الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال: النظر الثاني في
دفع الصائل
قوله: وإذا صال على نفسه مسلم لم يجب عليه دفعه في أصح القولين.
ثم قال: وعن القاضي الحسين الفرق بين أن يمكنه دفعه من غيره أن يقتله فيجب وبين أن لا يمكنه دفعه إلا بالقتل فيجوز الاستسلام. انتهى.
وهذا النقل عن القاضي [نقله عنه البغوي في "التهذيب" ولكنه أهمل منه شرطًا آخرًا ذكره القاضي] في "تعليقه" فقال: إن الأصحاب أطلقوا القول بأن المقصود بالخيار بين الاستسلام وبين الدفع عن نفسه.
وقلت أنا: إن أمكنه أن يدفعه من غير أن يجرحه أو يقتله وجب عليه الدفع.
قوله: وفي تعليق إبراهيم المروزي وجهان فيمن جلد رجلًا ثمانين وقال قد كان قذفني وأقام بينة به هل يحسب ذلك عن الحد؟ وبنى على الوجهين أنه إن عاش هل يعاد الحد وإن مات هل يجب القصاص على الشارب؟
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على حكاية الوجهين من غير ترجيح، والأصح منهما عدم الحسبان؛ كذا صححه الرافعى قبل ذلك في باب حد القذف وضعف مقابله.
قوله: فمن رأى إنسانًا يتلف مال نفسة مثل أن يحرق كدسه ويغرق متاعه جاز له دفعه، وإن كان حيوانا بأن يراه يشدخ رأس حماره ففى وجوب الدفع بحرمة الحيوان وجهان؛ المذكور منهما في "التهذيب": أنه يجب. انتهى.
والأصح كما ذهب إليه البغوي كذا صححه في "الروضة" ولم ينبه على أنه من "زوائده" بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له.
والكدس: بالكاف سبق إيضاحه في حد السرقة.
والشدخ: بشين وخاء معجمتين بينها دال ساكنة: كسر الشيء الأجوف.
ثم ذكر الرافعي في الفصل ألفاظًا.
منها: الفهر: بفاء مكسورة وهاء ساكنة وراء مهملة، هو الحجر الذي يملأ الكف، يذكر ويؤنث، ويجمع على أفهار.
ومنها قولهم: فلان من عرض الناس: هو بعين مهملة مضمومة وراء ساكنة وضاد معجمة؛ أي: من عامتهم.
ومنها: القضم: بقاف مفتوحة وضاد معجمة ساكنة هو العض بالأسنان.
وأما الخضم: بالخاء والضاد المعجمتين فهو الأكل بجميع الفم.
ومنها: ينبعج بطنه: هو بباء موحدة وعين مهملة بعدها جيم؛ أي: يشقة، يقال: بعج بطنه بالسكين يبعجه بالفتح بعجا فهو مبعوج وبعيج.
ومنها: صير: بصاد مهملة مكسورة بعدها ياء ساكنة بنقطتين من تحت وبالراء المهملة هو الشق؛ يقول: نظرت إليه من صير الباب، أي: من الشق الذي فيه.
ومنها: أنه روى أنه صلى الله عليه وسلم كان يخاتل الناظر ليرمي عينه بالمدري (1).
المخاتلة: بالخاء المعجمة والياء المثناه بنقطتين من فوق هي المخادعة والمراصدة. ومنها الفسطاط: بضم الفاء وكسرها هو بيت من شعر.
(1) أخرجه البخاري (5580) ومسلم (2156) من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه.
قوله: ولو كان للقتيل وارثان فحلف أحدهما ونكل الآخر حلف القاتل للآخر وعليه نصف الدية للحالف، وإن كان أحدهما بالغًا والآخر صغيرًا وحلف البالغ لم يقتص حتى يبلغ الصغير فيحلف أو يموت فيحلف وارثه.
وإن أخذ البالغ نصف الدية حكى الروياني أنه يؤخذ للصغير أيضًا، فإذا بلغ حلف، فإن نكل وحلف القاتل رد عليه ما أخذ. انتهى كلامه.
واعلم أن الدعوى بمال الصبي والمال الذي عليه مذكور في موضعين: أحدهما في كتاب الدعاوي في الكلام على النكول قبيل الباب الخامس المعقود للبينة، والموضع الثاني في آخر الصداق وفيه اضطراب أوضحته هناك فليراجع منهما.
قوله: السادسة: لو كان باب الدار مفتوحًا فنظر منه أو نظر من كوة واسعة أو من ثلمة حصلت في الجدار، فإن كان مجتازًا لم يجز فصد عينه، وإن وقف ونظر متعمدًا فوجهان: أصحهما عند صاحب "التهذيب" وبه أجاب الإمام: المنع. انتهى.
والأصح ما صححه البغوي، كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير" والنووي في أصل "الروضة".
قوله: ولو نظرت المرأة أو المراهق جاز رميهما على الأصح.
لقائل أن يقول: كيف يجوز رمى المراهق مع أنه غير مكلف ولهذا لا يقام عليه شيء من الحدود قصاصًا كان أو غيره، وقد ذكر الرافعي قبل ذلك أنه لو كان في الدار محرم للبالغ الناظر أو زوجة أو متاع لم يرم لأجل الشبهة وأي شبهة أقوى من عدم التحريم؟
قوله: قال السرخسي: لو كان من في الدار غاصبًا لم يستحق الناظر الرمى، وإن كان مستأجرًا فله الرمى، وإن كان مستعيرًا فوجهان.
ذكر في "الروضة" مثله، وفيه أمران:
أحدهما: أن صورة المسائل الثلاث أن يكون الناظر هو المالك. كذا رأيته في "الأمالى" للسرخسي فتفطن له.
الثاني: أن الرافعي قد ذكر في السرقة أن الدار المستعارة حرز بالنسبة إلى غير المعير، وكذا في حق المعير على الأصح.
وقياس مسألتنا أن يكون مثله أيضًا حتى يكون الأصح من الوجهين أنه يرمي كما في القطع؛ بل أولى.
قوله: ولو صال العبد المبيع على البائع أو أجنبي قبل القبض فقتله دفعًا انفسخ العقد.
ولو صال على المشتري فقتله ففي مصيرة قابضا وجهان. انتهى.
والأصح: أنه لا يصير؛ كذا صححه النووي في كتاب البيع من "الروضة".
قوله: وفي "البيان": أنه لو قطع يد الصائل في الدفع فلما ولى تبعه فقتله وجب عليه القصاص عن النفس، وحكى عن بعض الأصحاب أن لورثة المصول عليه أن يرجعوا في تركة الصائل بنصف الدية. قال: والذي يقتضيه المذهب أنهم لا يرجعون بشيء لأن النفس لا تنقص بنقصان اليد. انتهى كلامه.
ذكر في "الروضة" مثله. وهو غلط وقع في "البيان" سببه أنه نقل المسألة عن "العدة" لأبي عبد الله الطبري فغلط في فهم ما ذكره عنه، ثم اعترض عليه بسببه فتبعه عليه الرافعي ثم النووي في "الروضة"؛ وذلك أن صورة المسألة أن القاطع هو الصائل ثم إن الصائل ولي فينتبه المصول عليه وهو المقطوع يده فيقتله أي يقتل الصائل فإن القصاص يجب على المقطوع لأنه قتل الصائل بعد هربه، وإذا قتل أي المقطوع قصاصًا وجبت لورثته في تركة الصائل نصف الدية لأن القصاص في اليد قد تعذر بموته. هكذا صور المسألة صاحب العدة وعلى هذا التصوير لا إشكال فإنه قال أعني صاحب
العدة: وإذا ولي عنه القاصد وترك [قصده](1) لم يكن له أن يصيبه بشيء.
ثم قال ما نصه: فإن قطع يد رجل عند القصد فلما ولي تبعه وقتله كان لوليه القصاص في النفس لأنه حين ولي عنه لم يكن له أن يقتله، ولورثة المقصود أن يرجعوا في تركة القاصد بنصف الدية لأن القصاص سقط عنه بهلاكه.
هذا لفظ "العدة" ومنها نقلت، وهو كلام صحيح متفق عليه فنقله عنه صاحب البيان متوهمًا أن القاطع هو الصائل فقال: وإن قصده فقطع يده فولي عنه ثم تبعه فقتله كان لوليه القصاص في النفس لأنه لما ولي عنه لم يكن له قتله.
قال الطبري في "العدة": ولورثة المقصود أن يراجعوا في تركه القاصد بنصف الدية لأن القصاص سقط عنه بهلاكه.
قلت: والذي يقتضيه المذهب أنهم لا يرجعون بشئ كما لو اقتص منه فقطع يده ثم قتله، ولأن النفس لا تنتقص بنقصان اليد؛ ولهذا لو قتل رجل له يدان رجلًا ليس له إلا يد قتل به ولا شيء لورثة القاتل.
هذا كلام "البيان"، وتصويره المنقول عن صاحب العدة صحيح، والضمير في قوله: فقطع يعود على القاصد الصائل، والتعليل الذي ذكره صاحب "العدة" يوضحه، فتوهم صاحب "البيان" عوده إلى المصول عليه فاعترض عليه، ثم إن الرافعي زاد الأمر إشكالًا والتعبير خللًا فصرح بذلك في التصوير، ثم إنه حذف المنقول عنه والتعليل المرشدين إلى الصواب فزاد الأمر فسادًا وتبعه على ذلك كله في "الروضة"؛ فلله الحمد على الإرشاد إلى الصواب.
(1) سقط من أ.