الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
4 - المجتمع
(1)
حين دخل العرب الشام وجدوا فيها أخلاطا من أجناس شتى لموقعها على أبواب آسيا الغربية وفى قلب الشرق القديم ولكثرة من نزلوها من الكنعانيين الفينيقيين ومن الفلسطينيين الأوربيين القدماء وكثرة المهاجرين إليها من البابليين والكلدانيين والحيثيين والآشوريين والآراميين والعبرانيين واليونانيين والرومانيين ومن العرب أنفسهم: الغساسنة وغير الغساسنة. وهذا الخليط من الاجناس فى الشام ربما هو الذى هيأها من قديم لأن تكثر فيها الدويلات والمدن المستقلة بعضها عن بعض.
وأخذ الإسلام سريعا يضم هذا الشتات الجنسى فى وحدة سياسية، بل سرعان ما أصبح لواء الشام يضم العالم الإسلامى جميعه فى وحدة عربية منذ رقى إلى عرش الخلافة معاوية مؤسس الدولة الأموية، إذ اتخذ دمشق حاضرة لهذا العالم، واتخذ من أهلها عونه فى الحكم وإدارة دفّة الأمور فى هذه الإمبراطورية المترامية الأطراف. وبذلك كانت كنوز هذه الإمبراطورية تتدفق إلى دمشق والشام وعاش أهلهما طوال العصر الأموى فى رخاء لم يبلغه هذا الاقليم فى أى عصر من عصوره.
ومر بنا وصف سريع لجغرافيتها وأنها كثيرة الأنهار والوديان والعيون والزروع، ومن قديم تنتج العنب والفواكه وصنوف النّقل من فستق وغير فستق إلى ما تنتج من قمح وغير قمح. ومن قديم أيضا عنى أهلها بالصناعات: صناعات الخزف الملون والخشب المحفور أثاثا وغير أثاث والمعادن والأسلحة سيوفا وغير سيوف والزجاج الملون والقاشانى ونقش الفولاذ بالذهب والفضة ونسج الأقمشة والعمارة.
وحياة الشام بذلك كانت تقوم على إتقان كثير من الصناعات والزروع، وأيضا على المهارة فى التجارة، وكانت نافذة كبرى لتبادل تجارات آسيا وأوربا من قديم، وظلت تجاراتها تكوّن مصدرا أساسيّا لثروتها فى عهد الفينيقيين وبعدهم حتى احتلال العثمانيين لديارها، فقد كانت من أعتق
(1) انظر فى مجتمع الشام كتب التاريخ العام وفتوح البلدان للبلاذرى وأدب الكتاب للصولى وذيل تاريخ دمشق لابن القلانسى وثمرات الأوراق لابن حجة الحموى والجباية فى الشام لمحمد كرد على فى الجزء الأول من محاضرات المجمع العلمى العربى بدمشق.
الأزمنة إلى نهاية زمن المماليك الباب الكبير لمرور توابل الهند وعروض آسيا إلى الغرب. ومهر أهلها فى التجارة ومعرفة أسرارها والقدرة على إغراء الأسواق التجارية ومعرفة متطلباتها من لبان جنوبى الجزيرة العربية ونباتات العطور والعقاقير، مما أتاح لكثير من تجارها على مر الأزمنة الثراء الطائل.
وتحفّ الشام فى الشرق بوادى الجزيرة العربية، وكان لذلك أثره البعيد فى تكوين سكانها فأكثرهم نزحوا إليها قديما من الجزيرة على نحو ما هو معروف عن الكنعانيين والآراميين والعبرانيين، وقد ظلت أبوابها الشرقية مفتوحة على مصاريعها لبدو الجزيرة، مما جعل الغساسنة يقيمون على الحدود بينها وبين الجزيرة دولتهم الغسانية. ولا يقفون هم ومن كانوا وراءهم من البدو عند الحدود بل يتغلغلون إلى داخل الشام، حتى ليمكن أن يقال إنه قد أخذ فى التعرب قبل الإسلام. وظل بدو الجزيرة طوال الأزمنة الإسلامية يكوّنون شطرا مهما فى سكان الشام، وكان الشطر الثانى، وهو الأكبر، متحضرا ويقيم فى المدن. وبذلك كان سكان الشام ينقسمون طوال الحقب الإسلامية إلى بدو وحضر. وكان البدو يعتمدون على الأغنام والأنعام، بينما كان الحضر يعتمدون على الزراعة والصناعة والتجارة. وكان حكام مصر والشام يقرّبون زعماء البدو، ولكى يدرءوا عن الشام شرهم كانوا أحيانا يقطعونهم بعض مدن فلسطين على نحو ما هو معروف من إقطاع الفاطميين للمفرّج بن دغفل مدينة الرّملة.
على كل حال كان اعتماد الشام فى حياتها الاقتصادية طوال الحقب الإسلامية على سكان الحضر وما يؤدونه للدولة من الخراج والعشور والجوالى أو الجزية، وكانت ضريبة محدودة قلما زادت عن دينارين، وكانت تؤخذ من أهل الكتاب: النصارى واليهود نظير عدم انتظامهم فى الجيش العربى. وهى بذلك كانت ضريبة دفاع ولم تكن تؤخذ إلا من القادرين، أما النساء والأطفال والشيوخ والقساوسة والرهبان فلا تؤخذ منهم البتّة.
وحين عقد عمر بن الخطاب مؤتمر الجابية سنة 16 للهجرة أوصى عماله أن يرفقوا بالرعية فيما تؤدى من ضرائب للدولة، وبلغ خراج الشام على عهده-كما يقول الصولى-خمسمائة ألف دينار. وبمجرد أن أصبحت الخلافة خالصة لمعاوية جعل خراج كل من دمشق وقنسرين أربعمائة وخمسين ألف دينار، وخراج كل من فلسطين والأردن مائة وثمانين ألفا. وأخذ يهب بعض أصفيائه إقطاعات واسعة، وتارة يكون الإقطاع إقطاع تمليك، وتارة يكون إقطاع استثمار، وكان عثمان بن عفان أول من سنّ هذه السنة فى الإسلام.
وجاءت معاوية كنوز الأرض فكان يكثر من توزيعها على الشخصيات المهمة فى قريش
والأنصار وعلى زعماء القبائل فى الجزيرة العربية والعراق، وعنى عناية واسعة بأبهته ونفقاته. وبنى لنفسه دارا كبيرة فى دمشق سماها «الخضراء» ودورا أخرى فى مكة، وسنّ للخلفاء الأمويين من بعده البذخ. ويروى أنه كان يستقبل من عماله هدايا العيدين الفارسيين: عيد النّيروز وعيد المهرجان، ولا بد أن كانت تقدم له الهدايا فى أعياد النصارى لما انعقد بينه وبينهم من علاقة وثيقة، ولما منحهم من الإشراف على الشئون الما للدولة، وخاصة سرجيوس وأسرته، وأيضا لا بد أن كانت تقدم ل الهدايا فى الأعياد الإسلامية.
ويبدو أن الدولة ظلت تنعم برخاء واسع بعد معاوية، مما دفع الوليد بن عبد الملك إلى تشييد الجامع الأموى بصورة هندسية بالغة الفخامة فى زخرفته وتصويره، وقد استقدم-كما مرّ بنا- لصنع الفسيفساء فى جدره وفصوصه اثنى عشر ألف عامل من بيزنطة، غير من استقدمهم فى تشييده ونقشه من مصر وفارس، وقد مثّلت فيه أشجار وفرّعت أعصان منظومة بالفصوص المذهبة، ويقال إنه أنفق فيه خراج الشام سنتين وكان خراجها على عهده مليون دينار ومائتى ألف، وفى رواية أنه أنفق عليه أحد عشر مليونا من الدنانير ومائتى ألف. وعدّ الجامع عجيبة من عجائب الدنيا، وبه حظيت دمشق بمجد وشهرة عظيمين. ويبدو أن الوليد زاد، بسبب هذه النفقة الباهظة على جامعه، الضرائب على أهل الشام، أو لعل أخاه سليمان الذى خلفه هو الذى صنع ذلك. ويخلفه عمر بن عبد العزيز فيأمر عماله أن يأخذوا أهل الكتاب من النصارى واليهود بالرفق وأن تمنع السخرة منعا باتا كما يمنع أخذ الضرائب على الجسور والمعابر وأن يكتفى فى المعادن بالصدقة ولا يؤخذ منها العشر. وأمر أمرا صارما أن ترفع الجزية عمن أسلموا من الموالى بحيث يسوّى بينهم وبين المسلمين فى الخراج والعشور. ويتوفّى عمر فيعود العمال إلى الضرائب الاستثنائية ظلما وعدوانا. ولا بد أن نذكر للأمويين أن الشام كانت تحظى برخاء غير قليل فى أيامهم، ويشهد بذلك ماشادوه فى دمشق والبوادى من قصور، وقد أصبحت دمشق بفضلهم عاصمة ومدينة عربية كبرى.
وكان المجتمع الشامى فى دمشق وغير دمشق يتألف من ثلاث طبقات: عليا ووسطى ودنيا، والطبقة الأولى تشمل الحكام وكبار الموظفين فى الدواوين وأصحاب الثراء الطائل من التجار والإقطاعيين. وتشمل الطبقة الوسطى العلماء وأوساط الزراع والتجار والصناع، أما الطبقة الدنيا فهى طبقة العامة من صغار الفلاحين والعمال. وكان يتبع هذه الطبقة الرقيق الذى يؤسر فى الحروب أو يبيعه النخاسون، وكان أخلاطا من البيزنطيين والأوربيين والإفريقيين. وظلت هذه
الصورة لطبقات المجتمع الشامى متصلة طوال الحقب التالية، مع ما حدث للشام من تحول الخلافة منها إلى بغداد، ومن مشرفة على الدولة الإسلامية الكبرى إلى ولاية منذ أن استولى العباسيون على أداة الحكم. وكان من أهم أعمالهم فيها إنشاء المراكز العسكرية على حدودها مع الروم المعروفة باسم العواصم والثغور، وكانت جيوشهم ماتنى تخرج منها لحرب الروم. محدثة فيها غير قليل من الرواج التجارى.
وكان العباسيون فى القرن الأول من خلافتهم يأخذونها بغير قليل من الرفق واللين. ويروى أن بعض ولاة الخراج بها لعهد هرون الرشيد شدّد فى استخراج الأموال من أهلها فسخط عليه الرشيد سخطا شديدا وأنزل به عقابا صارما، قائلا له: وليت الشام وهى جنات وعيون وجعلتها أجرد من الصخر وأوحش من القفر. وحين ضمها ابن طولون إلى دولته فى مصر أخذت تنتعش وخاصة فى عهد خمارويه لكثرة ما كان يجرى على الناس فى رعيته بمصر والشام من الأموال ولما كان ينفقه على جيشه بها من الارزاق، وقد بنى لنفسه بالقرب من دمشق قصرا فخما. وعنى الإخشيد بالشام، كما عنى بها كافور. وكانا يكثران من الخلع والهبات على أهلها، وكانت حلب والثغور بيد الحمدانيين وفرضوا فيها ضرائب ثقيلة (1).
وتتبع بقية الشام مصر أيام الفاطميين حقبا متصلة. وعلى الرغم من أن المقدسى يقول إن ضرائب العروض والسلع التجارية فيها هينة لزمنه فى أواخر القرن الرابع الهجرى فإن من المؤكد أن الضرائب زادت واضطربت تبعا لكثرة الولاة الفاطميين وعمل كل منهم على جمع كل ما يستطيع من الأموال لنفسه، فكانت تدخل على الضرائب والجبايات زيادات ترهق الشعب الشامى إرهاقا شديدا. وبلغ هذا الارهاق غايته فى ولاية المعلى بن حيدرة الكتامى لها سنة 461، حتى هجر الفلاحون مزارعهم فى الغوطة بدمشق وغير الغوطة، وعظم شغب العامة سخطا على هذا الظلم الصارخ وشبت النار حينئذ فى الجامع الأموى العظيم، وكادت أن تذهب ببهائه ورونقه لولا أن تداركه الناس. ولعل أحدا لم يصور ما كان يقع على أهل الشام من ظلم فادح فى جمع الضرائب دون أن تستخدم فى مصالح الرعية كما صوّر ذلك أبو العلاء ساخطا بمثل قوله:
وأرى ملوكا لا تحوط رعيّة
…
فعلام تؤخذ جزية ومكوس
وما نصل إلى سنة 468 حتى تتحول دمشق إلى السلاجقة، وينحسر الحكم الفاطمى إلى
(1) اضطرت الحمدانيين إلى ذلك حروبهم مع بيزنطة. ويقول المقدسى إن الضرائب كانت ثقيلة حينئذ على العواصم والثغور وإنها كانت ثلاثمائة وستين ألف دينار.
الجنوب. وما نكاد نشرف على نهاية القرن الخامس حتى تأتى جحافل الصليبيين وتستولى على ساحل الشام منذ سنة 492. ويتدارك طغتكين أتابك الدولة البورية نسخة من النسخ القرآنية التى وزعها عثمان فى الأمصار كانت بطبريّة فينقلها إلى دمشق، وكان ذلك عملا جليلا زاد دمشق مجدا وجلالا، وخلص له الأمر بها. ومن أهم ما قام به بناء مارستان وخانقاه وأول مدرسة أنشئت بها. وتصبح الشام ساحة حرب كبرى أيام الصليبيين، ولا يقرّ لأهلها قرار.
وأخذ حكام الشام من الأرتقيين أصحاب دمشق وغيرهم يضيفون بعض ضرائب استثنائية لجهاد الصليبيين والإنفاق عليه. وكان طغتكين عادلا، ولكن أبناءه أخذوا يرهقون الدمشقيين بالضرائب الاستثنائية وصنع صنيعهم حكام المدن الأخرى، حتى إذا نهض عماد الدين زنكى واستولى على شمالى الشام، وكان قد أصبح خرابا من ظلم الولاة ومن حرب الصليبيين، نشر فيه العدل وفتح الرّها وامتلأت كل هذه البقاع أهلا وسكانا.
وخلف عماد الدين زنكى ابنه نور الدين محمود، وحين خضعت له دمشق وحماة وبعلبك وغيرها من المدن الشمالية أبطل كل ما كان بها من الضرائب الاستثنائية على الأسواق وما يباع فيها من الفواكه والبقول والحلوى والغنم والجبن واللبن. وسار نفس هذه السيرة بعده صلاح الدين فألغى جميع المكوس والمغارم من ديار الشام وسامح الناس فى أموال عظيمة. ووزع فى عماله منشورا جاء فيه: إن أشقى الأمراء من سمّن كيسه، وأهزل الخلق وأبعدهم من الله من أخذ الباطل من الناس وسماه الحق. وعمّ الرخاء فى عهده وعهد نور الدين ديار الشام لكثرة ما صبّا فى حجور الناس من القناطير المقنطرة من أموال حملة الصليب المدحورين. وسار بعد صلاح الدين سيرته فى حط المغارم عن كواهل الناس أخوه السلطان العادل ويقال إن مجموع ما خص دمشق من ذلك لعهده بلغ مائة ألف دينار. وقد عاد بعض هذه المغارم والمكوس فى بعض بلدان الشام بأخرة من أيام الأيوبيين وخاصة فى بعلبك ودمشق حين أظلهما حكم الصالح إسماعيل.
وقد يكون من المفارقات أن نعرف أنه على الرغم من الحروب التى كانت متصلة بين أهل الشام وحملة الصليب نشطت التجارة بينهما نشاطا واسعا، فتجار المسلمين ينزلون بلادهم وحصونهم وبالمثل ينزل حملة الصليب بلاد المسلمين حاملين لسلعهم ومشترين سلعا جديدة. وكأن الحرب شئ والتجارة شئ آخر، ويعرض علينا أسامة بن منقذ فى كتابه «الاعتبار» صورا لافتة من تواصل الحياة بين العرب المدنيين والصليبيين. ورأى ذلك ابن جبير رأى العيان ووصفه فى رحلته المشهورة متعجبا قائلا: من أعجب ما يحدّث به أن نيران الفتنة تشتعل بين الفئتين: مسلمين
ونصارى، وقد يلتقى الجمعان ويتقاتلون وتجارهم تختلف بينهم دون اعتراض، وهكذا دائما أهل الحرب من الفئتين مشتغلون بحربهم، والناس من ورائهم-كما يقول ابن جبير-فى عافية:
يتعايشون ويتبادلون السلع وعروض التجارة، وكان حملة الصليب يرسلون ببعض هذه العروض فى سفن لهم كانت تجوب البحر المتوسط والمحيط الأطلسى حتى السويد. وورثت الشام عنهم ذلك حين جلوا عنها فكانت تجاراتها تتغلغل فى البلاد الأوربية.
ولم نعرض حتى الآن لما كان فى المجتمع الشامى طوال هذه الحقب من فنون اللهو. وكان طبيعيّا والشام دائما حاملة للسيف أن يشيع فيها مبكرا سباق الخيل واللعب بالصوالجة والتنافس فى إحسان الرماية. وكان أهلها يحارشون أحيانا بين الكباش والكلاب، وكانوا يخرجون للصيد.
وكانت أسواقهم تموج بالأقمشة الحريرية وبالطيب والعطور. وعنى خلفاؤها الأمويون مبكرين بالغناء وبدأ ذلك منذ عبد الملك بن مروان الذى استقبل ابن مسجح مغنى مكة وغنّاه الغناء المتقن على نحو ما أشرنا إلى ذلك فى كتابنا الشعر والغناء فى المدينة ومكة واستقبل أيضا بديحا واستمع إلى غنائه، واستقبل ابنه الوليد بعده ابن سريج مغنى مكة. وتحول يزيد بن عبد الملك بقصره إلى مسرح لمغنى الحجاز من أمثال معبد وابن عائشة، واشترى جاريتين من جوارى المدينة المغنيات، وهما حبابة وسلاّمة القسّ، ووصفه أبو حمزة الخارجى، فقال إنه يشرب الخمر ويلبس الحلّة قوّمت بألف دينار. . حبابة عن يمينه وسلامة عن يساره». ونشأ ابنه الوليد فى هذا الجو المشبع بالترف والخمر والغناء، وكان شاعرا بارعا، وله خمريات تكتظ بها ترجمته فى كتاب الأغانى، وحين استولى على مقاليد الخلافة بعد عمه هشام تحول بقصره إلى مقصف للخمر والعزف والغناء، وندماؤه من حوله يشاركونه قصفة ولهوه وطربه، وكاد أن لا يترك مغنيا مشهورا فى المدينة أو مكة إلا استقدمه وعقد له فى قصره مجالس للطرب والسماع، ويقول أبو الفرج فى ترجمته إنه «كان يضرب بالعود ويوقّع بالطبل ويمشى بالدّفّ على مذهب أهل الحجاز» .
ولا ريب فى أن شيئا من ذلك كان ينعكس على أهل الشام فى دمشق وغير دمشق. إذ يوجد فى كل زمن منحرفون ينغمسون فى اللهو والخمر وشرب الدّنان، وكان يهيئ لهم ذلك فى الشام كثرة ما يزرع فيها من كروم وكثرة ما كان بها من أديرة. وكانوا يشربون فى الطبيعة بين الأزهار وغناء الطير وفى قاعات الأديرة والبيوت، وكانوا يفرشون القاعات بالورود والنرجس والأقحوان والأزهار المختلفة. وكان يكثر فى تلك المجالس سماع المغنين والمغنيات وهم يعزفون على آلات الطرب المختلفة. ويسوق ابن حجّة الحموى فى كتابه ثمرات الأوراق خبرا طويلا عن جماعة من
كتاب القرن الرابع الهجرى كانوا قاصدين مصر. فنزلوا بدمشق فى طريقهم، والتقوا فيها بشاب أضافهم. فقبلوا الضيافة وأمضوا فى منزله ليلة ما جنة أحضر لهم فيها نبيذا على عشائهم، فشربوا، وسرعان ما خرجت عليهم طائفة من الجوارى ما بين عوّادة وطنبورية وزامرة وصنّاجة ورقّاصة ودفّافة وهن يلبسن فاخر الثياب والحلىّ وسألهم فى الصباح أتحبون الذهاب إلى بعض البساتين للتفرج أو الجلوس فى المنزل واللعب بالشطرنج والنّرد أو القراءة فى الكتب. والخبر تداخله مبالغات تجعله أشبه بأسطورة، لكنه على كل حال يدل على ما كان بدمشق من فنون لهو.
ولا ريب فى أن حرب أهل الشام بعد ذلك مع حملة الصليب أتاح لهم كثرة من الجوارى الأوربيات المسترقّات. ويبدو أنهن كن من عوامل شيوع البغاء، إذ نقرأ فى تراجم نور الدين وصلاح الدين والعادل أنهم طهّروا البلاد من الفواحش والخمور والقمار. وكانت هناك دور النخاسين تحمل الجوارى من كل جنس وكل بلد. ويدل على كثرة الجوارى فى الشام من بعض الوجوه أن نجد فقيها دمشقيا توفى سنة 632 هو عبد السلام بن المطهر بن أبى عصرون يروى عنه أنه كان ببيته نيف وعشرون جارية فما بالنا بأهل الثراء وبالحكام وكبار الموظفين ذوى الرواتب الضخمة. ولم يقف المنحرفون بالمجتمع فى لهوهم حينئذ عند شرب الخمر. فقد أخذ يشيع بينهم شرب الحشيس، ولذلك أمر الظاهر بيبرس فى سنة 665 بهدم دور الحشيش والخمر جميعا وإقامة الحدود بشدة على من يتعاطونهما. ومن حين إلى آخر نسمع عند بعض السلاطين بمثل هذا الأمر، ولكن المجّان كانوا يعودون إلى تعاطيهما ولا يزدجرون. وظل الغناء مزدهرا طوال زمن المماليك، ونجد مغنيا بدمشق يلزم واليها تنكز نائب الناصر محمد بن قلاوون ويختص به ويعلم جواريه الغناء، وكان يعاصره شمس الدين الدمشقى محمد بن على وكان يجيد العزف واللعب بالقانون وينظم الشعر ويلّحنه ويأخذه عنه الملحنون وأهل الملاهى.
وظلت الشام تعيش فى رخاء إلى نهاية القرن الثامن الهجرى إلا فترات كانت تدب فيها وخاصة فى دمشق الفوضى بسبب ما كان يحدث فيها من نزاع بين الأمراء على السلطة كما حدث فى السنوات 753 و 762 و 790 و 796 و 801 ولعل هذا كان أحد العوامل فى انتصار تيمور لنك السريع على المدافعين عن حلب وما وراءها من البلدان إلى دمشق، وقد عاث جنوده فيها-كما مرّ بنا-نهبا وسفكا للدماء. وعلى الرغم من أن دمشق استسلمت له بميثاق أو عهد أخذه على نفسه أن لا يمس أهلها بأذى لم يكد يدخلها مع جنده حتى نكث عهده وميثاقه فسبى جنوده النساء وشدوا الرجال والأولاد فى حبال وأشعلوا النار فى المنازل والدور والمساجد ثلاثة أيام فاحترقت المدينة، وسقطت
سقوف الجامع الأموى وصارت دمشق أطلالا عافية أو بالية، بعد أن كانت فردوسا من فراديس الجنان، وهى طامة كبرى ظلت دمشق تعانى منها طويلا. وزاد تيمور لنك الطين بلّة بتجريد دمشق-كما مرّبنا من صفوة صناعها ومهندسيها، إذ أخذهم معه الى عاصمته سمرقند. وحاول سلاطين المماليك بعد خروجه من دمشق لحرب السلاجقة فى آسيا الصغرى أن يعيدوا لدمشق والشام شيئا من الرخاء بإلغاء المغارم والمكوس وكل ما كان يبهظهم من الضرائب الاستثنائية.
واستعادت دمشق مبانيها وعمارتها بعد تيمور، ولا بد أنها ظلت تعانى من خسائر الحريق وأنقاض عمائرها الباذخة فترة طويلة. وسرعان ما نسمع أنه أصبح بها مائة حمام. وشاد حكامها فيها قصورا فخمة على مر السنين، واتسع ذلك فى بلدان الشام جميعا: من حلب شمالا إلى غزة جنوبا، وبدأ ذلك منذ أوائل عهدها بالاسلام لزمن الأمويين، فإن خلفاءهم وأمراءهم وبعض نسائهم شادوا فى دمشق لأنفسهم قصورا باذخة، وامتد ذلك إلى حلب وغير حلب من مدن الشام وإلى البوادى. وظلت هذه العناية بتشييد القصور لحكام الشام على مر السنين، ومر بنا أن خمارويه بنى لنفسه بجوار دمشق قصرا، وتتابع بناء حكام دمشق وبلدان الشام للقصور، سوى ما كانوا يبنون من المساجد والخانقاهات والمارستانات والمدارس. وتحدث المؤرخون طويلا عن قصر أنيق بدمشق بناه الظاهر بيبرس. وعنى الصليبيون ببناء الحصون كما عنى الأيوبيون والمماليك ببناء المساجد والمدارس والرباطات والمارستانات والقلاع والجسور وكان لكل ذلك أثر واسع فى نشاط الحياة بالشام ورواج الصناعة والتجارة.
وترزح الشام-كما رزحت مصر-تحت حكم العثمانيين، ويظلون بها أربعة قرون، ويتقوض كل أمل لأهل الشام فى تدارك الأمور، وبدأ ذلك الغزالى نائب سليم بما أخذ يفرض على أهل الشام من ضرائب ثقيلة، وزال حكمه، كما مر بنا، وظلت المكوس تزداد وظلت البلاد تتردى من سيئ إلى أسوأ إذ دأب العثمانيون على التغيير السريع لحكامهم فى البلاد، ودأب الحكام على اعتصار خيراتها حتى آخر قطرة. وكانت الدولة العثمانية تدفع إلى استنزاف كل ما فى ديار الشام من أموال وظلموا الناس أشد ظلم، بل نهبوهم أعسف نهب وابتزوا أموالهم أسوأ ايتزاز. وهيأ ذلك لمظالم لا تطاق فى المدن بين الصناع والتجار وفى القرى بين الزراع، مما جعل بعض الفلاحين يفرون من قراهم إلى الجبال أو ينزلون عن ممتلكاتهم فيها إلى بعض ذوى الجاه مفضلين أن يعيشوا فقراء على معيشة الحرية التعسة المنتهكة. وانتكست بذلك الزراعة، ولم تعد هناك عناية بإنتاج القطن