الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القول في التعزير
قوله: وهو مشروع في كل معصية ليس فيها حد ولا كفارة. انتهى.
يستثنى من كلامه أمور:
أحدها: إذا صدرت الصغيرة من بعض أولياء الله تعالى قال الشيخ عز الدين في "القواعد الكبري" فلا يجوز للأئمة والحكام تعزيرهم عليها بل تقال عثرتهم وتستر زلتهم، وقد جهل أكثر الناس فزعموا أن الولاية تسقط بالصغيرة ذكر ذلك في أوائل الفصل المعقود لبيان التسميع بالعبادات وهو نحو ثلث الكتاب.
الثاني: إذا جامع زوجته في نهار رمضان فإنه يجب فيه التعزير بالإجماع.
كذا رأيته في "شرح السنة" للبغوي في حديث الأعرابي الذي جامع زوجته في نهار رمضان، وعبر بقوله: أجمعت عليه الأمة، وجزم به أيضًا ابن يونس صاحب "التعجيز" في شرحه له، ورأيت للرافعي في "شرح مسند الإمام الشافعي" ما يقتضيه أيضًا ذكر ذلك في الحديث المذكور.
فعلى هذا تستثني هذه المسألة مما فيه الكفارة وذهل في "الكفاية" عن هذه النقول فذكر ما حاصله الجزم بعدم الوجوب وقد نبهت عليه في "الهداية".
الثالث: جماع المرأة حائضًا إذا قلنا بوجوب الكفارة فإنه [يوجب](1) التعزير بلا خلاف كما صرح به بعض الأصحاب ولا يحضرني الآن قائله.
(1) سقط من أ.
الرابع: إذا قتل من لا يقاد به كما لو قتل ابنه أو عبده أو قتل المسلم الكافر أو غير ذلك فإن الكفارة تجب ومع هذا يجب التعزير كما نص عليه الشافعي في "الأم" ونقله عنه جماعة منهم صاحب "الشامل"، وسوف أذكر لفظه في الكافر لغرض تعلق به.
نعم يجاب عن هذا بأن إيجاب كفارة القتل ليس هو لما صدر عنه من المعضية بل لأجل إعدام النفس بدليل إيجابها في قتل الخطأ؛ وحينئذ فيبقي التعمد خاليًا عن الزاجر فأوجبنا فيه التعزير زاجرًا، وهذا المعنى الذى قلناه بعينه يقتضي إيجاب التعزير في محرمات الإحرام إن كانت إتلافات كقتل الصيد والحلق ونحوهما دون الاستمتاعات كاللبس والطيب، ولأجل ما ذكرناه من المعنى اتضح ما ذكره الأصحاب من الجمع بين الكفارة والتعزير في يمين الغموس، فإن التعزير لأجل الكذب والكفارة لانتهاك الاسم المعظم حيث أكد الكذب به.
وقد أجاب بما ذكرناه الشيخ عز الدين في [القواعد الصغري][والشيخ تقي الدين بن الصلاح في "فتاويه" ومثله ما ذكر الشيخ عز الدين في [القواعد الصغرى](1) أنه لو زنا بأمه في جوف الكعبة في رمضان وهو صائم معتكف محرم لزمه العتق والبدنة ويحد للزنا ويعزر لقطع رحمه وانتهاك حرمة الكعبة، ومثله الظهار فإن الصحيح على ما قاله بعض الأصحاب أنه يعزر مع إيجاب الكفارة لأن سبب التعزير هو الكذب والكفارة وجبت بالعود.
الخامس: إذا نظر شخص إلى بيت غيره وجوزنا رمي عينه فلم يرتدع ضربه بالسلاح ونال منه بما يردعه.
قال الرافعي هناك: ولو لم ينل منه صاحب الدار عاقبه السلطان.
(1) سقط من أ.
هذا لفظه. ومقتضاه عدم التعزير إذا نال منه وكأن ذلك بمثابة الحد على هذه المعصية، وهو واضح.
السادس: إذا ارتد ثم أسلم فإنه لا يعزر إلا إذا تكرر منه كما ذكره الشيخ في "التنبيه"(1) وغيره، وكذلك من وطيء زوجته في دبرها كما ذكره البغوي في "التهذيب" والروياني في "الحلية".
السابع: إذا دخل واحد من أهل القوة إلى الحمي الذي حماه الإمام للضعفة ونحوهم فرعي منه قال القاضي أبو حامد: لا تعزير عليه ولا غرم وإن كان عاصيًا.
الثامن: إذا رأي من يزني بزوجته وهو محصن فقتله في تلك الحالة فلا تعزير عليه وإن افتات على الإمام ويعذر لأجل الحمية والغيظ. كذا نقله ابن الرفعة عن ابن داود شارح "المختصر" وقد أعلمتك أنه الصيدلاني، ونقل الماوردي وغيره وكذلك الخطابي في "معالم السنن" عن الشافعي: أنه يحل له قتله في ما بينه وبين الله تعالى إذا لم يكن له بينة وإن كان يقاد في الظاهر.
التاسع: إذا كتب بعض المسلمين إلى المشركين بأخبار الإمام فقال الشافعي إن كان من ذوي الهيئات لم يعزر؛ لحديث حاطب بن أبي بلتعة، وإن لم يكن عزر؛ كذا نقله في كتاب السير من "الشامل" في باب جامع السير.
قوله: ثم جنس التعزير من الجبس أو الضرب جلدًا أو صفعًا إلى رأي الإمام وله الجمع والاقتصار على أحدهما أو علي التوبيخ بالكلام. انتهى.
سكت عن التعزير بالنفي وقد ذكره في باب حد الزنا فقال إن النبي صلى الله عليه وسلم
(1) التنبيه (ص/ 231).
نفي المخنثين قال: وهو تعزير، وكذلك في قاطع الطريق فقال في أوائله وفيما يعاقب به المعين لهم وجهان: أصحهما: يعزره الإمام باجتهاده بالحبس أو التغريب أو سائر وجوه التأديب كسائر المعاصي. انتهى.
ونقل في "الكفاية" عن الماوردي وغيره: أن النفي يجوز التعزير به.
قوله: وأما قدره فيتعلق باجتهاده أيضًا إن خالف جنسه جنس الحد كالحبس وإن رأى الجلد فلابد وأن ينقص عن الحد. انتهى كلامه.
تابعه عليه في "الروضة" وهو صريح في أن مدة الحبس لا تتقدر بوقت، وليس كذلك بل شرطها أن تكون ناقصة عن سنة فإن الشارع قد جعل تغريب السنة واجبًا في حد الزنا والحبس في معناه بل أشد منه فيجب أن يكون التعزير به ناقصًا عنه على قياس سائر التعازير، وقد نص عليه الشافعي في "الأم" في باب من لا قصاص عليه لاختلاف الدين ما نصه: قال الشافعي: فإذا قتل المؤمن الكافر عزر ولا يبلغ في تعزيره في قتل ولا غيره حدًا ولا يبلغ بحبسه سنة ولكن حبس يبتلى به وهو ضرب من التعزير. هذا لفظه بحروفه ومن الأم نقلته، وهي مسألة مهمة جليلة وحكمها متجه مقاس، والعذر في عدم وقوف الأصحاب على هذا النص كونه مذكورًا في غير مظنته فلله الحمد على تيسير مثل هذه الأمور التي غفل عن مثلها فحول المتقدمين وتسهيل الاطلاع عليها لتسليم الحاكم والمفتي بخلافها عن الخطأ.
وقد ذهل إمام الحرمين في كتابه المسمي "بالعتابي" عن نص إمام المذهب على المسألة فنقل التقدير المذكور عن بعضهم ثم خطأه فيه فقال: ولست أرى للسلطان إيساع التعزير إلا في إطالة الحبس وليس الحبس ثابتًا في حد حتى يحط التعزير عنه.
ويشرع للقاضي أن يحبس في درهم أمدًا بعيدًا إلى إتقان القضاء أو
الإبراء، وقد منع بعض الفقهاء تبليغ مدة الحبس في التعزير سنة نظرًا إلى مدة الحبس في التعزير في حد الزنا، وهذا عندي فاسد كما قدمت ذكره.
وليس التغريب حدًا كاملًا وإنما هو جزء من حد. هذا كلامه، ذكر ذلك قبيل نصف الكتاب بقليل.
نعم المثال الذي مثل به وهو الحبس في وفاء الحق متجه مسلم لأجل استمرار المنع على التلبس بالمعصية وقد صرح الرافعي في مواضع بذلك وبما هو أبلغ منه؛ منها في باب تارك الصلاة تعليلًا لوجه فقال: وعن صاحب "التخليص" أن الممتنع من الصلاة. ينخس بحديدة ويقال له: قم صل، حتى يصلي أو يموت؛ لأن المقصود حمله على الصلاة فإن فعل فذاك وإلا عوقب كما يعاقب الممتنع من سائر الحقوق ويقاتل. هذه عبارته.
وذكر النووي في باب طهارة البدن والثوب من "شرح المهذب" نحوه فقال في تعليل إكراه من جبر عظمه بعظم نجس بلا ضرورة ما نصه: لأنه حصل بفعله وعدوانه فانتزع منه وإن خيف عليه التلف كما لو غصب مالًا ولا يمكن انتزاعه منه إلا بضرب يخاف منه التلف. هذه عبارته.
وذكر ابن الرفعة عن الزبيري أنه قدر ذلك بستة أشهر قال: وغيره لم يقدرها.
والتقدير بما قاله الزبيري هو على طريقة من يقول: لابد أن ينقص التعزير عن أدني الحدود مطلقًا والعبد يغرب نصف عام فلذلك وجب النقصان عنه، وأما المنصوص عليه في "الأم" فإنه مفرع على الصحيح؛ وهو أن العبرة بأدني حدود المعزر؛ وحينئذ فكلام الشافعي محمول على الحر فأما العبد فيتعين النقصان عن ستة أشهر؛ وبهذا يظهر أن في نقل الأشهر الستة عن الزبيري خللًا، وأن الصواب التقييد: لما دونها لا بالستة نفسها.
قوله: وقيل: لا يزاد على عشر جلدات لما روي عن أبي بردة بن نيار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يجلد فوق العشر إلا في حد"(1). انتهى.
واعلم أن اللفظ المذكور في الصحيحين عن الراوي المذكور وهو أبو بردة لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد أعني بتقييد النهي عن الزيادة بالأسواط لا بإطلاق النهي عن الزيادة مطلقًا كما قاله الرافعى وهو ظاهر من جهة المعني، وقد صرح الإصطخري بذلك في تصنيفه في أدب القضاء في الكلام على تعزير من أساء أدبه فقال: أحب أن يضرب بالدرة فإن ضرب بالسوط فأحب أن لا يزاد على العشرة وإن ضرب بالدرة فلا يزاد على تسعة وثلاثين.
قوله: وقول الغزالي في الكتاب: فيوجب الحد أي: يقتضيه ويثبته، ولا ينبغي أن يحمل على الوجوب بمعني اللزوم؛ ففي ترك أصل التعزير كلام سيأتي. انتهى.
وما ذكره عجيب فإن مرتكب ما يوجب التعزير لو لم يجب عليه بمعني يلزمه لكان له الامتناع وعدم التمكن من الاستيفاء.
نعم جوزنا للمستوفي تركه لأن ذلك مفوض إليه وهو نائب عن الله تعالى كغيره ممن له حق إذا فوض الأمر فيه لشخص وجوز له قبضه وتركه فتركه لا ينافي وجوبه.
قوله: والزوج يعزر زوجته في النشوز وما يتعلق به ولا يعزرها فيما يتعلق بحق الله تعالى والسيد يعزر في حق نفسه وكذا في حق الله تعالى على الأصح. انتهى ملخصًا.
واللفظ "للروضة"، وتنويعه هذه المسائل إلى مجزوم بها ومختلف فيها يوهم أن تعزير الزوج فيما يتعلق به كالضرب والشتم من المتفق عليه، وليس كذلك فإنه قد ذكر فيها وجهين في الكلام على النشوز حتى إنه لم
(1) أخرجه البخاري (6456)، ومسلم (1708) من حديث أبي بردة رضي الله عنه.
يرجح منهما شيئًا، وتعبير "الروضة" بالأصح، يقتضي قوة الخلاف مع أنه ضعيف.
كذا صرح هو به في الباب الثاني من كتاب حد الزنا فقال: وهو ضعيف. هذه عبارته.
قوله: وحكي الإمام عن المحققين أن المعزر إذا علم أن التأديب لا يحصل إلا بالضرب المبرح لم يكن له أن يضرب مبرحًا ولا غيره، أما المبرح فلأنه مهلك وأما غيره فلا فائدة فيه ويشبه ضربه ضربًا لا يبرح إقامة لصورة الواجب. انتهى.
أهمل في "الروضة" ما رجحه الرافعي من جهته وهو ظاهر ويقوي ما قاله المحققون أنه لو قتل نحيفًا بضربات تقتل مثله غالبًا وتيقنا أو ظننا ظنًا مؤكدًا أن الجاني لا يموت بتلك الضربات فلا تراعي المماثلة بل يقتل بالسيف كذا نقله الرافعي عن الإمام. ومثله إذا لاط بصبي فمات.
وقلنا: يدس في دبره خشبة قريبة من السّه ليموت بها، فإن ذلك لا يفعل إذا لم يتوقع موته بتلك الخشبة بل يقتل بالسيف. كذا نقله الرافعي عن "التتمة".
قوله في الاستدلال على ترك التعزير بأن النبي صلى الله عليه وسلم أعرض عن جماعة استحقوا التعزير كالذي غل في الغنيمة والذي لوي شدقه حين حكم النبي صلى الله عليه وسلم للزبير في سراج الحرة. وأساء الأدب. انتهى.
الغلول: بالغين المعجمة هو السرقة.
والشدق: بالشين المعجمة وسكون الدال المهملة وبالقاف.
وليه هو فعل المستهزئ بالناس.
وسراج الحرة تقدم إيضاحه في إحياء الموات.
قوله: ولو عفي مستحق التعزير عن القصاص أو الحد أو التعزير
فهل للإمام التعزير؟ فيه وجوه: أشبهها: الفرق بين أن يكون العفو عن الحد فلا [يعزر]، وبين أن يكون عن التعزير فيعزر لأن الحد لازم مقدر ولا يتعلق بنظر الإمام بخلاف التعزير. انتهى.
واعلم أن الرافعي قد ذكر في أوائل الفصل الثالث من الباب الثاني من أبواب اللعان ما يتبادر إلى الفهم منه مخالفته لهذا، وليس كذلك بل يستفاد منه حكم آخر فحصل الغلط هاهنا من عدم استحضاره فقال: والتعزير على نوعين.
تعزير تكذيب: وهو الذي شرع في حق الزاني الكاذب ظاهرًا فإنه يكذب بما يجري عليه وذلك كما إذا قذف زوجته الذمية أو الصغيرة التي يوطأ مثلها.
وتعزير تأديب: وهو أن يكون كذبه معلومًا أو صدقة ظاهرا فيعزر لا تكذيبا له ولكن تأديبًا.
فأما النوع الأول فالتعزير فيه يستوفي بطلبها.
وأما الثاني فظاهر كلام الشافعي أنه إنما يستوفي أيضا بطلبها، وحكي الإمام وجهًا أنه يستوفيه السلطان ولا يتوقف على طلبها كما يؤدب من يقول الناس زناة.
والمذهب الأول لأنها المقصودة بالإبداء والمتضررة بإشاعة الفاحشة انتهى ملخصًا.
فاستفدنا بما قاله هناك أن التعزير يتوقف على الطلب على الصحيح، وهذا الحكم لم يذكره هنا بل قد ربما. يتوهم خلافه فيقال إذا جاز بعد الإسقاط جاز قبل الطلب بطريق الأولى، وليس كذلك بل الفرق أنه إذا عفى فقد أسقط حقه فيبقي حق الإصلاح إلى الإمام، وإذا لم يطالب فالإصلاح منتظر بطلبها فلم يؤنس منه، وأيضا فلو أقيم قبل الطلب لفوت عليه هذا الحق وهو حق الطلب وحصول التشفي.