المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌3 - علوم اللغة والنحو والنقد والبلاغة - تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف - جـ ٦

[شوقي ضيف]

فهرس الكتاب

- ‌مقدّمة

- ‌الفصل الأوّلالسياسة والمجتمع

- ‌(ا) فتح العرب للشام

- ‌(ب) زمن الدولة الأموية

- ‌(ج) زمن الولاة العباسيين

- ‌(د) الطولونيون-القرامطة

- ‌1 - الطولونيون

- ‌2 - القرامطة

- ‌(هـ) الإخشيديون-الحمدانيون (سيف الدولة)

- ‌1 - الإخشيديون

- ‌2 - الفاطميون-بنو مرداس-السلاجقة-الصليبيون-آل زنكى (نور الدين)

- ‌(ا) الفاطميون

- ‌(ج) السلاجقة

- ‌(د) الصليبيون

- ‌3 - الأيوبيون (صلاح الدين) -المماليك-العثمانيون

- ‌(ب) المماليك

- ‌(ج) العثمانيون

- ‌4 - المجتمع

- ‌5 - التشيع: الإسماعلية والإمامية-النصيرية-الدروز-الإسماعيلية النزارية أو الفداوية أوالحشاشين

- ‌(ا) الإسماعلية والإمامية

- ‌(ب) النّصيريّة

- ‌(ج) الدروز

- ‌الفصل الثّانىالثقافة

- ‌1 - الحركة العلمية

- ‌2 - علوم الأوائل-علم الجغرافيا

- ‌(ا) علوم الأوائل

- ‌(ب) علم الجغرافيا

- ‌3 - علوم اللغة والنحو والنقد والبلاغة

- ‌4 - علوم القراءات والتفسير والحديث والفقه والكلام

- ‌5 - التاريخ

- ‌الفصل الثالثنشاط الشعر والشعراء

- ‌1 - تعرب الشام

- ‌2 - كثرة الشعراء

- ‌3 - شعر دورى-رباعيات-موشحات-بديعيات-تعقيدات

- ‌(ا) الشعر الدورى

- ‌(ب) الرباعيات

- ‌(ج) الموشحات

- ‌ أيدمر المحيوى

- ‌(د) البديعيات

- ‌(هـ) التعقيدات

- ‌4 - شعراء المديح

- ‌ابن الخياط

- ‌ ابن القيسرانى

- ‌ ابن الساعاتى

- ‌ الشهاب محمود

- ‌5 - شعراء الفلسفة والحكمة

- ‌أبو العلاء المعرى

- ‌ منصور بن المسلم

- ‌6 - شعراء التشيع

- ‌كشاجم

- ‌ابن حيّوس

- ‌ بهاء الدين العاملى

- ‌الفصل الرّابعطوائف من الشعراء

- ‌1 - شعراء الغزل

- ‌ عبد المحسن الصورى

- ‌ ابن منير

- ‌ الشاب الظريف

- ‌ حسن البورينى

- ‌2 - شعراء الفخر والهجاء

- ‌عرقلة

- ‌ ابن عنين

- ‌ ابن النحاس

- ‌3 - شعراء المراثى والشكوى

- ‌ ابن سنان الخفاجى

- ‌الغزّىّ

- ‌ فتيان الشاغورى

- ‌ مصطفى البابى

- ‌4 - شعراء الطبيعة ومجالس اللهو

- ‌الوأواء الدمشقى

- ‌ مجير الدين بن تميم

- ‌ابن النقيب

- ‌[5 - ] شعراء الزهد والتصوف والمدائح النبوية

- ‌ عبد العزيز الأنصارى

- ‌ محمد بن سوّار

- ‌ عبد الغنى النابلسى

- ‌6 - شعراء شعبيون

- ‌الفصل الخامسالنثر وكتابه

- ‌1 - الرسائل الديوانية

- ‌العماد الأصبهانى

- ‌الصّفدى

- ‌ابن حجّة الحموى

- ‌2 - الرسائل الشخصية

- ‌(ا) رسائل أبى العلاء

- ‌(ب) رسائل متنوعة

- ‌3 - المقامات

- ‌ابن الوردى

- ‌4 - المواعظ والابتهالات

- ‌(ج) خطبة القدس بعد فتحه لمحيى الدين بن الزكى

- ‌(د) كشف الأسرار عن حكم الطيور والأزهار

- ‌5 - أعمال أدبية: رسائل وغير رسائل:

- ‌(ج) كتاب الاعتبار

- ‌خاتمة

الفصل: ‌3 - علوم اللغة والنحو والنقد والبلاغة

928 كتابه «الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل» . وتكثر أيام العثمانيين كتب الرحلات والفضائل وتقل قلة شديدة الكتب الجغرافية بمعناها الدقيق. وربما كان أكثر أهل الشام حينئذ نشاطا فى الكتابة عن دمشق ومساجدها ومدارسها ومواضع أحيائها وضواحيها ومزاراتها ابن (1) طولون الصالحى المتوفى سنة 953 وله فى ذلك رسائل متعددة، وله أيضا وصف للطريق من الشام إلى مكة باسم «منازل الحج الشامى» . ويكثر وصف الرحلات إلى القسطنطينية، وبدأها بدر (2) الدين محمد الغزى المتوفى سنة 984 بكتابه «المطالع البدرية فى المنازل الرومية» وتلاه محمد (3) بن أحمد سكيكر المتوفى سنة 987 للهجرة بوصف رحلته من حماة إلى القسطنطينية فى كتابه «زبدة الآثار فيما وقع لجامعه من الأسفار» . ونلتقى برحلات متعددة إلى مصر، مثل «حاوى الأظعان النجدية إلى الديار المصرية» لأحمد (4) بن داود الحموى المتوفى سنة 1016 ووصف محمد (5) بن أحمد بن حافظ الدين القدسى المتوفى سنة 1055 زياراته لدمشق والقدس والقاهرة فى كتابة «إسفار الأسفار فى أبكار الأفكار» كتبه بلغة مسجوعة بها غير قليل من التكلف. ولعبد الغنى النابلسى الصوفى الذى سنترجم له فيما بعد المتوفى سنة 1143 أربع رحلات إلى طرابلس وبعلبك والقدس ومصر. وربما كان أهم من جاءوا بعد ذلك فى زمن العثمانيين أحمد (6) المنينى الطرابلسى المتوفى سنة 1172، وكان مدرسا بالجامع الأموى، وله كتاب «الإنعام (أو الإعلام) بفضائل الشام وهو شارح السيرة المشهورة التى ألفها العتبى للسلطان محمود الغزنوى.

‌3 - علوم اللغة والنحو والنقد والبلاغة

أخذت الشام تعنى بتعلم العربية منذ وضع فيها العرب أقدامهم حتى تحسن النطق بالذكر الحكيم، وبمجرد أن تحولت مقاليد الخلافة إلى معاوية وأصبحت دمشق عاصمة الدولة الإسلامية

(1) انظر فى ابن طولون ترجمة شخصية له طبعت بدمشق بعنوان: الفلك المشحون فى أحوال محمد بن طولون وراجع الكواكب السائرة 2/ 52 وشذرات الذهب 8/ 298 وكراتشكوفسكى 2/ 681 وما بعدها

(2)

انظر كراتشكوفسكى 2/ 685

(3)

راجع كراتشكوفسكى 2/ 687

(4)

انظر كراتشكوفسكى 2/ 690

(5)

راجع كراتشكوفسكى 2/ 692

(6)

انظر فى المنينى سلك الدرر للمرادى 1/ 133 وكراتشكوفسكى 2/ 757

ص: 81

ازدادت الرغبة حتى عند المسيحيين فى معرفة العربية لغة الحاكم وإدارته الجديدة، وحقا كانت الشام قد أخذت فى التعرب قبل الإسلام، ولكن كان لا يزال بها كثيرون لا يعرفون العربية، بل قل إن الكثرة كانت لا تعرفها، وكان الذين اعتنقوا الإسلام شغوفين بالتزود منها، ويمكن أن نتخذ مما ينسب إلى عبيد بن شريّة جليس معاوية ومحدثه بأخبار الأمم السالفة من أنه وضع للناس كتابا فى الأمثال (1) رمزا لتلبية هذا الشغف عند أهل الشام، ولباه أيضا فى أيام يزيد بن معاوية أخبارى يسمى. علاقة بن كريم الكلابى، فوضع للناس كتابا ثانيا فى الأمثال (2) والحكم. وأخذ ينشأ حينئذ معلمون يعلمون الناس العربية، كانوا يسمون باسم المؤدبين، ولم تهتم الكتب بإعطاء بيانات عمن كانوا يعلمون العامة منهم، ولا شك أن كثرتهم كانت من قرّاء الذكر الحكيم، حتى يحسن القارئ تلاوته، أما من كانوا يعلمون الخاصة من أبناء الخلفاء وأمراء البيت الأموى فزوّدتنا المصادر ببعض أسمائهم، ومنهم عبد الصمد بن عبد الأعلى مؤدب (3) أولاد عتبة بن أبى سفيان، وهو أيضا مؤدب (4) الوليد بن يزيد، ويقال إنه هو الذى دفعه إلى المجون، إذ كان زنديقا ماجنا.

وكان معبد الجهنى مؤدبا (5) لسعيد بن عبد الملك، واتخذ هشام بن عبد الملك فى خلافته الزهرى المحدّث مؤدبا (6) لأبنائه.

ومضت الشام طوال القرنين الثانى والثالث تعنى بتعلم العربية وإتقان الناشئة لها وقيام أمثال من سميناهم على تعليمها من المؤدبين والمعلمين. ويبدو أنهم كانوا يعدون تلاميذهم إعدادا واسعا، يدل على ذلك أن شاعرين ممن خرّجوهما-تخرج أولهما وهو أبو تمام فى الربع الأخير من القرن الثانى وتخرج الثانى فى أوائل القرن الثالث وهو البحترى-وضعا أقيم مجموعتين من اختيارات الشعر حتى زمنهما، وسمّى كل منهما مجموعته باسم الحماسة على نحو ما هو معروف. وكانت بغداد-مركز الخلافة-تجذب إليها بعض هؤلاء المؤدبين، وكان الخلفاء يتخذون منهم أحيانا مؤدبى أبنائهم، مثل أحمد بن سعيد الدمشقى وكان مؤدبا لأبناء الخليفة المعتز واختص بتخريج عبد الله بن المعتز الشاعر المشهور. ويبدو أن علماء اللغة فى الشام لم يستقلوا عن علماء النحو إلى حقب متطاولة،

(1) الفهرست ص 132

(2)

الفهرست ص 132 ونسب ابن النديم كتابا فى الأمثال لصحار العيدى معاصر معاوية.

(3)

البيان والتبيين 1/ 252

(4)

أغانى (طبع دار الكتب) 7/ 3 ولسان الميزان لابن حجر 4/ 21

(5)

البيان والتبيين 1/ 251

(6)

بروكلمان (الطبعة العربية بدار المعارف) 1/ 254.

ص: 82

بمعنى أن عالم اللغة والنحو كان واحدا، وكان يؤلف فى الميدانين معا، وقد يكون شاميا أصيلا وقد يكون من نزلاء الشام.

وأول نحوى ولغوى كبير نلتقى به فى الشام الزجّاجى (1) عبد الرحمن بن إسحق، كان قد لزم الزجّاج العالم النحوى ببغداد، فنسب إليه، ونزل الشام فأقام بحلب مدة ثم انتقل إلى دمشق وأقام بها يعلّم كتابه الجمل، وهو كتاب بارع فى تعليم الناشئة، وظل يدرس بعده فى مصر والمغرب والحجاز واليمن فضلا عن الشام مددا متطاولة لوضوح عبارته ودقة تبويبه. وله أمال تزخر بالمعارف اللغوية وهى منشورة، وله فى علل النحو كتاب نفيس سماه الإيضاح وهو أقدم كتاب تناول هذا الموضوع تناولا مفصلا دقيقا، نشره الدكتور مازن مبارك مع مقدمة لى تحليلية. وقد ترجمت للزجاجى فى كتابى «المدارس النحوية» وأوضحت أنه من مؤسسى المدرسة البغدادية التى تعتمد على الآراء النحوية البصرية وتضم إليها بعض الآراء النحوية الكوفية مع النفوذ إلى آراء جديدة. وخرج فى سنة 340 مع عامل الضياع الإخشيدية-إذ كانت الشام حينئذ تتبع الإخشيد-إلى طبريّة فتوفى بها.

وكانت حلب قد أخذت تنافس بغداد فى النهضة الفكرية، إذ بعث فيها سيف الدولة-كما مرّ بنا فى غير هذا الموضع-حياة أدبية وعلمية باهرة بما جمع فى بلاطه من الفلاسفة مثل الفارابى والمترجمين مثل عيسى النفيسى والأطباء مثل أبى القاسم الرقى. وكان للغة والنحو حظ وافر من العلماء، إذ كان بحلب حينئذ أبو الطيب (2) عبد الواحد اللغوى، وله كتاب مراتب النحويين وكتاب فى الأضداد، غير كتب لغوية أخرى. ونزل حلب ابن خالويه (3) اللغوى النحوى واتخذه سيف الدولة مؤدبا لأبنائه، وله فى اللغة كتاب الاشتقاق وكتاب المقصور والممدود وكتاب المذكر والمؤنث وله فى النحو كتاب إعراب ثلاثين سورة من القرآن العزيز وطبعته دار الكتب المصرية، وله كتاب فى القراءات منشور، وعنى بدراسة لغة العامة لأيامه، ومن أجل ذلك ألّف كتابه «ليس» فى كلام العرب، وعقب عليه الحافظ المصرى مغلطاى فى مواضع وسمى كتابه «الميس على ليس» ويريد بالميس الاختيال. وكان ينزع فى آرائه منزع الكوفة وتوفى بحلب سنة 370.

(1) انظر فى الزجاجى إنباه الرواة 2/ 160 وابن خلكان 3/ 176 وكتابنا المدارس النحوية (طبع دار المعارف) ص 252 وبروكلمان 2/ 173

(2)

راجع فى أبى الطيب مقدمة الناشر لكتابه مراتب النحويين وبغية الوعاة وبروكلمان 2/ 242

(3)

انظر فى ابن خالويه إنباه الرواة 1/ 324 وابن خلكان 2/ 178 ومعجم الادباء 9/ 200 ويتيمة الدهر 1/ 88 وطبقات الشافعية للسبكى 3/ 269

ص: 83

وبجانب ابن خالويه وأبى الطيب اللغوى كانت هناك طائفة من نحاة أقل شهرة مثل أحمد بن البازيار وأحمد السميساطى وعلى بن محمد العدوى وعبد (1) الله بن عمرو الفياضى، وكان معهم النامى الشاعر، وكان سيف الدولة يعجب بشعره، وبدأ حياته نحويا فى بلدته المصّيصة، ثم تحول شاعرا، وكانت له إملاءات لغوية ونحوية بحلب والتف حوله كثيرون من التلاميذ.

وكان كشاجم على شاكلة النامى لغويا وشاعرا وله كتاب المصايد والمطارد وهو منشور، وكان له كتاب فى البيزرة وكتاب ثان فى أدب النديم. ومثله كان الخالديان: عثمان وأخوه أبو بكر محمد، ولهما تصانيف فى الشعر والشعراء مثل كتاب الحماسة وأخبار أبى تمام وأخبار ابن الرومى.

ولمع حينئذ فى سماء حلب كوكبان نحويان لغويان كبيران هما أبو على الفارسى وتلميذه ابن جنى. وقد تحدثنا عن نشاطهما اللغوى والنحوى فى كتابنا «المدارس النحوية» ويهمنا هنا أن نذكر أن ابن جنى لزم المتنى فى بلاط سيف الدولة وبعد ذلك فى بغداد وإيران وروى عنه ديوانه وشرحه شرحين، صغير مختصر وكبير مطول وعلى أساسهما بنيت شروحه فيما بعد. وأهم من شرحه بعده من أهل الشام أبو العلاء المعرى، وله عليه شرحان: كبير ومتوسط وهما معجز أحمد واللامع العزيزى سماه بهذا الاسم لأنه قدمه إلى عزيز الدولة ثابت (2) بن ثمال بن صالح بن مرداس سنة 434 وربما كان يتولى المعرة حينذاك. وفى ذلك ما يشير إلى ما قلناه مرارا من أن حكام الإمارات والمدن كانوا رعاة للعلم والأدب، ولعل فيه ما يشير أيضا إلى أن بنى مرداس الذين خلفوا الحمدانيين وظلوا حكاما على إمارة حلب من سنة 415 إلى سنة 467 أعادوا لها ذكرى الحركة الفكرية التى بعثها فيها سيف الدولة الحمدانى وأسرته.

ولعل بلدا عربيا لم يظفر بما ظفرت به الشام فى أبى العلاء الشاعر اللغوى العبقرى المولود سنة 363 والمتوفى سنة 449 للهجرة وقد استوعب كل تراث زمنه من العلوم اللغوية والشرعية وعلوم الأوائل واستظهر ذلك كله فى أشعاره وفى رسائله وكتاباته النثرية، وكان للغة وغرائبها الحظ الأكبر، وكأن ليس هناك شاذة ولا شاردة لغوية إلا سلكها فى أشعاره ورسائله. ولذلك كان يفرد دائما شروحا لغوية لأعماله، وقد أفرد لديوانه سقط الزند شرحا سماه ضوء السقط وهو منشور، وأفرد للزوميات شرحا سقط من يد الزمن، ويقال إنه كان فى مائة كراسة، وأفرد للفصول والغايات وهى فى الزهد والعظات شرحا، أنشأه فى غريبها وسماه «السادن» كان فى

(1) انظر كتاب (أبو الطيب المتنبى) لبلاشير (ترجمة الدكتور الكيلانى) ص 228

(2)

راجع إنباه الرواة 1/ 65 وانظر معجم الأدباء 3/ 162

ص: 84

عشرين كراسة. ولعل فى ذلك ما يشير إلى أنه كان ينبغى فى نشر هذا الكتاب إفراد الشرح عن متنه، وكان قد وضع فى غاياته شرحا سماه إقليد الغايات مقداره عشر كراريس كان ينبغى أيضا أن يفرد عنه شرح غاية أو قافية كل فصل من فصوله. وهذا نفسه يلاحظ فى رسالته البديعة:

رسالة الغفران، فقد نشرت مع شرح يتخللها وينتظم فى تضاعيفها، وكان ينبغى أن ينحّى عنها ويوضع فى هوامشها بحيث يكون لها هوامش من إملاء أبى العلاء وهوامش أخرى خاصة بالتحقيق. ومثلها رسالة الصاهل والشاحج التى كتبها على لسان فرس وبغل: فقد أتبعها بشرح سماه «لسان الصاهل والشاحج» . وقد نشرتها هى ورسالة الغفران الدكتورة بنت الشاطئ، ويقال إنه قدم رسالة الصاهل والشاحج لعزيز الدولة فاتك الذى كان واليا للفاطميين على حلب (1) من سنة 407 إلى سنة 413 وقدم رسالته السّندية إلى والى حلب الذى خلف فاتكا:

سند (2) الدولة بن عثمان الكتامى. ولعل فى الرسالتين ما يشير إلى أن ولاة الفاطميين فى المدة القصيرة التى تبعت فيها حلب القاهرة من سنة 407 إلى سنة 415 كانوا يرعون الأدباء والعلماء بها، وبالمثل فى البلدان الشامية الأخرى التى كانت تتبع القاهرة قبل استيلاء السلاجقة عليها وقبل استيلاء حملة الصليب. وعمل أبى العلاء اللغوى لم يقتصر على ما أنتج من شعر ونثر فقد مرّ بنا أنه شرح ديوان المتنبى وبالمثل شرح ديوان أبى تمام حبيب بن أوس وسماه ذكرى حبيب وشرح ديوان البحترى وسماه عبث الوليد. وشرح من كتب اللغة فصيح ثعلب. وكان طلابه وتلاميذه الذين يتحلقون حوله يقرءون عليه كتبا لغوية مختلفة ويثبتون على نسخهم تعليقاته، من ذلك كتاب إصلاح المنطق لابن السكيت وكتاب غريب الحديث لأبى عبيد. ويروى أنه ألف فى النحو كتابا سماه النافع وكان فى خمسة كراريس ولعله صنفه للناشئة. وفى الحق أنه كان إماما كبيرا فى اللغة، ويقول عنه تلميذه التبريزى:«ما أعرف أن العرب نطقت بكلمة ولم يعرفها المعرى» (3) ويعدد الصفدى من رزقوا السعادة فى أشياء لم يأت بعدهم من نالها ويذكر منهم أبا العلاء فى الاطلاع على اللغة. ويقول الذهبى: كان أبو العلاء عجبا فى الاطلاع الباهر على اللغة وشواهدها» (4) ويقول ابن فضل الله العمرى: «كان أبو العلاء مطلعا على العلوم لا يخلو فى علم من الأخذ بطرف، متبحرا فى اللغة، متسع النطاق فى العربية (5)» . وإذا عرفنا أن هذا الإمام اللغوى الكبير

(1) تعريف القدماء بأبى العلاء ص 531

(2)

تعريف القدماء بأبى العلاء ص 534

(3)

أبو العلاء وما إليه للراجكونى ص 53

(4)

تعريف القدماء ص 190

(5)

تعريف القدماء ص 268

ص: 85

لم ينشأ فى مدن الشام الثلاث الكبرى: حلب أو دمشق أو بيت المقدس، وإنما نشأ فى بلدة المعرّة الصغيرة القريبة من حلب، وأخذ العربية واللغة عن علماء منها كبنى كوثر (1) ومن يجرى مجراهم من تلامذة ابن خالويه وطبقته، إذا عرفنا ذلك اتضح لنا النشاط اللغوى والنحوى الكبير الذى كان مبثوثا لا فى مدن الشام الكبرى فحسب، بل أيضا فى مدنها وبلدانها الصغرى.

وفى كتب التراجم نحاة مختلفون كانوا يدرسون اللغة والنحو ويعلمونهما للناشئة ومن تجاوزوا سن الناشئة نذكر منهم فى زمن أبى العلاء، أحمد (2) بن عبد الرحمن الطرابلسى ويذكر مترجموه أنه كان لا يزال حيا يعلم ويدرس سنة 413 لطلابه بطرابلس إلى أن وافاه بها القدر. وكان يعاصره عالى (3) بن أبى الفتح بن جنى المتوفى سنة 452 وكان يعلم العربيةى صور وصيداء ونلتقى من شراح المتنبى بالوأواء (4) الحلبى اللغوى المتوفى سنة 551 وهو غير الوأواء الدمشقى شاعر سيف الدولة، كما نلتقى فى شيزر بمرهف بن أسامة بن منقذ المتوفى سنة 613 وله شرح (5) على ديوان المتنبى، وتوفى معه فى نفس السنة أبو اليمن التاج الكندى زيد (6) بن الحسن نحوىّ دمشق المشهور. وتزدهر الدراسات اللغوية والنحوية فى الشام أثناء القرن السابع الهجرى، ويلقانا أعلام ثلاثة كان لكل منهم شطر فى هذا الازدهار، أولهم يعيش (7) بن على بن يعيش الحلبى الدار والمولد، ولد بحلب سنة 556 للهجرة وأكب فى نشأته على تعلم العربية وأخذها عن نحاة موطنه، ولم يكتف بذلك فقد رحل إلى بغداد ثم دمشق يأخذ عن شيوخهما، وعاد إلى حلب يعلم العربية حتى وفاته سنة 643 وكان يقرأ على طلابه بعض كتب ابن جنى ويشرحها مثل اللمع والتصريف، وأهم من شرحيه عليهما شرحه على كتاب المفصل للزمخشرى وهو منشور فى عشر مجلدات استقصى فيه آراء النحاة من بصريين وكوفيين وبغداديين، ويكثر من انتصاره للبصريين، وقلما يستحسن آراء الكوفيين، وكثيرا ما يؤثر آراء البغداديين من أمثال أبى على الفارسى، وهو بذلك يسلك فى المدرسة البغدادية التى كانت تجمع فى مصنفاتها بين آراء النحاة البصريين والكوفيين وتنفذ إلى آراء جديدة فى هذه المسألة أو تلك، وفى كتابنا «المدارس النحوية» توضيح كاف لمنهج ابن يعيش فى النحو واختياره لآراء النحاة فيه من بصريين وكوفيين وبغداديين. .

(1) إنباه الرواة 1/ 49

(2)

راجع ترجمة الطرابلسى فى إنباه الرواة 1/ 86

(3)

انظر إنباه الرواة 2/ 385

(4)

انظر فى الوأواء الحلبى إنباه الرواة 2/ 186

(5)

بروكلمان 2/ 90

(6)

ستذكر مصادر ترجمته بين القراء.

(7)

راجع فى ترجمة ابن يعيش ابن خلكان 7/ 46 وابن الوردى 2/ 176 والشذرات 5/ 228 وبغية الوعاة ص 419

ص: 86

والعلم الثانى لم يكن شاميا بل كان مصريّا، ومنذ العصر الأيوبى كان علماء الشام ومصر يتبادلون التدريس والتعليم فى البلدتين، وكثيرا ما درّس وعلّم جلّة العلماء الحلبيين والدمشقيين والمقدسيين فى مدارس القاهرة ومساجدها مثل يحيى بن معطى المتوفى بمصر سنة 628 وقد وضعناه بين نحاتها المصريين. وكثيرا ما نزل ببيت المقدس ودمشق وحلب مصريون واستوطنوها وأمضوا حياتهم هناك يعلمون ويدرسون ويفيدون، لا علماء النحو فحسب بل جميع العلماء من كل فرع من فروع العلم. وكان العلم المصرى النحوى الذى نزل الشام ابن الحاجب (1) عثمان بن عمر المتوفى سنة 646 وهو مذكور بين النحاة فى القسم المصرى. ويهمنا هنا أن نعرف أنه حين أحسّ نضجه العلمى رحل إلى دمشق وكان مالكيا، فنزل بزاوية المالكية فى جامعها الأموى، وأخذ يدرس لطلابه هناك كتابيه الرائعين فى النحو والتصريف: الكافية والشافية، وأملى شرحين لهما. وتوالت بعده لنفاستهما الشروح عليهما بين عربية وفارسية حتى بلغت على الكافية-كما استقصاها بروكلمان-سبعة وستين شرحا، وعلى الشافية-ستة وعشرين. وظل ابن الحاجب طويلا فى دمشق وطلاب العربية مكبّون عليه حتى دخلت سنة 639 وتحالف الملك الصالح إسماعيل مع حملة الصليب ضد ابن أخيه الملك الصالح نجم الدين أيوب وتنازل لهم عن صفد وقلعة شقيف، وجاء ابن الحاجب نبأ الكارثة، وكان يخطب الجمعة فى المسجد الأموى، وكان إسماعيل قد ملك دمشق برهة، وغلا الدم فى عروقه فقطع اسم الملك إسماعيل من الخطبة معلنا بذلك احتجاجه على عمله المزرى، وردّ عليه إسماعيل بإبعاده إلى موطنه، فعاد إلى القاهرة وتركها إلى الإسكندرية وبها توفى سنة 643.

والعلم الثالث لم يكن مصريا ولا شاميا، بل كان أندلسيا، وهو ابن (2) مالك محمد بن عبد الله، ولد ونشأ وعكف على دراسة اللغة والنحو فى بلدته جيّان، حتى إذا شعر باكتمال تكوينه العلمى رحل سنة 630 وهو فى الثلاثين من عمره إلى دمشق، وظل مدة فى حلب يأخذ عن ابن يعيش. ثم عاد إلى دمشق واستوطنها متوليا بها مشيخة المدرسة العادلية، ولم يلبث أن طار صيته فى آفاق الشام، فقصده الطلاب من كل فجّ، وكان يحسن إلى أبعد حد نظم الشعر العلمى فنظم فى النحو ألفيته المشهورة، وتوالت بعده شروحها حتى بلغت تسعة وأربعين شرحا، غير ما على بعض شروحها من حواش. وألف فى النحو بجانبها كتابه التسهيل وله عشرة شروح، وله فى

(1) انظر فى ابن الحاجب ابن خلكان 3/ 248 وابن فرحون ص 372 وبروكلمان 5/ 308 والمدارس النحوية ص 343.

(2)

انظر فى ابن مالك ومصادره كتابنا المدارس النحوية ص 309 وبروكلمان 5/ 275 - 296.

ص: 87

الصرف لامية الأفعال ولها أيضا عشرة شروح، وتحفة المودود فى المقصور والممدود، وإيجاد التعريف فى علم التصريف. وبلغت مصنفاته نحو ثلاثين مصنفا بين منظوم ومنثور، وأوضحت فى كتاب المدارس النحوية منهجه فى النحو وأنه كان منهجا بغداديا مع مبله لاستخدام بعض الرخص الكوفية، وسنعود إلى الترجمة له ترجمة أكثر تفصيلا فى السّفر الخاص بالأندلس والمغرب إذ عداده حقا إنما هو فى الأندلسيين.

وتظل دراسات اللغة والنحو فى الشام بعد هؤلاء الأعلام الثلاثة مزدهرة، ويظل التبادل فيها موصولا بين علماء الشام ومصر طوال أيام المماليك ونذكر من نحاة الشام ولغوييها الذين تكوّنوا فى موطنهم ثم نزلوا القاهرة ودرّسوا النحو واللغة فيها للطلاب بهاء (1) الدين بن النحاس الحلبى المولود سنة 627 سمع مواطنه ابن يعيش وتلقى عنه العلم ثم بارح حلب إلى القاهرة والتفّ الطلاب حوله وصار شيخ العربية بالديار المصرية حتى توفى سنة 698 وينسب له شرح على ديوان امرئ القيس نشره الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم مع مجموع شروح الديوان بدار المعارف. ومن هؤلاء اللغويين والنحاة المستوطنين لمصر ابن الصائغ (2) محمد بن الحسن المولود بدمشق سنة 645 نزل القاهرة وأقام بها يقرئ الناس العربية وكان شاعرا كما كان لغويا، وله شرح على مقصورة ابن دريد وشرح على ملحة الحريرى ومختصر لصحاح الجوهرى جرّده فيه من الشواهد، توفى بالقاهرة سنة 722. ومن أهم هؤلاء النحاة المهاجرين من الشام إلى مصر وأشهرهم بهاء (3) الدين بن عقيل عبد الله بن عبد الرحمن الحلبى الأصل والمولد، وقد لزم شيوخ الفقه الشافعى والحديث والعربية بمصر يأخذ عنهم، وخاصة النحوى الكبير أبا حيان، وألف شرحه المشهور على الألفية ويمتاز بالوضوح ونصاعة العبارة، ولذلك عنى به الشراح فشرحوه مرارا وله شرح على كتاب التسهيل لابن مالك، وظل يشتغل بالتدريس فى مدارس متعددة حتى توفى سنة 769. وإنما أردنا بذكر اللغويين والنحويين الشاميين النازلين بالقاهرة إلى أن ندل من جهة على أن التبادل العلمى بين القاهرة والشام فى النحو ظل طوال زمن المماليك نشيطا، وظلت دراساته حية قوية إلى أبعد حد، وتتوالى أمامنا تراجم كثيرة طوال القرن التاسع الهجرى نقرأ فيها أن هذا الشيخ أو ذاك كان بارعا فى القراءات أو فى الفقه وأصوله وأيضا فى العربية، ولم تكن توجد بلدة لا فى الشام فحسب بل أيضا

(1) راجع ابن النحاس فوات الوفيات 2/ 350 وبغية الوعاة ص 6 والشذرات 5/ 442

(2)

انظر فى ابن الصائغ فوات الوفيات 2/ 380 والبداية والنهاية 14/ 98 والنجوم الزاهرة 9/ 248

(3)

راجع فى ترجمة ابن عقيل الدرر الكامنة 2/ 372 والبغية ص 284 وكتابنا المدارس النحوية ص 355

ص: 88

فى كل العالم العربى الاوهى تعنى بدراسة اللغة والنحو. وظل كثيرون من شيوخ العربية يضعون الشروح لطلابهم على كثير من متون النحو ومختصراته.

ونمضى إلى زمن العثمانيين وتظل دراسات العربية بالشام نشيطة، إذ لا يستقيم لسان الناس وتلاوتهم للذكر الحكيم بدونها، بل لقد ظلت جميع الدراسات العلمية وانبرى لها علماء فى كل الفروع يدرسونها للطلاب دراسة مرتبة مفصلة، وأخذ النحو نصيبه من ذلك فظهر فيه علماء نابهون فى مقدمتهم الشيخ ياسين (1) بن زين الدين العليمى المتوفى سنة 1061 للهجرة، وله حاشية على شرح التصريح للشيخ خالد الأزهرى المصرى، وهو شرح على التوضيح أو أوضح المسالك لابن هشام. والحاشية تدل بوضوح على أن الشيخ ياسين لم يكد يترك كتابا من كتب النحو الكبرى التى تجمع آراء النحاة من بصريين وكوفيين وبغداديين وأندلسيين ومصريين حتى زمنه من مثل همع الهوامع للسيوطى والمغنى لابن هشام وارتشاف الضّرب (عسل النحو) لأبى حيان. بل لقد أمعن فى قراءة النحو عند ابن يعيش، وتجاوزه إلى من سبقوه، من أئمة المذاهب النحوية، بحيث تحول بحاشيته إلى ما يشبه موسوعة نحوية كبرى، فإذا قلنا إن الدراسات النحوية واللغوية بالشام فى زمن العثمانيين كانت لا تزال نشيطة تخفق بغير قليل من الحيوية لم نكن مبالغين.

وإذا تركنا النحو واللغة إلى مباحث البلاغة والنقد وجدنا شعراء الشام متصلين اتصالا وثيقا بالتطور الذى حدث فى الشعر لأول أيام بنى العباس وما اصطنعه فيه الشعراء من المحسنات المعنوية واللفظية مما سمى فيما بعد باسم البديع، ويلاحظ ذلك الجاحظ على العتّابى الشاعر الشامى لزمن الرشيد فيقول إنه كان يحتذى حذو بشار (2) زعيم المجددين فى العصر العباسى الأول. وما يزال الشعراء العباسيون يعنون بتلك المحسنات حتى استطاع مسلم بن الوليد أن ينميها حتى ليتخذها كالمذهب له، وما يلبث أبو تمام الشاعر الشامى أن يتناولها منه ويبلغ بها الغاية المنتظرة من تكوين هذا المذهب الجديد الذى كان يسميه مسلم باسم البديع وفيه يقول أبو الفرج الأصبهانى. (هو فيما زعموا أول من قال الشعر المعروف بالبديع وهو لقّب هذا الجنس البديع واللطيف وتبعه فيه جماعة أشهرهم أبو تمام الطائى)(3). وآثرنا فى كتابنا «الفن ومذاهبه فى الشعر العربى» أن نسميه مذهب

(1) انظر فى الشيخ ياسين خلاصة الأثر للمحبى 4/ 491 وحاشيته طبعت بمصر مرارا

(2)

البيان والتبيين 1/ 51

(3)

انظر ترجمة مسلم بن الوليد الملحقة بديوانه نشر الدكتور سامى الدهان

ص: 89

التصنيع أى التنميق حتى يشمل البديع وألوانه الحسية المعروفة كما يشمل الزخرف المعنوى على نحو ما صورنا ذلك عند أبى تمام (1). على كل حال شاعر الشام أبو تمام المتوفى حوالى سنة 230 للهجرة هو الذى تلقى بسرعة البرق هذا المذهب الجديد عن مسلم بن الوليد قبل اكتماله وأعطاه صورته النهائية (2). ومن ذلك نخلص إلى أن الشام إن كانت قد تأخرت فى صنع كتب البلاغة والنقد من الوجهة النظرية فإنها سبقت إلى الرقى ببلاغة الكلام نثرا وشعرا كما عند العتابى الكاتب والشاعر البليغ وأبى تمام حامل لواء الشعر فى زمنه غير منازع.

وما نتقدم طويلا فى القرن الرابع الهجرى حتى نلتقى بأكبر حلقة نقدية أدبية طالما طمحت إليها أنظار الشعراء الشاميين، ونقصد حلقة حلب التى تكونت حول سيف الدولة بطل القوى العربية المصارعة للبيزنطيين. وكان سيدا بالمعنى العربى الكامل شجاعا كريما نبيلا مثقفا شاعرا، وهب نفسه لحرب البيزنطيين وسحقهم، كما وهبها هى وما له لإحداث حركة أدبية تنافس بها حلب بغداد إن لم تتفوق عليها، وطارت شهرته فى إكرام العلماء والشعراء كل مطار، وسرعان ما التفّ حوله وعاش فى كنفه من تحدثنا عنهم آنفا من الفلاسفة والأطباء وعلماء التنجيم واللغويين والنحاة وكثرة من الشعراء وكأنما لم يبق شاعر نابه فى إيران والعراق والموصل والشام إلا أقبل إلى هذه الندوة الفكرية التى عاش فيها المتنبى تسع سنوات طوالا، وحوله من العلماء أمثال ابن جنى اللغوى والشعراء أمثال النامى والكتاب أمثال أبى بكر الخوارزمى، وهم يدوّنون شعره ويتدارسونه ويتناقشون معه حوله. ولزمه ابن جنى-كما مر بنا-وشرح ديوانه شرحين: كبيرا وصغيرا، وكان أبو على الفارسى يراه حجة فى اللغة لا نظير له. وكان إذا سئل عن لفظة فى شعره أو تعبيره ساق عليه الشواهد الكثيرة من أشعار العرب، وتصادف أن أنشد سيف الدولة أولى قصائده (3):

وفاؤكما كالرّبع أشجاه طاسمه

بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه

وكان ابن خالويه حاضرا فقال له: يا أبا الطيب إنما يقال شجاه، توهمه فعلا ماضيا وهو صيغة تفضيل فقال له أبو الطيب: اسكت فما وصل الأمر إليك (4). وكان ذلك سببا فى أن فسد

(1) الفن ومذاهبه فى الشعر العربى (الطبعة العاشرة-نشر دار المعارف) ص 239

(2)

الفن ومذاهبه ص 247

(3)

يخاطب المتنبى بالبيت صاحبين له على عادة العرب. أشجاه: أحزنه. طاسمه: دارسه. بأن تسعدا: بالمساعدة فى البكاء. يقول لصاحبيه: اسكبا معى الدمع فإنه أشفى للغليل كما أن الربع أكثر شجا للمحب إذا درس.

(4)

نزهة الألباء بتحقيق الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم (طبع ونشر دار نهضة مصر) ص 298.

ص: 90

ما بينهما طوال مقام المتنبى عند سيف الدولة. وظل ابن خالويه يكنّ له الضغينة، واستطاع أن يؤلّب عليه أبا فراس وبعض من كانوا حول سيف الدولة، مما جعل المتنبى يغادر حلب إلى غير مآب. والمهم أنه كان ينعقد من حين لآخر غبار من النقد اللغوى حول شعر المتنبى فى حلقة سيف الدولة، وصور من هذا النقد كانت تنعقد بين شعراء الحلقة، وكثيرا ما كانوا يتحاورون فى سرقاتهم ممن سبقوهم من الشعراء، وهم أثناء ذلك يتناشدون أشعارهم أو أشعار سابقيهم مستحسنين تارة ومستهجنين أخرى. وجميعها صور من النقد الذى يصقل الملكة الأدبية، وصوّر ذلك أبو بكر الخوارزمى الكاتب المشهور وأحد من تزود بما كان فى الحلقة من نقد خصب، فقال:«ما فتق قلبى وشحذ فهمى وصقل ذهنى وأرهف حدّ لسانى وبلغ هذا المبلغ بى إلا تلك الطرائف الشامية واللطائف الحلبية التى علقت بحفظى وامتزجت بأجزاء نفسى، وغصن الشباب رطيب ورداء الحداثة قشيب» (1).

ونلتقى بعد هذه الحلقة بأبى العلاء، وقد تعددت وجوه نقده اللغوى، فهو يضمنها شروحه لدواوين أبى تمام وسمّاه ديوان حبيب وديوان المتنبى وسماه معجز أحمد-كما مر بنا-وراجع البحترى مرارا ناقدا له ولذلك سمى شرحه لديوانه-كما أسلفنا-عبث الوليد وهو اسمه والبحترى لقبه، واختار الاسم للكتاب لما فيه من تورية واضحة. وهو يتكلم فى شروحه للشعراء الثلاثة عما فى أشعارهم من غريب ومآخذهم من غيرهم وما أخذ عليهم، وأحيانا ينتصر لهم وأحيانا ينتقدهم مع التوجيه-ما استطاع-لما يظنّ أن أبا تمام والمتنبى أخطآ فيه. ولأبى العلاء فى رسالة الغفران نقد كثير أجراه فى القسم الأول على لسان صديقه ابن القارح حين أدخله الجنة وجعله يلقى الشعراء والرجاز ويعرض أثناء ذلك نقدا متنوعا لرواية الأشعار ولألفاظها العويصة وتراكيبها النحوية وبعض العيوب فى أوزانها وقوافيها. وسوّى من هذا النقد فى الرسالة الدكتور أمجد الطرابلسى كتابا بعنوان:«النقد واللغة فى رسالة الغفران» ويظل النقد نشيطا فى الشام حتى أيام العثمانيين إذ نجد يوسف البديعى (2) المتوفى سنة 1073 يؤلف كتابين نفيسين فى النقد والتاريخ الأدبى، هما «هبة الأيام فيما يتعلق بأبى تمام» و «الصبح المنبى فى الكشف عن حيثية المتنبى» وهو يعرض فى الكتابين سيرة الشاعرين عرضا تفصيليا كما يعرض آراء النقاد السابقين فيهما، ولا يكاد يترك خبرا مهما يتصل

(1) اليتيمة للثعالبى (بتحقيق محمد محيى الدين عبد الحميد) 1/ 14

(2)

انظر فى البديعى خلاصة الأثر 4/ 510.

ص: 91

بسيرتهما ولا رأيا نقديا يتصل بأشعارهما مما يحيل الكتابين إلى مبحثين تاريخيين نقديين بارعين للشاعرين.

واهتمت الشام بالدراسات البلاغية اهتماما واسعا، وكان أول كتاب صدر لها فى هذه الدراسات كتاب (1) سر الفصاحة لابن سنان الخفاجى عبد الله بن محمد المتوفى سنة 466 وسنترجم له بين الشعراء. والكتاب-كما يتضح من عنوانه-يناقش قضية الفصاحة ويقدّم لها بحديث عن أحكام الأصوات ومخارجها، ثم يصور الفرق بينها وبين البلاغة، فيجعلها خاصة بالألفاظ ويجعل البلاغة عامة تشمل الألفاظ والمعانى. ويتناول صفات الفصاحة فى الكلمة المفردة ثم فى الكلام، ويخوض فى تحليلات دقيقة تتصل بفنون الفصاحة وما يرتبط بها من البلاغة والبديع ومحسناته. ونلتقى بأسامة بن منقذ المتوفى سنة 584 وسنترجم له بين الشعراء، وله كتاب سماه البديع فى نقد الشعر، وهو فيه يعنى بالمحسنات البديعية، وقد عرض منها فى الكتاب خمسة وتسعين محسنا. ويصنف الزّملكانى» الدمشقى عبد (2) الواحد بن عبد الكريم المتوفى سنة 651 كتابا بعنوان «التبيان فى علم البيان» استضاء فيه كما قال فى مقدمته بكتاب دلائل الإعجاز لعبد القاهر، وقد عرض فيه مباحث كثيرة تتصل بعلوم المعانى والبيان والبديع مع إقحام بعض المباحث النحوية والمنطقية. ونلتقى سريعا ببدر (3) الدين بن محمد بن مالك الأندلسى العالم النحوى الذى تحدثنا عنه آنفا بين النحاة، وله مثل أبيه مباحث نحوية، وعنى بتلخيص كتاب المفتاح للسكاكى فى كتابه «المصباح فى علوم المعانى والبيان والبديع» وقد أخلى ملخصه أو مختصره من تعقيدات كتاب المفتاح المنطقية والكلامية والفلسفية، ولم يجعل البديع-مثل السكاكى-ذيلا لعلمى المعانى والبيان، بل جعله علما مستقلا كما يتضح من عنوان كتابه. وقد أحصى من محسناته أربعة وخمسين محسنا.

ولم يلبث الخطيب (4) القزوينى الدمشقى المتوفى سنة 739 أن ألف تلخيصا دقيقا واضحا

(1) انظر فى تحليل هذا الكتاب كتابنا «البلاغة تطور وتاريخ (طبع دار المعارف) ص 152.

(2)

انظر فى ترجمة الزملكانى السلوك للمقريزى 1/ 389 والسبكى 8/ 316 والشذرات 5/ 254 وبغية الوعاة ص 316 وراجع فى تحليل كتابه «البلاغة تطور وتاريخ» ص 314.

(3)

راجع فى ترجمة بدر الدين السلوك 1/ 738 والسبكى 8/ 98 والنجوم الزاهرة 7/ 273 والشذرات 5/ 398 والبغية ص 906 وانظر فى تحليل كتابه «البلاغة: تطور وتاريخ» ص 315.

(4)

انظر الخطيب فى الدرر الكامنة لابن حجر 4/ 120 والنجوم الزاهرة 9/ 318 والشذرات 6/ 123 وراجع فى تحليل كتابيه «البلاغة: تطور وتاريخ» ص 335 وما بعدها.

ص: 92