الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
4 - شعراء الطبيعة ومجالس اللهو
لشعراء الشام من قديم عناية بوصف طبيعة بيئتهم ومشاهدها الخلابة، ومرت فى كتاب العصر العباسى الأول عناية أبى تمام بوصف الطبيعة فى مقدمات مديحه أو مستقلة فى بعض أشعاره، من ذلك وصفه للربيع، وكذلك وصفة للطير وأحاسيسه، على نحو ما عرضنا هناك من تصويره لقمرىّ وقمريّة يتساقيان رحيق الهوى، بينما هو محزون شديد الحزن. ووقفنا فى كتابنا العصر العباسى الثانى عند براعة البحترى فى وصفه للطبيعة وكان يحسن تصوير مناظرها الساحرة. ونلتقى فى أوائل عصر الدول والإمارات بكشاجم وله كتاب فى الصيد سماه المصايد والمطارد وهو منشور، وله قصائد مختلفة فى وصف كلاب الصيد وجوارح الطير وقصائد كثيرة فى وصف الرياض والسحب والأمطار من مثل قوله:
غيث أتانا مؤذن بخفض
…
متصل الويل حثيث الرّكض
يضحك فى برق خفىّ الومض
…
كالكفّ فى انبساطها والقبض
والأرض تجلى بالنبات الغضّ
…
فى حليها المحمرّ والمبيضّ
وأقحوان كاللّجين محض
…
ونرجس ذاكى النسيم بضّ
مثل العيون رنّقت للغمض
…
ترنو ويغشاها الكرى فتفضى
وهو مطر متصل الوبل يؤذن-كما يقول-بخفض العيش واتساعه ويسره والبرق يلمع بين السحب ويتوارى كالكف تنبسط وسرعان ما تنقبض، والأرض كأنها فى حفل عرس تجلى بأزهارها وورودها والأقحوان يتلألأ كالفضة الخالصة والنرجس العطر النضر مثل العيون تنكسر جفونها للنوم، وهى تارة ترنو وتارة تستسلم للنوم فتغضى أو بعبارة أخرى تطبق جفونها الناعسة، وتنسب إلى سيف الدولة الحمدانى الأبيات التالية فى قوس قزح (1):
لقد نشرت أيدى الجنوب مطارفا
…
على الجوّ دكنا والحواشى على الأرض
يطرّزها قوس الغمام بأصفر
…
على أحمر فى أخضر تحت مبيضّ
(1) اليتيمة 1/ 31
كأذيال خود أقبلت فى غلائل
…
مصبّغة والبعض أقصر من بعض
يقول: رياح الجنوب نشرت على الجو ثيابا دكناء مغبّرة ملأت الآفاق بالطول والعرض وحواشيها على الأرض، وقوس قزح يطرّزها بألوانه البهيجة الكهرمانية والياوتية والزمردية، وكأنما شابة جميلة أقبلت فى غلالات أو ثياب رقيقة صبغت بألوان مختلفة بالطول والعرض وبعضها أقصر من بعض. وهى صورة بديعة. ويقول العرقلة من شعراء الخريدة (1):
الشام شامة وجنة الدنيا كما
…
إنسان مقلتها الغضيضة جلّق
من آسها لك جنّة لا تنقضى
…
ومن الشقيق جهنّم لا تحرق
فعلام تصحو والحمام كأنها
…
سكرى تغنّى تارة وتصفّق
وتلوم فى حب الديار جهالة
…
هيهات يسلوها فؤاد شيّق
وهو يجعل الشام خالا فى وجنة الدنيا ويجعل «جلّق» اسم دمشق القديم إنسان مقلتها الغضيضة التى ترمقها باستحياء، لجمال أزهارها من آس وغير آس، وكأنما تخدّر بجمالها أحاسيس مشاهدها، فلا يصحو، والحمام من حوله فرح بهيج يغنى ويصفق طربا. وإن الشام لخليقة بحب أهلها وفتنتهم بها لجمال مناظرها الطبيعية.
ويقول فتيان الشاغورى فى وصف قرية الزبدانى بشهر كانون شتاء والثلوج تتراكم على أشجارها ونباتاتها فى شهر كانون زمن الشتاء مهيئة لازدهار أزهارها فى زمن الربيع (2):
قد أجمد الخمر كانون بكل قدح
…
وأخمد الجمر فى الكانون حين قدح
يا جنّة الزّبدانى أنت مسفرة
…
عن وجه حسن إذا وجه الزمان كلح
فالثلج قطن عليك السّحب تندفه
…
والجو يحلجه والقوس قوس قزح
وقد صور فتيان كل ما يحمل ماء فى الزبدانى بأقداح تحمل خمرا، وقد جمّدها القرّ الشديد وأخمد الجمر فى الكانون أو الموقد حين اتّقد. ويتصور قرية الزبدانى جنة من جنان الدنيا، وما يلبث أن يصوّر الثلج وهو يتساقط كالريش من السحب مثل قطن، والسحب تندفه بقوس قزح. والجو يحلجه. صورة بديعة.
(1) الخريدة (قسم الشام) 1/ 217
(2)
الديوان ص 94 وابن خلكان 4/ 25
ويقول الوداعى على بن المظفر فى مناظر رأس العين ببعلبك (1):
يا حادى الأظعان إن شارفت
…
من بعلبكّ سفح لبنانه
فاقرأ تحياتى على نازل
…
فى محجر العين كإنسانه
والروض يهدى مع نسيم الصّبا
…
نشر خزاماه وريحانه
وراسل القمرىّ ورقاءه
…
شدوا على أوتار عيدانه
وقد أشار الوداعى إشارة واضحة بمحجر العين إلى رأس العين منزل صاحبته، وأبدع فى البيت الأخير إذ جعل القمرى المترنم على عيدان الأشجار يراسل صاحبته شدوا وغناء على أوتار تلك العيدان. وتكثر مثل هذه الطرائف التصويرية عند معاصريه فى زمن المماليك، وبعدهم فى زمن العثمانيين كقول فتح الله بن النحاس فى وصف الربيع (2):
نثر الربيع ذخائر النّ
…
وّار من جيب الغوادى
والورد مخضوب البنا
…
ن مضرّج الوجنات نادى
حرسته شوكة حسنه
…
من أن تمدّ له الأيادى
والعندليب أمامه
…
بفصيح نغمته ينادى
من رام يعبث بالخدو
…
د فدونها خرط القتاد (3)
والصور فى الأبيات جيدة فالربيع ينثر الأزهار من حبيب السحب الغوادى والورد أحمر البنان والوجنات تلمع عليه لألئ الندى، والشوك يحرسه من قطف الأيادى والعندليب ينادى: دون هذه الوجنات خرط القتاد، وهو مثل يضرب للشئ لا ينال إلا بمشقة شديدة، والقتاد: نبات صلب له شوك الإبر وخرطه: انتزاع إبره.
وبجانب وصف الطبيعة كان للهو مجالسه فى متنزهات الغوطة بدمشق وغير الغوطة بالشام، إذ تمتلئ بالبساتين، وكان له مجالس أخرى فى الأديرة، مما أتاح لنظم خمريات كثيرة تارة تكون مستقلة وتارة تمتزج بوصف الطبيعة أو بالغزل، وتمادى بعض الشعراء فى مجونه وأسرف فى هزله على نحو ما نقرأ من أشعار لأبى الرقعمق (4) الأنطاكى شاعر المعز الفاطمى وأبنائه ووزرائهم، وكان
(1) خزانة الأدب للحموى ص 342
(2)
الديوان ص 23 ونفحة الريحانه 2/ 512
(3)
دونه خرط القتاد: مثل يضرب للشئ لا ينال إلا بمشقة شديدة.
(4)
انظر فى أبى الرقعمق اليتيمة 1/ 326 وابن خلكان 1/ 131 والعبر 3/ 70 والشذرات 3/ 155.
لا يستحى من التصريح بالفحش والمآثم على شاكلة أبى الحجاج ماجن العراق الذى تحدثنا عن مجونه وهزله فى الجزء الخامس من هذه السلسلة، ومن نظيف مجونه قوله (1):
توهّمت أمرا فلم أنبس
…
بحرف وناديت بالأكؤس
حميّا كأن سنا نورها
…
سنا بارق لاح فى الحندس (2)
يعاطيكها رشأ طرفه
…
سريع إلى تلف الأنفس
بخدّ يروقك توريده
…
وعين تنوب عن النّرجس
وهو يقول إن بعض الأوهام ساورته فلم ينبس ببنت شفة أو كلمة وانصرف إلى الخمر معشوقته التى تلعب حميّاها بخياله، فيظن كأن ضوءها ضوء برق لمع فى دجى الليل، وإن ساقية ساحرة الطّرف لتقدمها إليك فتصيبك فى الصميم بخد مورّد وعين فاتنة.
ويقول الغزى الذى مرت ترجمته (3):
قم نفترعها كأنها الذهب
…
بكرا، أبوها وأمّها العنب
أرقّ من عبرة اليتيم ومن
…
عبارة الصّبّ قلبه وصب
مدامة تصقل القلوب إذا
…
رانت عليها الهموم والرّيب
كئوسها أنجم نضلّ بها
…
لا يهتدى من تضلّه الشّهب
لا فدم فينا ولا فدام لها
…
عروس دنّ عقودها الحبب
وهو يقول لصاحبه قم نفترعها أو نفتضها ونشربها، إنها فى رأيه-كعروس بكر-أبوها وأمها العنب، رقيقة رقة عبرة اليتيم وعبارة الصب أو المحب الوصب الموجع قلبه. ويقول إنها تجلو القلوب وتكشف عنها الهموم والريب أو الشكوك، ويعجب من كئوسها أن تكون أنجما ولا تهدى، بل تضل صاحبها وأى ضلال بينما عادة النجوم أن تهدى، ومن تضله لا يهتدى أبدا، لأنه فقد هداه. ويذكر أن ليس فى رفاقه فدم أو أحمق وأنه لا فدام لها أو مصفاة إذهى شديدة الصفاء، ويقول إنها عروس دنّ عقود جيدها لآلئ الحبب التى تعلو كئوسها حين يمتزج بها الماء. ويدعو فتيان الشاغورى صديقا إلى نزهة قائلا (4):
(1) اليتيمة 1/ 312
(2)
حميا الخمر: سورتها وشدتها. سنا: ضوء. الحندس: دجى الليل الشديد السواد.
(3)
الخريدة (قسم الشام) 1/ 18
(4)
الديوان ص 268
بادر إلينا فإن الراح ممكنة
…
والكأس دائرة والشّمل مجتمع
ويومنا طيّب صافى الأديم وما
…
فيه هواء ولا فى رأسه قزع
والطير ترقص فى الأغصان من طرب
…
تكاد منه على هاماتنا تقع
وفتيان يصور لصاحبه ما فيه من أنس مع رفاقه، فالكأس دائرة بينهم واليوم من أيام الربيع لا فيه عواصف ولا فى سمائه قزع أو قطع من السحاب المنتشر المنذر بالمطر، والطير ترقص على الأغصان طربا وفرحا بالربيع حتى تكاد لشدة فرحها وطربها تقع على هاماتهم أو رءوسهم.
وتكثر مقطعات الشعر فى مجالس اللهو سواء فى الخمر أو فى الطبيعة ويشتهر بنظمها أربعة يفرد لهم الحموى فى خزانته فصولا طويلة هم مجير الدين بن تميم، وسنخصه بترجمة، وبدر الدين يوسف بن لؤلؤ الذهبى المتوفى سنة 680 والقاضى محيى الدين بن قرناص الحموى معاصره وعلى بن المظفر الوداعى المتوفى سنة 716، ومن طريف ما أنشده الحموى لابن لؤلؤ الذهبى قوله (1):
باكر إلى الروضة نستجلها
…
فثغرها فى الصبح بسّام
والنرجس الغضّ اعتراه الحيا
…
فغضّ طرفا فيه أسقام
وبلبل الدّوح فصيح على الأ
…
يكة والشّحرور تمتام
فعاطنى الصّهباء مشمولة
…
عذراء فالواشون نوّام
واكتم أحاديث الهوى بيننا
…
ففى خلال الروض نمّام
وهو خفيف الروح مثل زملائه المذكورين وكانوا جميعا يعنون بالتورية التى أشاعتها مصر منذ العصر الفاطمى عناية واسعة، وقد ورّى فى البيت الثانى بكلمة الحيا وهو الخجل عن الحيا بمعنى المطر. وجعل للبلبل لجمال غنائه وشدوه الفصاحة وللشحرور وهو نوع من العصافير التمتمة. ضرب من المقابلة. وجعل الصهباء مشمولة أو باردة طيبة واستتم الصورة بأنها بكر أو عذراء والواشون نوام. وعاد إلى التورية فى البيت الأخير بكلمة نمّام-وهو ضرب من السّعتر مزهر-عن النّمام الحقيقى من الأشخاص. ويقول محيى الدين بن قرناص (2):
روضة من قرقف أنهارها
…
وغناء الورق فيها بارتفاع
لا تلم أغصانها إن رقصت
…
فهى ما بين شراب وسماع
(1) خزانة الأدب للحموى ص 326
(2)
نفس المصدر ص 330