطيب. وروى بفتح الميم أى قطعة جلد فيه شعر. والأول أظهر لقوله في بعض الأحاديث فإن لم تجد فطيبا غيره فإن لم تجد فالماء كاف (واختلف) في الحكمة في استعمال المسك فالصحيح المشهور أن المقصود به تطييب المحل ودفع الرائحة الكريهة. وحكى الماوردى عن البعض أن المقصود منه كونه إلى علوق الولد أسرع لكن قال النووى قول من قال إن المقصود الإسراع في العلوق ضعيف أو باطل فإنه على مقتضى قوله ينبغى أن يخص به ذوات الزوج الحاضر الذى يتوقع جماعه في الحال وهو شيء لم يصر إليه أحد نعلمه. وإطلاق الأحاديث يردّ على من التزمه بل الصواب أن المراد تطييب المحل وإزالة الرائحة الكريهة وأن ذلك مستحب لكل مغتسلة من الحيض أو النفاس سواء ذات الزوج أو غيرها اهـ

(قوله كان أبو عوانة يقول فرصة) بالفاء هكذا في أكثر النسخ وفي نسخة العينى قرصة بالقاف المفتوحة والراء الساكنة والصاد المهملة أى شيئا يسيرا مثل القرصة بطرف الأصبعين

(قوله وكان أبو الأحوص يقول قرصة) بفتح

ص: 142

القاف وبالصاد المهملة هكذا في أكثر النسخ وفي العينى قرضة بفتح القاف أو ضمها وبالضاد المعجمة أى قطعة مقروضة وحكى هذا عن أبى عبيد وابن قتيبة. والمشهور الرواية الأولى فرصة بالفاء والصاد المهملة وقد صوّبها النووى

(ص) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، نا أَبِي، نا شُعْبَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ يَعْنِي ابْنَ مُهَاجِرٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ أَسْمَاءَ سَأَلَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ بِمَعْنَاهُ قَالَ:«فِرْصَةً مُمَسَّكَةً» . قَالَتْ: كَيْفَ أَتَطَهَّرُ بِهَا قَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ تَطَهَّرِي بِهَا وَاسْتَتَرَ بِثَوْبٍ» ، وَزَادَ وَسَأَلَتْهُ عَنْ الْغُسْلِ مِنَ الجَنَابَةِ فَقَالَ:«تَأْخُذِينَ مَاءَكِ فَتَطَّهَّرِينَ أَحْسَنَ الطُّهُورِ وَأَبْلَغَهُ، ثُمَّ تَصُبِّينَ عَلَى رَأْسِكِ الْمَاءَ، ثُمَّ تَدْلُكِينَهُ حَتَّى يَبْلُغَ شُؤُونَ رَأْسِكِ، ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ» وَقَالَتْ عَائِشَةُ: «نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَسْأَلْنَ عَنِ الدِّينِ، وَأَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِيهِ»

(ش)(قوله عبيد الله بن معاذ) وفى بعض النسخ زيادة العنبرى نسبة إلى العنبرة قرية بسواحل زبيد

(قوله حدثنا أبى) هو معاذ بن معاذ

(قوله شعبة) بن الحجاج

(قوله أسماء) بنت شكل

(قوله بمعناه) أى حدّث شعبة بمعنى حديث سلام بن سليم المتقدم ولفظه في مسلم عن عائشة أن أسماء سألت النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن غسل المحيض فقال تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها فتطهر فتحسن الطهور ثم تصب على رأسها فتدلكة دلكا شديدا حتى تبلغ شؤون رأسها ثم تصب عليها الماء ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها فقالت أسماء وكيف تطهر بها فقال سبحان الله تطهرين بها فقالت عائشة كأنها تخفى ذلك تتبعين أثر الدم

(قوله قال فرصة) أى قال شعبة في روايته فرصة بالفاء

(قوله سبحان الله) تعجب منه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فكأنه قال كيف يخفى مثل هذا الظاهر الذى لا يحتاج الإنسان في فهمه إلى فكر أو تصريح

(قوله تطهرى بها) كرّره مع كونها لم تفهمه أولا لأنه يؤخذ من استحيائه وإعراضه عند قوله تطهرى بها إيضاح المحل الذى يستحيى مواجهة المرأة بالتصريح به فاكتفى في ذلك بلسان الحال عن لسان المقال وفهمت عائشة منه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ذلك فتولت تعليمها

(قوله واستتر) أى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حياء ففى رواية للبخارى استحيى فأعرض بوجهه وللإسماعيلى فلما رأيته استحيى علمتها وزاد الدارمى وهو يسمع فلا ينكر

(قوله فتطهرن) أى توضئين لقوله في الرواية السابقة فتوضأ

ص: 143

ثم تغسل رأسها

(قوله أحسن الطهور) بضم الطاء أى أكمل الوضوء

(قوله حتى يبلغ شؤون رأسك) بضم الشين جمع شأن المراد بها أصول شعر الرأس وذكر للمبالغة في شدّة الدلك

(قوله وقالت عائشة نعم النساء نساء الأنصار الخ) لما رأت من اجتهاد أسماء وحرصها على تعلم ما جهلت من الدين ولا سيما ما يتعلق بأمر النساء مما يستحيى من ذكره عادة أثنت عليهنّ بقولها لم يمنعهنّ الحياء من السؤال عن أحكام الدين. والحياء في الأصل تغير وانكسار يعترى الإنسان عند خوف ما يعاب عليه أو يذم كما تقدّم وليس مرادا هنا بل المراد ما يقع إجلالا للأكابر ولا يترتب عليه ترك أمر شرعي أما ما يترتب عليه ذلك فهو مذموم وليس حياء شرعيا وإنما هو ضعف في العزيمة فينبغى تركه وقوله أن يسألن عن الدين الخ في موضع نصب على المفعولية وأن مصدرية والتقدير لم يكن يمنعهن الحياء سؤالهنّ عن أمور الدين وتعلم أحكامه

(فقه الحديث) دلّ الحديث على جواز التسبيح عند التعجب من الشئ واستعظامه. وعلى طلب استعمال الكنايات فيما يتعلق بالعورات. وعلى طلب إظهار الحياء عند وجود ما يقتضيه. وعلى أنه ينبغي لمن جهل أمر دينه أن يسأل عنه. وعلى أنه تطلب المبالغة في التطهير ومنها الدلك. وعلى أنه يستحب للمغتسلة من حيض استعمال الطيب في جميع المواضع التي أصابها الدم من جسدها ومنه الفرج ومثل الحائض في ذلك النفساء. وعلى أنه يطلب تكرير الجواب لإفهام السائل. وعلى أنه يجوز تفسير كلام العالم بحضرته لمن خفى عليه إذا عرف أن ذلك يعجبه. وعلى جواز الأخذ من المفضول بحضرة الفاضل. وعلى مشروعية الرفق بالمتعلم. وعلى إقامة العذر لمن لم يفهم. وعلى أن المرء مطلوب بستر عيوبه وإن كانت مما جبل عليها. وعلى حسن خلقه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وعظيم حلمه وحيائه زاده الله تعالى علوًّا وكمالا

(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مسلم وابن ماجه

(باب التيمم)

لما فرغ من الطهارة المائية صغرى وكبرى وما يتعلق بهما شرع في بيان الطهارة الترابية وهي التيمم. وأخره عنهما اقتداء بالكتاب ولأنه بدل عنهما ولذا لا يصار إليه إلا عند العجز عنهما وترجم له بالباب دون الكتاب لأنه نوع من الطهارة فيشمله كتاب الطهارة. والتيمم في اللغة مطلق القصد. وفي الشرع قصد الصعيد الطاهر لمسح الوجه واليدين بنية استباحة الصلاة أو غيرها مما يمنع منه الحدث، وسبب وجوبه هو سبب وجوب الوضوء، وشرط جوازه العجز عن استعمال الماء لأنه خلف عنه فلا يشرع معه. وهو من خصائص هذه الأمة لحديث جابر أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال "أعطيت خمسا لم يعطهنّ أحد

ص: 144

من الأنبياء قبلى نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لى الأرض وفي رواية ولأمتي مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلّ وأحلت لى الغنائم ولم تحلّ لأحد قبلى وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة" رواه الشيخان وثابت بالكتاب والسنة والإجماع. وهل هو عزيمة أو رخصة خلاف، وفصل بعضهم فقال هو لعدم الماء عزيمة وللعذر من نحو مرض رخصة. وقد أجمع العلماء على مشروعيته في الحدث الأصغر والأكبر لما روى عن أبى هريرة أن أناسا من أهل البادية أتوا النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقالوا إنا نكون بالرمال الأشهر الثلاثة والأربعة ويكون فينا الجنب والنفساء والحائض ولسنا نجد الماء فقال عليكم بالأرض ثم ضرب بيده الأرض لوجهه ضربة ثم ضرب ضربة أخرى فمسح على يديه للمرفقين رواه أحمد وغيره بسند فيه ضعف. ولم يخالف في ذلك أحد إلا ما حكى عن إبراهيم النخعى من قصره على الحدث الأصغر. وروى هذا عن عمر وابن مسعود وقد قيل إنهما رجعا عنه. وثمرته مختلف فيها فعند الحنفية يستباح به كل ما لا يصح إلا بالطهارة كدخول المسجد وحمل القرآن للجنب فيصلى به المتيمم ما شاء من فرض ونفل ما لم يحدث أو يجد الماء لأنه بدل مطلق عند عدم الماء. ويرتفع به الحدث إلى زوال العذر لما روى عن أبى ذرّ مرفوعا "الصعيد طهر لمن لم يجد الماء ولو عشر سنين" رواه الترمذى وصححه (وعند) الجمهور ومنهم باقى الأئمة أنه لا يرفع الحدث بل يبيح الصلاة فيستبيح به فريضة وما شاء من النوافل ولا يجمع بين فريضتين بتيمم واحد وإن نوى بتيممه الفرض استباح الفريضة والنافلة وإن نوى النفل استباح النفل ولم يستبح به الفرض. وله أن يصلى على جنائز بتيمم واحد. وله أن يصلى بالتيمم الواحد فريضة وجنائز ولا يتيمم قبل دخول وقتها

(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، ح وحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا عَبْدَةُ الْمَعْنَى وَاحِدٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ وَأُنَاسًا مَعَهُ فِي طَلَبِ قِلَادَةٍ أَضَلَّتْهَا عَائِشَةُ، «فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ، فَأَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَأُنْزِلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ» زَادَ ابْنُ نُفَيْلٍ: فَقَالَ لَهَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْر: يَرْحَمُكِ اللَّهُ مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ تَكْرَهِينَهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَكِ فِيهِ فَرَجًا

ص: 145

(ش)(رجال الحديث)

(قوله المعنى واحد) أى روايه أبي معاوية محمد بن خازم وعبدة بن سليمان متحدتان في المعنى

(قوله بعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الخ) وفي رواية للبخارى في باب من لم يجد ماء ولا ترابا فبعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم رجلا. وله في فضل عائشة وكذا لمسلم فبعث أناسا من الصحابة. ولا تنافي بين هذه الروايات لأن أسيدا كان رأس من بعث فلذا سمي في هذه الرواية دون غيره. وكني عنه بالرجل في أخرى، و (أسيد بن حضير) هو ابن سماك بن عتيك الأنصارى أبو يحيى. كان من السابقين إلى الإسلام وشهد المشاهد كلها إلا بدرا على الصحيح وقد ثبت يوم أحد وجرح سبع جراحات. ومناقبه كثيرة فعن أبي هريرة مرفوعا "نعم الرجل أسيد بن حضير" رواه البغوى. وعن عائشة أنها قالت كان أسيد من أفاضل الناس وروى الحاكم عن حصين بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه قال كان أسيد بن حضير رجلا صالحا ضاحكا مليحا فبينما هو عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يحدّث القوم ويضحكهم فطعنه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في خاصرته فقال أوجعتني قال اقتصّ قال يا رسول الله إن عليك قميصا ولم يكن علىّ قميص قال فرفع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قميصه فاحتضنه ثم جعل يقبل كشحه فقال بأبى أنت وأمى يا رسول الله أردت هذا. توفي سنة عشرين

(معنى الحديث)

(قوله في طلب قلادة) بكسر القاف هي التي تعلق في العنق وتسمى عقدا

(قوله أضلتها عائشة) أى فقدتها يقال ضلّ الشئ ضاع وأضللته إذا فقدته. والإظهار في مقام الإضمار للإيضاح

(قوله فصلوا بغير وضوء) فيه دليل على وجوب الصلاة على فاقد الطهور لأنهم صلوا معتقدين وجوب الصلاة عليهم وأقرّهم النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على ذلك ولو كانت الصلاة غير واجبة حينئذ لأنكر عليهم النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وجوب الصلاة وبه قال الشافعى وأحمد وجمهور المحدّثين وأكثر أصحاب مالك لكن اختلفوا في وجوب الإعادة فالمنصوص عن الشافعى وجوبها وصححه أكثر أصحابه. واحتجوا بأنه عذر نادر فلا يسقط الإعادة (والمشهور) عن أحمد لا تحب الإعادة. وبه قال المزني وسحنون وابن المنذر واحتجوا بحديث الباب لأنها لو كانت واجبة لبينها لهم النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة (وردّ) بأن الإعادة لا تجب على الفور فلم يتأخر البيان عن وقت الحاجة (وقال) مالك وأبو حنيفة في المشهور عنهما لا تصح الصلاة عند فقد الطهورين لما تقدم للمصنف في باب فرض الوضوء وفيه لا يقبل الله صلاة بغير طهور وأجابوا عن حديث الباب باحتمال أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنكر عليهم صلاتهم بلا طهارة وعدم ذكر الإنكار في الحديث لا يستلزم عدمه في الواقع فتكون صلاتهم تلك

ص: 146

اجتهادا والمجتهد يخطئُ ويصيب والبيان يجوز تأخيره إلى وقت الحاجة ولا يجوز تأخيره عن وقتها. وبأن حديث لا يقبل الله صلاة بغير طهور صريح في عدم جواز الصلاة عند عدم الطهارة وحديث الباب لو سلم عدم إنكاره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يدل على جوازها احتمالا فهو لا يعارض حديث المنع. لكن قال أبو حنيفة وأصحابه يجب عليه القضاء وبه قال الثورى والأوزاعي (وقال) مالك فيما حكاه عنه المدنيون لا يجب عليه القضاء. وهذه الأقوال هي المشهورة في المسألة

(قوله فأنزلت آية التيمم) كان نزولها في غزوة بني المصطلق سنة خمس من الهجرة واختلف في المراد هنا بآية التيمم أهى آية النساء أم آية المائدة (فقال) القرطبى هى آية النساء لأن آية المائدة تسمى آية الوضوء ولا ذكر له في آية النساء فيتجه تخصيصها بآية التيمم اهـ والظاهر أن المراد بها هنا آية المائدة وهى قوله تعالى "فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا" وقد جنح إلى ذلك البخارى فأخرج الحديث المتعلق بهذه القصة في تفسير سورة المائدة وأيد ذلك برواية عمرو بن الحارث عن عبد الرحمن بن القاسم وفيه فنزلت "يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة -إلى قوله- لعلكم تشكرون" وفي هذا دليل على أن الوضوء كان واجبا قبل نزول آيته (قال) ابن عبد البرّ معلوم عند جميع أهل المغازى أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم يصلّ منذ فرضت عليه الصلاة إلا بوضوء. وفي قوله في هذا الحديث آية التيمم إشارة إلى أن الذى طرأ عليهم من العلم حينئذ هو حكم التيمم لا حكم الوضوء (والحكمة) في نزول آية الوضوء مع تقدم العمل به ليكون فرضه معلوما بالتنزيل اهـ وقال غيره يحتمل أن يكون أول آية الوضوء نزل أولا فعلموا به الوضوء ثم نزل باقيها المتعلق بالتيمم في هذه القصة وإطلاق آية التيمم على هذا من إطلاق اسم الجزء على الكل. لكن رواية عمرو بن الحارث التي أخرجها البخارى في التفسير تدلّ على أن الآية نزلت جميعها في هذه القصة فالظاهر ما قاله ابن عبد البر

(قوله زاد ابن نفيل الخ) أى زاد عبد الله بن محمد بن نفيل شيخ المصنف في روايته فقال لها أسيد بن حضير يرحمك الله ما نزل بك أمر الخ أى ما أصابك شيء يحزنك إلا كان فيه فرج لك وللمسلمين. وفي رواية للبخارى فقال أسيد بن حضير لعائشة جزاك الله خيرا فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله ذلك لك وللمسلمين فيه خيرا. وفي رواية مسلم وابن ماجه فوالله ما نزل بك أمر قطّ إلا جعل الله لك منه مخرجا وجعل للمسلمين فيه بركة. وفي رواية عبد الرحمن بن القاسم عند مالك ما هى بأوّل بركتكم يا آل أبى بكر بل هى مسبوقة بغيرها من البركات. وهذا يشعر بأن تلك القصة كانت بعد قصة الإفك فيدلّ على تعدّد ضياع العقد (قال) محمد بن حبيب الأخبارى سقط عقد عائشة في غزوة ذات الرقاع وغزوة بني المصطلق

(فقه الحديث) دلّ الحديث على طلب المحافظة على المال وإن قلّ. وعلى جواز السفر بالنساء

ص: 147

في الجهاد وكذا غيره عند الأمن عليهن. وعلى مشروعية طلب المال الضائع. وعلى جواز اتخاذ النساء الحلىّ واستعماله تجملا لأزواجهن. وعلى مشروعية الصلاة لفاقد الطهور. وعلى أن سبب مشروعية التيمم ضياع عقد عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا

(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البخارى ومسلم والنسائى وابن ماجه والبيهقى وأحمد بألفاظ متقاربة

(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، حدثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ، إنَّ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ حَدَّثَهُ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّهُمْ «تَمَسَّحُوا وَهُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ بِالصَّعِيدِ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ فَضَرَبُوا بِأَكُفِّهِمُ الصَّعِيدَ، ثُمَّ مَسَحُوا وُجُوهَهُمْ مَسْحَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ عَادُوا فَضَرَبُوا بِأَكُفِّهِمُ الصَّعِيدَ مَرَّةً أُخْرَى فَمَسَحُوا بِأَيْدِيهِمْ كُلِّهَا إِلَى الْمَنَاكِبِ وَالْآبَاطِ مِنْ بُطُونِ أَيْدِيهِمْ»

(ش) غرض المصنف بهذا الحديث وما بعده بيان كيفية التيمم

(قوله تمسحوا بالصعيد) من التمسح وهو في الأصل إمرار اليد على الشئ والمراد به هنا التيمم. والصعيد اسم لوجه الأرض ترابا كان أو غيره (قال) الزجاج لا أعلم في ذلك بين أهل اللغة خلافا اهـ وقيل اسم للتراب خاصة ولهذا اختلف العلماء فيما يتيمم به (فقال) أبو حنيفة ومحمد يصح بكل طاهر من جنس الأرض وهو ما لا يصير رمادا ولا يلين إذا احترق بالنار كالتراب والرمل والحجر والجصّ والنورة والكحل والزرنيخ. أما ما يصير رمادا إذا احترق كالحطب والخشب وما يلين بالنار كالحديد والرصاص فلا يصح التيمم عليه إذا لم يكن عليه غبار وقال أبو يوسف لا يصح إلا بالتراب والرمل (وقال) مالك يصح بكل ما كان من جنس الأرض إذا لم يحرق. وجوّزه بعض أصحابه بكل ما اتصل بالأرض حتى الثلج وكذا النبات إذا لم يمكن قلعه ولم يوجد غيره وضاق الوقت (وقال) الشافعى وأحمد وداود وابن المنذر وأكثر الفقهاء لا يجوز التيمم إلا بتراب طاهر له غبار يعلق بالعضو (وقال) الأوزاعي والثورى يجوز بالثلج وكل ما علا الأرض. والأصح ما قاله أبو حنيفة ومالك لما تقدم عن الزجاج. ولقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "جعلت لى الأرض مسجدا وطهورا" رواه الشيخان ولما سيأتى للمصنف في باب التيمم في الحضر عن أبى الجهيم من أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تيمم على الجدار. ولما رواه عن عمار بن ياسر من طرق كثيرة أنه قال إنما يكفيك أن تضرب بيديك الأرض هكذا الخ (قال) في حجة الله البالعة إنما

ص: 148

خصت الأرض لأنها لا تكاد تفقد فهى أحق ما يرفع الحرج ولأنها مطهرة لبعض الأشياء كالخفّ والسيف بدلا عن الغسل بالماء ولأن فيه تذللا بتعفير الوجه بالتراب وهو يناسب العفو اهـ

(قوله ثم مسحوا وجوههم مسحة واحدة) أى مع الاستيعاب وقد أجمعوا على أن المسح في التيمم لا يتكرّر

(قوله فسحوا بأيديهم الخ) جمع يد وهي من المنكب إلى أطراف الأصابع. والمناكب جمع منكب بفتح فسكون فكسر وهو مجمع عظم العضد والكتف. والآباط بمدّ الهمزة المفتوحة جمع إبط بكسر الهمزة وسكون الموحدة يذكر ويؤنث وهو ما تحت المنكب

(قوله من بطون أيديهم) أى ببطون أكفهم فمن بمعنى الباء والمراد بالأيدى الأكفّ تسمية للجزء باسم الكل. ويحتمل أن من للابتداء أى ابتدءوا المسح من بطون الأيدى لا من ظهورها اجتهادا من عمار وأصحابه قبل بيان النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كيفية التيمم ولما بين لهم عملوا على مقتضاه كما يؤخذ من الحديث الآتى (وفي هذا) الحديث دليل على أن التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة للذراعين وهو مذهب الأكثرين. وبه قال أبو حنيفة والشافعى والثورى وعلى بن أبى طالب وعبد الله بن عمر وهو رواية عن مالك. ومن أدلتهم أيضا حديث جابر مرفوعا "التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين" رواه الحاكم والدارقطنى وقال رجاله ثقات والصواب وقفه اهـ. (وذهبت) طائفة إلى أن الواجب ضربة واحدة للوجه والكفين منهم عطاء ومكحول وداود والأوزاعي والطبرى وأحمد وإسحاق بن راهويه وابن المنذر وعامة أصحاب الحديث وهى رواية عن مالك والزهرى واستدلوا بما يأتى عن عمار بن ياسر قال سألت النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن التيمم فأمرني ضربة واحدة للوجه والكفين والمشهور عند المالكية أن الضربة الأولى فرض والثانية سنة (وعن) ابن سيرين وابن المسيب لا يجزئه أقل من ثلاث ضربات ضربة للوجه وضربة ثانية لكفيه وثالثة لذراعيه. ولم يوقف لهما على ما يفيد الوجوب بل قال الإمام يحيى إنه لا دليل يدلّ على ندبية التثليث في التيمم (وحكى) عن الزهرى أنه قال بوجوب مسح اليدين إلى الإبطين أخذا بظاهر هذا الحديث (وردّ) بأن عمارا ومن معه أجروا اسم اليد على ظاهرها من أنها من رءوس الأنامل إلى الإبط ولم يكن عندهم دليل الخصوص فأجروا الحكم على ظاهره. ولكن قام دليل الإجماع على إسقاط ما وراء المرفقين وما دونهما بقى على الأصل لاقتضاء الاسم إياه. ويؤيده أن التيمم بدل عن الوضوء والبدل لا يخالف المبدل عنه وبأن الشافعى قال في رواية المسح إلى الآباط إن كان ذلك وقع بأمر النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فكل تيمم صح له بعد ذلك فهو ناسخ وإن كان وقع بغير أمره فالحجة فيما أمر به اهـ (وقال) الخطابي لم يختلف أحد من أهل العلم أنه لا يلزم المتيمم أن يمسح ما وراء المرفقين اهـ (وقال) الطحاوى في شرح معانى الآثار بسنده إلى عمار قال كنت مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى

ص: 149

آله وسلم حين نزلت آية التيمم فضربنا ضربة واحدة للوجه ثم ضربنا ضربة لليدين إلى المنكبين ظهرا وبطنا "ثم قال" ذهب قوم إلى هذا فقالوا هكذا التيمم ضربة للوجه وضربة للذراعين إلى المناكب والآباط. وخالفهم في ذلك آخرون فافترقوا فرقتين فقالت فرقة منهم التيمم للوجه واليدين إلى المرفقين. وقالت فرقة منهم التيمم للوجه والكفين فكان من الحجة لهذين الفريقين على الفرقه الأولى أن عمار بن ياسر لم يذكر أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أمرهم أن يتيمموا كذلك وإنما أخبرهم عن فعلهم فقد يحتمل أن تكون الآية لما أنزلت لم تنزل بتمامها وإنما أنزل منها "فتيمموا صعيدا طيبا" ولم يبين لهم كيف يتيممون فكان ذلك عندهم على كل ما فعلوا من التيمم لا وقت في ذلك وقتا ولا عضوا مقصودا به إليه بعينه حتى نزلت بعد ذلك "فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه" ومما يدلّ على ما قلنا من ذلك حديث عائشة قالت أقبلنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من غزوة له حتى إذا كنا بالمعرّس قريبا من المدينة نعست من الليل وكانت علىّ قلادة تدعي السمط تبلغ السرّة فجعلت أنعس فخرجت من عنقي فلما نزلت مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لصلاة الصبح قلت يا رسول الله خرّت قلادتي من عنقي فقال أيها الناس إن أمكم قد ضلت قلادتها فابتغوها فابتغاها الناس ولم يكن معها ماء فاشتغلوا بابتغائها إلى أن حضرتهم الصلاة ووجدوا القلادة ولم يقدروا على ماء فمنهم من تيمم إلى الكف ومنهم من تيمم إلى المنكب وبعضهم على جسده فبلغ ذلك رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأنزلت آية التيمم. ففي هذا الحديث أن نزول آية التيمم كان بعد ما تيمموا هذا التيمم المختلف الذى بعضه إلى المناكب فعلمنا من تيممهم أنهم لم يفعلوا ذلك إلا وقد تقدّم عندهم أصل التيمم وعلمنا بقولها فأنزل الله آية التيمم أن الذى نزل بعد فعلهم هو صفة التيمم فهذا وجه حديث عمار عندنا ومما يدلّ أيضا على أن هذه الآية تنفى ما فعلوا من ذلك أن عمار بن ياسر الذى روى ذلك عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قد روى عنه التيمم الذى عمله بعد ذلك خلاف ذلك فمنه حديث سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه أن عمار بن ياسر سأل نبي الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن التيمم فأمره بالوجه والكفين اهـ بتصرّف (قال) الدهلوى والأخذ بأحاديث الضربتين والمرفقين أخذ بالاحتياط وعمل بأحاديث الطرفين لاشتمال الضربتين على ضربة ومسح الذراعين إلى المرفقين على مسح الكفين دون العكس "فإن قلت" التعارض ثابت على تقدير أن تكون الأحاديث متساوية المرتبة والمحدّثون حكموا بأن أحاديث الضربتين والمرفقين غير مذكورة في الصحاح "قلنا" عدم ذكرها في الصحاح محلّ بحث: على أن عدم صحتها وقوّتها في زمن الأئمة الذين استدلوا بها محل منع إذ يحتمل أن يطرق الضعف والوهن فيما بعدهم من جهة لين الرواة الذين رووها بعد زمن الأئمة فالمتأخرون من المحدّثين الذين جاءوا بعدهم أوردوها

ص: 150

في السنن دون الصحاح ولا يلزم من وجود الضعف في الحديث عند المتأخرين وجوده عند المتقدمين وذلك أن أبا حنيفة مثلا كان يروى الحديث عن التابعى وهو عن مثله أو عن الصحابى والكل ثقات من أهل الضبط والإتقان فأخذ بالحديث لثبوت صحته ثم روى ذلك الحديث من بعده من لم يكن في تلك الدرجة فصار الحديث عند علماء الحديث مثل البخارى ومسلم والترمذى وأمثالهم ضعيفا ولا يضر ذلك في الاستدلال به عند أبى حنيفة اهـ

(فقه الحديث) والحديث يدلّ على مشروعية التيمم بضربتين ضربة للوجه وضربة لليدين وعلى أن المسح في اليدين إلى المناكب وقد علمت أنه منسوخ والإجماع على عدم لزوم المسح إلى المناكب. وعلى أنه يتيمم بالصعيد وهو ما كان من جنس الأرض

(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه الطحاوى وابن ماجه وكذا البيهقي من عدّة طرق قال المنذرى هو منقطع فإن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة لم يدرك عمار بن ياسر. لكن وصله المصنف عن ابن عباس عن عمار كما في الرواية الآتية ورواه النسائى وابن ماجه والطحاوى والبيهقي موصولا من طريق مالك عن الزهرى عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبيه عن عمار قال تيممنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فمسحنا بوجوهنا وأيدينا إلى المناكب

(ص) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، نَحْوَ هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ:«قَامَ الْمُسْلِمُونَ فَضَرَبُوا بِأَكُفِّهِمُ التُّرَابَ، وَلَمْ يَقْبِضُوا مِنَ التُّرَابِ شَيْئًا» ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْمَنَاكِبَ وَالْآبَاطَ قَالَ: ابْنُ اللَّيْثِ: «إِلَى مَا فَوْقَ الْمِرْفَقَيْنِ»

(ش)(رجال الحديث)

(قوله سليمان بن داود) بن حماد بن سعد أبو الربيع المصرى. روى عن أبيه والحجاج بن رشد وابن وهب وإدريس بن يحيى الخولاني وعبد الله بن نافع وغيرهم. وعنه أبو داود والنسائى وزكريا بن يحيى الساجى وأبو بكر بن أبي داود وغيرهم. قال النسائى ثقة وقال ابن يونس كان فقيها على مذهب مالك زاهدا وذكره ابن حبان في الثقات. ولد سنة ثمان وسبعين. وتوفي سنة ثلاث وخمسين ومائتين. و (المهرى) بفتح الميم وسكون الهاء نسبة إلى مهرة بن حيدان أبى قبيلة تنسب إليها الإبل المهربة

(قوله نحو هذا الحديث الخ) اى حدّث سليمان بن داود وعبد الملك ابن شعيب عن ابن وهب نحو ما حدّث به أحمد بن صالح عنه قال ابن وهب في روايته هذه عن الزهرى عن عبيد الله بن عبد الله قام المسلمون فضربوا بأكفهم التراب ولم يقبضوا من التراب شيئا لأن المقصود تحصيل الطهارة بالمسح وهي تحصل بمجرّد الضرب على الصعيد وإمرار اليد على العضوين لا بالتغبير ثم ذكر ابن وهب في هذه الرواية نحو حديثه السابق ولفظه عند ابن ماجه

ص: 151

من طريق أحمد بن عمرو بن السرح قال حدثنا عبد الله بن وهب أنبأنا يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن عمار بن ياسر حين تيمموا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأمر المسلمين فضربوا بأكفهم التراب ولم يقبضوا من التراب شيئا فمسحوا وجوههم مسحة واحدة ثم عادوا فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى فمسحوا بأيديهم

(قوله قال ابن الليث الخ) أى قال عبد الملك بن شعيب بن الليث في روايته فمسحوا بأيديهم إلى ما قوق المرفقين فروايته تدل على أن المرفقين داخلان في التيمم كما في الوضوء خلافا لزفر

(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه ابن ماجه.

(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيُّ فِي آخَرِينَ قَالُوا: نَا يَعْقُوبُ، نَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ عَرَّسَ بِأُولَاتِ الْجَيْشِ وَمَعَهُ عَائِشَةُ فَانْقَطَعَ عِقْدٌ لَهَا مِنْ جَزْعِ ظَفَارٍ، فَحَبَسَ النَّاسَ ابْتِغَاءَ عِقْدِهَا ذَلِكَ حَتَّى أَضَاءَ الْفَجْرُ، وَلَيْسَ مَعَ النَّاسِ مَاءٌ فَتَغَيَّظَ عَلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: حَبَسْتِ النَّاسَ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذكره عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ رُخْصَةَ التَّطَهُّرِ بِالصَّعِيدِ الطَّيِّبِ، فَقَامَ الْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضَرَبُوا بِأَيْدِيهِمْ إِلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ رَفَعُوا أَيْدِيَهُمْ، وَلَمْ يَقْبِضُوا مِنَ التُّرَابِ شَيْئًا، فَمَسَحُوا بِهَا وُجُوهَهُمْ وَأَيْدِيَهُمْ إِلَى الْمَنَاكِبِ، وَمِنْ بِطُونِ أَيْدِيهِمْ إِلَى الْآبَاطِ " زَادَ ابْنُ يَحْيَى فِي حَدِيثِهِ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فِي حَدِيثِهِ: «وَلَا يَعْتَبِرُ بِهَذَا النَّاسُ» .

(ش)(رجال الحديث)

(قوله النيسابورى) نسبة إلى نيسابور بفتح أوله وسكون المثناة التحتية مدينة عظيمة من بلاد فارس

(قوله في آخرين) أى حدثنا حال كوننا ضمن جماعة آخرين

(قوله يعقوب) بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم أبو يوسف القرشى الزهرى المدني سكن بغداد. روى عن ابنه وعبد الملك بن الربيع وشريك وشعبة والليث بن سعد وغيرهم. وعنه

ص: 152

أحمد بن حنبل وابن معين ومحمد بن حاتم وابن المدينى وأبو خيثمة وآخرون. قال ابن سعد كان ثقة مأمونا ووثقه ابن معين والعجلى وقال أبو حاتم صدوق وذكره ابن حبان في الثقات توفي سنة ثمان ومائتين

(قوله صالح) بن كيسان المدني أبو محمد ويقال أبو الحارث الغفارى روى عن سليمان بن أبى خيثمة وإسماعيل بن محمد وعروة بن الزبير وسالم بن عبد الله بن عمر والزهرى وغيرهم. وعنه ابن جريج ومعمر وعمرو بن دينار ومالك بن أنس وابن عجلان وابن عيينة وآخرون. قال ابن معين وابن خراش والنسائى والعجلى ثقة وقال مصعب الزبيرى كان جامعا للحديث والفقه والمروءة وسئل عنه أحمد فقال بخ بخ وقال ابن معين ليس في أصحاب الزهرى أثبت من مالك ثم صالح بن كيسان وقال يعقوب صالح ثقة وقال أبو حاتم صالح ثقة يعدّ في التابعين وقال ابن حبان في الثقات كان من فقهاء المدينة والجامعين للحديث والفقه من ذوى الهيئة والمروءة وقال الخليلى كان حافظا إماما وقال ابن عبد البر كان كثير الحديث ثقة حجة فما حمل. روى له الجماعة

(معنى الحديث)

(قوله عرّس) بتشديد الراء من التعريس وهو النزول آخر الليل للنوم والاستراحة

(قوله بأولات الجيش) وفي رواية البخارى والبيهقى بالبيداء أو بذات الجيش بفتح الجيم وسكون المثناة التحتية موضع على بريد من جنوب المدينة وهو أحمد مراحل النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى بدر وأحد منصرفه من غزوة بنى المصطلق

(قوله من جزع ظفار) بالإضافة والجزع بفتح الجيم وكسرها وسكون الزاى خرز يمانيّ ملوّن وظفار بفتح الظاء المعجمة مبنية على الكسر كحذام وقطام وهى مدينة باليمن لحمير. ورواه بعضهم من جزع أظفار وأراد القطر المعروف كأنه يؤخذ ويثقب ويجعل في العقد والقلادة والصحيح في الرواية من جزع ظفار

(قوله فحبس الناس ابتغاء عقدها) أى منع النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأصحابه من السير طلب عقدها وابتغاء مرفوع على الفاعلية والناس منصوب على المفعولية

(قوله وليس مع الناس ماء) وفي رواية البخارى وليسوا على ماء وليس معهم ماء أى للوضوء أما ما يحتاجون إليه للشرب فيحتمل أن يكون معهم وأن لا يكون ولا محذور فيه لأن المدينة كانت قريبة منهم فلا دليل فيه على جواز الإقامة بالمكان الذى لا ماء فيه ولا سلوك الطريق الذى لا ماء فيه

(قوله فتغيظ عليها الخ) أى غضب على عائشة أبوها غضبا شديدا لما شكى إليه الناس ما كان بسبها من حبس الناس على غير ماء فجاء كما في رواية الشيخين والنبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم واضع رأسه على فخذها قد نام وقال حبست رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم والناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء فقالت عائشة فعاتبنى أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول وجعل يطعننى بيده في خاصرتي فلا يمنعنى من التحرّك إلا مكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على فخذى

(قوله فقام

ص: 153

المسلمون مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم) المراد أنهم قاموا للتيمم وقد كانوا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كما في الرواية المتقدمة وليس المراد أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قام معهم ولعل مثل ما فعلوا

(قوله وأيديهم الخ) أى ومسحوا أيديهم مبتدئين من ظهورها إلى المناكب ثم من بطونها إلى الآباط

(قوله زاد ابن يحيى الخ) أى زاد محمد بن يحيى في حديثه قال ابن شهاب ولا يعتمر بهذا الناس أى لا يعتدّ الناس بالمسح إلى المناكب والآباط فجملة قال ابن شهاب معمول لزاد وقد تقدم أن ابن شهاب الزهرى يرى وجوب المسح إلى الآباط عملا بحديث عمار وتقدم جواب الجمهور عنه. ويحتمل أن المراد لا يعتبر الناس الاكتفاء في التيمم بضربة واحدة. وتقدّم بيان ذلك في الحديث السابق

(فقه الحديث) دلّ الحديث على مشروعية سفر الزوج مع زوجها، وعلى مشروعية البحث عن المال الضائع، وعلى جواز زجر الأب ابنته إذا صدر منها تفريط فيما يطلب منها حفظه ويلحق بذلك تأديب المرء من له تأديبه وإن لم يأذن له الإمام، وعلى مشروعية التعاون على تحصيل بعض المصالح، وعلى مشروعية التيمم في السفر وهو مجمع عليه

(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البيهقي والبخارى ومسلم عن عائشة وليس فيه كيفية التيمم وأخرجه الطحاوى في شرح معاني الآثار عن عمار بن ياسر قال كنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في سفر فهلك عقد لعائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا فطلبوه حتى أصبحوا وليس مع القوم ماء فنزلت الرخصة في التيمم بالصعيد وقام المسلمون فضربوا بأيديهم إلى الأرض فمسحوا بها وجوههم وظاهر أيديهم إلى المناكب وباطنها إلى الآباط

(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ فِيهِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «وَذَكَرَ ضَرْبَتَيْنِ» . كَمَا ذَكَرَهُ يُونُسُ.

(ش) أى روى الحديث محمد بن إسحاق متصلا بذكر ابن عباس بين عمار وبين عبيد الله كما رواه صالح بن كيسان وذكر أنهم ضربوا ضربتين كما ذكر يونس بن يزيد عن ابن شهاب في حديث عمار الأول وقد أخرج البزار حديث ابن إسحاق عن الزهرى عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس عن عمار قال كنت في القوم حين نزلت الرخصة في المسح بالتراب إذا لم نجد الماء فأمرنا فضربنا واحدة للوجه ثم ضربة أخرى لليدين إلى المرفقين. ورواه الطحاوى بهذا السند عن عمار قال كنت مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حين نزلت آية التيمم فضربنا ضربة واحدة للوجه ثم ضربنا ضربة لليدين إلى المنكبين ظهرا وبطنا

ص: 154

(ص) وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ «ضَرْبَتَيْنِ» .

(ش) أى روى هذا الحديث معمر بن راشد عن الزهرى بذكر الضربتين لكنه منقطع كما رواه يونس. ولم نقف على من أخرج رواية معمر غير أن البيهقى قال بعد أن ذكر حديث ابن أبى ذئب وكذلك رواه معمر بن راشد ويونس بن يزيد الأيلى والليث بن سعد وابن أخى الزهرى وجعفر بن برقان عن الزهرى عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عمار وحفظ فيه معمر ويونس ضربتين كما حفظهما ابن أبى ذئب

(ص) وَقَالَ مَالِكٌ: عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمَّارٍ.

(ش) أى روى مالك الحديث عن الزهرى متصلا وذكر بين عبيد الله وعمار والد عبيد الله عبد الله بن عتبة ولم يذكر الضربتين. ورواية مالك أخرجها الطحاوى والبيهقى من طريق جويرية بهذا السند إلى عمار قال تمسحنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالتراب فمسحنا وجوهنا وأيدينا إلى المناكب

(ص) وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو أُوَيْسٍ:

(ش) أى روى الحديث أبو أويس متصلا ولم يذكر الضربتين كما رواه مالك. و (أبو أويس) هو عبد الله بن أويس بن مالك بن أبى عامر الأصبحى المدني، روى عن الزهرى وعبد الله بن دينار ويحيى بن سعيد الأنصارى وهشام بن عروة وطائفة، وعنه يعقوب بن إبراهيم بن سعد ومعلى بن منصور ويونس بن محمد وعبد الله بن مسلمة القعنبي وجماعة. قال أحمد ليس به بأس وقال ابن معين صالح ليس بقوى وقال ابن المديني كان عند أصحابنا ضعيفا وقال عمرو بن على فيه ضعف وهو عندهم من أهل الصدق وقال يعقوب بن شيبة صدوق صالح الحديث وقال أبو زرعة صالح صدوق وقال أبو حاتم يكتب حديثه ولا يحتج به وقال في التقريب صدوق يهم من السابعة، مات سنة سبع وستين ومائة، روى له مسلم وأبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه

(ص) وَشَكَّ فِيهِ ابْنُ عُيَيْنَةَ وقَالَ: فيه مَرَّةً عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، أَوْ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، اضْطَرَبَ فِيهِ وَقَالَ مَرَّةً: عَنْ أَبِيهِ، وَمَرّةً قَالَ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ اضْطَرَبَ فِيهِ، وَفِي سَمَاعِهِ مِنَ الزُّهْرِيِّ شَكٌّ وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ «الضَّرْبَتَيْنِ» إِلَّا مَنْ سَمَّيْتُ

ص: 155

(ش) أى روى حديث عمار سفيان بن عيينة شاكا في ذكر والد عبيد الله أو ابن عباس في السند فقال فيه مرّة عن عبيد الله عن أبيه أو عن عبيد الله عن ابن عباس وقال مرّة عن أبيه ومرّة قال عن ابن عباس وهذا اضطراب كما ترى. واضطرب ابن عيينة أيضا في سماعه عن الزهرى فمرّة رواه عن عمرو بن دينار عن الزهرى ومرّة رواه عن الزهرى بلا واسطة ولم يذكر الضربتين. وروايته عن عمرو بن دينار ذكرها الطحاوى بسنده إلى عمار قال تيممنا مع النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى المناكب

(قوله ولم يذكر أحد منهم الخ) أى لم يذكر أحد ممن روى حديث عمار عن الزهرى الضربتين إلا من ذكرت أسماؤهم وهم يونس وابن إسحاق ومعمر ومن عداهم كصالح بن كيسان والليث في سعد وعمرو بن دينار ومالك وأبو أويس رووه عن الزهرى ولم يذكروا الضربتين. وأما ذكر المناكب والآباط فقد اتفق الكل في روايتهم عن الزهرى على ذكرهما إلا ابن إسحاق فإنه قال في روايته إلى المرفقين "وما قاله" المصنف من أنه لم يذكر الضربتين سوى من سمى "منقوض" بأن ابن أبى ذئب ذكر في روايته أيضا الضربتين "فقد" أخرج البيهقي من طريق يونس بن حبيب قال حدثنا أبو داود ثنا ابن أبى ذئب عن الزهرى عن عبيد الله عن عمار بن ياسر قال هلك عقد لعائشة من جزع ظفار في سفر من أسفار رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وعائشة مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في ذلك السفر فالتمست عائشة عقدها حتى انتهى الليل فجاء أبو بكر فتغيظ عليها وقال حبست الناس بمكان ليس فيه ماء قال فأنزل الله تعالى آية الصعيد فجاء أبو بكر فقال أنت والله يا بنية ما علمت مباركة قال عبيد الله وكان عمار يحدّث أن الناس طفقوا يومئذ يمسحون بأكفهم الأرض فيمسحون وجوههم ثم يعودون فيضربون ضربة أخرى فيمسحون بها أيديهم إلى المناكب والآباط ثم يصلون (وحاصل) ما أشار إليه المصنف في هذا الباب أن حديث عمار ابن ياسر مضطرب سندا ومتنا. أما اضطرابه في السند فإن يونس بن يزيد ومعمر بن راشد روياه عن الزهرى متقطعا بإسقاط الواسطة بين عبيد الله بن عبد الله وبين عمار واضطرب سفيان ابن عيينة فيه فمرّة رواه عن الزهرى نفسه ومرّة رواه عن عمرو بن دينار عن الزهرى عن عبيد الله عن أبيه عن عمار ومرّة قال عن عبيد الله عن ابن عباس ومرّة قال عن عبيد الله عن أبيه أو عن عبيد الله عن ابن عباس وكذا رواه ابن أبى ذئب والليث بن سعد وابن أخي الزهرى وجعفر بن برقان منقطعا كما تقدم عند البيهقى وباقي أصحاب الزهرى رووا الحديث عنه متصلا فصالح بن كيسان ومحمد بن إسحاق روياه عنه عن عبيد الله عن ابن عباس ومالك وأبو أويس روياه عن الزهرى عن عبيد الله بن عبد الله عن أبيه. وأما اضطرابه في المتن فقد ذكر يونس بن يزيد ومعمر بن راشد وابن إسحاق وابن أبى ذئب في رواياتهم الضربتين ولم يذكرها غيرهم

ص: 156

من أصحاب الزهرى وأيضا فقد ذكر كلهم مسح المناكب والآباط ما عدا ابن إسحاق فإنه قال في روايته إلى المرفقين

(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْأَنْبَارِيُّ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبِي مُوسَى، فقَالَ أَبُو مُوسَى: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَجْنَبَ فَلَمْ يَجِدِ الْمَاءَ شَهْرًا أَمَا كَانَ يَتَيَمَّمُ؟ فَقَالَ: لَا، وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ شَهْرًا. فَقَالَ أَبُو مُوسَى: فَكَيْفَ تَصْنَعُونَ بِهَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43] فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَوْ رُخِّصَ لَهُمْ فِي هَذَا لَأَوْشَكُوا إِذَا بَرَدَ عَلَيْهِمُ الْمَاءُ أَنْ يَتَيَمَّمُوا بِالصَّعِيدِ. فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: وَإِنَّمَا كَرِهْتُمْ هَذَا لِهَذَا. قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ فِي حَاجَةٍ فَأَجْنَبْتُ، فَلَمْ أَجِدَ الْمَاءَ فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَتَمَرَّغُ الدَّابَّةُ، ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ:«إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَصْنَعَ هَكَذَا وَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى الْأَرْضِ فَنَفَضَهَا، ثُمَّ ضَرَبَ بِشِمَالِهِ عَلَى يَمِينِهِ وَبِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ عَلَى الْكَفَّيْنِ، ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ» فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: أَفَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِقَوْلِ عَمَّارٍ

(ش)(قوله أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير. و (شقيق) بن سلمة. و (عبد الله) بن مسعود. و (أبو موسى) هو عبد الله بن قيس الأشعرى

(قوله فقال أبو موسى الخ) لعل البحث جرى بينهما فيما يكون له التيمم فكان أبو موسى يقول يكون للحدث الأصغر والأكبر وابن مسعود يقول للحدث الأصغر فقط "فإن قلت" يتأتى قول ابن مسعود هذا لو لم يكن قوله تعالى "أو لامستم النساء" صريحا في عموم الحكم "قلت" لعله لا يحمل الملامسة على الجماع بل على الحدث وأبو عبد الرحمن كنية لابن مسعود

(قوله فقال لا) أى قال ابن مسعود جوابا لأبى موسى لا يتيمم

(قوله في سورة المائدة الخ) إنما خصها بالذكر لكونها أظهر في مشروعية تيمم الجنب من آية النساء

(قوله لأوشكوا إذا برد عليهم الماء الخ) بفتح الموحدة والراء وضمها لغة ووجه الملازمة

ص: 157

بين الرخصة في تيمم الجنب لفقد الماء والتيمم لبرد الماء اشتراكهما في عدم القدرة على استعمال الماء لأن عدمها إما بفقد الماء حقيقة أو حكما لتعذر استعماله (قال الخطابي) في جواب عبد الله دليل على أنه كان يرى أن المراد بالملامسة في قوله تعالى "أو لامستم النساء" الجماع وإلا لقال لأبي موسى المراد من الملامسة التقاء البشرتين بغير الجماع. وجعل التيمم بدلا عن الوضوء لا يستلزم جعله بدلا من الغسل اهـ وردّ بأن عبد الله لم يرد ذلك وإلا كان مخالفا للآية مخالفة صريحة وهي لا تصدر من مثله فقها وعلما وفهما وإنما تأول الملامسة في الآية على معنى غير الجماع

(قوله وإنما كرهتم هذا لهذا) أى كرهتم أن تقولوا بتيمم الجنب الفاقد للماء لأجل دفع تيمم الجنب الذى يخاف برد الماء

(قوله فقال له أبو موسى ألم تسمع الخ) هكذا في رواية البخارى من طريق أبي معاوية بذكر أبى موسى قصة عمار بعد احتجاجه بالآية. ورواه من طريق حفص وفيه أن احتجاجه بالآية متأخر عن احتجاجه بحديث عمار ولفظه فقال أبو موسى فكيف تصنع بقول عمار حين قال له النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يكفيك الخ قال ألم تر عمر لم يقنع بذلك فقال أبو موسى فدعنا من قول عمار كيف تصنع بهذه الآية فما درى عبد الله ما يقول فقال إنا لو رخصنا لهم الخ ورواية حفص أرجح لأن فيها زيادة تدلّ على ضبط ذلك وهو قوله فدعنا من قول عمار كيف تصنع بهذه الآية وعلى هذا يحتمل أن عبد الله بن مسعود قبل هذا الاستدلال لكنه اكتفى ببيان مذهبه (وحاصله) أنه لا يقول بعدم جواز التيمم للجنب مطلقا بل هو مسلم عنده أيضا وهذا الذى قلته من عدم الجواز كان دفعا للمفسدة لئلا يتسارع الناس في ذلك إذا برد عليهم الماء أو عرض لهم عذر يسير فلو رخص لهم في ذلك لاستبقوا إلى التيمم فلأجل ذلك قال هذا القول احتياطا وسدًّا للباب

(قوله فتمرّغت في الصعيد) أى تقلبت في التراب ظنا بأن التيمم للجنابة يلزم فيه تعميم البدن بالتراب كما يلزم تعميمه في الغسل بالماء

(قوله فنفضها) أى نفضا خفيفا تخفيفا للغبار فلا دليل فيه لمن قال يجوز التميمم بما لا غبار عليه

(قوله ثم مسح وجهه) فيه دلالة على أن الترتيب غير شرط في التيمم وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ومالك وكذا أحمد في التيمم من الحدث الأكبر دون الحدث الأصغر فإنه شرط فيه عنده خلافا للشافعى. واستشكل الكرماني هذه الكيفية المذكورة في حديث الباب من أربعة أوجه (الأول) الاكتفاء بالضربة الواحدة وقد ثبت في الطرق الأخرى ضربتان. لكن لا إشكال لأنه يحمل ما هنا على ما يكفى في الواجب وما ورد من الزيادة على الكمال (الثاني) أن الكف إذا استعمل ترابه في اليد كيف يمسح به الوجه وقد صار مستعملا. ويجاب عنه بأن التراب لا يأخذ حكم الاستعمال بخلاف الماء (الثالث) أنه لم يمسح الذراعين. ولا إشكال في ذلك فقد قالوا مسح الكفين أصح في الرواية ومسح الذراعين أشبه بالأصول (الرابع) عدم مراعاة الترتيب بتقديم اليدين على الوجه. ولا إشكال فيه أيضا

ص: 158

فقد قال بذلك بعض العلماء كما علمت وهو حجة على المخالف

(قوله أفلم تر عمر الخ) إنما لم يقنع عمر بقول عمار لكونه أخبره أنه كان معه في تلك الحال وحضر معه القصه كما في الحديث الآتي ولم يتذكر ذلك عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فجوّز على عمار الوهم كما جوّز على نفسه النسيان ولذا قال له يا عمار اتق الله إلى آخر ما سيأتى فتبع ابن مسعود عمر في ذلك. ولعل من ترك الأخذ بظاهر حديث عمار تبع ابن مسعود بناء على تجويز الوهم على عمار لا على التكذيب

(فقه الحديث) دلّ الحديث على مشروعية نفض اليدين عند التيمم. وعلى جواز الاقتصار على ضربة واحدة. وعلى مشروعية مسح الوجه والكفين في التيمم. ويؤخذ من هذه القصة أن رأى عمر وعبد الله بن مسعود انتقاض الطهارة بملامسة البشرتين وأن الجنب لا يتيمم لقوله تعالى "وإن كنتم جنبا فاطهروا"

(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البخارى ومسلم والنسائى والبيهقى والدارقطني بألفاظ متقاربة

(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الْعَبْدِيُّ، نَا سُفْيَانُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عُمَرَ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّا نَكُونُ بِالْمَكَانِ الشَّهْرَ وَالشَّهْرَيْنِ فَقَالَ عُمَرُ: أَمَّا أَنَا فَلَمْ أَكُنْ أُصَلِّي حَتَّى أَجِدَ الْمَاءَ. قَالَ: فَقَالَ عَمَّارٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَمَا تَذْكُرُ إِذْ كُنْتُ أَنَا وَأَنْتَ فِي الْإِبِلِ، فَأَصَابَتْنَا جَنَابَةٌ، فَأَمَّا أَنَا، فَتَمَعَّكْتُ، فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ:«إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ هَكَذَا، وَضَرَبَ بِيَدَيْهِ إِلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ نَفَخَهُمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى نِصْفِ الذِّرَاعِ» فَقَالَ عُمَرُ: يَا عَمَّارُ اتَّقِ اللَّهَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْ شِئْتَ وَاللَّهِ لَمْ أَذْكُرْهُ أَبَدًا، فَقَالَ عُمَرُ: كَلَّا وَاللَّهِ لَنُوَلِّيَنَّكَ مِنْ ذَلِكَ مَا تَوَلَّيْتَ

(ش)(رجال الحديث)

(قوله سفيان) الثورى

(قوله سلمة بن كهيل) بن حصين ابن ممازح بن أسد الكوفي أبو يحيى الحضرمى، روى عن جندب بن عبد الله وابن أبى أوفي وأبى الطفيل وعطاء بن أبى رباح وآخرين. وعنه الأعمش والثورى ومسعر وشعبة وغيرهم قال أحمد متقن للحديث ووثقه ابن معين وأبو حاتم وقال أبو زرعة ثقة مأمون وقال العجلى تابعى ثقة ثبت في الحديث وكان فيه تشيع قليل وقال ابن سعد كان ثقة كثير الحديث وقال النسائى

ص: 159

ثقة ثبت وقال ابن مهدى لم يكن بالكوفة أثبت من أربعة لا يختلف في حديثهم فمن اختلف عليهم فهو مخطئ وذكره منهم. ولد سنة سبع وأربعين. ومات سنة إحدى أو اثنتين وعشرين ومائة روى له الجماعة

(قوله عن أبى مالك) هو غزوان الغفارى الكوفي. روى عن عمار بن ياسر وابن عباس والبراء بن عازب وعبد الرحمن بن أبزى. وعنه السدى وسلمة بن كهيل وحصين ابن عبد الرحمن. قال ابن معين ثقة وذكره ابن حبان في الثقات. روى له أبو داود والترمذى والنسائى والبخارى في التاريخ. وليس هو حبيب بن صهبان خلافا لمن زعم ذلك لأنه لم يرو له أبو داود كما يؤخذ من تهذيب التهذيب

(قوله عبد الرحمن بن أبزى) بفتح الهمزة وسكون الموحدة الخزاعي مولى نافع بن الحارث. روى له عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اثنا عشر حديثا. روى عن أبى بكر وعمر وعلى وأبيّ بن كعب وعمار بن ياسر وغيرهم وعنه ابناه سعيد وعبد الله وأبو مالك والشعبى وأبو إسحاق السبيعى. ذكره ابن حبان في ثقات التابعين وذكره غير واحد في الصحابة وقال أبو حاتم أدرك النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وصلى خلفه وممن جزم بأن له صحبة البخارى والترمذى ويعقوب بن سفيان والدارقطني. روى له الجماعة إلا الترمذى

(قوله فجاءه رجل) من أهل البادية كما في رواية الطبراني ولم يوقف علي اسمه

(معنى الحديث)

(قوله الشهر والشهرين) وفي بعض النسخ الشهر أو الشهرين. وأو بمعنى الواو لما في رواية النسائى فقال يا أمير المؤمنين ربما نمكث الشهر والشهرين فتصيبنا الجنابة ولا ماء ثمة أفنتيمم

(قوله فقال عمر أما أنا الخ) جواب ضمنيّ فكأنه قال لا تصل حتى نجد الماء وقد صرّح به في رواية مسلم فبين عمر أن رأيه تأخير الصلاة لا جواز التيمم للجنابة وقوله أما تذكر إذ كنت أنا وأنت في الإبل أى في مكان نرعاها فيه كما في رواية النسائى. وفي رواية مسلم أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية فأجنبنا فلم نجد ماء الخ

(قوله فتمعكت) أى تمرغت وتقلبت في التراب وهو يدلّ على أنه كان عنده علم بأصل التيمم ثم لما أخبر النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بما فعله علمه صفة التيمم وأنه للجنابة والحدث سواء

(قوله يكفيك أن تقول هكذا) أى تفعل هكذا ففيه استعمال القول في الفعل

(قوله وضرب بيديه إلى الأرض) بيان لقوله هكذا. وعلمه بالفعل لأنه أوقع في النفس من التعليم القولى. وفي رواية للبخارى وضرب بكفيه الأرض. وفي أخرى له وكذا للبيهقي والنسائى فضرب النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم

(قوله ثم نفخهما) وفي رواية للبخارى ثم أدناهما من فيه وهو كناية عن النفخ وفيها إشارة إلى أنه كان نفخا خفيفا

(قوله ثم مسح بهما وجهه ويديه) وفي نسخة ثم مسّ إلخ وظاهره الاكتفاء بضربة واحدة للوجه واليدين وبه قال جماعة كما تقدّم. وأجاب من قال بلزوم الضربتين بأن هذا الحديث والذى قبله لبيان كيفية المسح للتعليم لا لبيان جميع ما يحصل به التيمم قالوا قد أوجب الله

ص: 160

تعالى غسل اليدين إلى المرفقين في الوضوء بقوله "فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق" وأوجب المسح في التيمم بقوله تعالى "فامسحوا بوجوهكم وأيديكم" والظاهر أن اليد المطلقة هنا هى المقيدة بالمرفقين في الوضوء في أول الآية فلا يترك هذا الظاهر إلا بصريح اهـ لكن قد علمت أن الضربة الواحدة أقلّ ما يجزئُ في التيمم وما زاد فهو أكمل وأحوط

(قوله إلى نصف الذراع) فيه حجة لمن قال إن التيمم إلى الكوعين "وأجيب" عنه بأن هذا بيان صورة الضرب للتعليم وليس فيه جميع ما يحصل به التيمم (قال) الحافظ في الفتح فيه دليل على أن الواجب في التيمم هي الصفة المشروحة في هذا الحديث والزيادة على ذلك لو ثبتت بالأمر دلت على النسخ ولزم قبولها لكن إنما وردت بالفعل فتحمل على الأكمل وهذا هو الأظهر في الدليل اهـ

(قوله اتق الله) أى خف الله فيما ترويه وتثبت فلعلك نسيت أو اشتبه عليك الأمر

(قوله إن شئت الخ) أى إن رأيت المصلحة في إمساكي عن التحديث به راجحة على مصلحة تحديثى أمسكت فإن طاعتك واجبة عليّ في غير معصية كأنه رأى أن أصل تبليغ هذه السنة قد حصل فإذا أمسك بعد هذا لا يكون داخلا فيمن كتم العلم. وزيادة التبليغ غير واجبة عليه

(قوله كلا) هي في الأصل للردع والزجر والتنبيه على الخطأ وقد تأتى بمعنى حقا ومنه قوله تعالى "كلا إن الإنسان ليطغى" وهى هنا بمعنى النفى أى لا تمسك عن تحديثك به وليس لى أن أمنعك منه إذ لا يلزم من عدم تذكرى له أن لا يكون حقا في الواقع (وفى قصة) عمار رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ جواز الاجتهاد في زمن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فإن عمارا اجتهد في صفة التيمم (وقد اختلف) الأصوليون فيه على أقوال "أصحها" يجوز الاجتهاد بحضرته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وغير حضرته "وقيل" لا يجوز مطلقا "وقيل" يجوز في غير حضرته ولا يجوز في حضرته

(قوله لنولينك من ذلك الخ) أى لنكل إليك ما قلته من أمر التيمم للجنب وما وليته نفسك ورضيت لها به كأنه لم يجزم بخطئه ولم يتذكر القصة فجوّز على نفسه النسيان وعلى عمار الوهم

(فقه الحديث) الحديث يدلّ على أنه يطلب من المعلم أن يسلك في تعليمه أوضح الطرق، وعلى أن الضربة الواحدة تكفى في مسح الوجه واليدين في التيمم، وعلى مشروعية نفخ اليدين بعد وضعهما على الأرض، وعلى عدم استحباب تكرار المسح في التيمم لأن التكرار ينافي التخفيف المأخوذ من النفخ، وعلى جواز الاقتصار في التيمم على مسح اليدين إلى الكوعين. وعلى وقوع اجتهاد الصحابة في زمن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، وعلى أن المجتهد لا لوم عليه إذا بذل وسعه وإن لم يصب الحق وأنه إذا عمل بالاجتهاد لا تجب عليه الإعادة، وعلى أن فاقد الطهور لا يصلي ولا قضاء عليه فإنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم يأمر عمر بقضاء الصلاة

(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجه

ص: 161

والدارقطني والبيهقي والطحاوى في شرح معاني الآثار مختصرا ومطوّلا

(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، نَا حَفْصٌ، نَا الْأَعْمَشُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنِ ابْنِ أَبْزَى، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ:«يَا عَمَّارُ إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ، ثُمَّ ضَرَبَ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ وَالذِّرَاعَيْنِ إِلَى نِصْفِ السَّاعِدِ، وَلَمْ يَبْلُغِ الْمِرْفَقَيْنِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً»

(ش)(قوله حفص) بن غياث

(قوله ثم مسح وجهه وذراعيه الخ) وفي نسخة ثم مسح وجهه والذراعين. والذراع اليد من كل حيوان لكنها من الإنسان من المرفق إلى أطراف الأصابع. والساعد ما بين المرفق والكفّ وهو مذكر وسمى ساعدا لأنه يساعد الكفّ في بطشها وعملها (وفي هذا) دلالة على مشروعية التيمم، وعلى أنه لا يشترط الاستيعاب فيه، وعلى أنه تكفي فيه ضربة واحدة. وهذه الرواية أخرجها الطحاوى في شرح معاني الآثار من طريق عيسى بن يونس عن الأعمش عن سلمة بن كهيل عن سعيد بن عبد الرحمن ابن أبزى عن أبيه عن عمار أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال له إنما كان يكفيك هكذا وضرب الأعمش بيديه الأرض ثم نفخهما ومسح بهما وجهه وكفيه. وفي رواية أخرى فمسح بهما وجهه ويديه إلى أنصاف الذراع. ونحوه في الدارقطني

(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ وَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، وَرَوَاهُ جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى يَعْنِي، عَنْ أَبِيهِ.

(ش) غرض المصنف بذكر رواية وكيع بن الجرّاح وجرير بن عبد الحميد بيان أنهما تابعا حفص ابن غياث في الرواية عن الأعمش وأن أصحاب الأعمش اختلفوا عليه في الرواية عنه فقال حفص عنه عن سلمة عن ابن أبزى عن عمار فلم يدخل بين سلمة وبين ابن أبزى أحدا ولم يسمّ ابن أبن أبزى وأما وكيع فروى عنه عن سلمة عن عبد الرحمن بن أبزى فوافق حفصا في ترك الواسطة لكن سمى ابن أبزى. وأما جرير فروى عنه عن سلمة عن سعيد بن عبد الرحمن بزيادة سعيد بين سلمة وبين ابن أبن أبزى وتقدم أن أبا مالك كان هو الواسطة في حديث الثورى بين سلمة وابن أبزى

ص: 162

(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا مُحَمَّدٌ يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ، نَا شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ، عَنْ ذَرٍّ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمَّارٍ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ، فَقَالَ:«إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ وَضَرَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ بِيَدِهِ إِلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ نَفَخَ فِيهَا، وَمَسَحَ بِهَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ» شَكَّ سَلَمَةُ وَقَالَ: «لَا أَدْرِي فِيهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، يَعْنِي أَوْ إِلَى الْكَفَّيْنِ»

(ش)(رجال الحديث)

(قوله عن ذرّ) بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء هو ابن عبد الله ابن زرارة الهمدانى أبو عمر الكوفي. روى عن سعيد بن جبير وسعيد بن عبد الرحمن بن أبزى وعبد الله بن شدّاد وغيرهم. وعنه ابنه عمر والأعمش والحكم بن عتيبة وسلمة بن كهيل وحبيب ابن أبى ثابت وآخرون. قال أحمد بن حنبل ما بحديثه بأس وقال ابن معين وابن خراش وابن نمير والنسائى ثقة وقال أبو داود كان مرجئا وهجره إبراهيم النخعى وسعيد بن جبير للإرجاء وقال البخارى والساجى وأبو حاتم صدوق في الحديث. روى له الجماعة

(قوله ابن عبد الرحمن بن أبزى) هو سعيد بن عبد الرحمن الخزاعي مولاهم الكوفي. روى عن ابن عباس وواثلة ابن الأسقع. وعنه طلحة بن مصرّف وقتادة وعطاء بن السائب وغيرهم. وثقه النسائى وقال أحمد حسن الحديث وذكره ابن حبان في الثقات. روى له الجماعة

(معنى الحديث)

(قوله بهذه القصة الخ) أى حدّث محمد بن بشار بقصة تعليم النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عمارا كيفية التيمم المبينة بقوله إنما كان يكفيك الخ

(قوله شك سلمة قال لا أدرى الخ) أى لا أعلم أقال ذرّ في روايته إلى المرفقين أى ومسح بهما إلى المرفقين ولم يحفظ شعبة لفظ سلمة الذى قاله مقابلا لقوله إلى المرفقين لكن حفظ معناه قال يعنى إلى الكفين أى يقصد سلمة بالمقابل لقوله إلى المرفقين أو إلى الكفين. وهذه الرواية أخرجها البيهقى والطحاوى

(ص) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلِيُّ، نَا حَجَّاجٌ يَعْنِي الْأَعْوَرَ، حَدَّثَنِي شُعْبَةُ بِإِسْنَادِهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ:«ثُمَّ نَفَخَ فِيهَا وَمَسَحَ بِهَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ» - أَوْ إِلَى الذِّرَاعَيْنِ - قَالَ شُعْبَةُ: كَانَ سَلَمَةُ يَقُولُ: الْكَفَّيْنِ وَالْوَجْهَ وَالذِّرَاعَيْنِ، فَقَالَ لَهُ مَنْصُورٌ ذَاتَ يَوْمٍ: انْظُرْ

ص: 163

مَا تَقُولَ فَإِنَّهُ لَا يَذْكُرُ الذِّرَاعَيْنِ غَيْرُكَ.

(ش) لعل غرض المصنف بذكر هذه الرواية بيان أن ما فهمه شعبة أن أحد طرفي الشك الصادر من سلمة قوله أو إلى الكفين غير مسلم لأنه لا يتفق مع ما قبله من قوله ثم نفخ فيها ومسح بها وجهه وكفيه فإنه لا معنى لقوله إلى الكفين بعده حتى يقع الشك في لفظ إلى المرفقين أو إلى الكفين بل الصواب ما صرّح به في هذه الرواية من أن سلمة إنما شك بين لفظ إلى المرفقين أو إلى الذراعين

(رجال الحديث)

(قوله على بن سهل) بن قادم أبو الحسن نسائى الأصل ونزيل الرملة روى عن الوليد بن مسلم ومروان بن معاوية وضمرة بن ربيعة وآخرين. وعنه أبو داود وابن خزيمة وأبو زرعة وأبو حاتم وقال صدوق ووثقه النسائى وقال الحاكم كان محدّث أهل الرملة وحافظهم وذكره ابن حبان في الثقات. و (الرملى) بفتح الراء وسكون الميم نسبة إلى الرملة قرية من فلسطين

(قوله بإسناده) أى بإسناد شعبة السابق وهو سلمة عن ذرّ عن ابن عبد الرحمن ابن أبزى عن أبيه عن عمار

(قوله كان سلمة يقول الخ) أى كان سلمة بن كهيل يقول في بعض رواياته فمسح باليد الكفين والوجه والذراعين فقال له منصور بن المعتمر تثبت مما تقول من ذكر الذراعين فإنه لم يذكرهما من تلاميذ ذرّ بن عبد الله غيرك. وغرض المصنف بهذا بيان أن زيادة المسح على الذراعين تفرّد بها سلمة بن كهيل فهى ضعيفة. وردّ بأنها زيادة من ثقة فهى مقبولة ولا سيما وقد ذكرت في روايات أخر. وهذه الرواية أخرجها البيهقى

(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، حَدَّثَنِي الْحَكَمُ، عَنْ ذَرٍّ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمَّارٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: فَقَالَ يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ إِلَى الْأَرْضِ، وَتَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ» ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ

(ش) غرض المصنف بذكر هذه الرواية وما قبلها بيان أن ذرّ بن عبد الله اختلف عليه فذكر سلمة بن كهيل في روايته عنه غاية المسح فقال ومسح بها وجهه وكفيه إلى المرفقين أو إلى الذراعين ولم يذكر الحكم في روايته عنه غاية المسح. وهذا لا يقدح في صحة الحديث لأن ذكر الغاية زيادة من الثقة وهي مقبولة ولا تنافى بينهما فإن المسح على المرفقين يشمل مسح الكفين (قال) البيهقى هذا الاختلاف في متن حديث ابن أبزى عن عمار إنما وقع أكثره من

ص: 164

سلمة بن كهيل لشك وقع له. والحكم بن عتيبة فقيه حافظ قد رواه عن ذرّ بن عبد الله عن سعيد ابن عبد الرحمن ثم سمعه من سعيد بن عبد الرحمن فساق الحديث على الإثبات من غير شك فيه اهـ

(قوله يحيى) بن سعيد القطان. و (شعبة) بن الحجاج، و (الحكم) بن عتيبة

(قوله وساق الحديث) أى ذكر عمار الحديث. وهذه الرواية تدلّ على أن التيمم ضربة واحدة، وعلى أن المسح إلى الكوعين. وقد أخرج الدارقطني هذه الرواية عن عمار عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال إنما يكفيك وضرب صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بيده الأرض ثم نفخ فيها ومسح بها وجهه وكفيه. وأخرجها الطحاوى بلفظ إنما كان يكفيك هكذا وضرب شعبة بكفيه إلى الأرض وأدناهما من فيه فنفخ فيهما ثم مسح وجهه وكفيه. وأخرجها البيهقي عن ذرّ عن ابن لعبد الرحمن بن أبزى عن عبد الرحمن قال الحكم ثم سمعته من ابن عبد الرحمن ابن أبزى بخراسان قال جاء رجل إلى عمر فقال إنه أجنب فلم يجد الماء فقال له عمار أما تذكر أنا كنا في سرية على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأجنبت أنا وأنت فأما أنت فلم تصلّ وأما أنا فتمعكت في التراب ثم صليت فأتيت النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فذكرت ذلك له فقال إنما كان يكفيك هكذا ثم ضرب بيديه إلى الأرض ثم نفخ فيهما ومسح وجهه وكفيه لم يجاوز الكوع. وأخرجها مسلم عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه أن رجلا أتى عمر فقال إنى أجنبت فلم أجد ماء فقال لا تصلّ فقال عمار أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية فأجنبنا فلم نجد ماء فأما أنت فلم تصلّ وأما أنا فتمعكت في التراب وصليت فقال النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ثم تنفخ ثم تمسح بهما وجهك وكفيك فقال عمر اتق الله يا عمار قال إن شئت لم أحدّث به

(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ شُعْبَةُ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَمَّارًا يَخْطُبُ بِمِثْلِهِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: «لَمْ يَنْفُخْ» .

(ش) أَى روى حديث عمار شعبة بن الحجاج بن الورد عن حصين بن عبد الرحمن عن أبى مالك غزوان الغفارى قال سمعت عمارا يخطب بمثل ما تقدّم في حديثه من مسح الوجه والكفين إلا أنه صرّح في هذه الرواية بعدم النفخ. وقد روى الدارقطنى حديث حصين موقوفا بلفظ قال حصين سمعت أبا مالك يقول سمعت عمار بن ياسر يخطب بالكوفة وذكر التيمم فضرب بيده الأرض فمسح وجهه ويديه. ورواه أيضا من طريق إبراهيم بن طهمان عن حصين عن أبى مالك عن عمار ابن ياسر بلفظ إنه أجنب في سفر له فتمعك في التراب ظهرا لبطن فلما أتى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أخبره فقال يا عمار إنما كان يكفيك أن تضرب بكفيك التراب ثم تنفخ فيهما

ص: 165

ثم تمسح بهما وجهك وكفيك إلى الرسغين قال الدارقطنى لم يروه عن حصين مرفوعا غير إبراهيم بن طهمان ووقفه شعبة وزائدة وغيرهما اهـ وأبو مالك في سماعه من عمار نظر فإن سلمة ابن كهيل قال فيه عن أبى مالك عن ابن أبزى عن عمار

(ص) وَذَكَرَ حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ:«فضَرَبَ بِكَفَّيْهِ الْأَرْضَ وَنَفَخَ»

(ش) أى ذكر حسين بن محمد عن شعبة بن الحجاج عن الحكم بن عتيبة في حديث عمار قوله فضرب بكفيه الأرض ونفخ. وغرض المصنف بذكر هذه الرواية وما قبلها بيان أن بعض الرواة لم يتعرّض لذكر النفخ ونفيه كما في أكثر الروايات السابقة وأن شعبة صرّح في روايته عن حصين بأن عمارا قال لم ينفخ وأن حسينا صرّح في روايته عن شعبة عن الحكم بذكر النفخ و (حسين بن محمد) هو ابن بهرام بكسر أوله وفتحه التيمى أبو محمد أو أبو على المؤذن. روى عن إسرائيل وجرير بن حازم ومحمد بن مطرّف وابن أبى ذئب وشريك النخعى وآخرين. وعنه أحمد وابن منيع وأبو خيثمة وابن مهدى وكثيرون. وثقه ابن سعد والعجلى وقال النسائى ليس به بأس وذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن نمير صدوق. مات سنة ثلاث عشرة أو أربع عشرة ومائتين. روى له الجماعة

(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ، نَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَزْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ عَنِ التَّيَمُّمِ «فَأَمَرَنِي ضَرْبَةً وَاحِدَةً لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ» .

(ش)(رجال الحديث)

(قوله محمد بن المنهال) التميمى المجاشعى أبو جعفر ويقال أبو عبد الله البصرى الضرير. روى عن أبى عوانة ويزيد بن زريع وجعفر بن سليمان وأبى داود الطيالسي وغيرهم. وعنه البخارى ومسلم وأبو داود والأثرم وعثمان بن سعيد الدارمى وكثيرون قال أبو حاتم ثقة حافظ كيس وقال العجلى ثقة ولم يكن له كتاب وقال أبو زرعة سألته أن يقرأ علىّ تفسير أبى رجاء فأملى علىّ من حفظه نصفه ثم أتيته يوما آخر بعدكم فأملى علىّ من حيث انتهى فقال خذ فتعجبت من ذلك وقال ابن عدى سمعت أبا يعلى يفخم أمره ويذكر أنه كان أحفظ من بالبصرة في وقته وقال ابن معين ثقة وذكره ابن حبان في الثقات. مات بالبصرة في شعبان سنة إحدى وثلاثين ومائتين. روى له البخارى ستة أحاديث ومسلم ثلاثة عشر

(قوله سعيد) بن

ص: 166

أبى إياس الجريرى

(قوله عزرة) بفتح العين المهملة وسكون الزاى ابن عبد الرحمن بن زرارة الخزاعي الكوفي. روى عن عائشة. قال ابن معين وابن المديني ثقة وذكره ابن حبان في الطبقة الثالثة من الثقات روى له الجماعة إلا البخارى

(معنى الحديث)

(قوله فأمرني ضربة واحدة للوجه والكفين) به احتج من قال بالاكتفاء في التيمم بضربة واحدة للوجه والكفين وأن ما زاد على الكفين لا يلزم مسحه وقد تقدم أن هذا المذهب أقوى المذاهب دليلا (قال) الحافظ في الفتح "قوله باب التيمم للوجه والكفين" أى هو الواجب المجزئُ وأتى بذلك بصيغة الجزم مع شهرة الخلاف فيه لقوّة دليله فإن الأحاديث الواردة في صفة التيمم لم يصح منها سوى حديث أبى جهيم وعمار وما عداهما فضعيف أو مختلف في رفعه ووقفه والراجح عدم رفعه. فأما حديث أبي جهيم فورد بذكر اليدين مجملا، وأما حديث عمار فورد بذكر الكفين في الصحيحين وبذكر المرفقين في السنن وفي رواية إلى نصف الذراع وفي رواية إلى الآباط، فأما رواية المرفقين وكذا نصف الذراع ففيهما مقال، وأما رواية الآباط فقال الشافعى وغيره إن كان ذلك وقع بأمره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بعده فهو ناسخ له وإن كان وقع بغير أمره فالحجة فيما أمر به، ومما يقوّى رواية الصحيحين في الاقتصار على الوجه والكفين كون عمار يفتي بعده صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بذلك وراوى الحديث أعرف بالمراد به من غيره ولا سيما الصحابى المجتهد اهـ (أقول) قد تقدم تصحيح حديث الضربتين وبيان وجه الاحتجاج به وأن القول بلزوم الضربتين ومسح اليدين إلى المرفقين أشبه بالأصول وأصح في القياس (قال) الطحاوى في شرح معانى الآثار لما اختلفوا في التيمم كيف هو واختلفت الروايات فيه رجعنا إلى النظر في ذلك لنستخرج من هذه الأقاويل قولا صحيحا فاعتبرنا ذلك فوجدنا الوضوء على الأعضاء التي ذكرها الله تعالى في كتابه وكان التيمم قد أسقط عن بعضها فأسقط عن الرأس والرجلين فكان التيمم هو على بعض ما عليه الوضوء فبطل بذلك قول من قال إنه إلى المناكب لأنه لما بطل عن الرأس والرجلين وهما مما يوضأ كان أحرى أن لا يجب على ما لا يوضأ. ثم اختلف في الذراعين هل ييممان أم لا فرأينا الوجه يتيمم بالصعيد كما يغسل بالماء ورأينا الرأس والرجلين لا ييمم منهما شيء فكان ما سقط التيمم عن بعضه سقط عن كله وكان ما وجب فيه التيمم كان كالوضوء سواء لأنه جعل بدلا منه فلما ثبت أن بعض ما يغسل من اليدين في حال وجود الماء ييمم في حال عدم الماء ثبت بذلك أن التيمم في اليدين إلى المرفقين قياسا ونظرا على ما بينا من ذلك اهـ

(فقه الحديث) دلّ الحديث على أنه يكفى في التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين. وعلى آن المسح للوجه والكفين لا غير

ص: 167