الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتاب السير
وفيه ثلاث أبواب:
الباب الأول: في وجوب الجهاد
اعلم أن النووي قد رتب مسائل هذا الباب على غير ترتيب الرافعي وأنا تابع للأصل فاعلمه.
قوله في أصل "الروضة": ثم فرض الصوم بعد الهجرة بسنتين. انتهى.
ذكر بعده من "زوائده" ما حاصله أن افتراضه كان بعد ستة أشهر من الثانية لا بعد سنتين فإنه قال: إنه فرض في شعبان من السنة الثانية وما ذكره أولًا تبعًا للرافعي ذكره القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما.
قوله: وفرض الحج سنة ست، وقيل سنة خمس. انتهى.
وما ذكره هنا من تصحيح الست قد خالفه في أوائل الحج في الكلام على أنه ليس على الفور فجزم بأنه فرض في سنة خمس، وقد سبق ذكر لفظه في موضعه، وذكر النووي بعد هذا من "زوائده" وجهًا آخرًا أنه فرض سنة تسع، وذكر غيرهما فيه وجوهًا أخرى.
قوله من "زوائده": واختلف أصحابنا في أن شرع من قبلنا هل هو شرع لنا إذا لم يرد ما ينسخ ذلك الحكم، والأصح: أنه ليس بشرع، وقيل: بلى، وقيل: شرع إبراهيم فقط. انتهى.
وهذه المسألة بترجيحها مذكورة في باب الأطعمة من الرافعي وذكرها أيضًا في "الروضة" هناك وحكى الخلاف قولين.
قوله من "زوائده" أيضًا: وتوفي صلى الله عليه وسلم ضحى يوم الاثنين لثنتي عشرة خلت من ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة. انتهى كلامه.
وهذا الذي ذكره من أن وفاته عليه الصلاة والسلام في ربيع الأول فصحيح، وأما كونها يوم الاثنين مع كونها في الثاني عشر فذكره أيضًا غيره، وهو غلط.
وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم قبضه الله تعالى إليه بعد رجوعه من الحج وكان وقوفه بعرفة يوم الجمعه بالاتفاق فيكون أول ذي الحجة يوم الخميس؛ وحينئذ فإن كانت الأشهر الثلاث التي بقيت من عمره صلى الله عليه وسلم كلها تامة كان الثاني عشر من ربيع إنما هو يوم الأحد لأنه يكون أول ذي الحجة الخميس كما قلناه وآخره الجمعة وأول المحرم السبت وآخره الأحد وأول صفر الاثنين وآخره الثلاثاء وأول ربيع الأربعاء وحينئذ فيكون ثاني عشرة يوم الأحد، وإن نقص شهر واحد وتم شهران كان أول ربيع متقدمًا على اليوم الذي قلنا إنه أوله بتقدير تمام الأشهر الثلاث يوم واحد، فيكون أوله الثلاثاء، وإذن يكون ثاني عشرة يوم السبق وإن نقص شهران وتم شهر واحد كان أول ربيع متقدما بيوم آخر فيكون أوله الاثنين وحينئذ فثاني عشرة الجمعة، وإن نقصت الأشهر الثلاث كان أول ربيع سابقًا على ما قبله بيوم أيضًا فيكون أوله الأحد فيكون ثاني عشرة يوم الخميس؛ فثبت بطلان الجمع بين الاثنين مع كونه ثاني عشر.
قوله أيضًا من "زياداته": ثم نسخ أي: قيام الليل بإيجاب الصلوات الخمس ليلة الإسراء بمكة أشهر ليلة سبع وعشرين من رجب. انتهى كلامه.
وهذا الذي جزم به من كون هذه الليلة التي أسرى به فيها وفرضت فيها الصلاة كانت في رجب قد خالفه في "فتاويه" في كتاب الصلاة فجزم بأنها ليلة السابع والعشرين من ربيع الأول فقال: ثم نسخ قيام الليل ليلة الإسراء ووجب فيها الصلوات الخمس، وكان الإسراء سنة خمس أو ست من النبوة، وقيل غير ذلك، وكان الإسراء ليلة السابع والعشرين من ربيع
الأول. هذا كلامه.
وخالفهما معًا في "شرح مسلم" فجزم بأنها ليلة السابع والعشرين من ربيع الآخر، وسبقه إلى ذلك القاضي عياض في "شرح مسلم" أيضًا فقلده فيه النووي.
قوله: فللكفار حالتان: إحداهما: إذا كانوا مستقرين في بلادهم فالجهاد معهم فرض على الكفاية فإن امتنع الجميع أثموا. وهل يعمهم أم يختص بالذين ندبوا إليه؟ حكى القاضي ابن كج فيه وجهين.
انتهى. والأصح على ما ذكره في "الروضة" من "زوائده" أنه يأثم كل من لا عذر له.
قوله: فإنه روى أن غزوة بدر كانت في السنة الثانية من الهجرة وكانت غزوة أحد في الثالثة وغزوة ذات الرقاع في الرابعة وغزوة الخندق في الخامسة وغزوة بني النضير في السادسة وفتح خيبر في السابعة وفتح مكة في الثامنة وغزوة تبوك في التاسعة. انتهى.
وهذه الغزوات قد حذفها النووي من كلام الرافعي ثم أتى بها في أثناء "زياداته" مخالفا لما ذكره الرافعي من الترتيب من غير تنبيه عليه؛ فإنه ذكر أن غزاة بني النضير في السنة الثالثة وقد تقدم من كلام الرافعي أنها في السادسة وهو المذكور في "النهاية"، وذكر في غزوة الخندق خلافًا أنها في الرابعة أو الخامسة وصحح أنها في الرابعة على خلاف ما جزم به الرافعى، وذكر أن غزوة ذات الرقاع في الخامسة وجزم الرافعي بأنها في الرابعة.
وقريظة: بالظاء [المعجمة] المشالة بخلاف النضير فإنها بالمعجمة غير المشالة، وهما جميعًا من يهود [خيبر] وينتسبان إلى هارون عليه الصلاة والسلام قاله الجوهري.
والنضير: هو المذهب، وكذلك النضار بضم النون، والنضير أيضًا على وزن التصرف.
قوله: ويأمرهم المحتسب بصلاة العيد وهل هو جائز أو لازم؟ فيه وجهان:
انتهى. والأصح وجوب الأمر بها، وإن قلنا إنها سنة، كذا قاله في "الروضة".
قال: لأن الأمر بالمعروف هو الأمر بالطاعة لاسيما ما كان شعارًا ظاهرًا.
وفيما ذكره من كون الأمر بالمعروف هو الأمر بالطاعة قد سبق منه، وفيه أمور:
أحدها: أن ما ذكره قبل هذا بأسطر خلافه فقال في أصل "الروضة": والمراد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الأمر بواجبات الشرع والنهي عن محرماته. هذه عبارته.
الثاني: أن الأكثرون على خلاف ما صححه فقد نقل الإمام في "الشامل" عن معظم الفقهاء أن الأمر بالمعروف في المستحب مستحب، ونقل عن القاضي أبي بكر أنه أوجبه.
ثم قال أعني الإمام: إن الأظهر عندي قول الفقهاء. ويؤيد كلامه أنا لا نقاتل على ترك الأذان وصلاة الجماعة والعيد على قولنا: إنها سنة.
الثالث: أن النووي قد ذكر في "فتاويه" وغيرها: أن الإمام إذا أمر بصلاة الاستسقاء صارت واجبة، وقياسها في العيد كذلك أيضًا؛ أي: يجب عليه أن يأمر وعليهم أن يفعلوا، والمتجه أنه يكون فرض كفاية لا عين.
قوله: ويسقط فرض الكفاية بالصغر والجنون والأنوثة، وللإمام أن يأذن للمراهقين والنساء. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن في ما ذكره في المجنون إجمالًا فهل المراد بالجنون وقت الخروج خاصة أم ما هو [أعم] من ذلك؟ ، وبتقدير الثاني فهل المراد الغالب أو الكثير [أو] مطلق ذلك وإن كان نادرًا فيه نظر، والمتجة اعتبار ما عدا الأخير.
الأمر الثاني: أن ما ذكروه في الصبي إن كان المراد أنه يحضر ويقاتل فهو مشكل؛ لأن فيه تغريرا بنفسه وقد منعوا التغرير بماله فبنفسه أولى، ورضاه أو رضا الولي لغرض الشهادة لا أثر له كما لا أثر لذلك في إتلاف.
قوله في "أصل الروضة": ولا جهاد على أشل اليدين ولا على من فقد معظم أصابعه بخلاف فاقد الأقل. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره في فقدان الأصابع حاصله أن الكثرة معتبرة بالنسبة إلى الأصابع كلها لا بالنسبة [إلي] يد واحدة حتى لو قطعت مثلًا أربع أصابع لم يسقط الوجوب، وليس كذلك بل يسقط عنه لأنه يصير كمقطوع إحدى اليدين، وهو الذي اقتصر على نقله ابن الرفعة في "الكفاية" فقال: ولا يجب على مقطوع إحدى اليدين، فلو كان مقطوع بعض أصابعها، فإن كان المقطوع الأكثر فكذلك الحكم وإن كان المقطوع الأقل وجب. قاله المصنف والماوردي، وكذلك حكم الأنامل. هذا كلامه.
وعبارة الرافعي ليست كعبارة "الروضة" بل هي إلى عبارة "الكفاية" أقرب فإنه قال: ولا جهاد على الأقطع والأشل لأنه لا يتمكن من الضرب والاتقاء، ومفقود معظم الأصابع كالأقطع.
الأمر الثاني: أن الاصحاب في كتاب الظهار لما تكلموا في سلامة الرقبة من العيب الذى يخل بالعمل سلكوا في قطع الأصابع والأنامل طريقة أخرى مباينة لهذه بالكلية وقالوا: إذا كان مقطوع [الخنصر] والبنصر معًا لم يجز، وكذا إن قطع أحد الثلاثة الباقية وهي الإبهام والسبابة والوسطى، بل
لو قطعت أنملة واحدة من الإبهام لم نجزه.
وهذه الطريقة أسد من الطريقة التي سلكوها في هذا الباب مع أن القتال منوط بالأيدي والعمل المحصل للقوت لا يستلزم ذلك؛ لأنه قد يستأجر للحراسة أو للضبط أو للتعليم وغير ذلك، ولا شك أن مقصود الإعتاق وهو تخليص الرقبة للحرية غير مناف لوضعه لهذه الأشياء، ووضع القتال مناف لذلك لاسيما والكلام في القتال الذي هو فرض على الكفاية، فإن قيل فائدة حضوره تكثير السواد والصياح ونحو ذلك.
قلنا: قولهم: إن الفرض لا يتعلق بمن لا يستطيع القتال مبطل لذلك وأيضًا فإنه يقتضي الإيجاب على مقطوع اليد بكمالها ولا قائل به.
قوله: فإن أمر السيد عبده بالجهاد قال الإمام: الوجه أنه لا تلزمه طاعته لأنه ليس من أهل هذا الشأن والملك لا يقتضي التعرض للهلاك، فليس القتال من الاستخدام المستحق للسيد على العبد، ولا يجوز أن يكون في هذا خلاف، ولا يلزمه الذب عن سيده عند الخوف على روحه إذا لم نوجب الدفع عن الغير بل السيد في ذلك كالأجانب وللسيد استصحابه في سفر الجهاد وغيره ليخدمه.
وقوله في "الكتاب": وليس عليه الذب عن سيده، ينبغي أن يعلم بالواو فإنه جواب على أن الدفع عن الغير لا يجب.
انتهى كلامه. وما ذكره من الإعلام بالواو لأجل الخلاف قد تابعه عليه أيضًا في "الروضة"(1): فقال: ولا يلزمه الذب عن [سيده] عند خوفه على روحه إذا لم نوجب الدفع عن الغير هذه عبارته.
والذي قالاه وهم فقد سبق في كتاب العيال أنه لا يجب الدفع عن الغير عند الخوف على النفس بلا خلاف فراجعه.
ولا شك أن الرافعي قد اعتمد في ذلك على فهم غير مطابق فهمه من كلام الإمام فإن الإمام لما ذكر ما نقله عنه الرافعي عبر في هذه المسألة بقوله
وإذا لم نوجب الدفع عن المسلم المقصود على التفصيل الذي قدمناه للفقهاء فلا يجب على العبد أن يدفع عن سيده إذا كان في الدفع تعريض نفسه للقتل.
نعم له استصحابه لخدمته. . . . إلى آخر ما ذكر. والذي قاله الإمام صحيح فتأمله.
قوله: وإن كان معسرًا فقد ذكر القاضي ابن كج أن المذهب أنه ليس لصاحب الدين منعه لأنه لا مطالبة عليه في الحال، وأن أبا إسحاق قال: له المنع. انتهى.
والصحيح ما قاله ابن كج؛ فقد قال في "المحرر": إنه الأظهر، والنووي في أصل "الروضة": إنه الأصح.
قوله: ولو مرض بعد ما خرج أو عرج أو فنى زاده أو هلكت دابته فهو بالخيار بين أن ينصرف أو يمضى، فإن حضر الوقعة فعن رواية القاضي أبي الطيب وصاحب "التقريب": أنه يلزمه الثبات، وعن غيرهما يجوز الرجوع لأنه لا يمكنه القتال وهذا أظهر، وخص الإمام الخلاف بما إذا كان لا يورث انصرافه فشلًا وانحلالًا في الجند، فإن أورثه لم يجز الرجوع، وفي التهذيب في صورة هلاك الدابة أنه يلزمه القتال راجلًا إن أمكنه ذلك وإلا فله الانصراف، وعن بعضهم فيما إذا انقطع عنه سلاحه أو انكسر أنه أمكنه القتال بالحجارة لزمه ذلك. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره عن الإمام من تخصيص الخلاف وأقره عليه قد تابعه عليه في "الروضة" أيضًا وهو وجه ضعيف لا قيد معمول به فقد نقله الرافعي بعد هذا في الباب الثاني المعقود لكيفية الجهاد عن الغزالي وضعفه، ووافقه عليه النووي.
الأمر الثاني: أن ما حكاه عن بعضهم حكاية الأوجه الضعيفة من
وجوب الرمي بالحجارة عند تعذر السلاح قد تابعه عليه في "الروضة" أيضًا لكن قد حكى الرافعي في الباب الذي أشرنا إليه قريبًا فيه وجهين وصحح النووي هناك من "زوائده" الوجوب على عكس المذكور هنا وسأذكره في موضعه.
قوله: ولو علمت المرأة أنها لو استسلمت لامتدت الأيدى إليها لزمها الدفع وإن كانت تقتل.
ثم قال: وإن كانت لا تقصد الفاحشة في الحال وإنما تظن ذلك بعد السبي فيحتمل أن يجوز لها الاستسلام في الحال ثم تدفع حينئذ. انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على التوقف في المسألة والاقتصار على هذا الاحتمال وهو يقتضي أنهما لم يظفرا في المسألة بنقل مع أن الغزالي قد ذكرها في "الوسيط" وحكى فيها وجهين فقال: والمرأة إن علمت ذلك يعني القتل ولكن تعلم أنها تقصد الفاحشة ففي وجوب المكافحة وجهان.
أحدهما: نعم حتى تقتل فإن الفاحشة لا تباح بخوف القتل.
والثاني: لا لأن القتل معلوم والفاحشة موهومة. هذا لفظه.
وهي المسألة بعينها. وتعبيره بقوله: ولكن يعلم، ليس المراد به حقيقة العلم قطعا لاستحالته بل المراد به الشعور ويؤيده التصريح بذلك في التعليل حيث قال: والفاحشة موهومة.
قوله: الثانية: لو أسروا مسلمًا أو جماعة فهل هو كدخول دار الإسلام حتى يصير الجهاد فرض عين؟ فيه وجهان أظهرهما عند الإمام نعم لأن حرمة دار الإسلام كحرمة المسلمين. انتهى.
لم يصحح في "الشرح الصغير" شيئا أيضًا وصحح النووي في "أصل الروضة" ما رجحه الإمام.
قوله من زوائده الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية ولا يسقط
ذلك عن المكلف لكونه يظن أنه لا يفيد أو يعلم بالعادة أنه لا يؤثر كلامه فإن الذكرى تنفع المؤمنين، وليس الواجب عليه أن يقبل منه بل واجبه أن يقول كما قال تعالى:{مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ} (1) انتهى كلامه.
وما ذكره من عدم السقوط عند العلم بعدم التأثير باطل لا نعرف أحدًا قال به بل نقله إمام الحرمين في كتابه المسمى بـ"الشامل" في علم أصول الدين عن القاضي أبي بكر أنهم أجمعوا على عدم الوجوب ولم يخالفه الإمام [فيه وهذا متجه يعضده ما قالوه: أن الوالد والزوج وغيرهما ممن شرع له الضرب تأديبًا لا يجوز له الضرب إذا لم يترتب على ضربه فائدة، وذكر الغزالي في "الإحياء" نحو ما ذكره الإمام] وحكى خلافًا في حالة تعارض الاحتمالين وصحح الوجوب، وذكر الإمام نحوه فإنه نقل عن كثير من أنه لا يجب ثم خالفهم.
قوله: قالوا: ومن أمثله المنكر أن يرى مكشوف بعض عورته في حمام. انتهى كلامه.
ذكر بعد هذا أن الإنكار لا يكون في مختلف فيه وحينئذ فالعورة المكشوفة إما أن تكون من الفخذ أو من السوأتين، فإن كانت من السوأتين وإلا فلا على كلام يأتي فيه.
قوله أيضًا من "زوائده": ثم العلماء إنما ينكرون على ما أجمع على إنكاره، أما المختلف فيه فلا إنكار فيه لأن كل مجتهد مصيب أو المصيب واحد ولا نعلمه ولا إثم على المخطئ. انتهى كلامه.
وما قاله من عدم الإنكار في المختلف فيه محله إذا كان الفاعل لا يرى تحريمه، فإن كان ممن يراه فوجهان: الصحيح منهما: أنه كالمجمع عليه؛ كذا قاله الرافعي في كتاب الوليمة وتبعه عليه في "الروضة"، وما ذكروه من عدم الإنكار إذا كان الفاعل لا يرى التحريم يشكل عليه ما إذا شرب الحنفي
(1) سورة المائدة (99).
النبيذ فإن الصحيح أنه يحد مع أن الإنكار بالفعل أبلغ من الإنكار بالقول.
قوله فيها أيضًا: لأن العلماء متفقون على استحباب الخروج من الخلاف إذا لم يلزم منه الإخلال بسنة ثابته أو وقوعه في خلاف آخر. انتهى كلامه.
ومحل هذا كما قاله الشيخ عز الدين في "القواعد": إذا كان مأخذ المخالف قويًا فإن ضعف فلا يستحب الخروج منه وذكر أيضًا النووي في "شرح المهذب" وغيره نحوه فقال: لا حرمة بخلاف يخالف السنة أي لما ثبت في الحديث الصحيح.
قوله في "الزوائد" أيضًا: واعلم أنه لا يسقط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا أن يخاف منه على نفسه أو ماله أو يخاف على غيره مفسدة أعظم من مفسدة المنكر الواقع. انتهى.
أهمل قسمًا آخرا يسقط فيه؛ وهو ما إذا غلب على ظنه أن المرتكب يزيد فيما هو فيه عنادًا. كذا أشار إليه في "الإحياء"، وذكر الإمام أيضًا نحوه.
قوله: ومن فروض الكفاية: إحياء الكعبة بالحج كل سنة.
هكذا أطلقوه وينبغي أن تكون العمرة كالحج بل الاعتكاف والصلاة في المسجد الحرام فإن التعظيم وإحياء البقعة يحصل بكل ذلك. انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره الرافعي بحثًا قد أشار إليه في "المحرر" فقال: وإحياء الكعبة بالزيارة، وتبعه عليه في "المنهاج" وخالف في "الروضة": فقال: لا يحصل مقصود الحج بما ذكر فإنه يشتمل على الوقوف والرمي والمبيت بمزدلفة ومنى وإحياء تلك البقاع بالطاعات، والله أعلم.
وما ذكره النووي رحمه الله لا يلاقي المعنى الذي ذكره الرافعي فإنا نسلم أنه لا يحصل مقصود الحج لكن الكلام في إحياء الكعبة لا في إحياء هذه الأماكن.
نعم. المتجه في الصلاة والاعتكاف في المسجد الحرام ما ذكره فإنه ليس فيهما إحياء للكعبة بالكلية بل ولا يختص الاعتكاف بمسجد معين ولا الصلاة بمكان، وأما العمرة فإلحاقها بالحج قريب، وسكت عن الطواف والمتجه أنه كالعمرة، وأما الاعتكاف داخل الكعبة فالمتجه خلافه بعدم الاختصاص كما سبق.
واعلم أن كلامهم يقتضي أنه يخاطب بهذا الفرض من حج و [من](1) لم يحج وإذا أتى به من لم يحج فيقع على الفرضين معًا وإن حج وقع على فرض الكفاية وحينئذ فلا يكون لنا حج تطوع أصلًا ويقرب منه قولهم في صلاة الجنازة: إن الجميع تقع صلاتهم فرضًا حتى الطائفة الثانية وإذا انحصر الحال فيمن حج لتعذر غيره فيلزمه الحج ثانيًا وثالثًا.
الأمر الثاني: لا يشترط في القائمين بهذا الفرض قدر مخصوص بل الفرض أن يوجد حجها في الجملة من بعض الناس. كذا ذكره النووي في آخر الباب الخامس من "مناسكه"، ومقتضاه الاكتفاء بواحد، وفيه بعد؛ لاسيما إذا كان مكثًا واكتفينا بالصلاة ونحوها مما أشار إليه الرافعي، والمتجه: اعتبار الحج من عدد يظهر بهم الشعار يقدمون على مكة فإنهم اعتبروا هذا العدد في الجماعة على القول بوجوبها فهاهنا أولى.
قوله: ومنها دفع الضرر عن المسلمين وإزالة فاقتهم، كستر العارين وإطعام الجائعين وإعانة المستغيثين في النائبات. انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" وفيه أمور:
أحدها: أن تخصيصه بالمسلمين باطل، فإن أهل الذمة والمستأمنين يجب أيضًا دفع ضررهم بالستر والإطعام وغيرهم كما يجب للمسلم، وقد صرح الرافعي بالمسألة في باب الأطمعة في الكلام على المضطر.
الثاني: أن تعبيره: بستر العارى، ذكر مثله أيضا في "المحرر" ويقرب من
(1) سقط من أ.
ذلك تعبير "المنهاج" فإنه عبر: بكسوة العارى، والمفهوم من ذلك عرفًا هو ما يحتاج إليه البدن جميعه، وهو كذلك بلا شك، وحينئذ فيختلف الحال بالنسبة إلى الشتاء والصيف والصحة والمرض.
إذا علمت ذلك كله فقد عدل في "الروضة" إلى التعبير بقوله: كستر العورة، وهو تعبير لا مطابق ولا صحيح في نفسه كما سبق.
الأمر الثالث: أن ما ذكره من وجوب دفع وجوب إعانه المستعين في الباب بعد تقريره وجوب (1) دفع الضرر يقتضي وجوب دفع الصائل على الغير، والذي صححاه في كتاب الصيال عدم الوجوب، وقيل: يجب وإن لم يجب عليه الدفع عن نفسه لكن كيف يقال: يقدم الوجوب على جمع قادرين على ذلك؟ !
قوله في "أصل الروضة"[في الكلام](2) على إطعام الجائع: فإذا اشتدت الضرورة فهل يكفي ذلك أم يجب الزيادة إلى تمام الكفاية التي يقوم بها من تلزمه النفقة؟ حكى الإمام فيه وجهين: انتهى.
فيه أمور: أحدها: أن هذا الكلام يوهم أنهما وجهان لأصحابنا، وليس كذلك بل هو خلاف للأصوليين كذا ذكره الإمام ونقله عنه الرافعى.
الأمر الثاني: أن الراجح الاكتفاء بما يسد الضرورة؛ فإن الرافعى قد أعاد المسألة في كتاب الأطعمة وجزم بأنها على القولين فيما إذا وجد الميتة والأصح في الميتة ما ذكرناه، والثاني: أنه يشبع.
الأمر الثالث: الواجب في نفقة القريب إنما هو المقدار الذي يتمكن معه من التصرف على العادة لا المشبع ولا دافع الضرورة فقط وهو ما يسد الرمق.
هذا حاصل ما في الرافعي وصرح به في "الوجيز" فتفطن له؛ فإن
(1) سقط من أ.
(2)
سقط من أ.
الرافعي هنا قد أحال أحد القولين عليه.
وإذا علمت ذلك علمت أنه يتلخص في الواجب في مسألتنا ثلاث مقالات:
أحدها: سد الرمق.
والثاني: فوق هذا ودون الشبع وهو ما يجب على القريب وهذا من كلام الأصوليين.
والثالث: الشبع.
قوله من "زيادته" قال الإمام في كتابه "الغياثي" يجب على الموسر المواساة بما زاد على كفاية سنة، والله أعلم.
وما نقله عن "الغياثى" وارتضاه سيأتي ما يخالفه في كتاب الأطعمة فإنه قال في "أصل الروضة": وإن لم يكن المالك مضطرًا لزمه إطعام المضطر مسلمًا كان أو ذميًا أو مستأمنًا، وكذا لو كان يحتاج إليه في ثاني الحال على الأصح.
قوله: وأما الحرف والصناعات ففرض كفاية.
انتهى هذه عبارته وهذا الكلام يوهم أن الحرف غير الصناعات وقد نص الجوهري في باب الفاء على أنها هي.
قوله: وإن كان له مال زكوى لزمه تعلم ظواهر أحكام الزكاة.
قال الروياني: هذا إذا لم يكن له ساع يكفيه الأمر. انتهى.
والراجح [على ما](1) في "الروضة" أنه لا يسقط عنه التعلم بالساعى؛ إذ قد يجب عليه ما لا يعلمه الساعي.
قوله: ومن يبيع ويشتري ويتجر يتعين عليه معرفة أحكام التجارات،
(1) سقط من أ.
وكذا ما [يحتاج](1) إليه صاحب كل حرفه يتعين عليه تعليمه، والمراد الأحكام الظاهرة الغالبة دون الفروع النادرة والمسائل الدقيقة. انتهى كلامه.
وهذه العبارة قد ذكرها أيضًا في "الروضة" ولم يرتضيها في "شرح المهذب" فقال: هذه العبارة أطلقها الإمام والغزالي قال: الأصح قول غيرهما أنه يحرم عليه أن يبيع ويشتري إلا بعد التعلم.
قال: ومن كان ذا زوجة فيجب عليه تعلم عشرة النساء.
قوله: ولا يكفي أن يكون في الإقليم مفت واحد لعسر مراجعته واعتبر الأصحاب قدر مسافة القصر وكأن المراد أن لا يزيد ما بين كل مفتيين على مسافة القصر. انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن النووي قد تابعه في "الروضة" على اعتبار هذه المسألة بين المفتين، وفيه نظر؛ بل الظاهر اعتبارها بين المستفتي ولا يكلف المستفتي في ذهابه للمفتي إلى قطع مسافه القصر لطولها شرعًا بل لابد أن يكون ناقصًا عنها، والاعتبار الذي ذكره يقتضي أنه يجوز أن يكون بين المفتين أكثر من مسافة القصر فاضرب له مثلًا في مكان معين يظهر لك بالعمل.
الأمر الثاني: أن الغزالي في "الوسيط" قبيل باب القسمة قد جزم بأنه لا يجوز إخلاء مسافة العدوى عن القاضي، وذكر مثله إمام الحرمين أيضًا وغيرهما ولم يعتبروا ما اعتبروه هنا من مسافة القصر، والوجه استواء المسألتين في المسافة.
قوله من "زوائده": قال صاحب "الحاوى": وإنما يتوجه فرض الكفاية في العلم على من جمع أربع شروط فهو أن يكون مكلفًا وممن يتقلد القضاء لا عبدًا وامرأة وأن لا يكون تلميذًا وأن يقدر على الانقطاع إليه بأن تكون له كفاية.
(1) سقط من أ.
ويدخل الفاسق في الفرض ولا يسقط به، لأنه لا يقبل قوله، وفي دخول العبد والمرأة وجهان؛ لأنهما أهل للفتوى دون القضاء. انتهى.
وما نقله عن الماوردي من حكاية الخلاف في دخول المرأة والعبد غلط بل جزم بأنهما لا يدخلان في الفرض وحكى الوجهين في سقوط الفرض بهما.
قوله: وإذا تعطل فرض كفاية أثم كل من علم به وقدر على القيام، وكذا من لم يعلم وكان قريبًا من الموضع يليق به البحث والمراقبة. انتهى.
قد سبق قبل هذا بنحو ورقة وصفحة من كلام الرافعي شئ يتعلق بهذا ينبغي معرفته.
قوله أيضا من "زياداته": وقد قال إمام الحرمين في كتابه "العتابى": الذي أراه أن القيام بفرض الكفاية أفضل من فرض العين؛ لأنه لو ترك المتعين اختص هو بالإثم ولو فعله اختص بسقوط الفرض، وفرض الكفاية لو تركه أثم الجميع ففاعله ساع في صيانة الأمة عن المأثم، ولا شك في رجحان من حل محل المسلمين أجمعين في القيام بهم عن مهمات الدين. انتهى كلامه.
واقتصار النووي على النقل عن الإمام خصوصًا مع تعبيره بقوله: والذي أراه كذا وكذا يوهم أن ذلك لا يعرف لغيره، وليس كذلك فقد سبقه والده في المحيط بذلك حكمًا وتعليلًا. كذا نقله ابن الصلاح في "فوائد رحلته" من خط الشيخ أبي محمد، ثم نقله أيضًا في موضع آخر من "الفوائد" المذكورة عن الأستاذ أبي إسحاق، ثم أطلقت على هذا النقل لأقدم من المذكورين فرأيته في أول "شرح التلخيص" للشيخ أبي على السنجي نقلًا عن جماعة فقال: قال أهل التحقيق: إن فرض الكفاية أهم من فرض الأعيان والاشتغال به أفضل من الاشتغال بأداء فرض العين. هذا لفظه.
ثم ذكر ما سبق من التعليل، والكتاب المذكور كتاب عظيم جليل المقدار كثير الفوائد.