الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الرابع: في عقد المهادنة
قوله في أصل "الروضة": الشرط الثاني: أن يكون للمسلمين إليه حاجة وفيه مصلحة. انتهى.
وذكر في "المنهاج" أنه يجوز عقدها عند عدم المصلحة إلى أربعة أشهر فقال: وإنما يعقد لمصلحة كضعفنا بقلة عدد وأهبة أو رجاء إسلامهم أو بذل جزية كأن لم تكن جازت أربعة أشهر. هذا لفظه.
والمذكور في "الروضة" هو الصواب، وقد وقع كذلك في "المحرر" أيضًا ولكن حصل له في اختصاره غلط.
قوله: يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه ثالث تألب العرب واجتماع الأحزاب قال للأنصار: إن العرب قد كالبتكم ورمتكم عن قوس واحدة فهل ترون أن ندفع شيئًا من ثمار المدينة إليهم؟ فقالوا: يا رسول الله إن قلت عن وحي فسمعًا وطاعة وإن قلت عن رأى فرأيك متبع، ولكنا لا ندفع إليهم ثمرة إلا بشرى أو قرى ونحن كفار فكيف وقد أعزنا الله تعالى بالإسلام؟ فسر النبي صلى الله عليه وسلم بقولهم.
اعلم أن التألب: بالتاء المثناة والهمز والباء الموحدة هو: الاجتماع؛ يقال: ألب الإبل بالتخفيف على وزن ضرب إذا جمعها فهو تألبها بضم الباء وكسرها وتألبوا إذا اجتمعوا، وهمز ألب بفتح الهمزة وكسرها إذا كانوا مجتمعين قاله الجوهري.
قال: وأما [كالبتكم]: فمعناه شاذركتكم، والكالبة: المشارة، وكذلك التكالب تقول: هم يتكالبون على كذا أى يتواثبون عليه.
ثم ذكر الرافعي أيضًا ابنى سعيه، وقد تقدم ذكرهما قريبا في الطرف
الثاني من الغنيمة.
ثم قال: ورد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بصير، وكذلك أبا جندل على أبيه سهيل بن عمرو وهو يرسف في قيوده.
أما بصير: فهو بباء [موحدة] مفتوحة على وزن كريم.
وأما جندل فإنه بميم مفتوحة [بعدها] نون ساكنة ومعناه في اللغة: الحجر، وجمعه: جنادل.
وأما يرسف: فبالراء والسين المهملتين ومعناه يمشي في القيود؛ نقول: رسف يرسف ويرسف أى: بالضم والكسر رسفًا بالسكون ورسفانًا.
قوله: فإن دعت ضرورة إلى بذل مال بأن كان يعذبون الأسرى في أيديهم فديناهم، أو أحاطوا بنا وخفنا الاصطلاح فيجوز بذل المال ودفع أعظم الضررين بأخفهما.
وفي وجوب بذل المال عند الضرورة وجهان بناء على وجوب دفع الصائل. انتهى.
اعترض في "الروضة" على هذا الكلام فقال: قلت: ليس هذا البناء بصحيح لأن الصائل الكافر يجب دفعه قطعًا، ثم الخلاف في وجوب الدفع بالقتال وهنا بالمال، والأصح وجوب البذل هنا للضرورة هذا آخر كلامه.
فأما دعواه أن البناء ليس بصحيح فمردود؛ فإن البناء مشهور؛ فممن ذكره القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وصاحب "البيان" وغيرهم.
وأما دعواه أن الكافر يجب دفعه قطعًا فمحله إذا قصد النفس ولم يندفع إلا بالقتل فإن الاستسلام لا يجوز لما فيه من الذل، وأما هنا فإنه لم يمكن دفعه إلا بالمال؛ فالصورة غير الصورة، والخلاف هنا له وجه؛ لأنه الذل كما يحصل بالاستسلام يحصل أيضًا ببذل المال.
وأما قوله: ثم الخلاف في وجوب الدفع بالقتال وهنا بالمال، فمراده به أن الخلاف مع انتفائه في حق الكافر وثبوته في حق المسلم خاصة فإنما صورته في المسلم في القتال وهنا في بذل المال فكيف يأتي؟ وجوابه ما ذكرناه أن مجيء الخلاف فيه أيضًا ظاهر.
وأما قوله أن الصحيح وجوب البذل هنا للضرورة فمخالف لما قاله في آخر كتاب السير: فإنه قد نص هناك على استحباب فك الأسرى، وجزم بجوازه أيضًا لا وجوبه القاضي الحسين وإمام الحرمين والغزالي في كتبه.
بل نقل صاحب "البيان" عن المسعودي أنه لا يجوز أن يشترط الإمام للكفار على المسلمين مالًا بحال، وكذلك إذا كان في أيدي الكفار للمسلمين مال لا يجوز للإمام أن يعاقدهم على ترك ذلك المال لهم، وكذلك إذا كان في أيدينا أسير منهم لا يجوز معاقدتهم على رده.
والاصطلاح هو الاصطدام.
قوله: فإن لم يكن بالمسلمين ضعف جاز أربعة أشهر ولا تجوز سنة، وكذا ما بينهما في أصح القولين، وقطع أبو إسحاق بالجواز، وقيل: في السنة قولان بناهما بانون على أن الذمي إذا مات في أثناء السنة هل يجب قسط ما مضى؟ وخصص هؤلاء الخلاف بما إذا مات وقد مضى أكثر من أربعة أشهر. انتهى ملخصًا.
فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره في السنة من تصحيح طريقة القطع بالمنع وتضعيف طريقة القولين قد جزم بخلافه قبل ذلك في الباب الثالث المعقود لترك القتل والأمان، وقد سبق ذكر لفظه.
الأمر الثاني: أنه قد وقع للنووي في اختصاره لهذا الكلام أمورًا: أولها أنه أسقط طريقة أبي إسحاق.
وثانيها: أنه عبر عن الطريقين في السنة بقوله: ولا تجوز سنة على [المذهب](1)، ولا يعرف منه أن الصحيح طريقة القطع أو الخلاف ولا أن الخلاف قولان أو وجهان.
ثالثهما: أن هاتين الطريقين المختلفتين في موت الذمي يؤخذ منهما قول ثالث وهو الوجوب إذا مات بعد أربعة أشهر دون الأربعة فما دونها، وليس هذا القول مذكورًا في باب الجزية، وقد حذف النووي ذلك من "الروضة" وكأنه توهم سبق ذكره في بابه.
قوله في "الروضة": وإن كان بالمسلمين ضعف جازت الزيادة إلى عشر سنين بحسب الحاجة، وقيل تجوز الزيادة، وقيل: تمتنع الزيادة على سنة، وقيل: على أربعة أشهر مطلقا. انتهى.
زاد الرافعي على هذا فقال: وقيل: إن عقدت لضرورة ففي جواز الزيادة على العشر قولان، وإن عقدت لحاجة فقيل: تجوز الزيادة على الأربعة إلى سنة، وقيل: لابد أن تنقص عن السنة. انتهى.
وتحصل من ذلك وجوه لا تؤخذ من "الروضة".
قوله: ولو جاءت منهم مسلمة لم يجز ردها إليهم، فإن طلب زوجها ما دفع إليها من الصداق لم يجب رده في أصح القولين، فإن أوجبنا فأسلم الزوج قبل انقضاء العدة فالنكاح مستمر وليس له طلب المهر، وإن أسلم بعد انقضائها فإن أخذ المهر قبل إسلامه لم يسترجع منه وصار بالقبض كالمستهلك وإن لم يأخذه فإن طالب به قبل إسلامه استقر له الممر بحصول الحيلولة بإسلامها.
وعن أبي إسحاق أنه لا مهر له وإن لم يطالب به قبل إسلامه فلا شيء له لأن الحيلولة حصلت بالبينونة باختلاف الدين ولا نطالبه بالمهر بعد البينونة.
(1) سقط من أ.
انتهى كلامه.
وما ذكره من أن الطلب إما إن يكون قبل الإسلام أو بعده قد تابعه عليه في "الروضة" أيضًا وهو غير مستقيم، بل الصواب أن نقول: إما أن يكون قبل انقضاء العدة أو بعدها أي يعبر بالعدة عوضًا عن الإسلام كما عبر به البغوي في "التهذيب" والشيخ في "المهذب" وذلك لأن الرافعي علل عدم الاستحقاق في الطلب الواقع بعد الإسلام لحصول البينونة والطلب الواقع بعد انقضاء العدة فيكون كما بعد الإسلام لوجود البينونة فيهما.
واعلم أن الشيخ أبا حامد وابن الصباغ قد صرحا بأنه إذا لم يطالب قبل إسلامه لا يستحق شيئًا لكنهما عللاه بأنه لما أسلم التزم أحكام الإسلام وليس من أحكام الإسلام المطالبة بالمهر فتعليل الشيخ أبي حامد وابن الصباغ موافق لتصويرهما، وتعليل البغوي والشيخ في "التهذيب" موافق أيضًا لتصويرهما، وأما الرافعي فأخذ تصوير ابن الصباغ وتعليل البغوي فلم ينتظم كلامه.
قال في "البيان": فإن أسلم الزوج قبل الدخول قال الشيخ أبو حامد: إن طالب بها قبل إسلامه وجب له المهر وإن أسلم ثم طالب لم يجب.
قال ابن الصباغ: قد بانت بإسلامها، فإذا لم يكن له المطالبة [بالمهر نص عليه في الأم لأنه إذا أسلم قبل استقرار المهر له بالمطالبة](1) فقد التزم أحكام الإسلام. هذا كلامه.
قوله في "الروضة" في هذه المسألة الأخيرة: فلو كانت الصورة بحالها ولم يكن أعطاها المهر فلما أسلم بعد انقضاء العدة أخذت المهر بسبب المسيس فهل يغرم له ذلك؟ فيه احتمالان للإمام: أرجحهما المنع. انتهى كلامه.
(1) سقط من أ.
وما أطلقه النووي من الترجيح لم يطلقه الرافعي وإنما نقله عن الإمام خاصة فقال: وكلام الإمام إلى عدم التغريم أميل.
قوله: وفي معنى النساء الصبيان والمجانين فلا يردون لضعفهم ولا يجوز الصلح بشرط ردهم، وإذا بلغ الصبي وأفاق المجنون فإن وصفا الإسلام فذاك انتهى. وما ذكره من عدم جواز رد المهر لأهله إذا أسلم قد ذكر ما يقتضيه أيضًا في أوائل الحضانة وخالفهما في كتاب اللقيط فصحح الجواز، وقد سبق ذكر لفظ كل موضع في بابه.
قوله: وهل يعتق العبد الذي جاء مسلمًا؟ حكى الروياني عن الحاوي أنه إن غلبهم على نفسه ثم أسلم وهاجر عتق لأن الهدنة لا توجب أمان بعضهم من بعض، وإن أسلم ثم غلبهم على نفسه وجاءنا نظر إن فعل ذلك قبل أن هادناهم فكذلك لأنه غلب في حال الإباحة وإن فعله بعد الهدنة لأن أموالهم محرمة حينئذ لا نملكها بالقهر لكن لا يقر على ملكه. انتهى كلامه.
وما نقله عن "الحاوي" وأقره من أنه إذا أسلم ثم هاجر لا يحكم بعتقه قد نقله قبل هذا بنحو ورقة عن "التهذيب" وأشار إلى ترجيح خلافه فقال في الكلام على الأمة: ولو أسلمت ثم فارقتهم وهاجرت مسلمة فقد ذكر في "التهذيب" أنها لا تصير حرة لأنهم في أمان منا وأموالهم محظورة علينا فلا [يزول] الملك عليها بالهجرة بخلاف ما إذا هاجرت ثم أسلمت فإن الهدنة لا توجب أمان بعضهم من بعض فجاز أن تملك نفسها بالقهر.
ولم يتعرض جماعة لهذا التفصيل وأطلقوا الحكم بالعتق، ويجوز أن يؤخذ به وإن أسلمت ثم فارقتهم، ويوجه بأن الهدنة حرب معنا ولم يجز معها.
هذا لفظه. وتبعه النووي في "الروضة" على الموضعين.
قوله: ثم لو جاءتهم امرأة منا مرتدة وهاجرت إلينا امرأة منهم مسلمة
وطلقها زوجها فلا يغرم لها المهر ولكن واحدة بواحدة ويجعل المهرين قصاصًا، ويدفع الإمام مهر إلى زوج المرتدة ويكتب إلى زعيمهم ليدفع مهرها إلى زوج المهاجرة. هذا إن تساوى القدران، فإن كان مهر المهاجرة أكثر صرفنا مقدار مهر المرتدة منه إلى زوجها والباقي إلي زوج المهاجرة، وإن كان مهر المرتدة أكثر صرفنا مقدار مهر المهاجرة إلى زوجها والباقي إلى زوج المرتدة. انتهى كلامه.
وهذا الحكم الذي قاله غير مستقيم بل الصواب أن يصرف مقدار مهر المهاجرة إلى زوج المرتدة من زعيم أهل الهدنة، وهذا واضح، وقد صرح به هكذا صاحب "الحاوي" وهو مقتضى كلام المحاملى، وصرح الغزالي في "البسيط" بدفع مهر المهاجرة إلى زوج المرتدة وأن يكمل له الباقي ثم إن شرطه النقد على الصحيح في بابه فراجعه.
تم الجزء الثامن والحمد لله رب العالمين، يتلوه إن شاء الله تعالى في أول التاسع كتاب الصيد والذبائح، وحسبنا الله ونعم الوكيل.