الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثالث في كيفية المماثلة
قوله: الثانية: إذا قتله باللواط وهو مما يقتل غالبًا فالأصح وجوب القصاص ثم قتل بدس خشبة في دبره قريبة من السه ويقتل بها، والأصح قتله بالسيف لأنه قتل بفعل محرم في نفسه فأشبه السحر.
ثم قال ما نصه: قال في "التتمة": وموضع الوجهين ما إذا كان موتًا متوقعًا من المقابلة بمثل ما فعل أما إذا لم يتوقع وكان موت المجنى عليه لطفوليته ونحوها فلا معنى للمقابلة. انتهى.
وما نقله عن المتولى قد صرح به أيضًا الإمام فقال: وهذا إذا كان يظن أنه يهلك به فإن لم يهلك بذلك التحق بالضربات في حق النحيف والجاني لا يهلك بها. هذا كلامه.
وذكر الرافعي بعد هذا بدون الورقة عن الإمام كلامًا عامًا تندرج فيه مسألتنا فقال: قال الإمام: لو قتل نحيفا بضربات تقتل مثله غالبًا وتيقنًا أو ظننا ظنًا مؤكدًا أن الجاني في جسمه وقوته لا يهلك بتلك الضربات فالوجه القطع بأنه لا يضرب بتلك الضربات، لأنها لا تقتله، وإنما تراعى المماثلة إذا توقعنا حصول الاقتصاص بذلك الطريق ثم بدا له بالآخرة احتمال آخر. انتهى كلامه.
واعلم أن التعليل المذكور في منع الاقتصاص بمثل فعلة القاتل في مسألتنا يحتاج إلى تحقيق وتأمل لأن الجنايات كلها محرمة بدون أسبابها؛ فالقاتل بالسيف أو النار أو الماء أو الحجارة ونحوه يحرم قتله أيضًا به لولا المماثلة لاسيما وقد عهدنا جواز إدخال خشبة ونحوها في المحل المذكور لأجل الاحتقان ونحوه.
وله: الثالثة: إذا سقاه خمرًا حتى مات قتل بالسيف في الأصح، فأما البول فعن القاضي الحسين وجهان: أحدهما: أنه كالخمر.
والثاني: يسقى البول لأنه يباح عند الضرورة بخلاف الخمر. انتهى.
والأصح الأول. كذا صححه النووي في أصل "الروضة" لا من "زيادته" فاعلمه.
قوله: وفي الضرب بالمنقل يراعى الحجر وعدد الضربات، وإذا تعذر الوقوف على قدر الحجر أو قدر النار أو عدد الضربات فعن القفال أنه يقتل بالسيف، وعن بعضهم يؤخذ باليقين. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أنه أهمل موضع الضربات ولابد من اعتباره أيضًا كما في الاستيفاء بالمحدد، وقد صرح بذلك الماوردي وغيره. نعم إن عدل عنه إلى موضع يكون الموت فيه أسرع جاز.
الأمر الثاني: أن الرافعي قد صحح في كتاب الشهادات الوجه الثاني ذكر ذلك في باب الرجوع عن الشهادة في الكلام على من شهد بزنا محصن ثم رجع، وسوف أذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى لغرض يتعلق به وصححه أيضًا هنا النووي من زوائده ذاهلًا عن تصحيح الرافعي له هناك، وتصحيحهما لذلك في غاية الإشكال لأنا إذا علمنا قدر الحجر فأراد المقتص العدول عنه إلى ما دونه لم يجز كما دل عليه كلام الرافعي المتقدم، وسببه ما فيه من طول التعذيب، فإذا كان التساوى في المقدار شرطًا في جواز الاستيفاء بالحجر وهو غير حاصل عند الشك في مقداره فلا يكون ضربه بالقدر المحقق محققًا جوازه لجواز أن يكون أكبر؛ إذ لا فرق في المنع بين الأكبر والأصغر، فليس الآخذ باليقين هنا متيقن الجواز، فإن ذلك ليس لمن أخذ دون حقه، فظهر بذلك ضعف هذا الوجه بل بطلانه.
قوله: الحالة الثانية: أن تكون الجراحة بحيث لا يقتص منها لو وقعت كالجائفة وقطع اليد من نصف الساعد فقولان: أظهرهما عند الشيخ أبي حامد وغيره من العراقيين والروياني أنه يستوفى بذلك الطريق تحقيقًا للمماثلة.
وأظهرهما عند صاحب التهذيب أنه يعدل إلى الشق لأن ما لا قصاص فيه لا ينضبط ولا يوثق فيه بالمماثلة. انتهى ملخصًا.
وحاصله رجحان الأول، وكلامه في "الشرح الصغير" أظهر في ذلك فإنه اقتصر على نقل ترجيحه ولم يذكر ترجيح صاحب "التهذيب" لكن كلام "المحرر" يشعر برجحان الثاني فإنه قال: فيه قولان؛ رجح كثيرون: تعين السيف. هذا لفظه.
وقد صرح النووي بالترجيح في اختصاره للكتابين فوقع في صريح التناقض فقال في "الروضة": أظهرهما عند الأكثرين أنه يستوفى بما فعل وصححه أيضًا في "تصحيح التنبيه".
وقال في "المنهاج": ولو مات بجائفة أو كسر عضد الحز.
وفي قول كفعله. هذا لفظه.
ومحل القولين ما قاله الماوردي إذا لم يرد العفو. قال: فإن أراد العمل به مع عفوه عن النفس لم يجز في الصورتين لأنه قد صار بالعفو عن النفس كالمنفرد عن السراية، ونقل الرافعي مثل هذا عن البغوي في الجائفة خاصة وأقره عليه حتى قال: إنه لو أخافه ثم عفى عنه عزر على ما فعل ولم يجبر على قتله.
قوله: وإذا وجب القصاص في اليمين فاتفقا على قطع اليسار بدلًا عنها لم يكن بدلًا ولا قصاصًا في اليسار بل تجب ديتها وفي سقوط قصاص اليمين وجهان: أحدهما: لا؛ لفساد المعاوضة.
والثاني: نعم؛ لأن ذلك عفو عن اليمين، قال ابن الصباغ: وهذا أصح. انتهى ملخصًا.
والأصح ما رجحه ابن الصباغ فقد قال المتولي: إنه المذهب، والروياني في "البحر" إنه الأصح، وصححه النووي في أصل "الروضة" وقال القاضي حسين: إن علم الحكم لم يسقط وإن ظنه سقط.
قوله: فلو أن مستحق القصاص في اليمين طالب الجاني بإخراج اليمين فأخرج يساره فقطعها المستحق، وقال الجاني: دهشت فأخرجت اليسار، وقال القاطع أيضًا: دهشت فلم أدر ما صنعت.
قال الإمام: لا يقبل منه ويلزمه القصاص في اليسار لأن الدهشة السالبة للاختيار لا تليق بحال القاطع. انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على نقل وجوب القصاص عن الإمام مع أن الإمام لم يتعرض له، والذى قاله الإمام أن الدهش لا يليق بحاله ولابد وأن يكون قطعه صادرًا عن عمد وظن اعتياض أو ظن بأن المخرج يمين. هذا كلامه.
ومعناه أن هذا القطع من المفصل المعلوم لا يكون عادة مع الدهش ولا يكون إلا مع العمد، وحينئذ فإما أن يكون ظانًا إجزاء اليسار عن اليمين أو ظانًا أن المخرج هي اليمين، وعلى كل من التقديرين فلا قصاص عند الأصحاب، وفي الأولى احتمال للإمام وفي الثانية وجه ضعيف باتفاقهم؛ فحاصل كلام الإمام أنه لا قصاص، وذكر الغزالي في "البسيط" كما ذكر الإمام.
نعم صرح في "الوسيط" بوجوبه، فلعل الرافعي أراده وإنما سبق القلم، وفيما قاله الغزالي نظر، وكلام الإمام أوجه منه.
قوله: فرع: ثبت له القصاص في أنملة فقطع من الجانى أنملتين وقال:
أخطأت وتوهمت أنى أقطع أنملة واحدة صدق بيمينه ووجب أرش الأنملة الزائدة، ويكون في ماله أو على العاقلة؟ فيه قولان أو وجهان.
قال الروياني: والأصح الأول. انتهى.
صحح النووي في أصل "الروضة" ما رجحه الروياني.
قوله: وأما إذا وجب قطع اليمين في السرقة فقال الجلاد للسارق: أخرج يمينك فأخرج يساره فقطعها فعن النقال وغيره حكاية قول أن الحكم على ما ذكرنا في القصاص، وهذا القول ينسب إلى القديم، ويقال أيضًا أنه مخرج، وظاهر المذهب أنه يكتفى في الحد بما جرى ويسقط قطع اليمين، والفرق أن المقصود من الحد التنكيل والقصاص مبني على المماثلة.
ثم قال: واستدرك القاضي الحسين فحمل ما أطلقه الأصحاب على الحالتين الأخيرتين وقال في الحالة الأولى وهي أن يخرج يساره على قصد الإباحة أو البدل وجب ألا يسقط القطع. انتهى.
والنقال المذكور هنا بنون بعدها قاف مشددة؛ وهو الحارث بن سريج بالسين المهملة والجيم وقد بينه الرافعي في آخر باب السرقة وسوف أذكر لفظه هناك لغرض يتعلق به، وهذا الشخص قد أوضحت حاله في "الطبقات"، ويجوز أن يكون المذكور هنا إنما هو القفال بقاف ثم فاء، ويكون قد أثبت ما نقله النقال بالنون فإن الروياني في "البحر" في هذا الباب قد نقله عنه إلا أنه بعد نقله عنه صرح بأنه القفال الشاشي فاعلمه.
ثم إنه بعد نقله عنه قال: إنه غريب، ومراد الرافعي بالحالتين الأخيرتين أن يقول المخرج ظننتها اليمين أو علمت أنها اليسار وظننت أنها تجزئ.