الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر ولاية الآمر بأحكام الله على مصر
الآمر اسمه منصور، وكنيته أبو علىّ، ولقبه الآمر بأحكام الله بن المستعلى بالله أبى القاسم أحمد بن المستنصر بالله أبى تميم معدّ بن الظاهر بالله علىّ بن الحاكم بأمر الله منصور بن العزيز بالله نزار بن المعزّ لدين الله معدّ بن المنصور إسماعيل بن القائم بأمر الله محمد بن المهدىّ عبيد الله العبيدىّ الفاطمىّ السابع من خلفاء مصر من بنى عبيد والعاشر منهم ممن ملك بالمغرب.
قال الحافظ أبو عبد الله شمس الدّين محمد الذهبىّ فى تاريخ الإسلام: «كان رافضيّا كآبائه فاسقا ظالما «1» جبّارا متظاهرا بالمنكر واللهو، ذا كبر وجبروت، وكان مدبّر سلطانه الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش. ولى الآمر وهو صبىّ فلما كبر قتل الأفضل وأقام فى الوزارة المأمون أبا عبد الله محمد بن مختار بن فاتك البطائحىّ «2» ، فظلم وأساء السّيرة إلى أن قبض عليه الآمر سنة تسع عشرة وخمسمائة، وصادره ثم قتله فى سنة اثنتين وعشرين وصلبه، وقتل معه خمسة من إخوته. وفى أيّام الآمر أخذ الفرنج عكّا سنة سبع وتسعين وأربعمائة، وأخذوا طرابلس «3» فى سنة اثنتين وخمسمائة، فقتلوا وسبوا، وجاءتها نجدة المصريّين بعد فوات المصلحة؛ وأخذوا عرقة «4» وبانياس.
وتسلّموا فى سنة إحدى عشرة وخمسمائة تبنين «5» وتسلمّوا صور سنة ثمانى عشرة، وأخذوا بيروت بالسيف فى سنة ثلاث وخمسمائة، وأخذوا صيداء «6» سنة أربع وخمسمائة.
ثم قصد الملك بردويل الإفرنجىّ مصر ليأخذها، ودخل الفرما «1» وأحرق جامعها ومساجدها؛ فأهلكه الله قبل أن يصل إلى العريش «2» . فشقّ أصحابه بطنه وصبرود، ورموا حشوته «3» هناك؛ فهى ترجم إلى اليوم بالسبخة «4» ، ودفنوه بقمامة «5» . وهو الذي أخذ بيت المقدس وعكا وعدّة حصون من السواحل. وهذا كله بتخلّف هذا المشئوم الطلعة. وفى أيّامه ظهر ابن تومرت «6» بالغرب.
وولد الآمر فى أوّل سنة تسعين وأربعمائة، واستخلف وله خمس سنين، وبقي فى الملك تسعا وعشرين سنة وتسعة أشهر، إلى أن خرج من القاهرة يوما فى ذى القعدة
وعدّى على الجسر «1» إلى الجزيرة «2» ؛ فكمن له قوم بالسلاح. فلما عبر نزلوا عليه بأسيافهم، وكان فى طائفة يسيرة، فردّوه «3» إلى القصر وهو مثخن بالجراح، فهلك من غير عقب. وهو العاشر من أولاد المهدىّ عبيد الله الخارج بسجلماسة وبايعوا
بالآمر ابن عمه الحافظ أبا الميمون عبد المجيد بن محمد بن المستنصر بالله. وكان الآمر ربعة، شديد الأدمة، جاحظ العينين، حسن الخط، جيدّ العقل والمعرفة.
وقد ابتهج بقتله لفسقه وسفكه للدماء وكثرة مصادرته واستحسانه الفواحش.
وعاش خمسا وثلاثين سنة. وبنى وزيره المأمون بالقاهرة الجامع «1» الأقمر» . انتهى كلام الذهبىّ برمّته. ونذكر إن شاء الله قتله وأحواله بأوسع مما قاله الذهبىّ من أقوال جماعة من المؤرّخين أيضا.
وقال العلّامة أبو المظفّر فى مرآة الزمان: «لما كان يوم الثلاثاء ثالث ذى القعدة خرج من القاهرة (يعنى الآمر) وأتى الجزيرة وعبر بعض الجسر، فوثب عليه قوم فلعبوا عليه بالسيوف- وقيل: كانوا غلمان الأفضل- فحمل فى مركب إلى القصر فمات فى ليلته، وعمره أربع وثلاثون سنة- وزاد غيره فقال: وتسعة أشهر وعشرون يوما- وكانت أيّامه أربعا وعشرين سنة وشهرا.
قلت: وهم صاحب مرآة الزمان فى قوله: «وكانت مدّته أربعا وعشرين سنة وشهرا» . والصواب ما قاله الذهبىّ، فإنّه وافق فى ذلك جمهور المؤرخين.
ولعل الوهم يكون من الناسخ. وما آفة الأخبار إلّا رواتها.
قال (أعنى صاحب مرآة الزمان) : ومولده سنة تسعين وأربعمائة. قلت:
وزاد غيره وقال: فى يوم الثلاثاء ثالث عشر المحرّم. قال: وكانت سيرته قد ساءت بالظلم والعسف والمصادرة. قال: ولمّا قتل الامر وثب غلام له أرمنىّ فاستولى على القاهرة، وفرّق الأموال فى العساكر، وأراد أن يتأمر على الناس؛ فخالفه جماعة
ومضوا إلى أحمد بن الأفضل (يعنى الوزير) فعاهدوه وجاءوا به إلى القاهرة، فخرج الغلام الأرمنىّ فقتلوه، وولّوا أبا الميمون عبد المجيد بن محمد بن المستنصر، وولى الخلافة، ولقّبوه بالحافظ؛ ووزر له أبو علىّ أحمد بن الأفضل بن أمير الجيوش، وسمّاه أمير الجيوش. فأحسن إلى الناس، وأعاد إليهم ما صادرهم به الآمر وأسقطه؛ فأحبّه الناس؛ فحسده مقدّمو الدولة فاغتالوه. وقيل: إنّ الآمر لم يخلّف ولدا وترك امرأة حاملا؛ فماج أهل مصر وقالوا: لا يموت أحد من أهل هذا البيت إلّا ويخلّف ولدا ذكرا، منصوصة عليه الإمامة؛ وكان قد نصّ على الحمل قبل موته، فوضعت الحامل بنتا، فعدلوا إلى الحافظ؛ وانقطع النّسل من الآمر وأولاده. وهذا مذهب طائفة من شيعة المصريّين؛ فإنّ الإمامة عندهم من المستنصر إلى نزار.
وكان نقش خاتم الآمر هذا «الآمر بأحكام الله أمير المؤمنين» . وابتهج الناس بقتله.
انتهى كلام صاحب مرآة الزمان أيضا برمّته.
قلت: ونذكر إن شاء الله قتلة الآمر هذا بأوسع من هذا فى آخر ترجمته بعد أن نذكر أقوال المؤرّخين فى أمره.
وقال قاضى القضاة شمس الدين أحمد بن محمد بن خلّكان- رحمه الله:
«وكان الآمر سيّئ الرأى جائر السّيرة مستهترا متظاهرا باللهو واللّعب. وفى أيّامه أخذت الفرنج مدينة عكّا- ثم ذكر ابن خلّكان نحوا ممّا ذكره الذهبىّ من أخذ الفرنج للبلاد الشامية. إلى أن قال:- خرج من القاهرة (يعنى الآمر) صبيحة يوم الثلاثاء ثالث عشر «1» ذى القعدة سنة أربع وعشرين وخمسمائة، ونزل إلى مصر وعدّى على الجسر إلى الجزيرة التى قبالة مصر (يعنى الرّوضة) ؛ فكمن له قوم بالأسلحة
وتواعدوا على قتله فى السكة التى يمرّ بها. فلمّا مرّ بها وثبوا عليه ولعبوا عليه بالسيوف، وكان قد جاوز الجسر وحده فى عدّة قليلة من غلمانه وبطانته وخاصّته وشيعته، فحمل فى زورق فى النيل ولم يمت، وأدخل القاهرة وهو حىّ وجىء به إلى القصر فمات من ليلته، ولم يعقب. وكان قبيح السّيرة، ظلم الناس وأخذ أموالهم، وسفك الدماء، وارتكب المحظورات، واستحسن القبائح، وابتهج الناس بقتله» .
انتهى كلام ابن خلّكان.
وقيل: إنّ الآمر كان فيه هوج عند طلوعه المنبر فى خطبته فى الجمع والأعياد، فاستحيا وزيره المأمون بن البطائحىّ أن يشافهه بما يقع له من الهوج؛ وأراد أن يفهمها له من غير مشافهة، فقال له: يا مولانا، قد مضى من الشهر أيّام ولم يبق إلا الرّكوب إلى الجمعة الأولى- قلت: وقد تقدّم فى ترجمة المعزّ لدين الله ترتيب خروج الخلفاء الفاطميّين إلى صلاة الجمعة- ويصلّوا بالناس ثلاث جمع، والجمعة الأخيرة «1» من كلّ شهر يصلّى بالناس الخطيب وتسمّى تلك الجمعة جمعة الراحة (أعنى يستريح فيها الخليفة) . ونستطرد فى هذه الترجمة أيضا لذكر شىء من ذلك مما لم نذكره فى ترجمة المعزّ. قال الوزير: يا مولانا، وبعد غد جمعة الراحة، فإن حسن فى الرأى أن يخرج مولانا بحاشيته خاصّة من باب النوبة «2» إلى القصر النافعىّ «3» فما فيه سوى عجائز وقرائب وألزام، ويجلس مولانا على القبّة التى على المحراب قبالة الخطيب ليشاهد نائبه فى الخطابة كيف يخطب، فإنّه رجل شريف فصيح اللّسان حافظ القرآن.
فأجابه الخليفة الآمر إلى ذلك. ولمّا حضر الجامع وجلس فى القبّة وفتح الرّوشن وقام الخطيب فخطب، فهو فى الصلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم فى الخطبة الثانية وإذا بالهوى قد فتح الطاق فرفع الخطيب رأسه فوقع وجهه فى وجه الخليفة فعرفه فأرتج عليه وارتاع ولم يدر ما يقول، حتّى فتح عليه فقال: معاشر المسلمين، نفعكم الله وإيّاى بما سمعتم، وعن الضلال عصمكم. قال الله تعالى فى كتابه العزيز:
وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً
. إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ
…
. إلى آخر الآية، وصلّى بالناس. فلما انفصل المجلس تكلم الآمر مع وزيره المذكور بما وقع للخطيب. فانفتح الكلام للوزير وتكلّم فيما كان بصدده، فرجع الآمر عن الخطّابة واستناب وزيره المذكور؛ فصار الوزير يخطب بجامع القاهرة وجامع ابن طولون وجامع مصر.
وقال ابن أبى المنصور فى تاريخه: إنّ ابتداء خطبة الوزير المأمون كانت فى شهر رمضان سنة خمس وثمانين؛ وترك الآمر الخطابة مع ما كان له فى ذلك من الرغبة الزائدة، حتّى إنّه كان اقترح أشياء أخرى فى خروجه إلى الجامع زيادة على ما كانت آباؤه تفعله، غير أنّه كان يخطب فى الأعياد بعد ما استناب وزيره المأمون ابن البطائحىّ فى خطبة الجمع. فكان الآمر إذا خرج فى خطبة العيد خرج إلى المصلّى، ويخرجون قبله، على العادة السابقة المذكورة فى ترجمة المعزّ، بالفرش والآلات، وعلّق بالمحاريب الشروب المذهبة، وفرش فيه ثلاث سجّادات متراكبة، وبأغلاها السجادة اللطيفة التى كانت عندهم معظّمة، وهى قطعة من حصير، ذكر أنّها كانت من حصير لجعفر الصادق- رضى الله عنه- وكانت مما أخذه الحاكم بأمر الله عند فتح دار جعفر الصادق. ثم تغلق الأبواب الثلاثة التى بجنب القبّة التى فى صدرها المحراب.
قلت: والذي ذكرناه فى ترجمة المعزّ لدين الله كانت صلاته بالجامع الأزهر،
والآمر هذا كانت صلاته فى الجمعة بالجامع الحاكمىّ، وفى العيد بالمصلّى.
ونذكر أيضا هيئة خروج الامر إلى الجامع بنحو ما ذكرناه هناك وزيادة أخرى لم نذكرها؛ فبهذا المقتضى يكون للإعادة نتيجة. قال: ثمّ تفرش أرض القبّة المذكورة جمعيا بالحصر المحاريب المبطّنة، ثم تعلّق الستور بالمحراب وجانبى المنبر، ويفرش درجه، وينصب اللواءان ويعلّقان عليه، ويقف متولّى ذلك والقاضى تحت المنبر، ويطلق البخور، ويتقدّم «1» الوزير بألّا يفتح الباب أحد، وهو الباب الذي يدخل الخليفة منه ويقف عليه، ويقعد الداعى فى الدّهليز، ويقرأ المقرئون بين يديه، ويدخل الأمراء والأشراف والشهود والشيوخ، ولا يدخل غيرهم إلّا بضمان من الداعى. فإذا استحقّت الصلاة أقبل الخليفة فى زيه الذي ذكرناه فى ترجمة المعزّ لدين الله وقصيب الملك بيده، وجميع إخوته وبنو عمّه فى ركابه. فعند ذلك يتلقّاه المقرئون ويرجع من كان حوله من بنى عمه وإخوته. ويخرج من باب الملك إلى أن يصل إلى باب العيد، فتنشر المظلّة عليه- وقد ذكرنا أيضا زىّ المظلّة فى ترجمة المعزّ- ويترتّب الموكب فى دعة لا يتقدّم أحد ولا يتأخّر عن مكانه، وكذلك وراء الموكب العماريات- هم عوض المحفّات- والزّرافات والفيلة والأسود عليها الأسرّة مزيّنة بالأسلحة. ولا يدخل من باب المصلّى أحد راكبا إلا الوزير خاصّة، ثم يدخل الباب الثانى فيترجّل الوزير ويتسلّم شكيمه فرس الخليفة حتّى ينزل الخليفة ويمشى إلى المحراب، والقاضى والداعى عن يمينه ويساره يوصّلان التكبير لجماعة المؤذّنين. وكاتب الدّست وجماعة الكتّاب يصلّون تحت عقد المنبر، لا يمكن غيرهم أن يكون معهم. ويكبّر فى الأولى سبعا وفى الثانية خمسا على
سنّة القوم، ثم يطلع الوزير ثمّ يسلّم الدعو «1» القاضى، فيستدعى من جرت عادته بطلوع المنبر، وكلّ لا يتعدّى مكانه. ثم ينزل الخليفة بعد الخطبة ويعود فى أحسن زىّ على هيئة خروجه من رحبة باب العيد حتّى يأكل الناس السّماط. وقد ذكرنا كيفيّة السّماط وزىّ لبس الخليفة والمظلّة وصفة ركوبه وطلوعه إلى المنبر ونزوله، فى ترجمة المعزّ لدين الله أوّل خلفائهم، فينظر هناك من هذا الكتاب.
قلت: وكان الآمر يتناهى فى العظمة ويتقاعد عن الجهاد. وما قاله الذهبىّ فى ترجمته فبحقّ؛ فإنّه مع تلك المساوى التى ذكرت عنه كان فيه تهاون فى أمر الغزو والجهاد حتّى استولت الفرنج على غالب السواحل وحصونها فى أيّامه، وإن كان وقع لأبيه المستعلى أيضا ذلك وأخذ القدس فى أيامه فإنّه اهتمّ لقتال الفرنج وأرسل [الأفضل «2» بن] بدر الجمالىّ أمير الجيوش بالعساكر، فوصلوا بعد فوات المصلحة بيوم. فكان له فى الجملة مندوحة، بخلاف الآمر هذا، فإنّه لم ينهض لقتال الفرنج البتّة، وإن كان أرسل مع الأسطول عسكرا فهو كلا شىء. وسنبيّن ذلك عند استيلاء الفرنج على طرابلس وغيرها على سبيل الاختصار فى هذا المحلّ، فنقول:
أوّل ما وقع فى أيّامه من طمع الفرنج فى البلاد فإنّهم خرجوا فى أوّل سنة سبع وتسعين وأربعمائة من الرّهاء، وانقسموا قسمين، قسم قصد حرّان، وقسم قصد الرّقّة. فالذى توجّه إلى الرّقّة خرج لهم سكمان بن أرتق صاحب ماردين، وكان سالم بن بدر العقيلىّ فى بنى عقيل، وقد نزلوا على رأس «3» العين، فخرج بهم سكمان
المذكور، والتقوا مع الفرنج واقتتلوا قتالا شديدا أسر فيه سالم بن بدر المذكور، ثم كانت الدائرة على الفرنج، فانهزموا وقتل منهم خلق كثير. والقسم الآخر من الفرنج الذي قصد حرّان والبلاد الشاميّة لم ينهض لقتالهم وصالحهم ابن عمّار قاضى طرابلس وصاحبها وهادنهم، على أن يكون لصنجيل ملك الفرنج ظاهر البلد، وألّا يقطع الميرة عنها وأن يكون داخل البلد لابن عمّار. وهلك فى أثناء ذلك صنجيل المذكور ملك الروم. ولم ينهض أحد من المصريّين لقتال المذكورين.
فعلمت الفرنج ضعف من بمصر. ثم بعد ذلك فى سنة اثنتين وخمسمائة قصد الفرنج طرابلس وأخذوها، بعد أن اجتمع عليها ملوك الفرنج مع ريمند «1» بن صنجيل المقدّم ذكره فى ستين مركبا فى البحر مشحونة بالمقاتلة؛ وطنكرى الفرنجىّ صاحب أنطاكية، وبغدوين الفرنجىّ صاحب القدس بمن معهم، جاءوا من البرّ وشرعوا فى قتالها وضايقوها من أوّل شعبان إلى حادى عشر ذى الحجّة، وأسندوا أبراجهم إلى سور البلد. فلمّا رأى أهل طرابلس ذلك أيقنوا بالهلاك مع تأخّر أسطول مصر عنهم. ثم حضر أسطول مصر من البحر. وصار كلّما سار نحو البلد ردّه الفرنج إلى نحو مصر.
قلت: ومن هذا يظهر عدم اكتراث أهل مصر بالفرنج من كلّ وجه. الأوّل:
من تقاعدهم عن المسير فى هذه المدّة الطويلة. والثانى: لضعف العسكر الذي أرسلوه مع أسطول مصر، ولو كان لعسكر الأسطول قوّة لدفع الفرنج من البحر عن البلد على حسب الحال. والثالث: لم لا خرج الوزير الأفضل بن أمير الجيوش بالعساكر المصرية كما كان فعل والده بدر «2» الجمالىّ فى أوائل الأمر. هذا مع قوّتهم
من العساكر والأموال والأسلحة. فلله الأمر من قبل ومن بعد. ولله درّ السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب فيما فعله فى أمر الجهاد وفتح البلاد، كما يأتى ذلك كلّه إن شاء الله مفصّلا فى وقته وساعته فى ترجمة السلطان صلاح الدين- رحمه الله.
ثمّ إنّ الفرنج لما علموا بحال أهل طرابلس وتحقّقوا أمرهم حملوا حملة رجل واحد فى يوم الاثنين حادى عشر ذى الحجة وهجموا على طرابلس، فأخذوها ونهبوها وأسروا رجالها وسبوا نساءهم وأخذوا أموالها وذخائرها؛ وكان فيها ما لا يحصى ولا يحصر واقتسموها بينهم. وطمعوا فى الغنائم، فساروا إلى جبلة وبها فخر الملك ابن عمّار الذي كان صاحب طرابلس وقاضيها، وتسلّموها منه بالأمان فى ثانى عشر ذى الحجّة فى يوم واحد، وخرج منها ابن عمّار سالما. ثم وصل بعد ذلك الأسطول المصرىّ بالعساكر، فوجدوا البلاد قد أخذت فعادوا كما هم إلى مصر. وسار ابن عمّار إلى شيزر، فأكرمه صاحبها سلطان بن علىّ بن منقذ واحترمه وعرض عليه المقام عنده فأبى، وتوجّه إلى الأمير طغتكين صاحب دمشق، فأكرمه طغتكين وأنزله وأقطعه الزّبدانىّ «1» وأعماله. ثم وقع بين بغدوين صاحب القدس وبين طغتكين المذكور أمور، حتّى وقع الاتفاق بينهما على أن يكون السّواد «2» وجبل عوف مثلّثة، الثّلث للفرنج والباقى للمسلمين. ثم انقضى ذلك فى سنة خمس وخمسائة. وقصد بغدوين الفرنجىّ المذكور صور؛ فكتب واليها وأهلها إلى طغتكين يسألونه أنهم يسلّمونها إليه قبل مجىء الفرنج لأنّهم يئسوا من نصرة مصر؛ فأبى وبعث إليهم الفرسان والرّجالة، وجاءهم هو من جبل عاملة ثمّ عاد. ثمّ سار إليهم بغدوين فى «3» الخامس
والعشرين من جمادى الأولى سنة خمس وخمسمائة فقطع أشجارها وقاتلها أياما، وهو يعود خاسرا. وخرج طغتكين وخيّم ببانياس وجهّز الخيّالة والرّجالة إلى صور نجدة، فلم يقدروا على الدخول إليها من الفرنج وثمّ رحلت الفرنج عنها، ونزلوا على الحبيس «1» (وهو حصن عظيم) وحاصروه حتى فتحوه عنوة؛ وقتلوا كلّ من كان فيه، ثم عاد بغدوين إلى صور وشرع فى عمل الأبراج، وأخذ فى قتالها «2» والزحف فى كلّ يوم.
فلمّا بلغ ذلك طغتكين زحف عليهم ليشغلهم، فخندق عليهم وهجم الشتاء فلم يبال الفرنج به لأنّهم كانوا فى أرض رملة، والميرة تصل إليهم من صيداء فى المراكب.
ثمّ ركب طغتكين البحر وسار إلى نحو صيداء، وقتل جماعة من الفرنج وغرّق مراكبهم وأوصل مكاتبته إلى أهل صور، فقوّى قلوبهم. ثم عمل الفرنج برجين عظيمين، طول الكبير منهما زيادة على خمسين ذراعا، وطول الصغير زيادة على أربعين ذراعا، وزحفوا بهما أوّل شهر رمضان، وخرج أهل صور بالنّفط والقطران ورموا النار، فهبّت الريح فاحترق البرج الصغير بعد المحاربة العظيمة، ونهب منه زرديات «3» وطوارق «4» وغير ذلك؛ ولعبت النار فى البرج الكبير أيضا فأطفأها الفرنج.
ثم إنّ الفرنج طمّوا الخندق، وواتروا الزّحف طول شهر رمضان، وأشرف أهل البلد على الهلاك. فتحيّل واحد من المسلمين له خبرة بالحرب، فعمل كباشا من أخشاب تدفع البرج الذي يلصقونه بالسور. ثم تحيّل فى حريق البرج الكبير حتّى أحرقه، وخرج المسلمون فأخذوا منه آلات وسلاحا. فحينئذ يئس الفرنج من
أخذها، ورحلوا عنها بعد ما أحرقوا جميع ما كان لهم من المراكب على الساحل والأخشاب والعمائر والعلوفات وغيرها. وجاءهم طغتكين فما سلّموا إليه البلد؛ فقال طغتكين: أنا ما فعلت الذي فعلته إلّا لله تعالى لا لرغبة فى حصن ولا مال، ومتى دهمكم عدوّكم جئتكم بنفسى وبرجالى، ثمّ رحل عنهم- فلله درّه من ملك- كلّ ذلك ولم تأت نجدة المصريّين. ودام الأمر بين أهل صور والفرنج، تارة بالقتال وتارة بالمهادنة، إلى أن طال على أهل صور الأمر ويئسوا من نصرة مصر، فسلّموها للفرنج بالأمان فى سنة ثمانى عشرة وخمسمائة.
قلت: وما أبقى أهل صور- رحمهم الله تعالى- ممكنا فى قتالهم مع الفرنج وثباتهم فى هذه السنين الطويلة مع عدم المنجد لهم من مصر. وقيل فى أخذ صور وجه آخر.
قال ابن القلانسىّ: وفى سنة تسع عشرة وخمسمائة، ملك الفرنج صور بالأمان.
وسببه خروج سيف الدولة مسعود منها، وكان قد حمل إلى مصر، وأقام الوالى الذي بها فى البلد. قلت: وهذه زيادة فى النّكاية للمسلمين من صاحب مصر؛ فإنّ سيف الدولة المذكور كان قائما بمصالح المسلمين، وفعل ما فعل مع الفرنج من قتالهم وحفظ سور المدينة هذه المدّة الطويلة، فأخذوه منها غصبا وخلّوا البلد مع من لا قبل له بمحاربة الفرنج. فكان حال المصريّين فى أوّل الأمر أنّهم تقاعدوا عن نصرة المسلمين، والآن بأخذهم سيف الدولة من صور صاروا نجدة للفرنج.
وهذا ما فعله إلا الآمر هذا صاحب الترجمة بنفسه بعد أن قبض على الأفضل ابن أمير الجيوش وقتله، وقتل غيره أيضا معه.
ونعود إلى كلام ابن القلانسىّ قال: وعرف الفرنج (يعنى بخروج سيف الدولة) فتأهّبوا للنزول عليها، وعرف الوالى أنه لا قبل له بهم لقلّة النجدة والميرة بها؛ فكتب إلى صاحب مصر يخبره. فكتب إليه: قد رددنا أمرها إلى ظهير الدين- أظنه يعنى بظهير الدين طغتكين المقدّم ذكره أمير دمشق- قال: ليتولّى حمايتها والذّب عنها، وبعث منشورا له بها. ونزل الفرنج عليها وضايقوها بالحصار والقتال حتّى خفّت الأقوات، وجاء طغتكين فنزل ببانياس، وتواترت المكاتبات.
إلى مصر باستدعاء المؤن، فتمادت الأيّام إلى أن أشرف أهلها على الهلاك. ولم يكن للأتابك طغتكين قدرة على دفع الفرنج، ويئس من مصر؛ فراسل أهلها الفرنج وطلبوا الأمان على نفوسهم وأهاليهم وأموالهم، ومن أراد الخروج خرج ومن أراد الإقامة أقام. وجاء الاتابك بعسكره فوقف بإزاء الفرنج، وركبت الفرنج ووقفوا بإزائه وصاروا صفّين؛ وخرج أهل البلد يمرّون بين الصّفّين ولم يعرض لهم أحد، وحملوا ما أطاقوه، ومن ضعف منهم أقام. فمضى بعضهم إلى دمشق، وبعضهم إلى غزّة، وتفرّقوا فى البلاد، وعاد الأتابك إلى دمشق. ودخل الفرنج صور وملكوها سنين إلى حين فتحت ثانيا، حسب ما سيأتى ذكره فى ترجمة السلطان الذي يتولّى فتحها. قلت: وهذا الذي ذكرناه هو كالشرح لكلام الذهبىّ وغيره من المؤرّخين فيما ذكروه عن الآمر هذا. ونعود إلى ترجمة الآمر.
وكان للآمر نظم ونظر فى الأدب. ومما نسب إليه من الشعر قوله:
[السريع]
أصبحت لا أرجو ولا أتّقي
…
إلّا إلهى وله الفضل
جدّى نبيّى وإمامى أبى
…
ومذهبى التوحيد والعدل
وقد نسب هذا الشعر لغيره من الفاطميّين «1» أيضا. وكان الآمر يحفظ القرآن، انفرد بذلك دون جميع خلفاء مصر من الفاطميّين، وكان ضعيف «2» الخطّ. وأمّا ما وعدنا به من ذكر قتله فنقول: كان الامر صاحب الترجمة مطلوبا من جماعة من أعوان عمه نزار المقتول بيد أبيه بعد واقعة الإسكندرية المقدّم ذكرها؛ لأنّ الآمر وأباه المستعلي غصبا الخلافة، وأن النّص كان على نزار. وقد ذكرنا ذلك كلّه فى أوّل ترجمة المستعلى. فاتّصل بالآمر أنّ جماعة من النّزارية حصلوا بالقاهرة ومصر يريدون قتله، فاحترز الآمر على نفسه وتحيّل فى قبضهم، فلم يقدّر له ذلك لما أراده الله. وفشا أمر النّزارية وكانوا عشرة، فخافوا أن يقع عليهم الآمر فيقتلهم قبل قتله، فآجتمعوا فى بيت وقال بعضهم لبعض: قد فشا أمرنا ولا نأمن أن يظفر بنا الآمر فيقتلنا، ومن المصلحة والرأى أن نقتل واحدا منّا ونلقى رأسه بين القصرين، وحلانا «3» عندهم؛ فإن عرفوه فلا مقام لنا عندهم، وإن لم يعرفوه تمّ لنا ما نريد، لأنّ القوم فى غفلة. فقالوا للذى أشار عليهم: ما يتّسع لنا قتل واحد منّا، ينقص عددنا وما يتمّ بذلك أمرنا، فقال الرجل: أليس هذا من مصلحتنا ومصلحة من تلزمنا طاعته؟ فقالوا نعم. فقال: وما دللتكم إلّا على نفسى، وشرع فى قتل نفسه بيده بسكّين فى جوفه فمات من وقته. فأخذوا رأسه فرموه فى الليل بين القصرين، وأصبحوا متفرّقين ينظرون ما يجرى فى البلد بسبب الرأس. فلمّا وجد الرأس اجتمع عليه الناس وأبصروه، فلم يقل أحد منهم أنا أعرفه. فحمل إلى الوالى، فأحضر الوالى عرفاء الأسواق وأرباب المعايش فلم يعرف؛ فأحضر أيضا