الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ويسوق المحبى فى نفحة الريحانة رسائل مختلفة لأبيه وجدّه، منها رسالة هزلية لأبيه كتب بها على لسان فرس إلى مفت بالقسطنطينية. وانعقدت صداقة وثيقة بين المحبى وبين عبد الغنى النابلسى الصوفى، وله يقول متوددا مثنيا مشيدا بنسكه وتصوفه وسلوكه الروحى (1):
ويطبع نثر الرسائل الشخصية حينئذ بنفس الطوابع التى رأيناها فى أيام المماليك، فهو يعتمد دائما على السجع، ويوشى بالبديع ومحسناته.
3 - المقامات
كان لبديع الزمان الهمذانى فضل السبق الى استحداث فن المقامات فى العربية، وقد بناه على أقاصيص تصور حياة أديب متسول لا يزال يحتال على سامعيه بعباراته المسجوعة الرشيقة كى يسبغوا عليه شيئا من عطائهم يعينه على سدّ حاجاته فى الحياة. وجعل له راوية يتابعه ويقص حكاياته وأخباره من بلدة إلى أخرى. وتبعه الحريرى فأوفى بهذا الفن على الغاية، سواء من حيث جمال القصّ فيه أو من حيث جمال الحوار بين الراوى والأديب المتسول أو بين الأديب وبين من يعرض عليهم أفانين بلاغته. وطبيعى أن لا تعرف الشام-مثل بقية البلدان العربية-المقامات قبل بديع
(1) نفحة الريحانة 2/ 139
(2)
الدوحة: الشجرة الكبيرة المتشعبة
(3)
السرجة: الشجرة الطويلة العظيمة
(4)
الغوادى: السحب
الزمان، بل أيضا قبل الحريرى المتوفى سنة 516 للهجرة، ويبدو أنها ظلت طويلا لا تعرفها أو على الأقل لا تحاول محاكاة الحريرى وبديع الزمان فيها، وكأنما اشتغالها بالحروب الصليبية ثم المغولية حتى منتصف القرن السابع الهجرى ألهاها عن هذا الفن، حتى إذا أخذت الأحوال السياسية تستقر فيها لأيام المماليك وجدناها تعنى به، وتلقانا نماذج متنوعة من هذه العناية منذ النصف الثانى من القرن السابع، وهى نماذج تختلف عن صورة المقامات عند بديع الزمان والحريرى، إذ لا تعتمد مثلها على أديب متسول وقصّ احتيالاته الأدبية قصّا حواريا، إنما تعتمد على الوصف أو المناظرة بين بعض الأشخاص أو بين بعض الأزهار أو بعض الثمار، وقد تعنى بالوعظ أو بعرض بعض المسائل فى العلوم المختلفة، من ذلك مقامة فى المفاخرة بين التوت والمشمش لتاج الدين بن عبيد الصرخدى المدرس بالمدرسة النورية بدمشق المتوفى بعد سنة 670 ومن ذلك أيضا مقامة فى مصر والنيل والروضة لمحمد بن عبد الرحمن بن قرناص الحموى المتوفى حوالى سنة 672. وتلقانا مقامة للشاب الظريف محمد بن عفيف الدين التلمسانى الذى ترجمنا له بين شعراء الغزل سماها مقامة أو مقامات العشاق، وفيها يصور شغفه باللهو والتنزه فى الرياض ولقاءه فيها ذات مرة لعاشقين وكيف حاورهما حوارا طريفا، وهو يفتتحها على هذا النمط (1):
ويذكر صاحب فوات الوفيات للشهاب محمود الذى مرت ترجمته بين الشعراء مقامة تسمى مقامة (5) العشاق، ولعله حاكى بها مقامة الشاب الظريف. ولعمر بن الوردى المتوفى سنة 749 أكثر من مقامة. وسنخصه بترجمة قصيرة، وللصفدى معاصره الذى مرت ترجمته مقامة سماها «رشف الرّحيق فى وصف الحريق» وصف فيها حريق دمشق الذى أتى على كثير من أحيائها وأسواقها وعمائرها لسنة 740 ومن قوله فى تلك المقامة الملتاعة (6):
(1) انظر المقامة ملحقة بديوان التلعفرى (طبع المطبعة الأدبية ببيروت).
(2)
الشمول: الخمر.
(3)
الغياض: أماكن الشجر الملتف
(4)
ولج: دخل
(5)
فوات الوفيات لابن شاكر 2/ 565
(6)
الجزء الأول من مسالك الأبصار (طبع دار الكتب المصرية) 1/ 201
وواضح فى سجعاته طلبه للجناس. فهو يجانس بين الخبر وغبر، والجامع واللامع، واللحم والشحم، ويمضى فى مثل هذه الجناسات الناقصة، واشتهر لزمنه بالتصنع الشديد للجناس.
وجعلته عنايته بالجناس يستخدم كلمة ذوائبها مرة من الذوبان جمعا لذائب ومرة بمعنى مقدم الشعر فى الرأس جمع ذؤابة وجعله هذا المعنى يتصنع لذكر العذبات وهى أطراف العمائم التى تطرح عليها، وتكلف أشد التكلف حين ذكر ملائكة النصر مع هذا الحريق الذى إبتليت به دمشق وأهلها بلاء عظيما. وإنما أغراه به محاولته اقتباس الآية القرآنية (ترمى بشرر كالقصر) وهى فى وصف جهنم وما يتصاعد من شررها ووقودها كالقصر فى ارتفاع بنائه وعلوه الشاهق. وقد مضى يتصنع لذكر طائفة من أسماء السو، فذكر (الزمر) أى الجماعات و (الدخان) و (الجاثية) من الجثو وهو الجلوس على الركب من شدة الهول، كما ذكر (النازعات) والآية الأولى فى سورة (الغاشية) والغاشية القيامة.
وواضح أن المقامة أشبه برسالة اتخذت موضوعا لها وصف حريق دمشق، وأكثر المقامات حينئذ كانت على هذه الشاكلة ينقصها القصّ والحوار، وكأنها تختص بموضوع أدبى تعالجه.
وغلب عليها ذلك أيضا فى أيام العثمانيين ونلتقى فى نفحة الريحانة للمحبى بمقامة سميت بالمقامة الربيعية لعبد الرحمن بن محمد الدمشقى من بنى النقيب، وفيها تتوالى تشبيهات الزهور والطيور على هذا النحو (3).
«نرجس نعته الفتور، وورد كأنما انتزع من أوجه الحور.
(1) عقائق: جمع عقيق وهو حجر كريم أحمر شبه به الصفدى اللهب
(2)
معصفرات: مصبوغة بالعصفر، وهو صبغ أصفر
(3)
نفحة الريحانة 2/ 35
وشقيق كأنه أقداح العقيق (1)، قد رسب بقرارتها مسك فتيق
وآذريون (2) كأنه مداهن عسجد، على سواعد زبرجد
وسوسن كبياض السوالف، أو جياد (3) الوصائف
وقرنفل كأنما توقّد بالجمر، وانعقد من الخمر»
ويظل طويلا فى وصف الأزهار، ويخرج منها إلى وصف الأطيار، بمثل هذه الأسجاع المليئة بالتشبيهات والاستعارات.
وروى المحبى لعبد الغنى النابلسى الصوفى الذى مرت ترجمته مقامة وصف فيها نزهة مع صديق عثرا فيها على قصر عالى البنيان فدخلاه، يقول (4):
ويلقاه هو وصاحبه رفيق، فيسأله أين كنت؟ ومن أين توجهت؟ وما يلبث أن يقول له:
«ما ذلك القصر الموصوف سوى جبّتى هذه وثوبى هذا الصوف، والشبابيك جيوبه وأطواقه، ولا عجب أن نفحت فيه مباخر الطيب فإنها قراطيسه وأوراقه» . وكأن كل ما فى المقامة رموز صوفية جلاها عبد الغنى النابلسى فى تصاوير الرياض والقصر وتهاويله. وحرى بنا أن نقف قليلا عند ابن الوردىّ أهم كتّاب المقامة الشاميين.
(1) العقيق: حجر كريم أحمر. فتيق: فائح.
(2)
الآذريون: زهر شديد الصفرة. والعسجد: الذهب
(3)
جياد هنا: جمع جيد أى عنق.
(4)
نفحة الريحانة 2/ 152 وما بعدها
(5)
مشيد: عال مرتفع.
(6)
الشيد: كلّ ما طلى به البناء من جصّ وغيره
(7)
قاصرات الطرف: خجلات حييات. عين: جميلات واسعات الأعين.
(8)
الأرائك: مقاعد منجدة الممنوعة: أى عن الناس