الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ابن (1) الوردىّ
هو زين الدين عمر بن المظفر المعروف ب
ابن الوردى
، ولد فى المعرة بلدة أبى العلاء سنة 689 وبها نشأ ودرس على شيوخها، ويقول ابن حجر فى الدرر: بل نشأ بحلب وهى حاضرة إقليم المعرة، وخاصة على قاضيها وفقيهها ومفتيها الشافعى شرف الدين البارزى. وتنقل فى بلاد الشام يأخذ عن شيوخها، وعرف فضله فى الفقه والفتوى، فولاه ابن الزّملكانى قاضى قضاة الشام قضاء حلب، وكان شاعرا. وله فى ابن الزملكانى مدائح كثيرة، اعترافا منه بصنيعه، ورأى ابن الزملكانى فيما بعد عزله عن حلب وتوليته قضاء منبج، فامتعض ابن الوردى لنفسه أن يعزل عن حلب ويولّى قضاء بلدة صغيرة من بلدان إقليمها، وعبثا حاول أن يسترضيه وأن يرده إلى حلب، فاعتزل القضاء وعاش للتأليف ونظم الشعر وصوغ النثر حتى توفى سنة 749. وله مؤلفات علمية مختلفة شعرا ونثرا، فقد نظم كتاب الحاوى فى الفقه الشافعى فى منظومة بلغت أكثر من خمسة آلاف بيت، وله مصنفات لغوية ونحوية، منها شرح على ألفية ابن مالك وآخر على ألفية ابن معطى. وهو معدود فى شعراء القرن الثامن النابهين، ويقول ابن شاكر:«أجاد فى المنثور والمنظوم، فنظمه جيد إلى الغاية وفضله بلغ النهاية» . وديوانه كبير وهو مطبوع فى الآستانة من قديم، وله بعض رباعيات وبعض موشحات، أنشد منهما السبكى فى ترجمته، وله خمس مقامات، ورسائل كثيرة منشورة مع ديوانه، وفى رأينا أن نثره أروع من شعره، ولذلك اخترنا أن نتحدث عن أبدع ما له من كتابات أدبية، ونقصد مقاماته.
وأولى المقامات فى الديوان المقامة الصوفية، ومنها يجرى ابن الوردى حوارا بين مواطن له من المعرة سافر إلى بيت المقدس وبين عشرة من الصوفية فى مقدمتهم شيخ كبير، وكانوا يتبادلون فيما بينهم أحاديث وكلمات صوفية رمزية، وأشركوا معهم فى الحديث هذا الوافد المعرى، وأخذ يسألهم عن أحوالهم ورموزهم وإشاراتهم وتقصير ثيابهم وعاداتهم والشيخ يجيب. وأحيانا ينتقد صوفية زمنه وأنهم لا يتبعون المنهج السديد لأسلافهم حتى ليقول: «إن المتصوفة اليوم أصحاب
(1) انظر فى ابن الوردى وترجمته طبقات الشافعية للسبكى 10/ 373 والدرر الكامنة لابن حجر 3/ 272 وفوات الوفيات 2/ 229 والنجوم الزاهرة 10/ 240 والبدر الطالع 1/ 514 والشذرات 6/ 161 وديوانه ومعه مقاماته ورسائله مطبوع فى الآستانة سنة 1300 للهجرة.
أكل وشرب ونوم، يروون الأقوال ولا يتبعون الأفعال، وافقوا أسلافهم ملبسا، وخالفوهم أنفسا». والمقامة طريفة فى عرضها لأحوال الصوفية فى تلك الأيام، وحرى بنا أن نذكر فاتحتها لنقف على أسلوب ابن الوردى فى مقاماته، يقول (1):
وقد تصنع ابن الوردى فى أول مقامته لمصطلح التعريف والتنكير فى النحو، ولم يلبث أن اقتبس فى وصف الوادى ألفاظ بيتين مشهورين من الشعر فى وصف واد للمنازى معاصر أبى العلاء إذ يقول
وقانا لفحة الرّمضاء واد
…
سقاه مضاعف الغيث العميم
تروع حصاه حالية العذارى
…
فتلمس جانب العقد النظيم
واشتهرت الخنساء بكثرة بكائها على أخيها صخر فاستغلّ ابن الوردى ذلك فى التورية عن هذه العين الحقيقية التى تجرى مياهها على الصخر، ويقول إن منظرها الحسن ذكره بحادثة الحسين ومقتله فى كربلاء وطلبه الماء من أعدائه ومنعه عنه وروحه تصعد إلى بارئها. ولم نمض فى قراءة المقامة لنراه وهو يقتبس آى الذكر الحكيم ويتمثل بالأشعار والحكم والأمثال، مما جعل الكتابة حينئذ تنوء بكلف كثيرة.
وسمى ابن الوردى مقامته الثانية المقامة الأنطاكية، واتخذ فيها أيضا شخصا من المعرة يزورها ويصف محاسنها ومحاسن الطبيعة من حوله، ويحمد الله على أن ردها من حملة الصليب إلى العرب، ويأسى لما فيها من تباغض بين العرب والروم.
والمقامة الثالثة سماها المقامة المنبجية، ومنبج إحدى القرى الكبيرة فى حلب، وفيها يحكى أيضا شخص من المعرة أنه دخلها فرثى لما أصاب مساجدها وأبنيتها من دثور. وكان حملة الصليب قد استولوا عليها قديما وعاثوا فيها. ويلم ابن الوردى بمدرستها النورية، فإذا مدرسها
(1) الديوان (فى مجموعة طبعة الجوائب) ص 133
(2)
الرمضاء: شدة الحر
(3)
صاد: عطشان شديد العطش
القاضى حدث السن، فظن أنه ليس بشئ، فلما سأله عن حاجته قال:«نحن عشرة ذوو نسب وأولو علم وأدب، وقد أنشد كل منا بيتى شعر، سامهما (1) فضل سعر، وأقام وزنهما، وقال إنهما وإنهما، وأنا رسول أصحابى إليك لتنصف بيننا وقد دللت عليك» فقال له: قل ما أردت أن تقول، فأخذ يعرض عليه أبياتا فى الغزل وغير الغزل، والقاضى يعلق تعليقات نقدية بديعة.
وحينئذ رجع المعرى إلى نفسه يلومها لسوء ظنها بالمدرس، وأطال شكره.
وسمى المقامة الرابعة المشهدية وفيها يلقى شخص معرّىّ أميرا يحدثه عن الاحتفالات والمواسم حول بعض الأضرحة وما يجرى فيها من اللهو واختلاط النساء بالرجال كأعياد النصارى والمجوس، وينهاه الأمير عن الاشتراك فى هذه البدع المحرمة، وينوه بقاضى القضاة ابن الزّملكانى الذى أمر بإبطالها وشدد فى النكير عليها، ويدعو له قائلا:
وواضح مدى ما تكلفه ابن الوردى من حشد مصطلحات النحو فى عبارات الثناء على ابن الزملكانى وسجعاته، فلا زال ابن الزملكانى مثل حرف النداء فى النحو ينادى به القريب والبعيد، والتابع مفرد التوابع، وهى العطف والنعت والتوكيد والبدل، ولذلك ذكر مع التابع العطف، وجلب من النحو كلمة «منصويا» واراد بها ان العلم مرفوع، وذكر المعارف والخبر والمبتدأ والنسب والرفع والمضى والبناء على الفتح. كل ذلك حشده فى هذه السجعات القليلة، ولم يكن يصنع ذلك دائما ولكن من حين إلى حين تلقانا فى نثره هذه الرقع التى تدل على التكلف الشديد.
ومقامته الخامسة فى وصف حريق دمشق الذى وصفه معاصره الصفدى. ومرت بنا قطعة من وصفه، وسمى ابن الوردى هذه المقامة باسم «صفو الرحيق فى وصف الحريق» ورواها عن شخص يسمى غيث بن سحاب عن ندى بن بحر، والصلة بينها وبين رسالة الصفدى فى الموضوع نفسه قوية، ويبدو أن الصفدى اقتبس كثيرا منه حتى عنوان مقامته وهو «رشف الرحيق فى
(1) سامهما فضل سعر. غالى بهما فى السعر
(2)
نداه: كرمه
(3)
العرف: المعروف