الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
على أن التعجيل في الظهر أشدّ من التعجيل في العصر لا على استحباب التأخير اهـ
(باب في الصلاة الوسطى)
أى في بيان أن الصلاة الوسطى ما هي. وفي بعض النسخ إسقاط هذه الترجمة. وعليها فتكون مناسبة الحديث للترجمة الأولى أن فيه الأمر بالمحافظة على صلاة العصر والأمر بالمحافظة يقتضى أنها موقتة بوقت. وإثبات الترجمة هو الأولى
(ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ قَالَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ:«حَبَسُونَا عَنْ صَلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ مَلَأَ اللَّهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا»
(ش)(رجال الحديث)
(قوله عبيدة) بفتح العين المهملة وكسر الموحدة ابن عمرو ويقال ابن قيس بن عمرو السلماني المرادى. روى عن على وابن مسعود وابن الزبير. وعنه الشعبى وإبراهيم النخعى وعبد الله بن سلمة وابن سيرين وآخرون. قال ابن عيينة كان يوازى شريحا في العلم والقضاء وقال العجلى تابعى ثقة وقال ابن معين ثقة لا يسأل عن مثله ووثقه ابن حبان توفى سنة اثنتين أو ثلاث وسبعين. روى له الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله قال يوم الخندق) وهو يوم الأحزاب وكان في شوّال في السنة الرابعة من الهجرة على ما اختاره البخارى. وقيل في السنة الخامسة. وسميت بالأحزاب لاجتماع طوائف من مشركي قريش وغطفان واليهود ومن على شاكلتهم. على حرب المسلمين وكانوا ثلاثة آلاف وكان عدد المشركين اثني عشر ألفا. وسميت الغزوة بالخندق لحفره في زمانها حول المدينة بإشارة سلمان الفارسى لأنه من مكايد الفرس دون العرب فأمر النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بحفره (وسبب) هذه الغزوة على ما ذكره أهل السير أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لما أجلى بني النضير جعل حيىّ بن أخطب يسعى بالغوائل وذهب إلى مكة في رجال من قومه ودعوا قريشا إلى حرب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأخبروهم بأنهم أهدى سبيلا منه وفيهم نزل قوله تعالى "ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت" الآية. فلما أجابتهم قريش تقدموا إلى قبائل قيس عيلان فدعوهم إلى مثل ذلك فأجابوهم فسارت تلك القبائل ولما علم بهم النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم شرع
في حفر الخندق بمشورة سلمان الفارسي وقطع لكل عشرة أربعين ذراعا فجهدوا أنفسهم في حفره متنافسين في الثواب لا ينصرف أحد منهم لحاجة إلا بإذن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يكابد معهم "ففى" صحيح البخارى عن البراء "بن عازب" قال كان النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ينقل التراب يوم الخندق حتى أغمر بطنه أو أغبر بطنه يقول
والله لولا الله ما اهتدينا
…
ولا تصدّقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا
…
وثبت الأقدام إن لاقينا
إن الألى قد بغوا علينا
…
إذا أرادوا فتنة أبينا
ويرفع بها صوته أبينا أبينا. ولما رآهم النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يحملون التراب على متونهم وما بهم من النصب والجزع قال:
اللهمّ إن العيش عيش الآخرة
…
فاغفر للأنصار والمهاجرة
فقالوا مجيبين له:
نحن الذين بايعوا محمدا
…
على الجهاد ما بقينا أبدا
وتمام القصة مذكور في كتب أهل السير
(قوله حبسونا الخ) وفي رواية لمسلم شغلونا عن صلاة الوسطى أى منعنا الكفار لاشتغالنا بحفر الخندق عن فعل الصلاة الوسطى ففى الكلام حذف وهذا على رأى البصريين الذين يمنعون إضافة الموصوف إلى الصفة أما على رأى الكوفيين المجيزين لذلك فلا حاجة إلى التقدير. والوسطى تأنيث الأوسط من الوسط بمعنى الخيار لأنه الذى يقبل التفاضل فيبنى منه أفعل التفضيل لا من التوسط لأنه لا يقبل التفاضل. وقوله صلاة العصر بدل من الصلاة الوسطى (وهو حجة) لمن قال إن الصلاة الوسطى هى العصر وبه قال على وابن مسعود وأبو أيوب وابن عمر وابن عباس وأبو سعيد الخدرى وأبو هريرة وعبيدة السلمانى والحسن البصرى وإبراهيم النخعى وقتادة والضحاك والكلبى ومقاتل وأبو حنيفة وأحمد وداود وابن المنذر وكثيرون وقال الترمذى هو قول أكثر العلماء من الصحابه فمن بعدهم اهـ واستدلوا بحديث الباب وبما رواه مسلم من طريق شتير بن شكل عن على شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر وزاد في آخره ثم صلاها بين المغرب والعشاء ولمسلم عن ابن مسعود نحو حديث على وللترمذى والنسائى من طريق زرّ بن حبيش عن علىّ مثله. ولمسلم أيضا من طريق أبى حسان الأعرج عن عبيدة السلمانى عن على قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يوم الأحزاب شغلونا عن الصلاة الوسطى "الحديث" وروى أحمد والترمذى من حديث سمرة رفعه قال صلاة الوسطى صلاة العصر. وروى ابن جرير من حديث أبى هريرة مرفوعا الصلاة الوسطى صلاة العصر. ومن طريق
كهيل بن حرملة سئل أبو هريرة عن الصلاة الوسطى فقال اختلفنا فيها ونحن بفناء بيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وفينا أبو هاشم بن عتبة فقال أنا أعلم لكم فقام فاستأذن على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثم خرج إلينا فقال أخبرنا أنها صلاة العصر. ومن طريق عبد العزيز بن مروان أنه أرسل. إلى رجل فقال أىّ شئ سمعت من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في الصلاة الوسطى فقال أرسلنى أبو بكر وعمر أسأله وأنا غلام صغير فقال هى العصر. ومن حديث أبى مالك الأشعرى رفعه الصلاة الوسطى صلاة العصر. وروى الترمذى وابن حبان من حديث ابن مسعود مثله. وروى ابن جرير من طريق هشام بن عروة عن أبيه قال كان في مصحف عائشة حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر. وروى ابن المنذر من طريق مقسم عن ابن عباس قال شغل الأحزاب النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يوم الخندق عن صلاة العصر حتى غربت الشمس فقال شغلونا عن الصلاة الوسطى. وأخرج أحمد من حديث أم سلمة وأبى أيوب وأبى سعيد وزيد بن ثابت وأبى هريرة وابن عباس من قولهم إنها صلاة العصر (وذهب) عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وابن عباس وابن عمر وجابر وعطاء وعكرمة ومجاهد والربيع بن أنس ومالك والشافعى إلى أنها الصبح واستدلوا بأن الصبح تأتي وقت مشقة البرد في الشتاء وطيب النوم في الصيف وفتور الأعضاء وغفلة الناس. وبورود الأخبار الصحيحة في تأكيد أمرها فخصت بتأكيد الحثّ على المحافظة عليها لكونها معرّضة للضياع بخلاف غيرها. وبما رواه ابن جرير من طريق عوف الأعرابى عن أبى رجاء العطاردى قال صليت خلف ابن عباس الصبح فقنت فيها ورفع يديه ثم قال هذه الصلاة الوسطى التى أمرنا أن نقوم فيها قانتين. وبأنها لا تقصر في السفر. وبأنها بين صلاتي جهر وصلاتي سرّ (أقول) ما ذكروا من الأدلة لا يصلح معارضا لما تقدم من الأحاديث الصحيحة المرفوعة الصريحة في أن المراد بالصلاة الوسطى في الآية صلاة العصر (قال) النووى في شرح المهذب الذى تقتضيه الأحاديث الصحيحة أنها العصر وهو المختار (وقال) صاحب الحاوى نصّ الشافعى رحمه الله تعالى أنها الصبح وصحت الأحاديث أنها العصر ومذهبه اتباع الحديث فصار مذهبه أنها العصر ولا يكون في المسألة قولان كما وهم بعض أصحابنا اهـ وكون الصبح لا تقصر في السفر معارض بأن المغرب كذلك. وكونها بين صلاتي جهر وصلاتي سرّ لا يستلزم أن تكون الآية نازلة فيها وإن اقتضى أنها تسمى وسطى (ونقل) عن زيد بن ثابت وأسامة بن زيد وأبى سعيد الخدرى وعائشة وعبد الله بن شدّاد وهو رواية عن أبى حنيفة أنها الظهر محتجين بأن الظهر متوسطة بين نهاريتين وبأنها في وسط النهار. وبما رواه المصنف والنسائى عن زيد بن ثابت قال كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يصلى الظهر بالهاجرة ولم يكن يصلى صلاة أشدّ على أصحابه
منها فنزلت حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقال إن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين، وبما رواه أحمد والنسائى عن أسامة بن زيد قال إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يصلى الظهر بالهجير ولا يكون وراءه إلا الصفّ والصفان والناس في قائلتهم وتجارتهم فأنزل الله تعالى حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين (وأنت) خبير بأن مجرّد كون صلاة الظهر كانت شديدة على الصحابة لا يستلزم أن تكون الآية نازلة فيها، غاية ما فيه أن المناسب أن تكون الوسطى هي الظهر. ومثل هذا لا يعارض به تلك النصوص الصحيحة الصريحة الثابتة في الصحيحين من طرق متعددة، وعلى فرض أن قول هذين الصحابيين تصريح ببيان سبب النزول لا إبداء مناسبة فلا ينتهض لمعارضة هذه الأحاديث (وقيل) هي المغرب نقله ابن أبى حاتم بإسناد حسن عن ابن عباس قال صلاة الوسطى هي المغرب وبه قال قبيصة بن ذئب (وحجتهم) في ذلك أنها معتدلة في عدد الركعات وأنها لا تقصر في السفر وأن العمل مضى على المبادرة إليها والتعجيل بها في أول غروب الشمس وأن قبلها صلاتى سرّ وبعدها صلاتا جهر. لكن علمت أن ما رواه ابن عباس عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنها العصر والعمل بما رواه لا بما رآه كما تقدم (وذهبت) الإمامية إلى أنها العشاء، واختاره الواحدى. واحتج له بأنها بين صلاتين لا تقصران وبأنها تقع عند النوم فأمر بالمحافظة عليها (وقال) الربيع بن خيثم وسعيد بن جبير وشريح القاضى ونافع واختاره إمام الحرمين من الشافعية إنهما واحدة من الخمس غير معينة (واحتجوا) بما روى أن رجلا سأل زيد بن ثابت عن الصلاة الوسطى فقال حافظ على الصلوات تصبها فهى مخبوءة في جميع الصلوات خبء ساعة الإجابة في ساعات يوم الجمعة وليلة القدر في ليالى شهر رمضان والاسم الأعظم في جميع الأسماء (وقال) ابن عمر ومعاذ بن جبل وابن عبد البر إنها الصلوات الخمس واحتج له بأن قوله تعالى "حافظوا على الصلوات" يتناول الفرائض والنوافل فعطف عليه الوسطى وأريد بها كل الفرائض تأكيدا لها (وقيل) إنها الجمعة ذكره ابن حبيب ورجحه أبو شامة وذلك لما اختصبت به من الاجتماع والخطبة. ولما ورد من الترغيب في المحافظة عليها (وقيل) إنها الجماعة حكاه أبو الحسن الماوردى لأن ذلك أبعث على المحافظة عليها أيضا (وقيل) غير ذلك. وقد جمع الدمياطى جزءا مشهورا سماه كشف الغطاء عن الصلاة الوسطى فبلغ تسعة عشر قولا (وأقوى حجة) لمن قال إنها غير العصر ما رواه مسلم وأحمد والبيهقى من من طريق شقيق بن عقبة عن البراء بن عازب قال نزلت هذه الآية حافظوا على الصلوات وصلاة العصر فقرأناها ما شاء الله ثم نسخها الله فنزلت حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى فقال رجل هي إذن صلاة العصر فقال قد أخبرتك كيف نزلت وكيف نسخها الله. وما رواه مسلم وأحمد من طريق أبى يونس عن عائشة أنها أمرته أن يكتب لها مصحفا فلما بلغت حافظوا على
الصلوات والصلاة الوسطى قال فأملت عليّ وصلاة العصر قالت سمعتها من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وروى مالك والبيهقي وعمرو بن رافع قال كنت أكتب مصحفا لحفصة فقالت إذا بلغت هذه الآية فآذني "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى" فلما بلغتها آذنتها فأملت علىّ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وأخرجه ابن جرير من وجه آخر حسن عن عمرو بن رافع. وروى ابن المنذر من طريق عبد الله بن رافع أمرتنى أم سلمة أن أكتب لها مصحفا فذكر مثل حديث عمرو بن رافع سواء. ومن طريق سالم بن عبد الله ابن عمر أن حفصة أمرت إنسانا أن يكتب لها مصحفا نحوه. ومن طريق نافع أن حفصة أمرت مولى لها أن يكتب لها مصحفا فذكر مثله وزاد كما سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقولها قال نافع فقرأت ذلك المصحف فوجدت فيه الواو. فتمسك قوم أن العطف يقتضى المغايرة فتكون صلاة العصر غير الوسطى (وأجيب) بأن حديث علىّ ومن وافقه أصحّ إسنادا وأصرح. وبأن حديث عائشة قد عورض برواية عروة أنه كان في مصحفها وهى العصر فيحتمل أن تكون الواو زائدة ويؤيده ما رواه أبو عبيد بإسناد صحيح عن أبيّ بن كعب أنه كان يقرؤها حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر بغير واو أو هي عاطفة لكن عطف صفة لا عطف ذات، وبأن قوله والصلاة الوسطى والعصر لم يقرأ بها أحد ولعل أصل ذلك ما في حديث البراء أنها نزلت أولا والعصر ثم نزلت ثانيا بدلها والصلاة الوسطى فجمع الراوى بينهما، ومع وجود الاحتمال لا ينهض الاستدلال فكيف يكون مقدّما على النصّ الصريح بأنها صلاة العصر (قال الحافظ) صلاح الدين العلائى حاصل أدلة من قال إنها غير العصر يرجع إلى ثلاثة أنواع (أحدها) تنصيص بعض الصحابة. وهو معارض بمثله ممن قال منهم إنها العصر ويترجح قول العصر بالنصّ الصريح المرفوع وإذا اختلفت الصحابة لم يكن قول بعضهم حجة على غيره فتبقى حجة المرفوع قائمة (ثانيها) معارضة المرفوع بورود التأكيد على فعل غيرها كالحثّ على المواظبة على الصبح والعشاء. وهو معارض بما هو أقوى منه وهو الوعيد الشديد الوارد في ترك صلاة العصر (ثالثها) ما جاء عن عائشة وحفصة من قراءة حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر فإن العطف يقتضى المغايرة. وهذا يرد عليه إثبات القرآن بخبر الآحاد وهو ممتنع وكونه ينزّل منزلة خبر الواحد مختلف فيه. سلمنا لكن لا يصلح معارضا للمنصوص صريحا. وأيضا فليس العطف صريحا في اقتضاء المغايرة لوروده في نسق الصفات كقوله تعالى "هو الأول والآخر والظاهر والباطن" اهـ
(قوله ملأ الله بيوتهم الخ) وفى رواية البخارى ملأ الله قبورهم وبيوتهم أو أجوافهم، وفى رواية مسلم ملأ الله قبورهم وبيوتهم أو قبورهم وبطونهم، وفى رواية له أيضا ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا أو حشى الله أجوافهم وقبورهم نارا
وهو دعاء عليهم أخرجه في صورة الخبر تأكيدا وإشعارا بأنه من الدعوات المجابة. وعبر بالماضى ثقة بالاستجابة فكأنه أجيب سؤاله فأخبر عن وجود إجابته ووقوعها (وقال) الطيبى أى جعل الله النار ملازمة لهم في الحياة والممات وعذبهم في الدنيا والآخرة. وقيل أراد عذاب الدنيا من تخريب البيوت ونهب الأموال وسبي الأولاد وعذاب الآخرة باشتعال قبورهم نارا. وقيل هو من باب المشاكلة لذكر النار في البيوت أو استعيرت النار للفتنة، وعلى هذا فلا يستشكل أن دعاءه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قد أجيب في أحد الشقين دون الآخر اهـ
(فقه الحديث) والحديث يدلّ على جواز وقوع إيذاء الكافر للمسلم في الدنيا التي هى دار أكدار، وعلى جواز حصول الأعراض البشرية التى ليس فيها نقص لأفضل المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم وعلى آلهم أجمعين، وعلى جواز الدعاء على الظالم بما يليق بظلمه، وعلى أن الصلاة الوسطى هى صلاة العصر، وعلى أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأصحابه أخروا صلاة العصر عن وقتها لاشتغالهم بالعدوّ لما في رواية أحمد والنسائى عن أبى سعيد أنهم شغلوه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن الظهر والعصر والمغرب وصلوا بعد هوىّ من الليل وذلك قبل أن ينزل الله في صلاة الخوف فرجالا أو ركبانا. وما رواه الترمذى والنسائى عن ابن مسعود أنهم شغلوه عن أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب من الليل ما شاء الله. وفى قوله أربع تجوّز لأن العشاء لم تفت. ومقتضى حديث على وجابر في الصحيحين أنه لم يفت غير العصر فمال ابن العربى إلى الترجح فقال إنه الصحيح، وجمع النووى بأن وقعة الخندق دامت أياما فكان هذا في بعض الأيام وذاك في بعضها الآخر. وتأخيره للصلاة يحتمل أنه كان عمدا لاشتغاله بالعدوّ وكان قبل نزول صلاة الخوف فكان هذا عذرا له، ويحتمل أنه نسيها لاشتغاله بالعدوّ. وتقدم في رواية مسلم أنه صلاها بين المغرب والعشاء. وأما اليوم فلا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها للقتال بل تصلى صلاة الخوف على حسب الحال
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى
(ص) حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي يُونُسَ مَوْلَى عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهُ قَالَ: أَمَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنْ أَكْتُبَ لَهَا مُصْحَفًا وَقَالَتْ: " إِذَا بَلَغْتَ هَذِهِ الْآيَةَ فَآذِنِّي: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} [البقرة: 238] «، فَلَمَّا بَلَغْتُهَا آذَنْتُهَا، فَأَمْلَتْ عَلَيَّ» حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى، وَصَلَاةِ الْعَصْرِ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ "، ثُمَّ قَالَتْ عَائِشَةُ: «سَمِعْتُهَا
مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ».
(ش)(رجال الحديث)
(قوله عن أبي يونس مولى عائشة) بنت أبى بكر الصديق رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما. روى عن عائشة. وعنه القعقاع بن حكيم وزيد بن أسلم وأبو طوالة الأنصارى ومحمد بن عتيق. ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية وذكره ابن حبان في الثقات وذكره مسلم في الطبقة الأولى من المدنيين. روى له مسلم وأبو داود والترمذى والنسائى
(معنى الحديث)
(قوله فآذنى) بالمدّ أى أعلمنى. وأمرت أن يعلمها لأنها أرادت أن تملى عليه زيادة لم تكن ثابتة بما كان ينسخ منه
(قوله فأملت علىّ الخ) بتشديد اللام أى ألقت يقال أمللت الكتاب على الكاتب إملالا ألقيته عليه وهي لغة الحجاز وبني أسد وأمليت عليه إملاء بالتخفيف كذلك وهي لغة بنى تميم وقيس وبهما جاء القرآن "وليملل الذى عليه الحق""فهى تملى عليه"(واستدل) بهذا الحديث من قال إن صلاة العصر ليست هي الوسطى لأن العطف يقتضى المغايرة. لكنه لا يصلح دليلا على ذلك لاحتمال أن يكون العطف للتفسير جمعا بين الأحاديث وهذه القراءة شاذة. ولعله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قالها تفسيرا أو كانت قرآنا ثم نسخت وصنيع عائشة هذا يقتضى أن ما وقع كان بعد جمع القرآن في مصحف وقيل أن تجمع المصاحف على المصاحف التى كتبها عثمان وأنفذها إلى الأمصار لأنه لم يكتب بعد ذلك في المصاحف إلا ما أجمع عليه وثبت بالتواتر أنه قرآن
(قوله وقوموا لله قانتين) أى مطيعين لا مكرهين ولا كسالى بل ممتثلين الأمر مجتنبين النهى لقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كل قنوت في القرآن فهو طاعة. وقيل ساكتين إلا عن ذكر لحديث زيد بن أرقم كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت هذه الآية فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام رواه الشيخان
(قوله قالت عائشة سمعتها من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم) قال الباجى ذلك يحتمل وجهين "أحدهما" أن تكون هذه اللفظة الزائدة من القرآن ثم نسخت. روى ذلك عن البراء بن عازب فإن صحّ خبر البراء بنسخها فلعل عائشة لم تعلم بنسخها إذا أرادت إثباتها في المصحف. ولعلها اعتقدت أنها مما نسخ حكمها وثبت رسمها فأرادت إثباتها "والوجه الثاني" أن تكون عائشة سمعت اللفظة من النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ذكرها على أنها من غير القرآن لتأكيد فضيلة العصر مع الصلاة الوسطى كما روى عنه جرير بن عبد الله البجلى أنه قال إن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا ثم قرأ فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فأكد فضيلتها فأرادت عائشة أن تثبتها في المصحف لما ظنت أنها من القرآن أو لأنها اعتقدت جواز إثبات غير القرآن مع القرآن على ما روى عن أبيّ بن كعب وغيره من الصحابة أنهم جوّزوا
إثبات القنوت وبعض التفسير في المصحف وإن لم يعتقدوه قرآنا اهـ
(فقه الحديث) دلّ الحديث على أن من عرف شيئا خفى على غيره ينبغى له أن ينبه عليه وعلى الاعتناء بالقرآن، وعلى أن صلاة العصر غير الصلاة الوسطى وقد علم ما فيه
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مسلم والتزمذى والنسائى
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، نَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي حَكِيمٍ قَالَ: سَمِعْتُ الزِّبْرِقَانَ يُحَدِّثُ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَلَمْ يَكُنْ يُصَلِّي صَلَاةً أَشَدَّ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ مِنْهَا، فَنَزَلَتْ {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} [البقرة: 238] وَقَالَ: «إِنَّ قَبْلَهَا صَلَاتَيْنِ، وَبَعْدَهَا صَلَاتَيْنِ»
(ش)(رجال الحديث)
(قوله عمرو بن أبى حكيم) أبو سعيد ويقال أبو سهل الواسطى الكردى. روى عن عروة بن الزبير وعكرمة وأبى مجلز وعبد الله بن بريدة وغيرهم. وعنه خالد الحذّاء وداود بن أبى هند وشعبة وعدى بن الفضل وكثيرون. وثقه أبو داود والنسائى وابن معين وابن حبان وابن شاهين وقال أبو حاتم صالح الحديث. روى له أبو داود
(قوله سمعت الزّبرقان) بكسر الزاى وسكون الموحدة وكسر الراء ابن عمرو بن أمية الضمرى. وقيل ابن عبد الله ابن عمرو بن أمية. روى عن عروة بن الزبير وأبى سلمة وأبى رزين وغيرهم. وعنه عمرو بن أبى حكيم وابن أبى ذئب وجعفر بن ربيعة وبكر بن سوادة ويعقوب بن عمرو وآخرون وثقه النسائى ويحيى بن سعيد وابن حبان. روى له أبو داود وابن ماجه
(قوله زيد بن ثابت) ابن الضحاك بن زيد بن لوذان بفتح اللام وسكون الواو ابن عمر الأنصارى أبى سعيد أو أبى خارجة. روى له عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اثنان وتسعون حديثا اتفق الشيخان على خمسة وانفرد البخارى بأربعة ومسلم بحديث. روى عن أبى بكر وعمر وعثمان وعنه ابن عمر وأنس وأبو هريرة وأبو سعيد الخدرى ومروان بن الحكم وعطاء بن يسار وكثيرون قدم النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم المدينة وهو ابن إحدى عشرة سنة وكان يكتب الوحى لرسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وكتب لعمر أيضا وكان يستخلفه إذا حجّ وكان معه حين قدم الشام لفتح بيت المقدس وهو الذى تولى قسمة غنائم اليرموك وقال الشعبى غلب زيد الناس على اثنتين الفرائض والقرآن وقال مسروق إنه كان من أصحاب الفتوى
الراسخين في العلم. وقال ابن عباس وقت إدخال زيد بن ثابت القبر من سرّه أن يعلم كيف ذهاب العلم فهكذا ذهاب العلم والله لقد دفن اليوم علم كثير وقال أبو هريرة يوم مات زيد مات اليوم حبر الأمة وعسى الله أن يجعل في ابن عباس منه خلفا (وعلى الجملة) فمناقبه كثيرة روى له الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يصلى الظهر بالهاجرة الخ) أى في وقت اشتداد الحرّ في نصف النهار ولم يكن يصلى صلاة أشدّ وأشقّ وأصعب على الصحابة من صلاة الظهر وذلك لكونه يصلى وقت شدّة الحرّ ثم أبرد بعد ذلك وأمر بالإبراد أيضا
(قوله فنزلت حافظوا على الصلوات الخ) أى لا يجوز لكم أن تضيعوها لثقلها عليكم فإنها الفضلى
(قوله وقال إن قبلها صلاتين الخ) أى قال زيد بن ثابت على الصواب لما في رواية الطحاوى عنه قال كان النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يصلى الظهر بالهجير وكانت أثقل الصلوات على أصحابه فنزلت حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى لأن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين (وظاهر) الحديث يدلّ على أن الصلاة الوسطى هي الظهر وهو قول جماعة لأن نزول الآية كان لاستثقالهم صلاة الظهر بالهاجرة فبين أن المراد من قوله حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة الظهر لأن قبلها صلاة الصبح والعشاء إحداهما نهارية والأخرى ليلية وبعدها صلاة العصر والمغرب وهما كذلك وتقدم ردّه وأن الأصح أنها صلاة العصر، وذكر هذا الحديث هنا استطرادا لمناسبة ما قيل في الصلاة الوسطى
(فقه الحديث) والحديث يدلّ على طلب تعجيل صلاة الظهر أول وقتها وقد علمت أنه كان قبل الأمر بالإبراد، ودلّ بظاهره أن الصلاة الوسطى هي الظهر (قال) علىّ القارى الظاهر أن هذا اجتهاد من الصحابى نشأ من ظنه أن الآية نزلت في الظهر فلا يعارض نصه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنها العصر اهـ
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البخارى في التاريخ والبيهقي
(ص) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنِي ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْعَصْرِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ، وَمَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْفَجْرِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ»
(ش) هكذا ذكر هذا الحديث في أكثر النسخ تحت ترجمة "باب في وقت العصر" ومناسبته لها أنه يدل على أن وقت العصر ينتهى بغروب الشمس. وفي بعض النسخ ذكر تحت ترجمة "باب من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها" وأل في الصلاة للعهد والمعهود صلاة العصر والفجر
(رجال الحديث)
(قوله الحسن بن الربيع) بن سليمان البجلى القسرى أبو على الكوفي روى عن حماد بن زيد وأبى عوانة وعبد الله بن إدريس وأبى الأحوص وعبد الله بن المبارك وآخرين. وعنه أبو زرعة وأبو حاتم ومسلم وأبو داود والنسائى وابن ماجه وغيرهم. قال العجلى وابن خراش ثقة متعبد وقال أبو حاتم كان من أوثق أصحاب ابن إدريس وقال عثمان بن أبى شيبة صدوق وليس بحجة وذكره ابن حبان في الثقات. روى له الجماعة
(قوله ابن طاوس) هو عبد الله بن طاوس بن كيسان أبو محمد اليمانى الحميرى. روى عن أبيه وعكرمة بن خالد وعطاء وعمرو بن شعيب ووهب بن منبه وغيرهم. وعنه عمرو بن دينار وابن جريج ومعمر ابن راشد والسفيانان وكثيرون. قال أبو حاتم والنسائى والدارقطني والعجلى ثقة وقال معمر قال لى أيوب إن كنت راحلا إلى أحد فعليك بابن طاوس فهذه رحلتي إليه وقال معمر كان من أعلم الناس بالعربية وأحسنهم خلقا. مات سنة إحدى أو اثنتين وثلاثين ومائة روى له الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله من أدرك من العصر ركعة الخ) أى من صلى ركعة من العصر أو الصبح في آخر وقتها ثم خرج وقتها فقد أدّى الصلاة كلها في وقتها لا فرق في ذلك بين معذور وغيره وهو مذهب الجمهور خلافا لأبى حنيفة القائل ببطلان صلاة الصبح ولمن قال إنها تقع كلها قضاء ولمن قال ما وقع في الوقت أداء وما بعده قضاء (قال) النووى في شرح مسلم تظهر فائدة الخلاف في مسافر نوى القصر وصلى ركعة في الوقت. فإن قلنا الجميع أداء فله قصرها وإن قلنا كلها قضاء أو بعضها وجب إتمامها أربعا إن قلنا إن فائتة السفر إذا قضاها في السفر يجب إتمامها هذا كله إن أدرك ركعة في الوقت فإن كان دون ركعة فقال بعض أصحابنا هو كالركعة وقال الجمهور كلها قضاء اهـ ويحتمل أن المعنى من أدرك قدر ركعة من وقت العصر أو الصبح ممن كان معذورا بجنون أو حيض أو نفاس أو إغماء أو صبا وزال عذره وقد بقي من الوقت قدر ذلك لزمته تلك الصلاة وعلى هذا حمل الحديث أبو حنيفة (ويدل) لما ذهب إليه الجمهور من صحة الصلاة ولو صبحا بإدراك ركعة في آخر الوقت ووقوعها أداء ما أخرجه البيهقى عن زيد بن أسلم بلفظ من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس وركعة بعد ما تطلع الشمس فقد أدرك الصلاة. وما رواه أيضا من طريق أبي غسان محمد بن مطرّف عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة بلفظ من صلى ركعة من قبل أن تغرب الشمس ثم صلى ما بقي بعد غروب الشمس
فلم يفته العصر. وما رواه أيضا من طريق آخر بلفظ من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فليصلّ إليها أخرى. وما رواه النسائى من طريق ابن شهاب عن سالم. بلفظ من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة كلها إلا أنه يقضى ما فاته "أى يصلى ما فاته" وما رواه البخارى من طريق أبى سلمة عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتمّ صلاته وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتمّ صلاته. والمراد بالسجدة الركعة بتمامها فهو من إطلاق الجزء وإرادة الكلّ (قال) الحافظ في الفتح يؤخذ من هذا الردّ على الطحاوى حيث خصّ الإدراك باحتلام الصبي وطهر الحائض وإسلام الكافر ونحوها وأراد بذلك نصرة مذهبه في أن من أدرك من الصبح ركعة تفسد صلاته لأنه لا يكملها إلا في وقت الكراهة وهو مبنيّ على أن الكراهة تتناول الفرض والنفل وهي خلافية مشهورة (قال) الترمذى وبهذا يقول الشافعى وأحمد وإسحاق، وخالف أبو حنيفة فقال من طلعت عليه الشمس وهو في صلاة الصبح بطلت صلاته، واحتج لذلك بالأحاديث الواردة في النهى عن الصلاة عند طلوع الشمس، وادعى بعضهم أن أحاديث النهى ناسخة لهذا الحديث، وهي دعوى تحتاج إلى دليل فإنه لا يصار إلى النسخ بالاحتمال، والجمع بين الحديثين ممكن بأن يحمل أحاديث النهى على ما لا سبب له من النوافل، ولا شك أن التخصيص أولى من ادعاء النسخ اهـ (أقول) هذا أيضا جمع بما يوافق مذهب الحافظ. والحق أن أحاديث النهى عامة تشمل كل صلاة ولا يجوز في ذلك الوقت شيء من الصلوات لا فرق بين ذوات الأسباب وغيرها إلا بدليل يخصه وصلاة الصبح ورد فيها ما يخصصها وهو حديث الباب (ومفهوم) الحديث أن من أدرك أقلّ من ركعة لا يكون مدركا للوقت وأن صلاته تكون قضاء وإليه ذهب الجمهور (وذهب) بعضهم إلى أنها تكون أداء لكن مفهوم الحديث يردّه. واختلفوا فيمن زال عذره وأدرك دون ركعة من وقتها أتجب عليه الصلاة أم لا فيه قولان للشافعي "أحدهما" لا تجب وروى عن مالك عملا بمفهوم هذا الحديث "وأصحهما" عند أصحاب الشافعى أنها تلزمه وبه قال أبو حنيفة لأنه أدرك جزءا من الوقت فاستوى قليله وكثيره (وأجابوا) عن مفهوم الحديث بأن التقييد بركعة خرّج مخرج الغالب، ولا يخفى بعده أما إذا أدرك أحد هؤلاء ركعة وجبت عليه الصلاة بالاتفاق (قال) النووى في شرح مسلم هل يشترط مع التكبيرة أو الركعة إمكان الطهارة فيه وجهان لأصحابنا أصحهما أنه لا يشترط اهـ (وعند) المالكية يشترط في حق المعذور غير الكافر أن يدرك من الوقت زمنا يسع الطهر المحتاج إليه وركعة كاملة. أما الكافر فلا يقدّر له الطهر لأن إزالة عذره بإسلامه في وسعه (وعند) الحنفية يشترط في وجوب الصلاة على من طرأ عليه سبب الوجوب أن يدرك في آخر الوقت زمنا
يسع الطهارة وستر العورة وتكبيرة الإحرام (قال) العينى اعلم أن هذا الحديث دليل صريح في أن من صلى ركعة من العصر ثم خرج الوقت قبل سلامة لا تبطل صلاته بل يتمها وهذا بالإجماع وأما في الصبح فكذلك عند الشافعى ومالك وأحمد لا عند أبى حنيفة فإنه قال تبطل صلاة الصبح بطلوع الشمس فيها (وقالت) الشافعية الحديث حجة على أبى حنيفة (واعلم) أن ها هنا بحثا عظيما إذا وقفت عليه عرفت ما أسس عليه أبو حنيفة وعرفت أن الحديث ليس بحجة على أبى حنيفة وأن غير هذا الحديث من الأحاديث حجة عليهم فنقول لا شك أن الوقت سبب للصلاة وظرف لها ولكن لا يمكن أن يكون كل الوقت سببا لأنه لو كان كذلك يلزم تأخير الأداء عن الوقت فتعين أن يجعل بعض الوقت سببا وهو الجزء الأول لسلامته عن المزاحم فإن اتصل به الأداء تقرّرت السببية وإلا ينتقل إلى الجزء الثانى والثالث والرابع وما بعده إلى أن يتمكن فيه من عقد التحريمة إلى آخر جزء من أجزاء الوقت. ثم هذا الجزء إن كان صحيحا بحيث لم ينسب إلى الشيطان ولم يوصف بالكراهة كما في الفجر وجب عليه كاملا حتى لو اعترض الفساد في الوقت بطلوع الشمس في خلال الفجر فسد خلافا لهم لأن ما وجب كاملا لا يتأدى بالناقص كالصوم المنذور المطلق لا يتأدى في أيام النحر والتشريق وإن كان هذا الجزء ناقصا بأن صار منسوبا إلى الشيطان كالعصر وقت الاحمرار وجب ناقصا لأن نقصان السبب مؤثر في نقصان المسبب فيتأدى بصفة النقصان لأنه أدّى كما لزم كما إذا نذر صوم النحر وأدّاه فيه فإذا غربت الشمس في أثناء الصلاة لم تفسد العصر لأن ما بعد الغروب كامل فيتأدى فيه لأن ما وجب ناقصا يتأدى كاملا بالطريق الأولى "فإن قيل" يلزم أن تفسد العصر إذا شرع فيه من الجزء الصحيح ومدّها إلى أن غربت "قلنا" لما كان الوقت متسعا جاز له شغل كل الوقت فينتفى الفساد الذى يتصل به بالبناء لأن الاحتراز عنه مع الإقبال على الصلاة متعذّر. والجواب عن الحديث ما ذكره الطحاوى في شرح الآثار أن ورود الحديث كان قبل نهيه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن الصلاة في الأوقات المكروهة اهـ كلام العينى (لكن) هذه أبحاث عقلية فلا تقاوم النصوص الصريحة الدالة على صحة صلاة الصبح الذى شرع فيها قبل طلوع الشمس وطلعت عليه في أثنائها (وما ذكره) الطحاوى من أن الحديث منسوخ بأحاديث النهي عن الصلاة في تلك الأوقات (قد علمت) ردّه وإدراك الركعة قبل خروج الوقت لا يخصّ الصبح والعصر كما هو ظاهر الحديث لما ثبت عند الشيخين عن أبى هريرة مرفوعا "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" وهو أعمّ من حديث الباب قال بعضهم إن حديث الباب مقيد بالعصر والصبح وحديث الشيخين مطلق فيحمل المطلق على المقيد أى فيكون المراد بالصلاة في حديثهما الصبح والعصر. ولكن حديث الباب دل بمفهومه على اختصاص الصبح والعصر بهذا الحكم وحديث
الشيخين دلّ بمنطوقه على أن حكم جميع الصلوات لا يختلف في ذلك، والمنطوق أرجح من المفهوم فيصار إليه ولاشتماله على الزيادة التي ليست منافية للمزيد عليه
(فقه الحديث) والحديث يدلّ على أن الصلاة تقع أداء بفعل ركعة قبل خروج الوقت (قال) النووى اتفق العلماء على أنه لا يجوز تعمد التأخير إلى هذا الوقت اهـ، ودلّ أيضا على وجوبها على من زال عذره قبل خروج الوقت بما يسع ركعة
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البخارى ومسلم والنسائي والترمذى وابن ماجه
(باب التشديد في تأخير العصر إلى الاصفرار)
هكذا بالترجمة في بعض النسخ لحديث أنس. وفى بعضها إسقاط الترجمة. والأولى إثباتها
(ص) حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى أَنَسِ ابْنِ مَالِكٍ بَعْدَ الظُّهْرِ، فَقَامَ يُصَلِّي الْعَصْرَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ ذَكَرْنَا تَعْجِيلَ الصَّلَاةِ أَوْ ذَكَرَهَا، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ «تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ، تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ، تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ يَجْلِسُ أَحَدُهُمْ حَتَّى إِذَا اصْفَرَّتِ الشَّمْسُ فَكَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، أَوْ عَلَى قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ قَامَ فَنَقَرَ أَرْبَعًا لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا»
(ش)(قوله القعنبى) هو عبد الله بن مسلمة
(قوله دخلنا على أنس بن مالك بعد الظهر) أى دخلنا عليه في داره بعد أن صلينا الظهر. وفى مسلم عن العلاء بن عبد الرحمن أنه دخل على أنس ابن مالك في داره بالبصرة حين انصرف من الظهر وداره بجنب المسجد فلما دخلنا عليه قال أصليتم العصر فقلنا له إنما انصرفنا الساعة من الظهر قال فصلوا العصر فقمنا فصلينا فلما انصرفنا قال سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول تلك صلاة المنافقين الخ
(قوله فقام يصلى العصر) يعنى أول وقتها. وصلى في بيته ولم يصلّ مع الإمام لأن الأمراء كانوا يؤخرون الصلاة عن أول وقتها حينئذ وقد أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من يدركهم أن يصلى الصلاة أول وقتها ويجعل صلاته معهم نافلة كما يأتى للمصنف
(قوله ذكرنا تعجيل الصلاة الخ) أى سألناه عن سبب تعجيله صلاة العصر أو ذكره هو فأوفيه للشك من الراوى. ويؤيد الأول ما في رواية لمسلم والنسائى عن أبى بكر بن عثمان بن سهل بن حنيف قال سمعت أبا أمامة
ابن سهل يقول صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر ثم خرجنا حتى دخلنا على أنس بن مالك فوجدناه يصلى العصر فقلنا يا عمّ ما هذه الصلاة التي صليت قال العصر وهذه صلاة رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم التى كنا نصلى معه
(قوله تلك صلاة المنافقين الخ) يعنى صلاة العصر التى أخرت إلى الاصفرار فالإشارة عائدة على متقدّم حكما (وقال) الطيبي تلك إشارة إلى ما في الذهن من الصلاة المخصوصة اهـ وإنما كرّرها ثلاثا مبالغة في ذمّ من يؤخر الصلاة إلى هذا الوقت بلا عذر
(قوله يجلس أحدهم الخ) يعنى يؤخر أحدهم صلاة العصر إلى أن تصفرّ الشمس فحتى غائية لا زائدة خلافا لمن زعمه، والمراد بالجلوس التأخير وهذه الجملة لبيان هيئة الصلاة المذمومة الموسومة بأنها صلاة المنافقين
(قوله فكانت بين قرنى شيطان) اختلفوا فيه فقيل هو على حقيقته وظاهر لفظه والمراد أن يحاذيها بقرنيه عند غروبها وكذا عند طلوعها لأن الكفار يسجدون له حينئذ فيقارنها ليكون الساجد لها في صورة الساجد له ويخيل لنفسه ولأعوانه أنهم إنما يسجدون له (وقيل) هو على المجاز والمراد بقرنيه علوّه وارتفاعه وسلطانه وتسلطه وغلبة أعوانه وسجود مطيعيه من الكفار للشمس (وقال) الخطابى اختلفوا في تأويله على وجوه فقال قائل معناه مقارنة الشيطان الشمس عند دنوّها للغروب على معنى ما روى أن الشيطان يقارنها إذا طلعت فإذا ارتفعت فارقها فإذا استوت قارنها فإذا زالت فارقها فإذا دنت للغروب قارنها فإذا غربت فارقها فحرمت الصلاة في هذه الأوقات لذلك. وقيل معنى قرن الشيطان فوّته من قولك أنا مقرن لهذا الأمر أى مطيق له قوىّ عليه قال الله تعالى "وما كنا له مقرنين" أى مطيقين وذلك أن الشيطان إنما يقوى أمره في هذه الأوقات لأنه يسوّل لعبدة الشمس أن يسجدوا لها في هذه الأوقات الثلاثة. وقيل قرنه حزبه وأصحابه الذين يعبدون الشمس وقيل هذا تمثيل وتشبيه وذلك أن تأخير الصلاة إنما هو تسويل الشيطان لهم وتسويفه وتزيينه ذلك في قلوبهم. وذوات القرون إنما تعالج الأشياء وتدفعها بقرونها فكأنهم لما دفعوا الصلاة وأخروها عن أوقاتها بتسويل الشيطان لهم صار ذلك منه بمنزلة ما تعالجه ذوات القرون وتدفعه بقرونها اهـ
(قوله قام فبقر أربعا لا يذكر الله عز وجل فيها إلا قليلا) هو كناية عن الإسراع بالصلاة وعدم الخشوع والطمأنينة فيها ففيه ذمّ صريح لمن يفعل ذلك في صلاته لأنه قد شبه نفسه بالمنافق فإن المنافق لا يعتقد صحة الصلاة بل إنما يصلى لدفع السيف عنه ولا يبالى بالتأخير إذ لا يطلب فضيلة ولا ثوابا. وتخصيص الأربع بالنقر وفي العصر ثمانى سجدات اعتبار بالركعة أو أن الحديث جاء حين كانت صلاة العصر ركعتين ثم زيدت بعده. وإنما خصّ العصر بالذكر لأنها الصلاة الوسطى ولأنها تأتى في وقت تعب الناس من مقاساة أعمالهم وإلا فتأخير غيرها من المكتوبة إلى آخر وقتها بدون عذر مذموم وفيه الوعيد الشديد