الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حمص نفسها. وظل ساحل الشام جنوبى صور تابعا لمصر. واستقل جلال الملك بن عمار قاضى طرابلس بها سنة 470 وكان قد أقرّه عليها ملكشاه السلجوقى وظلت معه حتى أخذها الصليبيون سنة 502. وفى هذه الأثناء استولى على بن منقذ من الروم على حصن شيزر شمالى الشام سنة 474 وظلت فى يده ويد أبنائه إلى أن هدمتها زلزلة شديدة سنة 552. وكان سليمان بن قتلمش استولى على أنطاكية سنة 477 فحاربه تتش وخرّ صريعا فى الحرب سنة 479. وبذلك صارت إلى تتش واستولى على حلب سنة 487، وقتل بالرى فى حرب مع ابن أخيه بركياروق سنة 488. وخلفه على حلب ابنه رضوان، ومن نوابه أخذ الصليبيون أنطاكية سنة 492 وخلفه على دمشق ابنه دقاق.
وتوفى دقاق سنة 497 فخلفة عليها أتابكه «طغتكين» وأسس بها دولة البوريين وله فى جهاد الصليبيين يد بيضاء وكان شجاعا عادلا فى الرعية توفى سنة 522 فخلفه ابنه بورى حتى وفاته سنة 526 وكان قد قتل جماعة كثيرة من الإسماعيلية فسلّطوا عليه رجلين ضرباه بالسكاكين وظلت جراحه تنتقض وتندمل إلى وفاته. وخلفه ابنه إسماعيل، وكان ظالما سيئ السيرة محبا لسفك الدماء توفى سنة 529 وكان أسوأ منه أخوه محمود الذى ولى بعده فقتله أمراؤه سنة 533 وخلفه عاما واحدا أخوه محمد، وتوفى فخلفه ابنه مجير الدين آبق. وكان باغيا ظالما، وكان يضع يده فى يد الصليبيين ضد نور الدين صاحب حلب غير مراع إلاّ ولا عهدا. واستجار منه أهل دمشق مرارا بنور الدين حتى إذا كانت سنة 549 اضطر إلى تسليمها إليه وخرج منها ذليلا صاغرا. وكان تتش ولّى تركمانيا يسمى أرتق بيت المقدس فاستقلّ به مؤسسا دولة الملوك الأرتقية، وتوفى سنة 484 فخلفه عليها ولداه سكمان وإيلغازى، ومنهما أخذها الأفضل بن بدر الجمالى سنة 491 وتوجها إلى بلاد الجزيرة وملكا-كما يقول ابن خلكان-ديار بكر.
(د) الصليبيون
(1)
كانت الدولة الفاطمية قد أخذت فى التدهور منذ عهد الحاكم بسبب ما غرق الخلفاء الفاطميون فيه من ترف وما أصاب الحياة الاقتصادية من سوء حتى لقد عظمت المجاعة فى عهد المستنصر (427 - 487 هـ)، وحاول بدر الجمالى أن يتلافى الأمور، فعمل على
(1) انظر فى الصليبيين كتب التاريخ العام لابن الأثير وابن تغرى بردى وابن خلدون وما كتب عنهم حديثا فى العربية واللغات الأجنبية وراجع تاريخ الشعوب الإسلامية لبروكلمان ص 345
إصلاحها، ولكن الشام كانت قد أفلتت منه إلا ساحلها الجنوبى. وكان المظنون أن يرث السلاجقة تلك الدولة المنهارة، غير أنهم اتبعوا فى حكمهم نظاما سرعان ما ضعضع دولتهم إذ اتخذوا فيها نظام الأتابكة، وهو أن يكون مع كل حاكم لبلد أتابك أو بعبارة أخرى قائد يدير أمرها، ولم يلبث نفوذ هؤلاء الأتابكة أن ازداد وأصبحوا هم الحكام الحقيقيين. وبذلك تفككت سريعا أوصال دولتهم الضخمة وتحولت إلى دويلات على نحو ما مر بنا آنفا من دولة البوريين فى دمشق والدولة الأرتقية فى بيت المقدس، حتى إذا قدم الصليبيون فى العقد الأخير من القرن الخامس الهجرى لم يجدوا أمامهم قوة تدفعهم دفعا إلى البحر المتوسط وماوراءه فلا السلجوقيون محتفظون بقوتهم القديمة التى أزالوا بها بيزنطة ودفعوها من آسيا إلى أوربا ولا الفاطميون محتفظون بشئ من القوة يستطيعون أن يدفعوا به عن بلدانهم الساحلية فى الشام هذا الوباء الصليبى الجارف.
ويظهر الجيش الصليبى أمام أسوار أنطاكية سنة 491 للهجرة ويظل محاصرا لها حتى يستولى عليها سنة 492 مؤسسا بها إمارة، بينما يتسلل بلدوين إلى الرّها فى سنة 491 ويستولى عليها دون مقاومة تذكر ويؤسس بها إمارة هى الأخرى. واجتاز الصليبيون جبال النّصيرية محاذين الساحل واستولوا سنة 492 على بيت المقدس متخذين منه إمارة ثالثة جعلوا جود فرى رئيسا لها، ولم يلبث أن رقى عرشها بعده بلدوين الأول وعهدوا إلى الكونت ريمونددى تولوز حصار طرابلس والاستيلاء عليها وظلت تقاومه سنين عددا حتى سقطت سنة 502 واتخذوا منها إمارة رابعة لهم.
وأخذ بلدوين فى نفس السنة ينشط فى غزو مدن الساحل: عكا وقيسارية وصيداء وبيروت وقاومته مقاومة صلبة. وخلفه أخوه بلدوين الثانى الذى استولى على صور سنة 518 ولم يفلح فى الاستيلاء على دمشق وظلت أيدى الصليبيين أقصر من أن تصل إلى بلدان الشام الداخلية مثل بعلبك ودمشق وحمص وحماة وحلب.
(هـ) آل (1) زنكى (نور الدين)
لم يلبث أن تنبه أتابك عظيم من أتابكة السلجوقيين هو زنكى عماد الدين التركمانى أمير حلب
(1) انظر فى آل زنكى ونور الدين التاريخ الباهر فى الدولة الأتابكية لابن الأثير وكذلك كتابه الكامل والجزء الخامس لابن خلدون والخامس والسادس من النجوم الزاهرة والعاشر من المنتظم والمختصر فى أخبار البشر لأبى الفدا والكواكب الدرية فى السيرة النورية لابن قاضى شهبة (طبع بيروت) وابن خلكان 2/ 327، 5/ 184.
إلى أن الداء إنما يكمن فى تفرق البلدان الإسلامية المجاورة لحملة الصليب شيعا ودولا، فصمم أن يجمع قوتها وكلمتها تحت لوائه، وكان قد ركز لواءه على الموصل أولا، فضم إليه حلب ومدن شمالى الشام مثل حماة وحمص وبعلبك. ومضى ينازل الصليبيين واستولى منهم على معرّة النعمان وكفر طاب. ولم يلبث أن ضربهم ضربة قاصمة باستيلائه على مدينة الرّها سنة 539 للهجرة.
وبذلك محا عار هذه الإمارة التى أقامها الصليبيون فى بلب الدولة السلجوقية. ولم تكد تمصى سنتان على ما حقق من هذا المجد البطولى حتى أمتدت إلى جثمانه الطاهر أيد آثمة فى الظلام سفكت دمه الزكى.
وكان قد أوصى عماد الدين زنكى لابنه غازى بالموصل ولابنه نور الدين محمود بحلب، واقتفى البطل الشاب نور الدين جهاد أبيه للصليبيين، ونازلهم توّا سنة 542 وأخذ منهم حصن أرتاح من أعمال حلب، وأبطل فى إمارته أذان الدولة الفاطمية بحىّ على خير العمل. وفى سنة 544 هزم حملة الصليب هزيمة ساحقة إذ قتل منهم ألفا وخمسمائة وفتح حصن فامية، واستولى على دمشق سنة 549 كما مر بنا. وفى سنة 552 ملك حصن شيرز بعد أن نقضه زلزال شديد. وفى سنة 560 فتح بانياس عنوة. وكان بعيد النظر بعدا جعله يرى أن المفتاح الحقيقى للنصر على حملة الصليب هو مصر بإمكاناتها فى المال والرجال ولكن ماذا يصنع وبها دولة منهارة، وأحسّ أن حملة الصليب يشعرون أنها لقمة سائغة وخاف عليها منهم خوفا شديدا. ولم تلبث أن واتته فرصة عظيمة فإن وزيريها ضرغاما وشاور تحاربا، ولجأ إليه شاور مستغيثا، فأنجده بأميرين أيوبيين: شيركوه وابن أخيه صلاح الدين، ويحدثهما بما فى نفسه من تخليص مصر من دولتها المريضة. وتتطور الظروف وتصبح مصر خالصة لصلاح الدين ويؤسس بها الدولة الأيوبية ومؤسسها الحقيقى ومنشئها إنما هو نور الدين. وكان ما ينى ينازل حملة الصليب، وفتح حصون «مرعش وإعزاز وحارم» وغير ذلك مما تزيد عدته على خمسين حصنا. وكان ملكا عادلا عابدا زاهدا ورعا، بنى كثيرا من المدارس فى بلدان الشام الكبار وكثيرا من الجوامع وبيمارستان دمشق وبها توفى سنة 569 وخلفه ابنه وكان صبيا وبقى على حلب حتى توفى سنة 577 ودخلت فى حوزة صلاح الدين وحكمه.