الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(ب) المماليك
(1)
تأسست فى مصر بعد مقتل توران شاه سنة 648 دولة المماليك، وعدّهم الحكام الأيوبيون فى الشام مغتصبيين للحكم من أصحابه الشرعيين، وأعدوا بزعامة الناصر يوسف صاحب دمشق وحلب جيشا لحربهم، ولقيه المعز أيبك التركمانى فى غزة سنة 648 وهزمه. وظلت العلاقات سيئة بين الطرفين حتى أصلح الخليفة العباسى بينهما لسنة 651 على أن يكون للماليك نهر الأردن ونابلس والقدس وغزة والساحل، وللأيوبيين بقية الشام، وقد دفعهما إلى هذا الصلح اشتداد خطر التتار.
وحاول الناصر يوسف أن يسترضى قائد هذا الوباء هولاكو سنة 655 فأرسل إليه بهدية، ولم يلبث هولاكو أن اندفع بسيول التتار إلى بغداد سنة 656 فأجرى الدماء فيها أنهارا وخرّبها وأحالها أنقاضا، ودخل هولاكو فى السنة التالية ديار بكر وملك حرّان وبلاد الجزيرة، وتحقق الناصر أنه سيقصد حلب فتركها إلى شمالى دمشق، وفى شهر صفر سنة 658 استولى التتار على حلب معملين فيها النهب والسلب، وتقدموا فى ربيع الأول إلى دمشق واستولوا عليها، وفرّ الناصر يوسف وأسره التتار، وبقى معهم فى ذلّ وهوان ما بعده هوان.
ومضى التتار يتقدمون فى ديار الشام حتى عين جالوت بين نابلس ونيسان، وإذا الموت والتشريد ينتظرهم على يد المصريين والبطلين العظيمين المملوكين: قطز سلطان مصر والظاهر بيبرس قائده، وقد أحدقوا بهم ونازلوهم حتى أفنوهم قتلا. وتبع بيبرس فلولهم إلى حلب وأطراف الشام. وأصبحت جميع الديار الشامية فى قبضة المماليك ما عدا حماة فإن أميرها الأيوبى الملك المنصور ناصر الدين محمد سليل عمر بن شاهنشاه كان قد وضع يده فى يد قطز وبيبرس فى حربهما للتتار وظل على حماة حتى سنة 683 وولاها قلاوون ابنه تقى الدين واستولى عليها الناصر بن قلاوون سنة 698 ثم ردها إلى الملك الصالح المؤيد أبى الفدا إسماعيل سنة 710 وظلت معه حتى سنة 732 ووليها بعده ابنه الأفضل ثم أصبحت للمماليك يولون عليها من يشاءون مثلها مثل بقية بلدان الشام.
وعنى الظاهر بيبرس حين أصبحت مقاليد الأمور بيده منذ سنة 659 بالإعداد لحرب من تبقى من حملة الصليب فى ساحل الشام وأخذ يغير عليهم وينازلهم، حتى إذا دخلت سنة 664 خرج
(1) انظر فى المماليك النجوم الزاهرة وغيره من كتب التاريخ العام والسلوك للمقريزى والمختصر فى أخبار البشر لأبى الفدا والبداية والنهاية وبدائع الزهور لابن إياس وتاريخ الدول والملوك لابن الفرات وسيرة الملك المنصور (قلاوون) طبع القاهرة والتبر المسبوك فى ذيل السلوك للسخاوى وآخرة المماليك لابن زنبل وبروكلمان ص 365.
إليهم على رأس جيش جرار واستولى على قيسارية ويافا وأرسوف وكان بها حامية من الإسبتارية الذين نذروا أنفسهم لحرب المسلمين. وفى العام التالى استولى على صفد وتبنين والرملة فى فلسطين. وتوالى هجومه عليهم واستولى على الشّقيف وطبريّة وبغراس والقصير وحصن الأكراد والقرين من حصون صفد وكان به حامية من الفرسان التيوتون. وأعظم أمجاده الحربية ضد حملة الصليب أخذه أنطاكية سنة 667 ويقال إن أسراها بلغوا مائة ألف وأن الغلام من أهلها كان يباع باثنى عشر درهما والجارية بخمسة. والمهم أنه محا هذه الولاية التى أقامها حملة الصليب فى أول دخولهم للشام. وبدا فى الأفق من حينئذ أن خروج حملة الصليب نهائيا من الشام أصبح قاب قوسين أو أدنى، وقد استولى منهم قلاوون فى سنة 686 على اللاذقية ولم يلبث ان استولى على طرابلس فى سنة 688 وبذلك أزال آخر إمارة أو ولاية لحملة الصليب، وسرعان ما سلمت بيروت وجبلة. حتى إذا تولّى بعده ابنه السلطان خليل جهز جيشا ضحما للاستيلاء على عكا واستولى عليها سنة 690 وتبعتها صور وصيداء وحيفا وأنطرطوس، وخرج من بقى من الصليبيين إلى البحر المتوسط وما وراءه يحملون الذل والضعة والهوان والصغار.
وقد قسم المماليك الشام إلى ست نيابات كبرى هى: دمشق وحلب وحماة فى سوريا وطرابلس فى لبنان وصفد فى فلسطين والكرك فى شرقىّ الأردن. وكانت دمشق أهم هذه النيابات، وكان حاكمها يعد نائب السلطان المملوكى فى الشام مما أتاح له مكانة خاصة. وجعل نفرا منهم غير قليل يطمح إلى أن يكون هو السلطان التالى للسلطان القائم بمصر، ولعل ذلك ما جعل سلاطين مصر يكثرون من عزلهم، حتى ليتولى دمشق فى زمنهم الذى امتد نحو مائتين وخمسة وسبعين عاما أربعة وسبعون نائبا. وقد درسهم (قييت) وتبين له كما ذكر فى كتابه مساجد القاهرة ص 56: أن اثنين منهم هما لاجين (696 - 698) والمؤيد شيخ (815 - 824 هـ) رقيا إلى السلطنة، وسبعة وعشرين منهم ثاروا على السلطان فرّ منهم خارج الحدود اثنان وسجن خمسة وأعدم خمسة وعفى عن خمسة. وكان لنائب دمشق من الدواوين مثل ما لسلطان مصر وكثيرا ما كان ينقل رئيس ديوان فى القاهرة إلى دمشق وبالعكس، وكثر ذلك فى كتّاب السر والإنشاء. وبذلك كله كانت دمشق تعد المدينة الثانية فى دولة المماليك مما عاد عليها بغير قليل من الازدهار. وأمر الظاهر بيبرس فى سنة 663 أن يتولى القضاء أربعة يمثلون مذاهب أبى حنيفة ومالك والشافعى وابن حنبل وعمّ ذلك فى دمشق والمدن الكبرى بمملكته فى مصر والشام. وظل هذا النظام قائما طوال زمن المماليك.
وظل التتار يئنّون من عار الهزيمة الفاضحة فى عين جالوت، وظلوا يحاولون غسل هذا العار بغارات فاشلة على أطراف الشام، وكسرتهم جيوش الظاهر بيبرس مرارا، من ذلك كسرتهم على حمص سنة 659، وأغاروا على إلبيرة سنة 664 وعلموا بتحرك بيبرس فولوا مدبرين. وفى سنة 668 أغاروا على نهير الساجور بمنبج، وسرعان ما انهزموا، وعاودوا الهجوم على عينتاب وحارم سنة 670 وساعدهم حملة الصليب فحاقت بهم الهزيمة جميعا. وظلوا يعاودون المناوشة وهاجموا إلبيرة فى سنة 671 وأشرفوا على أخذها فعبر إليهم الظاهر الفرات وقتل منهم مقتلة عظيمة، وتغنى الشعراء طويلا بهذا النصر المبين، ونكل بهم فى سنة 675 تنكيلا شديدا. وظل التتار يعاودون هذه الغارات والمناوشات فى عهد قلاوون ويبوءون منها بالهزيمة، وقد استولى منهم ابنه السلطان خليل على قلعة الروم غربى الفرات سنة 692. وتولى شئون التتار غازان وكان قد دخل فى الإسلام مع جنوده. ومع ذلك أعد فى سنة 699 حملة لغزو الشام ولقيه محمد الناصر بن قلاوون بين حمص وحماة ودارت الدوائر على الناصر، واستولى جيش غازان على دمشق وغيرها من مدن الشام وعاثوا فيها فسادا. وعاد الناصر إلى مصر وجهز جيشا جرارا التقى به مع التتار قرب دمشق سنة 702 وسحقهم سحقا ذريعا، بحيث لم يعودوا يفكرون فى غزو الشام وإن هم فكروا ارتدوا إلى صوابهم سريعا.
ونمضى إلى سنة 803 فيقدم تيمورلنك بجموعه غازيا الشام، ويلقاه جيش المماليك، فيهزمه ويقتحم حلب ويعمل فيها السيف والسلب والنهب، ويتقدم إلى دمشق وينزل بالسلطان فرج فى طريقه إليها هزيمة نكراء. وترضى دمشق بالتسليم وينهبها جنوده التتار ويشعلون فيها النيران وتأتى على جامعها الأموى وعلى كثير من آثارها، ويقتلون مالا يكاد يحصى من أهلها نساء ورجالا وأطفالا: كارثة لم يصب دمشق مثيل لها لا من قبل ولا من بعد. وضاعفها أن تيمور جمع رجال الفن والهندسة والمعمار وصناع الزجاج والصلب وأخذهم معه إلى عاصمته سمرقند.
وتتحدث كتب التاريخ عن ثورات وفتن حدثت فى الشام لعهد المماليك، غير أن أكثرها إن لم تكن كلها، إنما كانت صراعا على السلطة بين السلاطين ونوابهم فى الشام. ومن هذا الصراع ما حدث من تحول الملك من المماليك البحرية إلى المماليك البرجية الجراكسة على يد برقوق سنة 784. وقد عانت الشام-كما عانت مصر-من النزاع المستمر بين أمراء المماليك، حتى كانوا يقتتلون كل مع أنصاره فى شوارع دمشق والقاهرة. وكثر ذلك فى القرن الأخير من حكم